الأحد، 22 مايو، 2011

الفصل الأول الجزء الثاني الجولة الثانية من الأحداث



إستعاد الجناح المتطرف في النظام زمام المبادرة في توجيه الأحداث بعد أن أوهم الجميع بالحكمة في التعامل مع الأزمة القائمة ثم استفرد بالجبهة الإسلامية ووضعها في المزاد العلني بعد أن اعتقل قيادتها وكوادرها المحليين وعزز حظوظ عملائه في احتوائها. حيث كثفت جماعة الفقيه ومراني جهودها بدعم مباشر من رئيس الحكومة الجديد سيد أحمد غزالي لتشكيل بديل عن القيادة المعتقلة. ولكن التفاف قواعد الجبهة حول الخلف الشرعي لقيادتها ممثلا في عبد القادر حشاني وإصرارهم على حقهم في التداول على السلطة بطريقة سلمية أثناء مؤتمر الوفاء المنعقد في باتنة في سبتمبر1991 أثبتا للنظام أن سيناريو العملاء قد تجاوزه الزمن وأن الجبهة قادرة على كسب أي رهان انتخابي أو سياسي مفترض.
والحقيقة أن القيادة السياسية والعسكرية كلها كانت تدرك أن قيادة الجبهة الجديدة قادرة على تحقيق الفوز بأغلبية أصوات الشعب الجزائري في أي استفتاء، والذين ادعوا غير هذا كاذبون، ولا أقول واهمين، لأن المسؤول على مراصد الرأي ومتابعة هذا الملف على أعلى مستوى في هرم السلطة هو رئيس دائرة الإعلام الآلي لدى وزارة الدفاع الوطني وقد قدم تقريره النهائي بفوز الجبهة بنسبة 63 % من الأصوات في أي استحقاق وطني على أقل تقدير.
ولذلك فقد كان الضامن الوحيد الذي سيسمح للنظام بمواصلة المسيرة الديمقراطية الشكلية منحصرا في عدم مشاركة الجبهة في الانتخابات. أما في حالة مشاركتها فإن الخيار الوحيد أمامه هو توقيف المسار الديمقراطي أيا كانت العواقب المترتبة عليه. ولذلك فقد وضع خطة للبدائل واختار الشركاء المناسبين لكل بديل، لأن الشريك في أحد البدائل قد يكون ضحية في بديل آخر في منطق منظومة السلطة في الجزائر.
ولا بد أن أقف عند تركيبة السلطة الحاكمة في هذه المرحلة بالذات من تاريخ الجزائر لأنها مفتاح التناقضات التي ميزت الأحداث.
منظومة السلطة
منظومة السلطة في الجزائر عسكرية كلها وتحتقر كل ما هو مدني ولا توجد علاقة بين هذه المنظومة والمدنيين إلا في إطار الاستئجار أو الامتهان بل إن هذه المنظومة تمتهن وتحتقر عناصرها أنفسهم إذا اندمجوا في المجتمع المدني ومارسوا حقوقهم المدنية والسياسية خارج المنظومة. ومن ثم فإن الصفقات التي تبرمها مع هذا الطرف السياسي أو ذاك إنما تقوم على لعب أدوار مقابل أجر معلوم. فكل الأطراف المتحالفة مع السلطة أو المتمسحة على عتباتها أفرادا وأحزابا تعرف جيدا ما هو مطلوب منها كما تعرف بالضبط ما تتقاضاه مقابل ذلك لا فرق بين هذا الطرف أو ذاك لأن الضابط في العلاقة هو الخدمة والخدمة وحدها.
