الأربعاء، 18 مايو، 2011

التلازم اللامنطقيّ











الكثير من السذّج انطلت عليهم الحيل وأصبحوا يُخرّبون بيوتهم بأيديهم وينوبون على أعدائهم في الكثير من القضايا، بل منهم من يزعم

 أنه يقود المعارضة ويوهم الناس على أنه زعيم القوم وصاحب الكلمة الأخيرة، وما هو في حقيقة الأمر إلاّ بيدق يقوم كل مرّة بالتنفيس على النظام كلّما ضاق به الحال علما أو جهلا، ومنهم من يخدم أعداء الوطن ويعتقد بأنه حاميها مع أنه من حراميها.

في بداية الثمانينات دعاني أحد الضباط لبيته لحضور وليمة عائلية، وقبل تناول الغداء جلسنا في الصالون، لم أكن أعرف وقتها الكثير، لفت انتباهي لون كتاب أحمر يشبه المجلد، وكنت أعتقد أنه لترجمة الفرنسية إلى اللغة العربية، أخذته بعفوية قصد معرفة بعض المفردات وإذا بي أجده كتاب يحمل أسرارا خطيرة، لم أتذكر بالضبط عنوانه وكان محتواه حول أسرار عسكرية إسرائيلية.





فتحته، يا لهول ما قرأت، يتحدّث هذا الكتاب عن كيفية استعمال وتشويه الحركات الإسلامية واختراقها وتعذيب أفرادها في مصر من جماعة الإخوان المسلمين واستعمال طرق شيطانية يعجز عن استيعابها الإنسان السليم… طلب مني حضرة الضابط أن أضع الكتاب وأوصاني أن لا أحدّث به أحدا، وكم كنت غبيا وقتها واعتبرت الأمر سرًّا من الأسرار التي يجب المحافظة عليها، مع أنّ محتوى الكتاب كان عُصارة ما عاشته الجزائر أثناء العشريتين وما سنعيشه مستقبلا إذا لم نستفق من سباتنا.


الكثير من المفاهيم اختلطت وأصبحت مُشوّهة تماما، فالتلازم المنطقي الذي من المفترض أن يكون عند كثير من الأشياء أصبح تلازما بالمقلوب، فأصبح الإنسان عندما تحدّثه عن رجل الأمن، يتلازم إلى ذهنه الخوف والظلم، وإذا ما حدّثته عن رئيس البلدية أو الوالي أو الوزير تلازم إلى ذهنه المحسوبية والجهوية… وإذا ما حدثته عن المحكمة تلازم إلى ذهنه السجن، وإذا ما حدثته عن الانتخابات تلازم إلى ذهنه التزوير، وإذا ما حدثته عن عيد الاستقلال قال لك أيّ استقلال تعنيه يا هذا، وإذا ما حدثته عن الثورة فالواقع هو البيع والشراء واستغلال التاريخ والمتاجرة به، وإذا ما حدثته عن شهر رمضان شهر البركة، صاح في وجهك وقال لك شهر الغلاء والاحتكار، شهر الخمول… وإذا ما حدثته عن الأمانة والوفاء بالعهود ضحك ساخرا منك، وإذا ما حدثته عن مشروع سينجز مستقبلا لوى عنقه وأشبعك سبّا وقال لك: سيذهب أدراج الرياح يمينا وشمالا، وهكذا…

لكن من منا يا ترى طرح السؤال حول مصدر هذا التشويه لكلّ أعمال الخير وتسويدها إلى أعمال شيطانية متمثلة في أحلك صورها حتى أصبح المسلم يٌقصد به الإرهابي والعربي يقصد به المتخلّف ورجل المخابرات الذي من المفترض أن يكون خادما للوطن أصبح عبارة عن شيطان متمثل في صورة آدمي، والصحفي الذي من المفترض أن يكون إعلاميا نزيها وموضوعيا، أصبح عبارة عن منافق متملّق مدلّس محتال نصاب وصاحب فتن والمصالحة إلى مخادعة؟

الكثير من الناس لا يعرفون ما هي المصالحة ولا يعرفون ما معنى الانتخابات وإذا ما عرفوا شيئا عنها فهو مغلوط ومشوّه، حالهما حال الإسلام في الغرب، إن لم أقل في بلاد العرب وحالها حال السلم مع إسرائيل.

