السبت، 28 مايو، 2011

أبتاه أبكيك بقلمي



كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ "صدق الله العظيم
 أبتاه؛ فراقك آلمني وقطّع أحشائي، ولم يعد للساني أن ينطق، ولولا أنني موقن بأنني سألتحق بك عاجلا أو آجلا لما استطعت أن أسكت لحظة لفراقك وأنا أبكيك.
أبتاه أيها اليتيم؛ لقد نشأت في اليتم فلا أب ولا خال ولا عمّ وجدته في صغرك، ولم تترعرع كما ترعرعنا نحن أبناؤك في حضنك وفي كنف حنانك وتحت غطاء برنوسك الناصع بالبياض الطاهر.
أبتاه؛ لقد أعطيتنا ولم نعطك، وسافرت من أجلنا فلم تغريك الحياة الحلوة التي كان بإمكانك أن تنالها، من خلال المكانة التي كنت تتمتع بها آنذاك، فكنت زاهدا ولم نكن نحن ندري عن الزهد شيئا وقتذاك.
 كنت تعيش كالشمعة أو المصباح الذي يضيء لغيره ويحترق، فكنت نعم الأب ونعم الرفيق. كيف لا وأنت تحمل كنزا بين ثناياك، كنت تردّده والناس نيام.
كنت تختمه في شهر الصبر سبع مرات وكنت تختمه في المسجد مع الجماعة مرة في الشهر، وكنت تتلوه ليلا ونهارا .
عندما كنت تأتي ونحن صغارا، كان إمام المسجد الطاهر يتلعثم أمامك رهبة من رهباتك، ليس خوفا منك وإنما لمكانتك عنده، وهذا إحساس كل تلميذ أمام معلمه.
لقد غرست شجرة لازالت ثمراتها لم تنقطع إلى يوم الناس هذا، ولازال طلبتك يذكرونك في كل عيد وفي كل موسم.
أبتاه أبكيك؛ لقد تحرّك قلمي في غيابك وليس كما يتبادر إلى الذهن أنه عندما كان حيا اشتاق لحبّة وعندما مات عُلّق له عرجون، إنما هي رهبة كما أسلفت، فكل من عرفك يستطيع أن يشهد بذلك.
أبتاه؛ حان الوقت لأستذكر كلامك في كل موقع وفي كل محطة أحط بها، ليس لأنك ملَك أو رسول، بل لأنك إرادة فاقت إرادتي وتصوّر فاق تصوراتي.
أبتاه يا نعم الأب الأنيس؛ تعلّمت منك وأخذت شبها واسما وخصالا تعود بالرحمة إليك فتأتي لتحلق عليك كالهدية على صاحبها وهو بها فرح فرحمك الله يا أبتي.
لم أسمع في حياتي أبدا أنك مُدان أو أخذت مال أحد، وكل من توقفني سألني عنك وعن حالك في صحتك وفي مرضك.
تركتك فوق فراش الموت. كان آخر كلامي معك الوداع، وكانت آخر نظراتك دموع لن أنساها حتى ألتحق بالرفيق الأعلى.
يوم أن كنت تحتضر كان يوم مظلم بالنسبة لي. كنت أعيش بجسدي في أوربا وأحيى بروحي معك. كانت روحي كأنها تتدحرج وتريد الخروج بدل روحك الطاهرة.
أيّها المعلّم؛ تخرّج على يديك المئات من الطلبة وحفظوا عنك القرآن. قال من لا ينطق عن الهوى: "خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه".

