الجمعة، 20 مايو، 2011

الأزمة الجزائرية :الفصل الأول الجزء الأول



مقدمة
لم أكن متحمسا للكتابة رغم إلحاح كثير من الاخوة المهتمين بالشأن الجزائري. وقد اكتفيت بإبداء رأيي في بعض الأحداث عبر صفحات القدس العربي والزمان الصادرتين في بريطانيا وعلى صفحات الرأي في بعض مواقع الانترنت الجادة، اقتناعا مني أن الكتابة فن له أهله. لكن بعد اطلاعي على مجموعة من الكتابات والدراسات التي تناولت القضية الجزائرية أدركت أن جانبا مهما من الحقيقة سيدفن تحت ركام التحاليل النظرية والشهادات الكاذبة التي جندت لها الأطراف المسؤولة عن الأحداث كل إمكانياتها المادية والبشرية. ولذلك عزمت على تقديم شهادتي على الجانب الذي عايشته من الأحداث بكل أمانة ووضوح آملا أن يساهم ذلك في تسليط الضوء على زوايا محجوبة من الصورة الحقيقية للقضية ويقطع الطريق على المتلاعبين بالذاكرة الجماعية للشعب الجزائري. خاصة وأن كثيرا من المعنيين بهذه الشهادة أحياء مما يتيح لهم فرصة تمحيص ما جاء فيها إثباتا أو انتقادا أو تصويبا حتى تكون شهادة موثقة للأحداث لا وجهة نظر خاصة بشخص. ولا يفوتني في مستهل هذه الشهادة أن أوضح أن ما جاء فيها يدل على ما يعنيه ظاهر الكلام دون تأويل ولا خلفية من أي نوع، كما أن توظيفه في غير ما يدفع عجلة الإصلاح والمصالحة بين الجزائريين مردود على صاحبه، لأن الغرض الوحيد من نشر هذه الشهادة في هذا الظرف هو توثيق الحقيقة وتمحيصها
الفصل الأول

الجزء الأول

علاقتي بالأزمة الوطنية

نشأت والحمد لله في عائلة مشهورة بإخلاصها للوطن وبلائها في الدعوة إلى الله بالقدوة الحسنة قولا وعملا فكان بيت عائلتي الجحر الآمن الذي زرأت إليه ثورة التحرير الوطني في بلديتنا (القرارة) بعد أن اشتدت وطأة الغزاة الفرنسيين على الشعب الجزائري وتراجعت إرادة الانصار في دعم المجاهدين، كما كان ذات البيت قبل ذلك مورد علم وتربية لمن أصبحوا أهل فضل وإمامة في المنطقة.
التحقت بالكلية العسكرية لمختلف الأسلحة بشرشال في 10 سبتمبر1978 واستفدت مع كثير من الطلبة الضباط من مكتبات الكلية في توسيع دائرة معارفنا العلمية والثقافية وتزكية أخلاقنا وفق ما تسمح به الخطة الأسبوعية للتدريب. ورغم قلة فقهنا فقد كنا نجتهد في التمييز بين العلم النافع الذي تستقيم به الفطرة البشرية وتسعد به المجتمعات كما ورد في مؤلفات العلماء العاملين المخطوطة عبر التاريخ الإنساني الذي كان لأمتنا المجيدة نصيبا وافرا من صناعته وبين ما يمكن إدراجه جملة في مجال الشعوذة والتطرف أو الترف الفكري. فاكتسبنا بذلك حرية في الفكر واستقلالية في الرأي لا يستسيغهما العبيد ولا يحتملهما الطغاة.
وفي منتصف ليلة من ليالي شهر مارس 1979 قامت فرقة من مديرية الأمن العسكري باعتقال مجموعة من الجمهرة الثانية للطلبة الضباط وتبين لنا بعد التحري أنهم عناصر نشطة من الخلايا الشيوعية التي أنشأها المتعاونون السوفيات في صفوف الإطارات العسكرية. وتحركت في أعماقنا إرادة عفوية للدفاع عن هويتنا المستهدفة في هذه المؤسسة الوطنية الخطيرة.
