الاثنين، 23 مايو، 2011

أيها المخلصون في الجزائر! هل بلغنا سن الرشد؟


لقد انقضى 18 عاما من عمر الأزمة التي اتهمت من طرف دوائر مجرمة من القيادة العسكرية بالتواطئ على تفجيرها في الجزائر
و انكشف الغطاء خلال هذه الفترة عن جانب كبير من خفاياها فنضح كل إناء بما فيه. فالذين كانوا يدينون باستئصال جذور الاسلام و العروبة من الجزائر و أبادوا ربع مليون جزائري لإنقاذ أوروبا من الفتح الاسلامي المزعوم أصبحوا أئمة في الصلح و المصالحة و التقارب بين المذاهب و الأديان. و الذين أخذوا المبادرة في إعلان الجهاد المقدس و استأثروا بحمل رايته و بايعوا الله على إقامة الخلافة الراشدة انتهوا إلى الاستسلام تاركين وراءهم زعانف الفتنة تدور بلا ضابط و لا شعار ( حاشا المتقين المحتسبين). ناهيك عن الذين كانوا عملاء للمجرمين و متعاونين معهم على ذبح الجزائر باسم إنقاذ الجمهورية فقد فضلوا لبس الحداد و الالتحاق بمعارضة ثكلى لا تملك من أسباب القوة غير التسول على أبواب السفارات الأجنبية و القنوات الفضائية الخاصة و وكلائها من رجال الأعمال الذين لهم عين على ما تبقى من أشلاء جزائر الشهداء الجريحة.......

و قد أثبتت هذه السنون العجاف التي سالت فيها دماء الجزائريين غزيرة و ساءت فيها أحوال الناس إلى درجة لم تعد فيها خافية على أحد أنني و الحمد لله لم أكن ظهيرا لأي من البغاة في حق شعبهم و وطنهم و دينهم و تاريخ آبائهم المجيد، إنما كان موقفي أقرب ما يكون في هذه الفتنة الموبقة إلى الاشفاق على أبناء الجزائر كلهم، عاقلهم و سفيههم دون مظاهرة لظالم و لا تحريض لمظلوم على البغي و العدوان، بالرغم مما أصابني و يصيبني إلى اليوم من الظلم و يلحقني من الأذى من جميع الأطراف.

و عندما كان ظلام الفتنة دامسا و صوت الهرج و المرج صاخبا كان لا بد لي من النأي بنفسي عن موقع الشبهة و مواصلة النضال الشريف في شفافية تامة و عزم صادق من أجل المساهمة في حل الأزمة التي أيقنت أن أثرها السيء لن يقتصر على جيل الحاضر المهزوم و إنما سيتعداه إلى أجيال المستقبل، فكرست نضالي من أجل مواجهة الحملة التي استهدفت تشويه الذاكرة الجماعية للشعب من طرف المجرمين الذين يريدون التنصل من المسؤولية على الأزمة و الإفلات من لعنة الاجيال البريئة التي نغصوا حياتها قبل أن تولد. فنشرت تعليقاتي على كتابات المسؤول الأول عن الكارثة وزير الدفاع اللواء نزار خالد و واجهته على الملإ في جلسة محاكمة كنت شاهدا فيها بمحكمة باريس و كشفت رؤوس الدوائر الاجرامية في جهاز المخابرات و أساليب عملها في تسيير الأزمة كما كشفت حقيقة ما يجري تحت شعار الجهاد من طرف مختلف الجماعات الاسلامية المسلحة و توجت ذلك بنشر شهادتي الكاملة على الأحداث توثيقا للحقيقة و إقامة للحجة على المعنيين بها ما داموا على قيد الحياة.

و قد ظهرت ثمار هذا النضال المخلص المتواضع بتوفيق الله مع ما يقوم به الشرفاء من أبناء الجزائر من جهود على صعيدين.
الصعيد الأول: هو تضييق الدائرة على المجرمين في دوائر النفوذ في السلطة و تسليط الضوء على المجرمين بأعيانهم و محاصرتهم إلى أن تم التخلص من كثير منهم من طرف نظرائهم داخل السلطة. كما تم تبصير الرأي العام الجزائري بحيثيات الأزمة منذ إرهاصاتها و مسار تطور الطبيعة الدموية لها، فضلا عن توثيق ذلك في بعض البحوث العلمية التي قام بها طلبة جزائريون.

أما الصعيد الثاني: فهو على المستوى الشخصي، فبعد أن تمكنت الدوائر المجرمة في مؤسسة المخابرات من الترويج لاتهامها لي بالتخطيط لقلب نظام الحكم و نشر التقتيل في أوساط الجيش و تقسيم التراب الوطني و غير ذلك من التهم التي بررت بها اتخاذ صورتي كدريئة للرمي في ميادين التدريب في مؤسسات الجيش و الحكم علي بالتصفية خارج إطار القانون، أتى الله بنيانهم من القواعد و تقهمت شرائح واسعة من ضباط الجيش حقيقة ما جرى واقتنع كثير من ضباط جهاز المخابرات العقلاء بعد هذه السنين من المراوغة و التعسف بخطإ مسلكهم في التعامل مع الوضع و أبدوا استعدادهم لأخذ وجهة نظري في القضية و تصوري لمعالجتها بجدية انطلاقا من واقع الحال الذي صارت إليه الأمور.