أما تركيبة هذه المنظومة ابتداء من يناير 1992 فتتكون من:
هيئة القيادة
وهي الخلية الحية التي تحرك المنظومة كلها وتمدها بإرادة الفعل وتتكون من ضباط الجيش الفرنسي من أصل جزائري والذين تربوا في أحضان المدرسة الفرنسية الاستعمارية العسكرية ولم يتلقوا أي تربية وطنية لا إبان الثورة ولا بعد الاستقلال لأنهم انتقلوا من مواقعهم المهنية كضباط أو ضباط صف في الجيش الفرنسي إلى مواقع وظيفية أعلى في الجيش الجزائري وكونوا تكتلا حركيا غير معلن في صفوف الجيش الجزائري الذي لم يتوقف التنازع على السلطة بين ضباط جيش التحرير فيه إلا بعد أن أفنى بعضهم بعضا. وقد حافظ هذا التكتل على شخصيته المتفرنسة داخل جيش التحرير ثم في صفوف الجيش الوطني الشعبي وركز تواجده في الأمانة العامة لوزارة الدفاع ومنع وصول أي تغيير وطني على مستواها حيث لم تستطع حملات التعريب المتكررة على مدى ثلاث عقود اقتحام هذه القلعة الفرنكفونية العتيقة ولا حتى نظام الخدمة العسكرية الذي صدر في عهد الجزائر المستقلة لأن أغلب أنظمة الخدمة المعمول بها في مقر القيادة المركزي للجيش تخضع واقعيا لذوق الجندي الفرنسي وسمته، إلى درجة تشعر الضباط الجزائريين الحقيقيين بالغربة عندما يدخلون قلعة الأمانة العامة بالعاصمة.
ورغم أن هذا التكتل نشأ مبكرا وظهرت ملامحه قبيل إلاستقلال إلا أن ضباط جيش التحرير الوطني رغم تناحرهم كانوا أقوى منه، بل كانوا يستهدفون عناصره بالتحقير. ولذلك فإن ضباطه الأوائل رغم أهميتهم في التكتل لم يظهروا النوايا العدوانية لقيم الجزائر المستقلة بل حرصوا على إظهار الولاء لقيادات جيش التحرير في الخارج وشكلوا رأس الحربة في الاقتتال الذي دار بين الإخوة الأعداء بعد وقف إطلاق النار ليستولوا على السلطة في النهاية بعد إسقاط الشاذلي بن جديد ويلحقوه بقائمة المشطوبين الطويلة. وإذا كان من المجازفة تحديد القيادة التي أشرفت على رعاية التكتل في الستينات والسبعينات لالتصاق أفرادها بالقيادة الوطنية العليا لجيش التحرير (مثل علاقة النقيب عبد الغني زرقيني بالعقيد هواري بومدين) إلا أن الذي لاشك فيه هو أن قيادة هذا التكتل انتهت إلى اللواء نزار خالد سنة 1992 بعد التنازل الطوعي لمنافسه الوحيد العميد مصطفى شلوفي. وتتكون النواة الصلبة للتكتل من العميد عباس غزيل المدير العام للدرك والعميد العربي بلخير والعميد محمد جنيوحات والعميد جوادي عبد الحميد والعميد تواتي ومعهم آخرون. وبالرغم من أن هذه القيادة لا تحتاج لتوصيات من الحكومة الفرنسية في المسائل الجوهرية لأن عناصرها أكثر تفرنسا من الفرنسيين أنفسهم، إلا أنهم لا يستغنون عن مباركة الجمهورية الفرنسية لقرارهم. ولذلك فإن من الخطإ القول بأن الحكومة الفرنسية هي التي أمرت اللواء نزار خالد بالوقوف في وجه المشروع الإسلامي والوطني لأنه هو نفسه أحرص من فرنسا على ذلك خاصة وقد أبرز هذا المشروع كفاءات وطنية من الشباب الذين لم يتورطوا في الاختلاس والفساد الذي وقع فيه أغلب كوادر جيش التحرير وجبهة التحرير بعد تقلبهم في المناصب الرسمية الإدارية والعسكرية؛ مما يجعل وصول هؤلاء النخبة إلى الحكم فرصة تاريخية لتقييم كل الإنجازات الوطنية منذ قرار وقف إطلاق النار سنة 1961 وتطهير مشروع الاستقلال من بذور الفتنة التي زرعها فيه (ديجول) من خلال شروط معاهدة إيفيان الخفية والمعلنة.