وقد كان توجه القيادة السياسية العليا والقيادة العسكرية على مستوى الكلية عاملا مشجعا لنا في أخذ المبادرة. فشعر بعض الطلبة الضباط بضرورة العمل على مواجهة المد الشيوعي ومحاصرة عناصره بجدية والاجتهاد في تعميق المقومات الشخصية الجزائرية داخل المؤسسة العسكرية، على أن يكون ذلك في إطار القوانين المعمول بها وبالاستعانة بجميع المخلصين من القيادات واستثمار جميع النصوص والمراسيم المثبتة في المواثيق الوطنية المعتمدة، وبإعطاء المثل في الكفاءة المهنية والانضباط الميداني. وقد حرصت على أن أكون أول معني بهذا التحدي، فوجهت كل قدراتي ووقتي لاكتساب أوسع خبرة عسكرية وأكبر قدر من الثقة لدى القيادات العسكرية والجنود الذين أعمل معهم فكنت في مقدمة قوائم الناجحين في جميع الدورات التي أجريتها، وعلى رأس المتطوعين في المهام الصعبة التي كلفت بها الوحدات التي عملت بها. ورغم أن الجميع كانوا يعرفون موقفي الصريح من دعاة التغريب والتشريق إلا أن القبول الذي حباني الله به في أوساط التيار الوطني قادة ومرؤوسين كان عامل حماية قوي لي من العناصر المعادية للمفهوم الأصيل لاستقلال الجزائر.
بعد تخرجنا مبكرا في جانفي1981 كان الطلبة الضباط الذين تركناهم في الكلية العسكرية أشد حرصا منا على مواصلة المسيرة. فانتعشت الـصحوة الوطنية وامتد أثرها في عمق المؤسسة العسكرية. وقد كنا نستقبل الضباط الأحداث بعد تخرجهم لحمايتهم من الانحراف خاصة وأن كثيرا من الضباط القدامى تعرضوا لتكوين إيديولوجي وتربوي غير متوازن حولهم إلى مستخدمين غير مسؤولين وميالين للهو والابتزاز.
وقد كنت بدافع من الحرص أحث زملائي الضباط من مختلف الأسلحة على الاجتهاد في اكتساب الخبرات وإعطاء أحسن الأسوة للضباط الأحداث وبعث اليأس في قلوب الانتهازيين والوصوليين. ومع ذلك فإنني لم أفكر في أية محاولة للتنظيم أو التخطيط للمساس بأمن الدولة الجزائرية ومؤسساتها ولم يبادر إلى ذلك أحد من الضباط الذين عرفتهم في حدود علمي.
لكن تطورات الموقف المفاجئة والـتحولات المتسارعة في المسيرة السياسية الوطنية منذ أحداث أكتوبر 1988 وضعت العسكريين المخلصين في الجزائر أمام أمر واقع لا يجوز الحياد حياله للشرفاء، خاصة بعد تبني الدولة للتعددية الحزبية. لأن الأمر يتعلق بالوجود الفعلي للجزائر نفسه. فإما أن تتجسد في الواقع سيادة الشعب الجزائري وحريته في إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية المستقلة، التي وثق هويتها ملايين الشهداء بدمائهم وعلموا حدودها بجماجمهم من أجل رد الاعتبار لمقومات الهوية الوطنية وتمكين الشعب الجزائري من الاعتزاز بأمجاده التاريخية بكل كرامة وحرية على غرار الشعوب الحرة ذات السيادة. وإما أن تعود الجزائر إلى انتداب فرنسي يفقد المواطن في ظله هويته و كرامته إلى غير رجعة. وهذا مع الأسف ما لم تستوعبه عقول الذين انخرطوا في مشروع التدمير الذاتي المراد بوطنهم وشعبهم من العسكريين والذي بدأوا مشوارهم في تنفيذه تحت شعار إنقاذ الجزائر من أصولية الجبهة الاسلامية للانقاذ. وسوف لن تتوقف بهم الأوهام عند حد التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب العالمي على حساب المصلحة الوطنية إذا لم يستوعبوا هذه الحقيقة
إرهاصات الأزمة
بعد مقتل الشيخ مصطفى بويعلي أمير الحركة الإسلامية الجزائرية المسلحة واعتقال أتباعه سنة 1987 خمدت فكرة العمل المسلح فترة قصيرة لتظهر بعد إقرار التعددية الحزبية من طرف الرئيس الشاذلي بن جديد، ولكن في شكل تحركات مشبوهة لعناصر الهجرة والتكفير. وقد بدأت هذه التحركات في الوقت الذي كان فيه أتباع الحركة الإسلامية الجزائرية المسلحة في السجون وكان الدعاة الإسلاميون غارقين في تعبئة الجماهير وتجنيدها لخوض الانتخابات المحلية المنتظرة سنة 1990.
