الأربعاء، 11 مايو، 2011

الاستثمار الغائب



ينطبق ما نقوله في هذا المقال على كثير من الدول سيما منها التي  تُلقّب بدول العالم الثالث، ولكن طالما قرّرت أن أخصّص جُلّ جهدي نحو بلدي الجزائر، فسأكتفي بضرب أمثلة واسمعي يا جارة.

منذ أن فتحت عيناي وتعرّفت على معنى الاستثمار، أسمع الكثير من الناس يتحدّثون عن الاستثمار ودائما ما يقرنون الاستثمار في كلامهم بجانبه المادي، وإذا أردت مناقشتهم في هذا الموضوع « الهام والإستراتيجي » تجدهم يعنون الاستثمار الأجنبي.

وكأنّ الاستثمار المحلّي لا مكان له من الإعراب. بمعنى: أن يُفتح المجال للشركات الأجنبية أن تلج أرض الجزائر وتعطى لها جميع التسهيلات، فتُباع لها الأراضي بدنانير رمزية، أو تُمنح لها بالمجّان، مقابل أن تمضي عقودا حتى ولو كانت هذه
العقود كاذبة.

وقد يتفاجأ القارئ غير العارف بما يجري ويعتبر حديثي تحاملا أو مبالغا فيه، والعارفون بخبايا الأمور، يدركون بأنّ إمضاء بعض الصفقات هو للاستهلاك الإعلامي ليس إلّا.
لو نظرنا إلى حجم الاستثمار لجميع الحكومات المتتالية وأردنا أن نقيّم مردود هذا الاستثمار في جوانبه الاقتصادية ومطابقته لحالة المواطن، لوجدنا أنّ كلّ الحكومات المتعاقبة تقرّ بأنها لم تحقق مبتغاها ويكفينا ما تعترف به هذه الحكومات نفسها من أخطاء.
أرى أنّ الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان، وبدونه لن تنهض الجزائر.
البارحة بعث لي أحد الإخوة على موقع الفايسبوك فيديو وفيه معلّمة متحجّبة ― ولست أدري إن كان صاحب الفيديو الأصلي يحمل خلفيات ضد المسلمين؟ ― تضرب تلاميذها بخشبة فتُجلس هذا على كرسي وتجلده على الرجلين، وترفع يدى الآخر وتضربه على اليدين وذاك ترعبه من نظراتها، والتلاميذ يصيحون من الرّعب وكأنهم في مركز تعذيب وقد أجرموا، مع أنهم لازالوا أوراقا بيضاء.
تذكّرت كيف كنّا ندرس على الشموع وكيف كان الخوف يملاْ قلوبنا ونحن متوجهون إلى المدارس ولقاء بعض المعلمين، وتذكّرت أحد من درسوا معي في المتوسط، كان يحفظ المحفوظات أمامي وأمام أصدقائي، وعندما يقف أمام الأستاذ، كأنه لم يقرأ حرفا، بل والله يتبكّم ويحمرّ ويصفرّ… ويدفع الثمن كل مرة.
في أحد المرّات تجرّأت على الأستاذ قبل أن يضربه وكان ذلك الأستاذ يحترمني شديد الاحترام حبّا في والدي رحمه الله، فقلت له يا أستاذ هذه المرّة لا تضرب فلانا وإذا ما أردت أن تضربه فاضربني معه، فقال لي ما الأمر؟ فقلت له يا أستاذ: أقسم بالله أنّ فلانا ليس كما تتخيّله ولا يوجد فارق بيننا في الدراسة، غير أنّه خوفا منك عندما يقف أمام السبّورة لا يجد ما يتلفظ به رعبا.
دخلت الجامعة في فرنسا، الجامعة التي حُرمت منها في بلدي، لا لإخفاق في الدراسة، وإنما بسبب بعض الأساتذة والمراقبين سامحهم الله، الذين أجبروني على أن أنقطع عن الدراسة، وعندما دخلت الجامعة، كان بعض من درّسوني يشجعوني، وعندما أخطئ يتجاوزون عن أخطائي، ويمدّوني بالابتسامات، وفي وقت الراحة يجلسون معي ويعزموني على شرب شاي أو قهوة، بل منهم من يوصلني بسيارته إلى مكان المترو، وعندما بدأت خربشتي كانوا يصحّحون بعض أخطائي وينصحونني بمواصلة الكتابة، وهاأنذا اليوم بفضل من الله وفي فترة قصيرة أصبحت بعض مقالاتي تصل أعلى المستويات.
ماذا يمكن لنا أن نجني من إنسان مليء بالرّعب؟ ماذا يمكن لنا أن نجني من إنسان مُحبط، يائس؟ ماذا يمكن لنا أن نجني من إنسان يشتري شهادته دون علم؟ ماذا يمكن لنا أن نجني من إنسان يُزوّر بسمته؟ ماذا يمكن لنا أن نجني من إنسان غُرس فيه الظلم، والحقد، والتهميش، ومورست عليه شتى أنواع المهانة والذلّة؟ ماذا يمكن أن نجني من إنسان يحمل كرها للمعلم أو العكس؟
ماذا يمكن لنا أن ننتظر من إمام يمضي ورقة عند الشرطة كأنه في إقامة جبرية؟ ومن أستاذ يعطي تقريرا عن تلامذته أو العكس؟ ومن قاض يأخذ الرشوة لسدّ نفقاته؟ ومن عسكري يبيع الحشيش ليشتري سيارة؟ ومن صحفي يزوّر البيانات والتقارير؟ ومن شرطي عندما تراه تحسبه معتديا، لا رجل أمن من المفترض؟…
ما معنى أن تبني مدرسة والطالب هو من يقوم بتكسيرها؟ ما معنى أن تبني مصنعا والعامل هو من يحرقه؟ ما معنى أن تبني جسرا طوله كم والإرهابي كما يقال يدمّره؟ ما معنى أن تبني حديقة وزائرها هو من يقتلع زهورها؟ ما معنى؟…
علينا إذا أردنا أن ننهض بأمتنا فعلا، أن نستثمر في الإنسان. وأن تخصّص ميزانية حقيقة له يسهر عليها متخصّصون كلّ في مجاله، فذلك هو الاستثمار الغائب الذي أعني.
نورالدين خبابه
08-09-2010

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))