الأذرع المنفذة :
وهي مجموعة الضباط المحترفين الذين أريد لهم أن يكونوا أشبه بالمرتزقة. وأغلب عناصرها إما من ضباط الصف وجنود الجيش الفرنسي من أصل جزائري والذين لم يتلقوا تربية أصلا لا في المدارس الاستعمارية ولا الوطنية ولكنهم التحقوا مباشرة بالفرق الاستعمارية الخاصة التي مارست القمع ضد الجزائريين العزل ثم التحقوا بعد وقف إطلاق النار بتشكيلات الولايات العسكرية المتناحرة على السلطة أو ألحقوا بمراكز التدريب للجيش الوطني الشعبي ليجدوا أنفسهم في التسعينات جنرالات في الصف الثاني من القيادة. وأبرز عنصر في هذه الفئة الفريق لعماري محمد الذي انتهت إليه قيادة أركان الجيش. وإما صغار ضباط جيش التحرير الذين ابتعثوا من طرف قيادة الثورة في فجر الاستقلال إلى دول عربية وأجنبية فكانوا بذلك أوفر حظا من الصنف الأول من حيث تربيتهم الوطنية وتعليمهم. وأبرزهؤلاء الفريق محمد مدين الذي انتهت إليه القيادة العامة لجهاز المخابرات.
ونظرا لفترة الابتعاث التي قضتها هذه الفئة بصنفيها في الكليات العسكرية الأجنبية المختلفة لاحقا فقد تقلصت الفوارق بين شخصياتها وأصبحوا وجهين لعملة واحدة. ويحسب على هذه الفئة شركاء أقل وزنا وأخطر حضورا في الأزمة الأخيرة، منهم الألوية اسماعيل العماري، شريف فضيل، كمال عبد الرحمان.
الواجهة الوطنية:
وللأسف فإن هذه الطائفة من الضباط كانت في مقدمة الجنود المقاتلين إبان الثورة وممن ساهم في بناء الجيش الوطني الشعبي بعد الاستقلال ولكنها بعد الوصول إلى مراتب الامتيازات الكبرى فقدت مروءتها تحت تأثير الطمع والاستعلاء تارة وتحت المساومة والتهديد تارة أخرى فأصبح هذا الصنف من الضباط مثل التيوس المستعارة يستعان بها في إضفاء الصبغة الوطنية على المشاريع المشبوهة، مما جعل نزار خالد يستأسد عليهم ويصفهم بالقطيع والأوباش أمام هيئة محكمة الجنح الفرنسية بباريس. ولا أرى داعيا لذكر أسماء من هذه الفئة مراعاة لمشاعر المخلصين من مجاهدي ثورة التحرير المجيدة.
وقد تمكن هذا الثلاثي من التوافق على تفكيك كل المؤسسات الدستورية للدولة الجزائرية المستقلة باستثناء المؤسسة العسكرية التي استمدوا منها شرعية فرض الأحكام العرفية وإقامة مؤسسات شكلية مثل المجلس الأعلى للدولة بدلا من رئاسة الجمهورية والمجلس الاستشاري بدلا من المجلس الوطني الشعبي والمندوبيات بدلا من المجالس البلدية.
ولكن اللواء نزار خالد الذي أسقط الجمهورية الجزائرية الأولى لم يستفد من حياته المهنية الطويلة شيئا يذكر، لأنه التحق بجيش الاحتلال الفرنسي في عز همجيته وغطرسته ليفر منه قبل أن يذوق مرارة الهزيمة على يد مجاهدي جيش التحرير ففاته بذلك إدراك أن حق المظلوم أقوى من باطل الظالم ولو تحالف معه الإنس والجن. كما أنه لم يكن من مجاهدي جيش التحرير الأوائل حتى يتعلم معنى الثورة على الظلم والطغيان. وإنما التحق بجيش الحدود في الوقت الذي بدأت فيه الاختراقات والمؤامرات على الثورة الجزائرية. ولذلك فقد أصابه العمى والصمم عن كل التحذيرات والنصائح التي وجهت إليه قبل وبعد انقلاب يناير 1992 وأنا أول من قدم له النصيحة وأقام عليه الحجة وحمله المسؤولية.
ومما تقدم يتضح أن السلطات الدستورية التشريعية والقضائية والتنفيذية في الجزائر وإلى يومنا هذا، ليست سوى ملحقات تنظيمية لتمكين السلطة الفعلية الوحيدة من إحكام سيطرتها وفرض إرادتها على الشعب. كما يدل ذلك على أن كل السياسيين المتظاهرين بقوة النفوذ والقدرة على الفعل بما فيهم أساطين اللجنة المركزية لجبهة التحرير لا يزنون جناح بعوضة خارج هيئة القيادة العسكرية السيدة.