وكانت أول مبادرة لهذه العناصر، تلك التي قام بها أمير الهجرة والتكفير على منطقة بومرداس المسمى "محمد وارت" المدعو "محيي الدين وريث". إذ قام بمحاولة استدراج مجموعة من ضباط الصف العاملين في الفيلق الرابع للمظليين المتمركز في مدينة الأغواط والفيلق 12 للصاعقة المحمولة جوا المتمركز في منطقة بسكرة بغرض القيام بعملية استيلاء على كميات من الأسلحة والذخيرة. وقد كان الوسيط بين محيي الدين وضباط الصف المعننين بالموضوع جنديا احتياطيا أدى خدمته الوطنية في صفوف المظليين اسمه حسن حطاب.
وقد ادعى محيي الدين أن القيادة المركزية للحركة الإسلامية كلفته بالإعداد للجهاد في سبيل الله، وبعد التحري عن هذه الدعوى أكدت قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ ورابطة الدعوة الإسلامية لأحد ضباط الأمن المخلصين (ن.ب) أن قيادة الحركة الإسلامية بكل توجهاتها تتبرؤ من أي عمل مسلح ولا تعرف أحدا من رجالها باسم "محيي الدين وريث " وأنها تعتقد أن هذه المحاولة عمل مخابراتي ينبغي تفادي الوقوع في شباكه. فنبه ذلك الضابط ضباط الصف المعنيين وحذر حسن حطاب من العودة إلى مثل هذه الوساطة المشبوهة. والحقيقة أن الذي دفع الضابط (ب.ن) إلى عدم اتخاذ إجراءات صارمة ورسمية ضد حسن حطاب ومن وراءه هو اعتقاده اليقين بأن الكشف عن هذه القضية سيستغل لضرب كل من يطمح إلى تخليص الجيش من قبضة الشرذمة الفرنكوشيوعية المتحكمة في هيئاته المركزية لاسيما وقد قطع التيار الوطني شوطا طويلا في التدافع معها وحقق تقدما ملموسا في رد الاعتبار للهوية الوطنية، كما أن الجندي الاحتياطي الوسيط حسن حطاب لم يكن متهما بالغلو أو التطرف بل كان واحدا من عدائي النخبة في سلاح المظليين. وكان المرجو أن تنتهي هذه القضية عند هذا الحد. وهو ما حصل فعلا.
أما المبادرة الثانية فقد قامت بها طائفة الهجرة والتكفير التي يتزعمها صديقي نور الدين إذ قامت عناصرها بنفس المحاولة مع عسكريين في الناحية العسكرية الأولى بالبليدة وفشلوا فيها. كما قاموا بعمليتين استهدفت الأولى حانة في أعالي العاصمة استولوا على خزنتها وقتلوا صاحبها، فيما استهدفت الثانية مخزن المتفجرات الجهوي لمركب الحجار الصناعي حيث تم الاستيلاء على طن من المتفجرات 1000 كغ بالتواطئ مع حارس المخزن.
وباستثناء بعض الكهول الطيبين الذين تورطوا مع هذه الطائفة المنحرفة عن حسن نية أمثال عمي مختار أو بعض المراهقين من الشبان أمثال حسن حطاب فإن أغلب عناصر هاتين المجموعتين تربوا في أحضان الشرطة والمباحث التي تعرف عنهم ما يمكنها من التحكم في كل حركاتهم وسكناتهم بما يناسب مخططاتها الأمنية.

