الثلاثاء، 17 مايو 2011

كفانا نفاقا وجبنا. لنتحد جميعا لإنقاذ الجزائر!





إن المأساة الجديدة التي خلفت مذبحة راح ضحيتها أكثر من عشرين من أبنائنا، في ولاية برج بو عريريج، تدعو مرة أخرى أصحاب الضمائر الحرة في بلدنا العزيز الجريح إلى التحرك المتبصر دون تأخير.
و هكذا، مرة أخرى، يتسبب جزائريون في إراقة دم جزائريين آخرين. مرة أخرى، يلتحق عدد آخر من الضحايا الأبرياء، الذين استخدمتهم عصابة الدجالين المستولية على مقاليد السلطة، دروعا بشرية للحفاظ على امتيازاتها المنهوبة، فتنضم هذه القوافل من الضحايا إلى قائمة طويلة ومروعة، دشنها ذات 5 تشرين الأول/أكتوبر 88، نفس الرهط الذين اتخذوا بلدنا رهينة منذ فجر الاستقلال، في عام 1962.

إن الجزائر التي خاضت، بفضل بطولة شعبها، واحدة من أعظم الثورات التحريرية التي شهدها القرن الماضي، والتي تكللت بإنهاء الوضع الاستعماري في القارة الإفريقية برمتها، أصبحت اليوم أضحوكة أمام العالم، فكان مآلها أن ينقلب مصيرها بين أيدي نظام يتشكل من عصابة مارقة، بلا دين ولا خُلُق، حوّلت هذه الأرض من جنّة إلى جحيم لا يطاق.
يمكننا القول أن هذا النظام المشكل من عصابة صعاليك، أفلح بفضل "عبقريته" الشريرة في إفقار شعب يعيش في بلد غني، حباه الله بمختلف الخيرات، واستطاع هذا النظام المارق بسياسته الرعناء أن يزرع في قلوبنا، على مدى عقود، بذور كراهية دفينة، وهو يشاهد، دون وخز ضمير أو حتى أدنى شعور إنساني، جزائريين يقومون بتعذيب إخوانهم الجزائريين وإعدامهم خارج إطار القانون أو اختطافهم لتختفي آثارهم إلى يومنا هذا. نظام فاقد الشرعية والضمير، يشاهد جزائريين وهم يزجون رقاب إخوانهم ويقتلون العشرات، بل المئات من الجزائريات والجزائريين، بلا أدنى شعور من الندم، ويتم ذلك كله في جو من الإفلات التام من العقاب.

من كان يتصور أن أبناء وأحفاد عبان، وبن بولعيد، وبن مهيدي، وديدوش، سيتحوّلون إلى إخوة أعداء، في مثل هذا المناخ الذي تعيشه الجزائر، البلد الذي حرروه من نير الاستعمار، رفقة مئات الآلاف من الشهداء ممن استرخصوا أنفسهم، ودفعوا دمائهم الزكية وحياتهم في سبيل الوطن؟ من كان يظن أن أبناء وأحفاد هؤلاء الأبطال، سيتحولون إلى قنابل بشرية وقوافل من الحراقة في جزائر، يُزعم أنها "مستقلة"، في حين لم يقم آباءهم بتلك الأعمال حتى عندما كانت الجزائر ترزح تحت نير المستعمر؟
لم يعد يتسع الوقت للبكاء على الأطلال، وتقديم الشكاوى، ولا إلى استنكار المنافقين، لهذه الجرائم الخسيسة. إن الوقت هو وقت التفكير الجاد والعمل الدؤوب. لقد سئمت البلاد إلى حد التخمة من سيل الإدانات الانتقائية والمنافقة منذ 92. فماذا كانت النتائج؟ استمرار الوضع الراهن، الوضع الذي استغله هذا النظام الغير الشرعي وخدم مصالحه، و مصالح التابعين له.
لا بد من التحلي بالصدق، ولا مفر من مصارحة النفس، والتحلي بالشجاعة الكافية لمعالجة الأسباب العميقة لهذه الأزمة التي تستمر منذ عام 1962 والتي تحولت منذ 92 إلى مأساة دامية، حتى وإن كان ذلك لا يروق الجبناء من "مثقفي" وسياسيي الصالونات! و لا نخشى التكرار نظرا للوضع الجلل الذي يمر به بلدنا، فنعيد ونقول إن الأزمة الجزائرية هي أزمة سياسية بالدراجة الأولى، إذ تعود جذورها إلى الأيام الأولى غداة استقلال البلاد، ثم أخذت تتفاقم على مدى عقود من الزمن.

إنها أزمة شرعية السلطة، وبناء عليه، لا يمكن أن تجد حلا لها إلا سياسيا، نقول ذلك حتى وإن اعترض، مرة أخرى، أشباه المثقفين، المتملقين للسلطة القائمة الذين يقتاتون من فتات موائدها.
و قد أكّدت بعض الإرادات السياسية المخلصة و الحكيمة بهذه الحقيقة في عام 92 و المتمثلة في الحل السياسي، عندما كان النظام المحتضر، وقطعانه من دعاة الفتنة والكراهية، الذين انتحلوا زورا وبهتانا صفة الديمقراطية، يروجون ويدعون إلى انتهاج الحل الأمني البحت واستئصال جزء من الشعب الجزائري.
وهل استطاعت الاعتقالات التعسفية وممارسة التعذيب المنهجي وآلاف حالات الاختفاء القسري، وعمليات الإعدام بدون محاكمة، وعمليات التمشيط في الجبال والوديان، والمناورات الإجرامية، والجماعات المسلحة المعارضة لنظام الحكم وعملياتها الهمجية الإجرامية، والميليشيات، وفرق الموت، واختراق صفوف بعض الجماعات المسلحة، ومحاكم الاستثناء، ومضاعفة أعداد عناصر الجيش والشرطة، وإهدار أموال الشعب في اقتناء العتاد الحربي بالغ التطور، والمذابح الجماعية التي حصدت أرواح مئات المواطنين الآمنين، وفبركة المصالحة الوطنية المزيفة، التي تشرّع الإفلات من العقاب، هل استطاع كل ذلك حل أزمة البلد؟ لا وألف لا! بل يستمر الأمر على حاله على مدى 18 عاما.