المصالحة هي بمثابة الثمرة التي تأتي كنتيجة منطقية، تبدأ بعد إحضار أجهزة الحفر ثم اختيار المكان والتربة الصالحة التي يتم فيها غرس الشجرة، ولا بد لهذه الشجرة من حراسة، وشمس، وسقي، وانتظار وقت الجني، وقد لا يجني الثمرة غارسها، أو حارسها، أو ساقيها، والثمرة لا تنزل دون عناء ودون جدّ.

الانتخابات كذلك، هي عملية تأتي بعد تحضير وبعد تعبئة وتنافس شريف ونزيه على البرامج واختيار أصحاب الكفاءة بإرادة، لا عن طريق الإكراه.

والإسلام هو دين المحبة ودين الألفة والتسامح، دين المنطق ودين العقل والعلم، دين انتشر بالمعاملات والأعمال لا بالقيل والقال وكثرة السؤال ولا بالإرهاب كما يقول أعداؤه أو الجاهلون به…

بعد عمليات التشويه التي طالت المهن والأعمال والمشاريع بل التلاعب بالشعائر والمشاعر، أصبحت عندما تتحدث عن شيء يتلازم إلى ذهنك التلازم الخبيث بدل التلازم المنطقي، ولأعطي أمثلة عايشها الكثيرون منا سبّبها أعداء الإسلام والجاهلون بحقيقته.

عندما تستمع إلى صفارة سيارة الإسعاف، فانه من المنطق أن يتلازم إلى ذهنك أنّ هناك حادث ما، قد يكون نقل مريض أو جريح… وعندما تستمع كوكبا من السيارات يتبعه صوت الزغاريد فإنه من المنطق أن يتلازم إلى ذهنك أنه عرس، ولكن كم هي الأشياء التي شوّهت وابتعدت تماما عن مسارها الحقيقي وأصبحت عندما تستمع إلى شيء يتلازم إليك عكسه.

كم هي الأفراح التي تحوّلت إلى جراح ومآسي، وكم هي المشاريع تحوّلت إلى نهب وخداع وتلاعب، وكم هي الشعائر التي تحوّلت إلى تجارة ومضاربة وتلاعب بعواطف الناس، وكم عدد المساجد التي كانت آمنة يقصدها الناس للعبادة تحوّلت إلى مساجد ضرار، وكم من جنازة تحوّلت إلى لقاء للخٍطبة أو لتمرير رسائل سياسية؟

هناك بعض رجال الأمن تخفّوا بقمصان ولحى وقاموا بأعمال شيطانية قصد تشويه صورة أصحاب التوجه الإسلامي، وهناك نساء لبسن الحجاب ومارسن الدعارة لتشويه صورة الحجاب، وهناك من يزعمون أنهم يسعون لقيام الدولة الإسلامية، مرّروا أسلحة وقاموا بعملية تمويهية في كوكب عرس ومرّروا أحد أمرائهم وقاموا بإفساد الكثير من الأعراس وحولوها إلى مآتم… وهناك من لبس ثوب راق إمام وقام باعتداءات جنسية على كثير من الفتيات.

وهناك من قام بالاحتيال على الناس في ثوب ضابط سامي لسرقة الأموال أو استعمال التهديد والوعيد وإذا ما تكرّرت هذه الأشياء أفقدت المعنى الصحيح للمحتوى الذي من المفترض أن يكون، وتحوّلت إلى بعبع أو كابوس يطارد السامع.

إنّ الإحباط واليأس لم يأتيا بالصدفة أيها الناس، وإنّ التشويه الثقافي والفكري والسياسي واللغوي الذي تعيشه جزائرنا وربما عواصم أخرى مُخطّط له، وبعد جيل أو جيلين إذا لم يتفطن المخلصون ويتحركوا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه فإننا سنعود حتما إلى داحس والغبراء من خلال صحافة الفتنة التي تشعل حروبا من الصعب إخمادها.

نورالدين خبابه


29-08-2010,

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))