ومن أخطر ما قامت به عناصر هذه الطائفة في تقديري هو إعلانهم التوبة على الملإ في مهرجانات أقاموها في مساجد العاصمة خاصة في الفترة ما بين 1989 و 1990؛ لينتقلوا في نظر عامة الناس فجأة من عناصر منحرفة تعتقد كفر الشعب الجزائري واستباحة دماء المسلمين وأعراضهم إلى مجموعات منظمة تقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باسم الكتاب والسنة ومنهج السلف. فتسلطت هذه الشراذم الضالة على الشباب الجزإئري العفيف الذي نشأ في أحضان الحلقات المسجدية والمدارس الوطنية الرسمية على مرأى و مسمع من أجهزة الدولة الأمنية.
وبعد أن تم اختراق صفوف التيار الإسلامي من خلال عملية التوبة المزعومة، قامت أجهزة الأمن باعتقال من تعاظم خطره من هذه الطائفة سنة 1991 وتمت محاكمتهم في القضية المعروفة بـ"نوح و جماعته" نهاية سنة 1992 ونفذ حكم الإعدام فورا في بعضهم. في حين بقيت عناصر أخرى تتحرك وكان لنشاطها أثر بالغ على الأحداث أمثال، علي زوابري، محمد علال (موح ليفيي)، فتح النور... وآخرين.
لم تكن أجهزة الأمن تتابع تحرك هذه الطائفة وحدها بل إن اهتمامها بالشباب الجزائري الذي التحق بصفوف المجاهدين في أفغانستان كان أكبر. فقد وضع جهاز المخابرات جميع هؤلاء الشباب تحت المراقبة المباشرة لعناصره المبثوثين بينهم والمتعاونين معه من مصالح الإستخبارات الدولية. وتشرف على هذه العملية خلية متابعة متخصصة على منظومة من الإعلام الآلي في غرفة العمليات التابعة للمديرية العامة للوقاية والأمن بمركز الاستنطاق الخاص بالإسلاميين ببن عكنون. وأعتقد أنه كان من المفترض الزج بهؤلاء الشباب في ميدان الصراع في الوقت المناسب، فقد صدرت تعليمات استثنائية بعدم التعرض لهم عندما شن النظام الجزائري حملتي الاعتقال على مناضلي الجبهة الإسلامية للإنقاذ في جوان 1991 وجانفي 1992.
وإلى غاية شهر مارس 1991 لم يكن في تقديري أي واحد من الاسلاميين المعتبرين يخطط للعمل المسلح بما في ذلك قدامى الحركة الإسلامية الجزائرية المسلحة أمثال عبد القادر شبوطي وبعة عز الدين الذين أمسكوا عن أي نشاط من شأنه عرقلة المسيرة السياسية الموفقة للجبهة بعد الإفراج عنهم في إطار العفو الرئاسي العام سنة 1990. أما منصوري الملياني فقد كان يعتقد أن المبادرة إلى العمل المسلح مستحيلة قبل خمس (5) سنوات وبقي على هذا الإعتقاد حتى بعد انضمامه إلى السعيد مخلوفي وعبد القادر شبوطي سنة 1991. هذا ما استفدته شخصيا من علاقتي بالمعنيين و أكده لي كل من التقيت بهم في السجن وخارجه من المحسوبين على العمل الاسلامي المسلح. ..

الحركة الإسلامية المسلحة(حقيقتها وعلاقتها بالجبهة):

بدأت الحركة الإسلامية المسلحة في شكل مشروع احتياطي وقائي سلمي بدون شعار ولا بنية تنظيمية. و كان الهدف منه حماية ظهر الجبهة الإسلامية للإنقاذ من غدر محتمل تبيته أطراف نافدة في السلطة الحاكمة. هذا ما توصلت إليه بعد دراسة متأنية لحيثيات هذا الشعار.