و لما كان غرضي منذ أن اقتحمت هذا المسلك الوعر هو تجنيب الجزائر أكبر قدر من المفاسد و توفير الحد الأدنى من الظروف المناسبة لتمكين المواطن الجزائري من رد الاعتبار لحقه الكامل في المواطنة فإن ردي على التطور الايجابي في موقف جهاز المخابرات تمحور حول ما يلي:
أولا: أن العبرة بتجسيد المواقف على الأرض و ليس بتداولها بالكلام.
ثانيا: لا قيمة لأي إصلاح أو تغيير قبل إصلاح جهاز المخابرات نفسه.
ثالثا: لا اعتبار لأي إصلاح ما لم يتم تطهير جهاز المخابرات من جميع المتورطين في جرائم القتل و التعذيب و التأكد من تعيين ضباط شرفاء معروفين بحسن السيرة و السلوك في جميع مواقع النفوذ العليا في الجهاز
رابعا: توسيع دائرة الاصلاح إلى باقي أجهزة الأمن و الجيش.

خامسا: رفع الحصانة و الدعم على صحافة الفتنة في الجزائر و فتح مجال التعبير الحر و المسؤول للجميع
هذه أهم الاقتراحات العملية التي ينبغي تجسيدها على الأرض قبل الحديث عن حسن النية في إرادة التغيير و الاصلاح و بدونها يبقى أي نقاش في حكم اللغو الذي لا يترتب عليه أي موقف إيجابي تجاه التحول الجديد في تعامل المخابرات مع الوضع.

و قد سبقت لي الإشارة إلى الحرب الباردة التي مرت بها منظومة السلطة - في كلمتي بمناسبة عيد الاستقلال في 5 جويلية 2010 المنشورة على موقعي على الشبكة العنكبوتية - و التي انتهت بإمساك جهاز المخابرات لدواليب السلطة كلها بعد إقالة وزير الداخلية يزيد زرهوني بما فيها الجيش و لم يبق أمام قيادة هذا الجهاز أي عائق لتجسيد إرادة التغيير في الميدان أو الشروع فيها على الأقل. و قد كنت على موعد مع بعض المسؤولين في شهر سبتمبر 2010 من أجل مناقشة الموضوع و لكن هذا اللقاء ألغي نظرا لحصول الجهاز على تقارير استخباراتية تفيد بأن أطرافا جزائرية و أجنبية علمت بموعد اللقاء و شرعت في التحضير لحملة تشويش على هذا المسعى. و هنا علي أن أوضح بأنني لا أعتبر بأن لقاءاتي مع ممثلي جهاز المخابرات سرية أو ذات طابع استخباراتي لأنني أتعامل معها كمؤسسة وطنية لها القدرة على تحقيق التغيير و توفير مزيد من الدماء و الخراب على الجزائر و باعتبارها قلب السلطة الحقيقية في الجزائر، و إصلاحها هو الخطوة الأولى على طريق الاصلاح الصحيح.

 و قد أخبرت قيادة الجهاز بأن لقاءاتي معهم ليست ذات طابع أمني و ستكون في الشفافية التامة و أن طرفا ثالثا يجب أن يكون حاضرا معي. و لذلك فإن بعض من كنت أثق فيهم من المعارضة كانوا على علم بهذا اللقاء و الهدف من إجرائه لأنهم في النهاية سيكونون معنيون بما يترتب عليه أكثر مني إذا تطورت الأمور في الاتجاه الصحيح الذي كنا نتوخاه. و لذلك فإنه إذا صح ما زعمه جهاز المخابرات فإن الذين حاولوا استغلال هذه المناسبة قاموا بعمل انتهازي لا معنى له. لأن الغاية لا تبرر الوسيلة في منطق أصحاب القضايا و المبادئ و الحق لا ينتصر بالطرق الملتوية. خاصة و قد درجت على نشر كل ما يتعلق بنشاطي في هذا المجال على موقعي على الشبكة العنكبوتية بما في ذلك تاريخ علاقتي بالمخابرات الجزائرية و طبيعته و الغرض من تواصلي مع مديريتها العامة. فالقضية أبعد ما تكون عن مجال الابتزاز و الانتهازية، و الذين وقعوا في هذا الخطإ – إن ثبت - يصدق عليهم قول الحكيم: يفعل الجاهل بنفسه ما لا يفعل العدو بعدوه.