أيّها الأب الكريم؛ أيّها المعلّم؛ لم أعرف قدرك الحقيقي إلا بعد أن غبت عني مع أنني تجاوزت الثلاثين آنذاك، كنت أحسّ أمامك أنني طفل لازلت أحتاج إلى مداعبتك، كنت نِعم الناصح ونِعم الأمين، كنت نِعم الأب الرزين، جبل أشم لا يعرف الاستكانة أمام العدو.
تعلّمت منك الغربة قبل أن أسافر، وتعلّمت منك الاقتصاد قبل أن أملك درهما أو دينارا، وتعلّمت منك الصدق والشهامة في المواقف.
أبتاه؛ أبكيك اليوم بحرقة شديدة، أبكيك بقلمي وأبكيك بوقتي، أبكيك بقلمي، فقلمي اليوم لم يعد ذلك القلم المحاصر المحبوس، وأبكيك بوقتي، لأنّ وقتي اليوم أصبح يعدّ بالدقائق واللحظات.
أبكيك اليوم أبتي؛ بعدما هاجرت تلك البلدة التي علمتني حجارتها وتربتها النظيفة من التلوث صلابة الموقف، وعلمتني تلك التربة الطاهرة الحنان الصافي، أيها الأب الطاهر طهارة برنوسه الأبيض، أيها الأب المصلي الصائم القائم، نِعم الأب ونِعم المعلّم.
هاجرتَ أنت أوربا وهاجرتُ أنا إليها، كنتُ في صغري أطرح عليك أسئلة للمعرفة وكنتَ تعلم أيها الأب أنك لا تستطيع أن تقنعني بإجابتك، تعلم صغر عقلي وقصر نظري، فكنت تجيبني: عندما تكبر ستعرف يا ولدي، عرفتُ اليوم أبتي لماذا هاجرت أنت أوربا، وعرفتُ لماذا كنت تحرص على هجرتها، وعرفت ولازلت أتعلم، لكن تعليمك اختصر علي كثيرا من الأمور.
أبتاه أيها المعلم؛ يا نعم الأب، أبكيك مع علمي أنّ بكائي حسرة وألم، أبكيك وأنا متأكد أنّ البكاء والندم لا ينفع، لكن أبكيك ليسمعني من في الوجود، ويتعلّم من بكائي وحسراتي كل من لازال يتمتع بالأبوة.
أبتاه؛ ها أنذا اليوم بأولادي وبإمكانياتي أعيش وسط العشب ووسط بهيج الدنيا، لا تنقصني الماديات التي كنت أتمنى أن أصل إليها، وأعيش وسط الأمن الذي كنت أريده لي ولأهلي وأبناء بلدي، لكن صدّقني يا أبي، لا أعرف لهذه الأشياء ذوقا ولا لونا.
كلّ ما كنتَ تجلبه لي من السوق مرّة في الأسبوع بتلك القفة المصنوعة تقليديا، كانت له بركة مع قلته، كيف لا، ويدك الشريفة المتوضئة تحمله فوق دابتك التي كنت تمتطيها والطلبة من حولك يردّدون: مرحبا يا سيدي الشيخ.
أذانك أسمعه ولو في منامي، وابتسامتك تعانقني وكأنها بطارية تزودني بطاقة افتقدتها في غيابك، أراك ولو في الشهر مرّة مثل ما كنت بصحتك وعافيتك، وأتحدّث معك مثلما كنت تحادثني.
لقد جاء اليوم الذي تحرّرتُ من بعض القيود التي كانت تحاصرني، والمظاهر التي كانت تخدعني، واستطعتُ بحول من الله أن أذكرك فحق لك عني هذا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
كنتَ مدرسة حقيقية لمن أراد أن يتعلم، وهذا ليس غلوّا ولا غرورا، وإنما هو واقع مُعاش، فكان بحضورنا أمهات، بل جدات بأحفادهن يأتونك ليبتن في حضن بيتك، ويعترفن أنهن مهما أكلن فأكلك له ذوق آخر، ويعترفن بأنّه عند مزاحك لهن لا يُحسسن باليتم، فأنت أبوهن.
منهنّ من كنّ ينادينك بخالي، وسيدي الطالب، ومنهم من لا يهنأ له فرح ولا قرح إلا وعزموك إليه، ويقولون لك أنت بركة، كنت محلّ قاض، فكثير من الخصومات في وقتك حلّت، وكثير من العاهات شفيت بإذن الله، وكان من المغتربين من يختصك بزيارة أو هدية للعرفان بمجهوداتك التي بذلتها في تعليم القران.