فبعد أن تصاعدت حدة المواجهات بين قيادة الجبهة المصرة على المطالبة بانتخابات حرة ونزيهة من جهة والنظام المصر على تزويرها والاستعداد الميداني لفرض الأمر الواقع بالقوة (بداية 1991)، أصبح التفكير في حماية أنصار المشروع الإسلامي من الإبادة الجماعية التي يدبرها أعداؤهم داخل المؤسسات الأمنية أمرا يشغل بال كثير من أنصار المشروع الاسلامي في الجزائر. وبعد تشاور محدود بين كوادر من الجبهة الاسلامية والمتعاطفين معها تقرر تكليف السعيد مخلوفي بالإشراف على إجراءات وقائية تحمي ظهر الجبهة من الغدر المحتمل، على أن يكون ذلك سلميا وبعيدا عن الجبهة كتنظيم سياسي معتمد. و قد عول السعيد مخلوفي على إمام مسجد سيدي موسى الشيخ عبد القادر شبوطي في الاتصال بقدامى حركة الشيخ مصطفى بويعلي وتشاور معهم في الموضوع فرحب بالمبادرة بعة عز الدين ورابح قطاف والشيخ أبوبكر وآخرون وتردد بعضهم أمثال الملياني وحسين عبد الرحيم وتحفظ البعض الآخر مثل مصطفى معيز والشيخ رائد. أما السعيد مخلوفي فقد قام باتصالات عديدة مع الضباط الذين توسم فيهم الإنصاف في موقفهم من المشروع الاسلامي و قد كنت من بينهم .
وكان أول لقاء جمعني بالسعيد مخلوفى فى منتصف شهر مارس سنة 1991 وقد حضر اللقاء كل من عبد القادر شبوطي ومنصوري الملياني ورابح قطاف والنقيب أحمد بن زمرلي والملازم الأول زلة نعمان وضابطان آخران. وقد تجدد اللقاء بيننا وحضره زيادة على المذكورين بعة عز الدين. و قد كانت الفكرة التي حاول السعيد مخلوفي عرضها خلال الجلسات تتمحور حول ما يلي:
1 ـأن بوادر انقلاب عسكري يستهدف وقف المسار الديمقراطي الذي أتاح للإسلاميين فرصة الوصول إلى السلطة أصبحت أكثر من واضحة من خلال تزامن إصدار قانون التقسيم الإداري الجديد مع تحريك الوحدات العسكرية المرابطة على الحدود المغربية وتكثيف التواجد العسكري في العاصمة وضواحيها، خاصة بعد ما أظهره الرئيس الشاذلي بن جديد من حياد في التعامل مع الأحزاب السياسية. وهذا الإفتراض يقتضي اتخاذ إجراءات احتياطية لإفشال مشروع الانقلاب وسياسة الأمر الواقع الذي يراد فرضه على أغلبية الشعب الجزائري من طرف أقلية أعلنت صراحة عن تنكرها لمقومات الهوية الوطنية جملة و تفصيلا.
2 ـأن قرار الانتقال إلى تنفيذ الإجراءات المفترضة يعود حصرا إلى قيادة الجبهة ممثلة في الشيخين عباسي مدني و علي بن حاج الذين عليهما أن يعلنا عن ذلك بناء على نتائج اتصالاتهما بالرئاسة والحكومة ويتحملا مسؤولية ما يترتب عليه من تبعات.
3 ـأن إلغاء تلك الإجراءات يعتبر من تحصيل الحاصل في حالة اتفاق قيادة الجبهة مع الحكومة على حل يفوت الفرصة على المتربصين بالجزائر. وكانت نصيحتي للسعيد مخلوفي ومن معه أن يتريثوا ولا يستبقوا الأحداث ما دام السجال على الأرض سياسيا أما إذا اتضح الأمر فعندها سيكون لكل حادث حديث.
