السبت، 21 مايو 2011

مرافعة أخرى من أجل الجزائر


لا تحتاج الوطنية في الجزائر إلى أي مزايدات من أحد، فلدينا ما يكفي من مفاخر التاريخ و أمجاد الماضي ما يجعل كل جزائري يفتخر بجزائريته، بل أحيانا يكفيه الاستماع إلى نشيده الوطني حتى تنهمر دموعه مدرارة في مشهد رأيناه كثيرا و أحسسنا به و عشناه، يكفيه أن يذكر أول نوفمبر و الشهداء حتى يقف إجلالا لتلك المآثر الماضية التي نذكرها بفخر ما بعده فخر، و يكفيك قول مفدي:

نوفمبر جل جلالك فينا ألست الذي بث فينا اليقينا
و مع كل ذلك فقد عشنا على هذه الأحاسيس و تشبعنا بها إلى أن جاءت على الجزائر أيام نكدات بل سنوات سوداء إن لم نقل حمراء رأينا فيها و عشنا أحداثا بينت لنا ضرورة مراجعة كثير من القناعات السابقة، بل ضرورة إعادة التنقيب و قراءة و استنطاق التاريخ في الجزائر الذي يبدو أنه قد زور و شوه، و خاصة من ناحية الاستقلال، فلا أحد يجرؤ على القول بأن استقلال الجزائر كان كما أراد و حلم الشهداء.

و إن هناك أحداثا كثيرة حدثت بعد الاستقلال، ثم ازدادت حدتها مع مطلع التسعينات تبين أن استقلال الجزائر لم يكن استقلالا حقيقيا بحجم تضحيات الشهداء، و ما وثقته الحركة الوطنية من أدبيات جليلة، فقد رأينا كيف سجن البشير الإبراهيمي و نفي حتى كتب بيانه الشهير الذي أكد فيه تعارض سلوكات حكام الجزائر بعد الاستقلال مع مبادئ ثورة نوفمبر المجيدة، و رأينا كيف طالت الاغتيالات و التصفيات الجسدية رجالا لم تلد الجزائر مثلهم بعدهم من أمثال العقيد شعباني، و غيرهم ممن لا نعرف، و إن الذين قاموا بتصفيتهم لم يكونوا ليخدموا الجزائر بهذا الصنيع أبدا، و إن موعدهم يو! م القيامة مع رب الأرباب لحسابهم على تلك الدماء الزكية التي أهدروها لاعتبارات لا يقرها دين و لا قانون إنساني.

و إني في هذا المقال أردت أن أقف فقط عند كتاب جليل القدر ، كتبه رجل من رجالات الجزائر مهما زايد المزايدون و قالوا أنه كان يوما ما من دعاة الإدماج، ففرحات عباس هو سياسي جزائري عظيم، يكفيه فخرا ذكره في صحائف التاريخ حين كانت الجزائر لم تزل لم تقم بثورتها، و لم يكن يوما خارج إطار الثورة و الدعوة إلى تخليص الجزائر من نير الاستعمار، و قد كتب في ذلك كتاب"ليل الاستعمار"، و لكن كتابه الجدير بالقراءة و الدراسة بلا شك هو كتاب" الاستقلال المصادر أو المغتصب".

فرحات عباس هو رجل صادق في نضاله، صادق مع نفسه لأنه لم يكتم الشهادة، و ها هو يصدر كتابه بالآية الكريمة: " و لا تكتموا الشهادة . و من يكتمها فإنه آثم قلبه"، و هذا هو المحك الحقيقي للرجال الذي يدعون الوطنية و يزايدون بها ثم يشهدون شهادات مزورة أو يصمتون صمت القبور عن أحداث عايشوها و كأنهم يخافون من شيء ما و نحن الذين نعدهم في تاريخنا من الشجعان فأين شهادتهم إن كانوا صادقين؟؟؟

إن استقلال الجزائر تمت مصادرته ثلاث مرات متواليات، مرة من طرف بن بلة الذي أراد أن يجعل كل ما في الجزائر يسبح باسمه عن طريق محاولة فرض دستور على مقاسه، ثم مرة ثانية من طرف بومدين الذي أراد أن يجعل الجزائر صورة طبق الأصلة للمدينة الفاضلة التي في رأسه عن طريق فلسفة ما أنزل الله بها من سلطان معتدا فقط برؤيته هو قامعا لكل معارض لرأيه و فلسفته، و إن كان هو بقوة شخصيته قادرا على قيادة الجزائر إلى براري الأمان فإن الأمم لا تسير بالرأي الواحد و الفكرة الواحدة، فإن رب الأرباب جل جلاله لم يخلق آدم إلا حين استشار الملائكة في خلقه، و لم يجعل لرسول الإسلام! كلمة ماضية في أصحابه دون نقاش بل قال له "و شاورهم في الأمر" و بومدين و إن كان قد طرح مواثيق للشعب ليناقشها فطالما أسكت المعارضين الحقيقيين بكل الوسائل، و على كل حال فهو لم يخرج الجزائر إلى ما كان يؤمل لأن رب العزة كتب عليه ما كتب على كل بني آدم حتى الأنبياء و قال لنبيه الكريم:" إنك ميت و إنهم ميتون، ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون".

