الخميس، 26 مايو، 2011

احترام الدستور قبل تغيير الدستور





2011.05.25
 عابد شارف


لم يأت الحوار الوطني الجديد بأية مفاجأة، ولم يحمل أية نكهة خاصة. وقد بدأت جلسات الحوار الذي أقره الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بهدف التوصل بعد سنة إلى دستور جديد وقوانين جديدة حول الأحزاب والإعلام والجمعيات، انطلق منذ أسبوع دون أن يحضى باهتمام الرأي العالم الوطني. ولم يتابع الشارع الجزائري مجريات الحوار إلا في اللحظات لأولى، على سبيل الفضول أكثر منه اهتماما بالسياسة، وكأن المواطن أصبح يعرف القصة ومجرياتها وتطوراتها المحتملة ونهايتها المنتظرة.

ومن الواضح أن الرأي العام قد يكون على صواب هذه المرة، حيث أنه سئم تكرار نفس السيناريوهات. ويجب الاعتراف كذلك أن السلطة نفسها أصبحت عاجزة عن الإبداع، بل أنها عاجزة حتى عن تغيير بعض النقاط الثانوية. ولم تجتهد السلطة مثلا في البحث عن شخصيات جديدة لتنظيم الحوار، واكتفت بإخراج علبة 1993، وعينت نفس الأشخاص الذين نظموا حوار 1993، مثل السيد عبد القادر بن صالح والجنرال محمد تواتي.


أما طريقة إجراء الحوار، فإنها لم تتغير، حيث يتم استدعاء الأشخاص والأحزاب والجمعيات بنفس الطريقة، ويطلب منهم تقديم مقترحاتهم بالجملة، دون أن يعرف أحد ما سيكون مصير هذا وذاك. وبعبارة أخرى، فإن السلطة تنظم نفس الحوار الفاشل بنفس الطريقة الفاشلة التي أدت في الماضي إلى نفس الفشل.


ويمكن قراءة تصرف السلطة بطريقتين. يمكن أن نقول إن الحوار يهدف إلى حل مشكل داخل النظام، وأن المغزى الحقيقي منه هو ترتيب بيت السلطة تحضيرا لخلافة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. ومن هذا المنطلق، فإن الحوار سيكون ناجحا، لأن الأطراف التي من المفروض أن تشارك في العملية ستكون حاضرة، كما أن الشهود والضيوف سيحضرون بقوة لمباركة الزواج. وتسمح العملية في نفس الوقت بإرضاء الأطراف الخارجية التي تتعامل مع الجزائر، مما سيعطي مهلة إضافية للنظام الجزائري...


أما إذا كان الهدف من الحوار هو حل مشاكل الجزائر وخروج البلاد من الأزمة، فإن السلطة مخطئة على طول الخط. إنها مخطئة في تشخيص المرض أولا، وهو الأمر الذي لا يسمح لها بتحضير الدواء الضروري. وقد اعتبرت السلطة أن مشاكل البلاد نابعة من الدستور ومن بعض القوانين، فقررت تغييرها، وهذا خطأ واضح. وإذا تكلمنا عن الدستور مثلا، فإننا نلاحظ أنه مقبول رغم تراجعه مقارنة بدستور 1989. والدستور الحالي يكرس التعددية السياسية والحزبية، وحرية الرأي والتعبير، وينص على الفصل بين السلطات واستقلال العدالة واحترام حقوق الإنسان، وهي المبادئ الكبرى التي نجدها في دساتير البلدان الديمقراطية.


أما قانون الأحزاب، فإنه يفرض بعض المضايقات البيروقراطية، لكنه يعترف لكل مواطن حق النضال في أي حزب يريد، وأن يتبنى الأفكار التي يريد. وعن الصحافة، فإن قانون 1990 يبقى من أكثر القوانين تفتحا في العالم.


أين يكمن المشكل إذن؟ لماذا لا يتمكن الجزائريون من ممارسة حقوقهم السياسية؟ لماذا لم تتمكن الجزائر من بناء نظام ديمقراطي مقبول؟ إن الحقيقة بسيطة جدا: لا يكمن المشكل في الدستور ولا في القانون، إنما يكمن في تعامل السلطة مع القانون، حيث أن السلطة تعتبر نفسها فوق الدستور، فهي لا تحترم القانون.


ويتضح بكل بساطة أن أول إصلاح في البلاد لا يتمثل في تغيير دستور أو قانون، إنما يتمثل في احترام السلطة للقانون، بل تمسكها بالقانون في كل الظروف، وهذا ما يميز المجتمع المتحضر من المجتمع الهمجي. فالمجتمع المتحضر يعرف أن التقدم والرفاهية وسعادة الناس يصنعها احترام القانون، أما المجتمع الهمجي فإنه لا يؤمن إلا بالقوة كوسيلة لتنظيم العلاقات الاجتماعية.


وأخيرا، ما الفائدة من تغيير دستور لا يحترمه السلطان والأقوياء، بدستور آخر لا يحترمه السلطان والأقوياء؟
الشروق

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))