ومما تقدم يتضح أن الفكرة لم تكن قائمة على المكيدة أو المساس بأمن الدولة كما لم تكن تهدف إلى أخذ المبادرة في استعمال القوة ضد المعارضة العلمانية سواء داخل النظام أو خارجه وإنما كان التفكير فيها لغرض مشروع يتمثل في وقاية الجبهة في مسيرتها السياسية السلمية التي انتهجتها على غرار سائر الأحزاب في الجزائر بعد أن دلت القرائن على أن دوائر مجرمة تخطط لفرض أجندتها على الرئيس بتسخير المؤسسات الأمنية وعلى رأسها الجيش الوطني الشعبي لسحق كل من يرفض الأمر الواقع الذي يكرس الردة عن كل المقومات الوطنية للشخصية الجزائرية. وإذا كانت الجبهة الاسلامية هي المستهدف المعلن عنه فإن قائمة الاستهداف الحقيقية تشمل كل التيار الوطني الذي يطمح إلى التحرر من التبعية لفرنسا. كما يتضح أيضا أن التفكير في إنشاء الحركة الاسلامية المسلحة كتنظيم لم يكن واردا في هذه المرحلة وإنما جاء لاحقا بعد التأكد من عزم حزب فرنسا في النظام على استئصال الجبهة الاسلامية للانقاذ كحزب سياسي معارض، والدليل على ذلك هو تأخر الإعلان عن اعتماد الحركة إلى أن صارت الجبهة في حكم المحظور خلال شهر مارس 1992 في العدد الاول من نشرية "النفير"، رغم أن هذا الشعار كان معروفا منذ ظهور حركة الشيخ مصطفى بويعلي الأولى سنة 1979.
أما الاتصال بي فكان على أساس ما يقتضيه التناصح المخلص وإبراء الذمة مما يمكن أن تتمخض عنه الأحداث ولم يكن أبدا على حساب التزاماتي تجاه مؤسسة الجيش الوطني الشعبي وقد كان الاتصال بالضباط على أساس فردي ودون ترتيب مسبق. وسأعود إن شاء الله إلى تحرير القول في علاقتي كضابط في الجيش الوطني الشعبي بالسعيد مخلوفي و من معه كمعارضين للنظام وموقفي الشخصي من القضية في مرحلة لاحقة من هذه الشهادة.
المواجهة
قبل أن يتمكن السعيد مخلوفي من إتمام مشاوراته، كانت قيادة الجبهة قد اتخذت قرارا بالإضراب العام مما أدخل السعيد و الموافقين لرأيه في سباق مع الزمن من أجل اتخاذ إجراءات استعجالية لتدارك الأمر.
كان الانتقال إلى تنفيذ تلك الإجراءات متوقفا على قرار قيادة الجبهة التي كانت تدير المواجهة السياسية مع النظام. وكان الهدف منها إفشال عملية الإبادة الجماعية المبرمجة التي تستهدف مناضلي الجبهة والمتعاطفين معها وتمكين قيادة الجبهة من الاحتفاظ بالمبادرة في تفاوضها مع الرئاسة والتعامل مع الأحداث كما سبقت الإشارة إليه.
أما مضمون هذه الإجراءات فيتلخص أساسا في نقطتين:
1 ـ تأمين حماية قيادة الجبهة من الاختطاف أو الإغتيال وضبط النظام أثناء عملية الاضراب في العاصمة وضواحيها. و يقوم بهذه المهمة عبد القادر شبوطي ومساعديه المدنيين غير المسلحين بأي نوع من السلاح.
2 ـ عدم إطلاق النار على المتظاهرين العزل في حالة صدور الأمر بذلك من طرف القيادة العسكرية العليا إلا في حالة الدفاع عن النفس أو حماية المؤسسات من عمليات التخريب وبعد إعلان حالة الطوارئ من طرف الرئيس الشاذلي بن جديد شخصيا. والمعني بهذا الإجراء هم الضباط الرافضون لمبدإ إطلاق النار على المدنيين، الموزعون داخل الوحدات القتالية المرابطة في العاصمة والتي تعتمد أساسا على القوات الخاصة أو الوحدات الفرعية التي يقودها ضباط رافضون للقمع في الوحدات القتالية المنتشرة عبر التراب الوطني.