أما المرة الثالثة و التي لم يعشها فرحات عباس، و هي الأخطر ، فهي مرحلة استيلاء حزب فرنسا على الحكم ممثلا في رجال لم يكن لهم في تاريخ الجزائر نصيب إلا بالدسائس و المناورات و هم نزار و العماري و توفيق و أمثالهم، قتلوا من رجال الجزائر من قتلوا خاصة الذين يملكون ملفاتهم الملوثة من أمثال قاصدي مرباح و بوضياف و بن حمودة و حشانيّ، و لم يبق في الجزائر من يقول لهم: من أنتم؟؟؟ فقد عزلوا الجميع، و الحمد لله أن كل الجزائريين يعلمون أن هؤلاء هم السلطة الخفية في الجزائر، و سيأتي اليوم الذي يدخلون فيه إلى محكمة التاريخ ليحاكموا لا كخونة بل كأعداء أذاقوا الشعØ! ¨ ما لم تذقه فرنسا لهم، فلا بد أنهم شاربون من الكأس التي سقونا منها.

و عودة إلى كتاب المناضل المرحوم فرحات عباس، فهو يتكلم عن حقائق صارخة لا نقاش فيها، فكون مناضلين كثرا معروفين أسكت صوتهم بعد الاستقلال لهو دليل على خطر محدق على الاستقلال، و فرحات عباس هو أحد هؤلاء فمنذ استقالته من رئاسة المجلس التأسيسي تم تحييده و محاولة إسكاته من طرف بن بلة، هذا الرجل فعل ما بسببه ترزح الجزائر تحت نير اللامشروعية الدستورالية إلى يومنا هذا، فقد كان المجلس التأسيسي مكونا من عدد كبير جدا من رجال الجزائر الذين كانوا سيعطون الجزائر دستورا عظيما يجسد حلم الشهداء، و لكن بن بلة أراد أن يفرض دستورا أعده خمسة نواب فقط، و هو دستور يÙ! �صبه رئيسا دون عناء و دون خطوات ديمقراطية، و هو ما رفضه عباس مطلقا، و لو لم يكن له في تاريخه إلا هذا الموقف لكفاه موقفا مشرفا كمناضل من أجل شرف الجزائر.

الجملة الأولى في كتاب عباس هي جملة فارقة، بل هي جملة يجب أن تكتب بماء الذهب، فالجزائر إلى يوما هذا لا يوجد بها قانون يحمي الجزائريين من تعسف السلطة، و بالتالي فقد توالي عليها المتعسفون الذين ساموا كرامتها و ساموا اختيارها، فليست انتخابات سنة 91 هي فقط التي تمت مصادرتها بل كل الانتخابات التي تمت في الجزائر هي انتخابات مزورة، و النظام القمعي يعلم ذلك، و هذا دليل على شرف هذا الشعب الجزائري الذي لو دخل في أي انتخابات نزيهة فلن يختار أبدا هؤلاء الجزارين لأنه يعرفهم أتم المعرفة، و كونه لا يحمي أصواته و لا يدافع عنها و لا يحارب التزوير هو بسبب عدم Ù! �جود قوانين تحميه بل وجود العصا التي ستنزل على جبينه، فهو تحت القهر يعيش منذ الاستقلال، و هو ما ينذر بأن ثورة إعادة الاستقلال المصادر آتية لا محالة و إن كابر المكابرون.