وأمام استفحال الأزمة، في جميع المجالات وعلى كافة المستويات، يتجه البلد نحو "تسونامي" شعبي حقيقي، قد يجتاح البلد كله ويجرفه نحو مصير لا يحمد عقباه، ولذلك من واجبنا أن نحقق تعبئة شاملة والعمل سويا على منع حدوث ما لا يمكن جبره إن حدث لا قدر الله!

لا يوجد بديلا عن الحل السياسي، وهذا الحل يمر حتما من خلال تغيير جذري للنظام غير الشرعي القائم. ونتمنى أن يجري هذا التغيير بشكل سلمي، غير أن عناد ومكابرة هذا النظام المارق، الحريص والمستميت في الحفاظ على امتيازاته المكتسبة بشكل غير شرعي، قد يؤدي بنا، لا سمح الله، إلى تغيير عنيف.

لقد حان الوقت لتتضافر كل الإرادات الوطنية، سواء أكانت هنا داخل البلاد أو متواجدة في المنفى للالتفاف حول القيم والمبادئ الديمقراطية لإنشاء هذه الدينامكية التعبوية الشعبية. وحان الوقت أيضا بالنسبة لمن تبقى من النزهاء داخل "الطبقة السياسية" ليضعوا حدا لانزوائهم وعنادهم، ظنا منهم أنهم يمتلكون لوحدهم الحل الشافي... في فضاء الصالونات.

ولا يحق لأي فرد أو اتجاه أو حزب سياسي ادعائه احتكار لوحده الديمقراطية أو الإسلام أو الوطنية. وإن معيار حقيقة الديمقراطية، التي تشكل ثقافة ووسيلة تسيير سياسي للمجتمع، لا يقاس بخطابات النفاق، وإنما بالممارسة على أرض الواقع ، ونؤكد مرة أخرى أن الجزائر ليست بحاجة إلى زعيم ملهم، أو منقذ مرسل (بعد خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام)، ناهيك عن احتياجها إلى "عبقري" ينتظر مكالمة هاتفية من مقر أصحاب الجاه في "الثغرين" (Tagarins). إن ما يحتاجه البلد هو تضافر جهود جميع أبنائه من دون استثناء، لتحرير البلد بشكل نهائي من حكم نظام مارق وإعادة بناءه من جديد.
وقد حان الوقت أيضا ليتحرر من تبقى من النزهاء داخل "الطبقة السياسية"، من نفوذ استراتيجية السلطة، الذين يشكلون جزءا لا يتجزأ منها، حتى وإن كان ذلك دون إدراك منهم. ولا يمكن زعزعة أركان هذا النظام الجاثم على صدر الشعب المستضعف، باللجوء إلى هذا النوع الرديء من الفلكلور السياسي من عصر غابر، من خلال المهرجانات الانتخابية، بل على العكس من ذلك تماما، فإن هذه الممارسة تضفي على النظام القائم واجهة ديموقراطية زائفة في أعين الرأي العام الدولي، وفي الوقت نفسه، تمس بمصداقية وجدية أصحابها في أعين الرأي العام الوطني، ويتوهم من يضن أن هذا الرأي العام مغفّل بحيث يمكن التحايل عليه

كما نوجه نداءنا إلى الذين ينتمون إلى هذا النظام، ممن لم تلطّخ أيديهم بدماء الأبرياء، لاستدراك خطورة الأوضاع في البلد – التي تحاول ابواق الدعاية النظامية إخفائها عليهم- للعمل جنبا إلى جنب مع كافة الإرادات الوطنية المخلصة، للتوّصل إلى تسوية الأزمة. إننا بحاجة إلى الجميع، دون تمييز قائم على أي أساس، ذلك لأنه مثلما قال ذات يوم تلك الشخصية السياسية البارزة الفذة، منارة الديمقراطية، نيلسون مانديلا: "يجب تحرير الشخص المضطهد، والذي يضطهده أيضا وفي نفس الوقت، نظرا لأن هذا الأخير يظل أسيرا خلف قضبان الأحكام المسبقة والتفكير الضيق".
وندعو مجددا إلى توخي اليقظة وإلى الوعي الجماعي، دعونا لا نخطئ الهدف مرة أخرى مثلما وقع في عام 1992، لندع جانبا خلافاتنا المختلقة من طرف من تعلمون، لأغراض غير خافية على أحد.
فلنعمل سويا بكل ما نملك من قوة لإنقاذ الجزائر من أهوال كارثة "تسونامي" التي تلوح في الأفق.
ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نترحم على جميع الضحايا دون استثناء، سواء ضحيا الأمس أو ضحايا الحاضر، الذين حصدتهم المأساة الجزائرية.

صلاح الدين سيدهم
احدالموقعين على نداء 19 مارس 2009
الجزائر

1 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))