لقد كانت هذه الإجراءات استعجالية بكل المقاييس وتعتمد على الاستعمال السلبي للقوة اقتضتها خطورة الموقف والوتيرة المتسارعة للأحداث ولم ترق إلى مستوى خطة لا في الشكل ولا في المضمون، ومع ذلك فإنها كانت كفيلة بتحقيق الحد الأدنى من الهدف المرجو لو قدر لها أن وضعت حيز التنفيذ. لكن لأسباب مجهولة إلى حد الآن قامت مجموعة من أعضاء المجلس الشوري للجبهة بالانقلاب على قيادتها وانضمت إلى الدائرة السوداء في السلطة وأعلنت على الملإ أن عباسي مدني يريد الزج بالجزائر في مجزرة بالتعاون مع عناصر عسكرية يجهلون هويتها، مما جعل القيادة العسكرية العليا تتخذ إجراءات طارئة مضادة لتدارك الموقف أهمها :
1 ـالدخول في مفاوضات مع قيادة الجبهة لإيهامها بإمكانية التوصل إلى حل وسط يستجيب لمطالبها.
2 ـ إجراء تحويلات استثنائية داخل صفوف الجيش تشمل مختلف الأسلحة البرية وفي جميع المناطق.
3 ـتعديل الخطة العسكرية من عملية مواجهة شاملة تقوم بها القوات المسلحة على المستوى الوطني تستهدف مناضلي الجبهة والمتعاطفين معها إلى عملية محدودة بديلة تقوم بها وحدات التدخل السريع للدرك والشرطة والمخابرات دون مشاركة الجيش وتقتصر على قمع مناضلي الجبهة المعتصمين في الساحات العمومية. وفي نفس السياق من التضليل أصدرت القيادة العليا تعليمات مكتوبة وموقعة من طرف قائد أركان الجيش اللواء قنايزية وقائد القوات البرية محمد لعماري يؤكدان فيها حياد الجيش ويشددان على عدم إطلاق النار على المتظاهرين وقد نزلا شخصيا إلى ثكنات الوحدات الخاصة لشرح هذه التعليمات وأكدا على أن أمر إطلاق النار يجب أن يكون مكتوبا وممضيا عليه من طرفهما معا. مما بعث ارتياحا عاما في أوساط الجيش وأعطى الانطباع بأن قيادة الأركان لن تسمح بتوريط الجيش في السجال السياسي.
لقد كانت الطعنة المسمومة التي وجهها الفقيه ومن معه إلى الجبهة في الظهر كافية لقلب الموقف رأسا على عقب، حيث استعاد الاستئصاليون في السلطة زمام المبادرة في توجيه الأحداث ودب الاضطراب في صفوف أنصار الجبهة فأعلنت قيادتها عن وقف الإضراب بناء على الاتفاق المتوصل إليه مع الحكومة ورئاسة الجمهورية. فكان هذا الإعلان إيذانا كافيا بعدم الحاجة إلى التدخل في مسار الأحداث من طرف العسكريين ولذلك بقيت هذه القضية في طي الكتمان ولم تعلم بتفاصيلها مصالح الاستخبارات إلا بعد اعتقالنا في شهر مارس 1992. ولكن شعور القيادة بوجود معارضين لمشروعها الاستئصالي داخل المؤسسة العسكرية كان السبب المباشر في تعطيل آلة الموت التي كانت عازمة على إدارتها لحسم المواجهة مع المعارضة الاسلامية.
وللتاريخ أقول إن الشيخ عباسي مدني لم يراهن أبدا على العسكريين كما يزعم كثير من المتطفلين على الأحداث، بل يمكنني أن أؤكد بأن الرقيب محمد قنوني حاول أن يظهر له تعاطفه مع الجبهة قائلا: إن أنصار الجبهة في الجيش مستعدون للدفاع عنكم يا شيخ! فأجابه الشيخ عباسي: نحن لسنا في حاجة إلى من يدافع عنا، فالجبهة قادرة على أن تأكل الجيش بدباباته إذا أرادت. كما أؤكد أنه لا أحد من الضباط العاملين المتهمين بالإنتماء للتيارالإسلامي في هذه القضية التقى مع الشيخ علي بلحاج أو بادله الحديث في هذا الموضوع في هذه الفترة.

2 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))