الاثنين، 16 مايو، 2011

زيد يا بوزيد أو النظرية البوزيدية

كنا صغارا نلعب في الوديان... وعند عودتنا نصادف في الطريق أحيانا بعض أشياخ المنطقة ببرانيسهم البيضاء الساطعة، ونحاول أن نتخفى عنهم استحياء، فيسأل بعضهم عنا والابتسامة تعلو محياهم، فيطرحون بعض الأسئلة عنا لمعرفة قدرة ذكائنا واستيعابنا للأشياء وشطارتنا، وعند الإجابات الصحيحة المتتالية، التي تكون عادة حول حفظ بعض سور القرآن الكريم، يقول لك الشيخ: زيد يا بوزيد، أي هات ما عندك من زاد.

حديثي هذه المرة عن ظاهرة في الجزائر قلّ نظيرها، وتتعلق بـــــ بوبكر بن بوزديد، هذا الوزير فوق العادة، الذي لم تؤثر فيه استقالات الحكومات أو إقالاتها، ولا ذهاب الرؤساء المعينين، ولا الاغتيالات، وظل صامدا صمود الجبال الرواسي التي لا تحركها الرياح العاتيات، حتى أصبح يلقّب عند البعض بأنه هو الحاكم الفعلي في البلاد.

لم تؤثر فيه احتجاجات الأساتذة بمختلف أطوارهم، ولم يؤثر فيه الرسوب المدرسي، ولا تسريب أجوبة الامتحانات في بعض الولايات التي أعلن من أنها تحصلت على المرتبة الأولى في نجاح البكالوريا كما وصلني من بعض المواطنين، ولا تدني المستوى التعليمي العام، ولم تؤثر فيه الكثير من الزوابع التي عصفت بالبلاد، سياسيا واقتصاديا... بل زادته تثبيتا.

والغريب في كل مرّة، أنه يخرج هو المنتصر، فيتحول المأتم إلى عرس، والرسوب إلى نجاح وتحطيم أرقام قياسية، والفساد إلى إصلاح، والاحتجاجات إلى هدوء، والبعد إلى قرابة، ويتحوّل رعب الإقالة إلى رعب لدى المواطن الذي يفكر في الإطاحة ببن بوزيد، وفقا لمقولة رضا مالك الرائجة، لابد أن يحول الرعب اتجاهه إلى الطرف الآخر، اللهم لا حسد.

هذه الظاهرة، حق على المؤرخين أن يدرسوها بعناية مركزة، وأن يفتحوا مراكز أبحاث حولها، ويستشيروا أهل الاختصاص في التعليم والبحث العلمي في كبريات الجامعات والمعاهد، وأن يطلقوا على بعض الأبحاث الناجحة نجاح التعليم في عهداته المتتالية "بالنظرية البوزيدية".

وأنصح المعلمين والتلاميذ، أن ينحتوا له تمثالا يوضع في مدخل كل مؤسسة تربوية عرفانا بالمجهودات التي قام بها، وحتى يترسّخ في أذهان من سيلحقون بالتعليم بعد مماتنا.

زيد يا بوزيد، لعلّها كلمة درويش وصلتنا، كان يرى فيها بن بوزيد في يقظته أو في منامه، وكلّما سقطت حكومة ردّد هذا الدرويش زيد يا بوزيد، أي ابق مكانك، وحتى هذه الظاهرة البوزيدية لعلّ بوتفليقة أخذها منه ومن يدري؟ وأصبح شعاره، بدلا من بناء دولة لا تزول بزوال الرجال، التي كان يرددها الرئيس الراحل هواري بومدين وهو المحسوب معه، أصبح الشعار الآن: "بقاء المسؤولين وتجديد العهدات مرات ومرات مهما احترق المواطن ومعه المؤسسات" وأصبح تمديد العهدات نموذجا يقتدى به في الرياضة وفي كل مكان، فها هو سرار وها هو حناشي وها هو سعدان، بل في كل القطاعات انتشرت البوزيدية، والجزائر بألف خير.

وصدّر بن بوزيد نظريته قبل أن تعتمد وقبل أن يأخذ جائزة نوبل للسلام، فها هو الفريق الوطني رغم خسارته في جنوب إفريقيا يعتبر بطل العالم عند البعض، وها هو العلم الجزائري يٌداس تحت الأقدام ويأتي من يحدثنا عن الوطنية من أمثال غلام الله، وها هو المواطن يعيش الغلاء ويعيش اليأس والإحباط ويأتي من يصور لنا الجزائر، كأنها اليابان...

لن يستقيل بن بوزيد من منصبه، فها هو زرهوني قد أقيل حسب بعض المتابعين وبقي بن بوزيد. ومن عينوه في هذا المنصب، لا يهمهم قطاع التربية، ولا تهمهم تربية الأجيال بقدر ما تهمهم العائدات وتحطيم روح المواطن الجزائري، وقد وضعوه كالجسر، يمرّ عليه كل من أراد أن يدرس في الخارج ويتحصل على المنحة، على حساب المواطن كما هو حادث في كل القطاعات.

12-07-2010
نورالدين خبابه

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))