على كل حال، ما أعلمه إلى حد الساعة هو أن عملية واسعة غير مسبوقة استهدفت العشرات من الضباط السامين على أعلى مستوى من أجل إحالتهم على التقاعد بمناسبة ذكرى اندلاع الثورة و سأقوم بمساعدة بعض الاخوة الضباط يتقييم حصيلة هذه العملية و أثرها على مشروع الاصلاح المنشود من خلال قائمة الأسماء المحالة على التقاعد و المقترحة للمناصب الشاغرة في مؤسسة الجيش و المخابرات و سنبدي رأينا في الموضوع و موقفنا اللاحق منه في أوانه إن شاء الله.
و لا يفوتني أن أشير إلى أن تركيزي على مؤسسة الجيش و المخابرات قائم على اقتناع تام مبني على متابعة دقيقة و مستمرة للوضع أمنيا و سياسيا و اجتماعيا منذ إرهاصاته الأولى سنة 1991 و إلى كتابة هذه السطور اليوم، و ليس من قبيل اللف و الدوران و لا الحسابات الشخصية الضيقة.

فالجزائر إذا استقرت الأمور فيها على ما هي عليه الآن دون مبادرة جادة للحل تقوم على مصالحة وطنية حقيقية لا تحفظ فيها و لا فضول فإنها لا مناص منتهية إلى أحد الخيارات الثلاث في نظري:
الخيار الأول: عصيان مدني جزائري جزائري جربه الشعب الجزائري سنة 1991 عندما كان مؤطرا سياسيا و ايديولوجيا من طرف رجال أصحاب تاريخ و سمعة أمثال الدكتور عباسي مدني و الشيخ علي بلحاج و عبد القادر حشاني و عبد الحميد مهري و قاصدي مرباح و آيت احمد.... ومع ذلك فقد انتهى الحال بالجزائر إلى الوضع الذي يعرفه الجميع بعد أن دفع الرجال و الحرائر أغلى ثمن. فمن هم أقران هؤلاء الرجال في الساحة السياسية في الخارج و الداخل اليوم؟ و ما هي حظوظ نجاحهم في السيطرة على الوضع و المحافظة على وحدة التراب الوطني بدون مساعدة من طرف الجيش؟ أنا لا أرى أي نهاية لانفجار شعبي دون تأطير محكم غير صوملة الجزائر. و على من يدعي غير ذلك إثبات العكس بتقديم ضماناته.

2- اقتباس سيناريو افغانستان أو العراق من طرف كرزاي أو علاوي جزائري. و هذا حلم يراود بعض المتهافتين على السفارات و الدوائر الأجنبية في الداخل و الخارج من أجل دعمهم طمعا في تحقيق أوهام تسيطر على تفكيرهم. و لكن – رغم الواقع التعيس- هل يتمنى عاقل لوطنه و شعبه ما آل إليه العراق و أفغانستان؟ أنا لا أظن أن من يقبل ذلك أو يتمناه يملك مثقال ذرة من الانتماء للجزائر.
3- العمل الجاد و المخلص على الأرض من أجل تغيير النظام القائم و إصلاح الوضع و ذلك بتكثيف الجهود و تطويرها من أجل إصلاح مؤسسات الدولة و على رأسها المؤسسات الأمنية و الجيش و ملاحقة المجرمين و المفسدين و محاصرتهم و فضحهم و تطهير أجهزة الدولة منهم بكل الطرق الممكنة و المقدور عليها و دفع الأصلح أو من يرجى صلاحه إلى مواقع النفوذ و فك الحصار عنهم و دعمهم بكل الطرق. و ليقدم كل من يطمح إلى التغيير ما يستطيع من أجل قهر المجرمين و المفسدين في عقر دارهم و يذيقهم الأذى في أجسادهم و التلف في أموالهم و أملاكهم الشخصية و ينقل الخوف و الرعب إلى قلوبهم إذا كان هذا هو السبيل الذي لابد منه بدلا من التنفيس عن مشاعر القهر و الاستضعاف بقتل المغلوبين على أمرهم من أبناء الشعب و اتلاف الأملاكه العامة و تعطيل مصالحه الخاصة و إشاعة الرعب و الفزع في أوساط الابرياء.

إن هذا الخيار ليس هو الحل و لا خارطة الطريق نحو الاصلاح و إنما هو الخطوة الأولى الصحيحة التي ينبغي تركيز الجهد عليها لدعم الجهود الأخرى التي تهدف إلى التغيير دون تعطيلها أو عرقلتها، كما أنه المطلب الذي يتفق عليه كل من في قلوبهم ذرة من الخير و الصلاح و الوطنية سواء كان في المعارضة أو في السلطة.
و للمخلصين من أبناء الجزائر حيثما كانوا مدنيين كانوا أو عسكريين أن يختاروا ما يرونه مناسبا. فنحن معا فيما اتفقنا فيه إن شاء الله أما إذا اختلفنا فليعمل كل على شاكلته و الله الموفق و هو الهادي إلى سواء السبيل.

كتبه النقيب أحمد شوشان
18 اكتوبر 2010

1 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))