عودة إلى الأحداث
كانت قيادة الجبهة واثقة من تحقيق فوز مريح في الانتخابات المفترضة في يوم 26/12/1991 وكانت تخشى أن يجد النظام ذرائع للتراجع عن تعهداته بالنزاهة والشفافية والإنصاف في التعامل مع الجبهة فقررت تجميد عضوية كل من السعيد مخلوفي وقمر الدين خربان الذين كانا عضوين في المجلس الشوري المؤسس للجبهة. وزيادة في التحفظ أصدرت تعليمات بالحذر في التعامل معهما على خلفية أن السعيد مخلوفي دعا إلى تحويل الإضراب إلى عصيان مدني بدون إذن من قيادة الجبهة وأنه بذلك عميل للمخابرات ومتعاون مع جبهة التحرير الوطني وقد كان الشيخ عبد القادر حشاني نفسه يعتقد ذلك خاصة بعد أحداث قمار. ولكنه تراجع لاحقا بعد أن توسطت شخصيا لتوضيح الموضوع له عن طريق السيدين محمد براهم وعبد الكريم غماتي القريبين منه آنذاك بدافع من الحرص على وحدة الصف داخل هذا التيار الجماهيري العريض الذي كنت متأكدا من أن انفراط عقده سيعود بالوبال على الجزائر كلها.
وفي هذا الظرف الصعب عانى السعيد مخلوفي من العزلة أكثر من أي مناضل في الجبهة حيث وقع في منطقة تقاطع النيران بين الترغيب الخبيث من طرف النظام والتوجس من طرف قيادة الجبهة ولكنه أبدى شجاعة وثباتا متميزين وساعده على ذلك محمد نقازي الذي كان ضابط صف سابق في القوات الخاصة، كما وقف إلى جانبه عبد القادر شبوطي رغم الضغوط التي كان يتعرض لها من بعض زملائه أمثال منصوري الملياني. كما سهر على تأمين المأوى له السيد عبد الرحيم البليدي وأخوه أحمد. وفي هذا الوقت العصيب جاءه الشيخ بن عزوز زبدة برفقة الهاشمي سحنوني يسعيان في وساطة بينه وبين رئيس الحكومة سيد أحمد غزالي الذي عرض عليه الدعم المالي والإعلامي والحصانة الأمنية مقابل الإعلان عن اعتماد المشروع السياسي للجبهة والمشاركة في الندوة الوطنية إلى جانب المراني كبديل عن قيادتها الشرعية ولكنه رفض العرض ورد على زبدة والهاشمي سحنوني بشدة وحذرهما من العودة إليه ثانية ثم رد بنفسه على غزالي في رسالة مفتوحة نشرتها جريدة المساء الجزائرية في حينها دون أن يذكر الوسيطين بالإسم. وقد استغل السعيد مخلوفي الحصار المضروب عليه في القيام باستطلاع المناطق الجبلية المحيطة بمنطقة المتيجة أثناء تنقلاته المستمرة وحدد فيها نقاط التمركز الحصينة التي حولها بعد تفجر الوضع إلى مراكز تدريب على القتال.
وقد اتصل بي السعيد مخلوفي بعد انقطاع دام أكثر من ثلاثة أشهر في سبتمبر 1991 فالتقيته بحضور عبد القادر شبوطي والنقيب أحمد بن زمرلي.
وقد أكد لي بأنه رغم اقتناعه بعزم القيادة العسكرية على استئصال الاسلاميين واستعداد كثير ممن التحقوا بالجبال من مناضلي الجبهة بعد حملة الاعتقالات الأولى في شهر جوان وجويلية 1991 لحمل السلاح، فإنه لن يبادر باستعمال العنف ما دام لبعض الاسلاميين أمل في العمل السياسي السلمي. ولكنه في المقابل سيطالب الاسلاميين بالاستعداد ماديا ومعنويا للدفاع عن أنفسهم ولو بالقوة إذا تعرضوا للقمع من طرف أجهزة الأمن والجيش ظلما وعدوانا. وأنا أشهد للتاريخ أنه كان وفيا لتعهده رغم كثرة المكائد والمؤامرات التي عرفتها الأحداث.
النقيب أحمد شوشان

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))