نقطة أخرى تحدث عنها عباس تحتاج منا إلى ألف وقفة، فعباس الذي لم يسكت عن قول الحق في عهد بن بلة، لم يسكت أيضا في عهد بومدين رغم دكتاتوريته، فهذا الرجل الذي حكم الجزائر إحدى عشرة سنة( 1965-1976) بأمرية ( أمرية 10 جويلية 1965) عاد سنة 1976 ليفرض على الجزائر دستورا وصفه فرحات عباس بأنه " مقبرة للحريات العمومية "، و هذا ما جعله يتعرض للاعتقال و الوضع تحت الإقامة الجبرية، خاصة بعد البيان الذي وقعه رفقة الشيخ خير الدين و بن خدة و حسين لحول في نداء إلى الشعب الجزائري، و ها هو يتحدث في كتابه عن قيمة حرية الرأي و الفكر، فيقول أن البيان الذي أرسله إلى الشعب لم ي! كن أكثر من حق و واجب عليه في نفس الوقت، فبومدين الذي أراد من خلال الدستور أن يكرس حرية الرأي لم يكن يقبل بحرية الرأي، و هذه هي قيمة الدساتير في الجزائر، فالحريات المكرسة فيه أي التي أعطيت للشعب باليد اليمنى للسلطة سرعان ما تؤخذ و تصادر باليد اليسرى لنفس السلطة، فهي دساتير صورية، و هي حريات مكذوبة و غير حقيقية.

ما الذي يجعل بومدين يتأخذ إجراءات تحييدية ضد عباس و رفاقه الثلاثة، يقول عباس أنه هو و رفاقه دافعوا عن الجزائر و عن استقلال الجزائر في الوقت الذي ما زال فيه بومدين لم يولد بعد، أليست هذه مفارقة و دليل على أن بومدين كان يغامر و أنه كان يحلم بزعامة ما على طريقة الزعماء الشيوعيين الذي كانوا موضة في تلك المرحلة، على كل حال فحرية الرأي خاصة الرأي السياسي لا غنى عنها لأي دولة ديمقراطية، و نحن في الجزائر إلى يومنا هذا لم نصل إلى حرية الرأي المنشودة إن لم أقل أننا بعيدون عنها بعد السماء عن الأرض.
نعم كما يقول عباس فحرية الرأي هي الضمان لتكوين الشعب سياسيا و تسلحه أخلاقيا و بعد ذلك لتطوره و رقيه، دون حرية الرأي لا يمكن للشعب أن يكون إلا شعبا ميتا " sans liberté de parole , un peuple ne vit pas"، و الجزائر اليوم أحوج ما تكون إلى أبنائها ليتكلموا و يتكلموا و يقولون كل شيء للشعب لتنويره و توجيهه، ففرحات عباس يحدثنا أنه أثناء اعتقاله في أدرار في عهد بن بلة تعرض للمرض فقال له أحد رفاقه في الكفاح و هو رجل مسن :" لقد قدمت كل ما يجب عليك تجاه وطنك، أغلق عليك بابك و ليسعك بيتك، و توقف عن الكلام، عليك أن ترتاح"، يقول عباس، كان هذا منطق العقل لكن هل يستطيع الإ! نسان أن يعيش هكذا في برج عاجي لا يحس بما يحسه الشعب من انعدام للعدالة الاجتماعية ؟؟؟ بمستقبل الأشخاص الذي سيولدون في المستقبل و بحياتهم ؟؟؟ نحن أولى بفعل هذا من غيرنا، نستطيع أن نفعل ذلك كما كنا في شبابنا خاصة واجب الكلمة و الشهادة لأن الإسلام يأمرنا بأداء الشهادة.
فرحات عباس بنظرته الثاقبة كتب بأنه يكتب شهادته في الوقت الذي يحضر غيره لانقلابات، و لم يكن يدرك ربما أن الانقلاب الذي حدث لم يكن من مناضلين مثله في سبيل خير الجزائر، بل مناضلون مشبوهون لإلحاق الجزائر بفرنسا من جديد.

أقول في ختام مرافعتي و التي أردت فيها فقط أن أبين أن واجب الشهادة و الكلمة ملقى الآن على عاتق شباب الجزائر المخلصين للتفكير جديا في مستقبل الجزائر، و في هذه الاستقلال الذي تمت مصادرته و كيف يمكن استرجاعه، فيا شباب الجزائر كونوا على موعد مع التاريخ فإن ما لا تقومون به أنتم سيقوم به غيركم، فحوزوا شرف السبق، و يا تاريخ دون.
حوار
شاب1: هذا فيديو يتحدث عن أزمة الجزائر.
شاب2: العالم المتقدم يفكر في كيفية صناعة عمود فقري و أنتم تتحدثون عن التاريخ القذر للجزائر
شاب3: يا سيدي العالم المتقدم يتحدث عن صناعة العمود الفقري و نحن عمودنا الفقري اعوج بسبب هؤلاء الذين أفسدوا علينا حتى هواء الجزائر.
شاب1: أنا لا أؤمن أن هذا الشعب سيصل يوما إلى فعل شيء.
رفع الستار

بوصيدة فيصل

1 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))