الجمعة، 20 مايو 2011

كائنات الخبز والماء


الشعوب التي تحركها إرادة التغيير، هي الشعوب التي فهمت أن الإنسان لا يمكن أن يعيش بالخبز والماء وحدهما
وإنما يحتاج الى الكثير من السعة في الرزق، والكثير من المعرفة والكرامة، وخاصة الكثير من الأمل.

الأمل هو ما يجعل الشعوب تكافح من أجل تحسين حياتها غير المُرْضية.
أما الشعوب التي تكتفي بالقوت على الخبز والماء، فهي شعوب متواطئة مع فقرها وجهلها، شعوب كسولة لا تطمح للرفاهية ولا تحلم بتحقيق مكاسب أكثر. بمعنى آخر هي شعوب أشباح تأتي من ظلمات البطن وتذهب إلى ظلمات القبر دون أن تترك أثرا يشرّفها على الأرض، التي قال عنها الشاعر الكبير محمود درويش، على هذه الأرض ما يستحق الحياة!..

كائنات الأكل والشرب لا يفكرون كمجموعة بشرية بينهم مشترك يتقاسمونه، مثل التاريخ والحياة والمصير، إلى جانب المكان والزمان اللذين لا يمكن تجاهل حقوقهما، إنهم أحاديو الوجود، أنانيو المصلحة، فرادى الكينونة، لا يفكر أحد فيما يجمعه بالآخرين، ولا بحقوق الآخرين عليه كشركاء مجال... وبالتالي لا يتميزون عن الحيوانات لا بالمنطق ولا بالكرامة ولا حتى بالضحك، على اعتبار أن الإنسان حيوان ضاحك، كما يقول علماء الحياة، فحتى الدلافين والقردة قادرة على الضحك على بعضها البعض، وبالتالي لم يبق لهذا النوع من البشر ما يميزهم.
عندما نتأمل مصير الشعوب المتخلفة، وقد أصبحت قليلة نسبيا في الأرض، نجد أنها تشترك في ظاهرة غريبة، وهي عدم التفكير في الغد كمكان أفضل للعيش...

إنها شعوب منطوية على يومها، حدود حلمها كما يقول المثل الجزائري ''احييني اليوم واقتلني غدوة''... لا تفكر أن ''غدا يوم جديد'' ومن الواجب عليها أن تجعله أفضل. ليس صحيحا ذلك التعبير الذي ألفناه ''يا حسراه على أيام زمان''... هذا منطق الشعوب التي لا تنظر إلى الأمام بل إلى الوراء، بمعنى آخر شعوب لا تواجه المستقبل بكل ما يستدعي ذلك من جهد وفكر وصبر، بل تهرب منه إلى حاضرها المستكين.
فلنتخيل هذه الصورة العبثية: جحافل من البشر تمشي مُتلفِّتة للوراء.. من يضمن أن لا تسقط في الحفر!؟

غير أن تبعات هذا النوع من البشر أنهم حين يموتون لا ترتاح الأرض الطموحة للتطور من جثثهم، بل يتركون وراءهم سلالة مشوهة، عنيفة في التفكير والتعايش، يَتَوهَّم كل واحد منهم أنه أكبر من حجمه، كل المشترك مع الآخرين هو فريق كرة قدم مفضل أو أغنية يرقصون على إيقاعاتها الصاخبة.. جيل بلا طموح، يخاف من التفكير في المستقبل.. حتى الخبز والماء سَلَّموا توفيرهما لمتعهدين آخرين، آباؤهم أو أمهاتهم أو أخواتهم.. لا يطلبون تحلية سوى قصاصة حشيش أو قرص مهلوسات!؟ ما الداعي للتفكير في حياة فيها كد واجتهاد وفشل، وربما لا يأتي النجاح إلا بصعوبة بالغة...
هكذا يصبح أسهل طريق للذكر هو الاعتداء على عرق الآخرين بالعنف أو الاحتيال، وأسهل طريق للأنثى هو الرذيلة لتوفير مصروف الجيب والاصطفاف وراء التفاهة..
وبين ذاك وتلك ضاع معنى إنساني عظيم، وهو واجب التطور، هذا الواجب الذي نقل الإنسان البدائي من العيش في الكهوف إلى أمل العيش على كواكب أخرى.

أحيانا أفكر، ربما بنوع من التفاؤل، أن الإنسان خُلق ليعيش سعيدا، غير أنني أُقدِّر أن ثمن السعادة يكون في حجم طموح الإنسان، وفي الغالب يكون باهضا، لكنه يستحق التضحية.
إنني أشبه كائنات الخبز والماء بالجعارين التي تقضي حياتها تأكل التراب وتموت تحت التراب دون أن تترك أثرا يشرفها على الأرض.

عبد العزبز غرمول
16-05-2011
الخبر

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))