كان من المغتربين من يُصرّفك على بيته إلى أن يعود، وكان الأكثرية ممن يوكلونك في زواجاتهم بسبب ائتمانك من طرفهم، فالمسلم من أمنه الناس.
اليوم رحلتَ كما رحل من قبلك أناس سنتذكرهم مثلما نتذكرك، لأنهم كانوا بجانبك في السراء والضراء، وقد ساهموا هم كما ساهمتَ أنت، وقد كتب الله أن تُدفن معهم كما أخبرني الأهل والأحباب، فكما كنتم في الحياة شاء الله أن تدفنوا جوارا.
فهذا الطاهر، وهذا محمد بن أحمد، وهذا محمد بالي، وهذا البشير بن خبابه، وهذا أحمد بن بابان... شيوخ كأنهم شمس انطفأت وحلّ مكانها ظلام.
 إنها حقيقة لا ينكرها إلا معاند أو مكابر، ولمن أراد أن يتأكد فليدخل المسجد، فأين تلك الوجوه النيّرة وأين الصفّ الأول؟
 سيقول القائلون هذه سنّة الحياة، نعم إنها سنّة الحياة فأين عدّتنا؟ أين للمعلمين نصيب، بل أين القرآن الذي كان يملأ البيوت نورا؟
 إنها كلمة حق مرّة نشعر بها ونريد أن نستذكر من خلال هذا الغياب، دور معلم القرآن الذي كان أيام زمان يُنظر إليه على خلاف اليوم، إنهم تركوا الدنيا من أجلنا/ وكان بإمكانهم أن يفعلوا كما نفعل نحن لو فكّروا كما نفكّر اليوم أنهم ماضون وانتهى، فهل من صحوة ضمير محتملة؟ وهل من مراجعة للنفس؟ وهل من شهادة حق نشهد بها على أنفسنا أننا مقصرون في جنب الله وفي جنب معلّم القرآن؟
 أبتاه؛ أكاد أكون متيّقنا أنّ بكائي سمعه حتى الحيوانات، فكيف بالإنسان. أردتُ أن أبكيك فلعلّ من لم يستطع إخراج دمعاته لفقد عزيز أو قريب ويتنهّد حسرة بين ضلوعه... أن تعينه كلماتي لخروج تلك الآهات، فتكون بذلك كأنها لبن صاف لأنها تخرج من قلب مؤمن مكدر بالأحزان، ولعلّ من ذهب عنه البكاء ولم يعد يحسّ... فلعل آهاتي تحرّك مشاعره فيستذكر ماضيه ليعانقه من جديد، ويعود بذلك إلى سنوات الحنين فيشقّق فتخرج منه الأنهار ويستقيم حاله.
أبتاه؛ تركتني وأنا اليوم في بلاد أعيش مع الماضي الأليم، وكلّما حاولت أن أتناساه جاء حدث آخر فأعادني من حيث بدأت، دعني أبكي ودعني أصرخ، ليسمعني كل من له أبواه فيتخيّل الفراق كم هو مؤلم، فيستغل ما تبقى له حتى لا يقع له كما وقع لي.
أيها الإنسان: يا من تملك أبوين، يا من تنعم بنعمة الأمومة والأبوة، إنّ هناك أمانة عندك فحافظ عليها، وابذل في سبيلها ما بُذل من أجلك، فسيأتيك اليوم إن كتب لك البقاء بعدهما فإنّك لا تعرف للحياة طعما، حتى وإن امتلكت جبالا من المال والأولاد.
سارع واحتضن أبويك يا من تمتلك هذا الكنز، حاول أن تحتفظ به قبل أن يضيع منك، فتقفل الأبواب في وجهك باختفاء مفتاح ذهبي ولا تجد بعده بديلا.
أبتاه؛ أعود لأبكيك اليوم في ديار الغربة، وأحتسي دموعي بكتابة هذه الأحرف، وأعلم أنني أبكيت من هو مقصر أو مفرط. أبكيك فلعلي أساهم برحمات تنزل فتزف إليك لأنّ عملك انتهى ولم يبق لك منه إلا ثلاث فلعلّ واحدة منها هاهي تحلق عليك اليوم، فرحمك الله، رحمك الله، رحمك الله رحمة واسعة وأسكنك في عليين مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

نورالدين خبابه

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))