الاثنين، 16 مايو 2011

وطنيون بلاوطن


الحديث ليس عن اللاجئين الفلسطينيين الذين أرغمهم الاحتلال الصهيوني الغاشم على الهجرة، ولا الحديث عن الشيشان الذين طردهم الروس من ديارهم وأُخرجوا بغير حق، ولا عن الأفغان والعراقيين الذين اغتصبت أراضيهم من طرف الأمريكان الغزاة الذين نكّلوا بجثثهم...
وإنّما عن جزائريين مجاهدين وأبناء مجاهدين وأبناء شهداء، أرغمتهم الظروف ليفرّوا بجلودهم من الجحيم الذي عاشته الجزائر، بعد الانقلاب على الإرادة الشعبية.

ذلك الانقلاب الذي لازلنا لم نتخلص من تداعياته إلى اليوم، ولعلّنا نعيش هذه الأيام ذكرى اغتيال سي الطيب الوطني، الذي عاد من اللجوء بالمغرب بعد غياب دام طيلة 27 سنة، ليجد نفسه أمام عصابة مجرمة اغتالته على الهواء وأمام أعين الشعب، ولازال ملفّه أحد الطابوهات، لم يفتح إلى اليوم.

جزائريون حتى النخاع، خشية من وقوعهم في الفتنة الكبرى التي عصفت بالبلاد، وجدوا أنفسهم أمام أمر واقع، إمّا أن يكونوا قاتلين أو يكونوا مقتولين، فاختاروا أخف الضررين، وهي سنة فعلها المصطفى عليه الصلاة والسلام عندما طورد في شعاب مكة.

تعيش الجزائر في أعماقهم، يبكون لبكائها بكاء اليتامى، ويتأوهون ويتحسّرون كلما تحركت أوراق الشجر، أو هبّت ريح وسقطت معها قطرات المطر، كلّ يوم يمرّ عليهم دون العيش على ترابها النقي، يعتبرونه يوما ضائعا .

أجسامهم تحوم وتعوم خارجها، لكنّ الجزائر تعيش في وجدانهم، فرغم العيش الرغيد ورغم مغريات الحياة في الغرب، إلا أنهم لم يتأثروا يوما ببساتينها ولا باخضرارها وبمسابحها وفنادقها وشقراواتها... يتمنون أن يعيشوا بين أحضان شعبهم في كنف البساطة والتواضع ومشيا على التراب.

مشتاقون للكسرة التي كان يحملها المجاهدون عند صعودهم للجبال لمواجهة المستعمر الغاشم، مشتاقون لنسيم بحرها الأزرق، مشتاقون لذرّات رمالها الصحراوية الذهبية، مشتاقون لخضرة بساتينها المليئة بأشجار البرتقال ونخيلها وعنبها وزيتونها، مشتاقون للتحديق في ارتفاع جبالها الشماء ومداعبة الصبية والجلوس مع مشائخها.

يبكون الجزائر كبكاء اليتيم الذي تركه والداه، لم يعرفوا طعما لعيد ولا لموسم منذ أن غادروا الأهل والأصدقاء، كلّما أقبل نوفمبر وجويلية عليهم ذكّرهم بجيل الرجال فتنهدوا وبكوا على حال الجزائر التي وصل الحد بأبنائها إلى الانتحار في أعماق البحار ورميا على الجسور بسبب سدّ الآفاق، وسياسة لا أريكم إلا ما أرى.

يتابعون أخبار الجزائر ويعرفون كل صغيرة وكبيرة عنها، وأجزم أنك لو سألت من هم في الداخل على بعض الأشياء لما وجدوا إجابات عنها.

وجزائريون في المقابل يعيشون بأجسامهم فوق أرضها، وأرواحهم تسبح في أوربا وغيرها.

تراهم كلما ابتعدوا خطوة عن الجزائر أو باتوا ليلة خارجها، لعنوها وأهلها، كأنّ الجزائر كائن غريب عنهم، لا يحسّون بطعم الراحة ولا بالأمان إلا خارج الجزائر، فتراهم يعشقون كل ما هو أجنبي حتى ولو كان ما يخرج من الدبر، هناك منهم من هو فوق أرض الجزائر يتحدّث بغير لغة الجزائريين، ويدين بغير دينهم، بل لا يشبع إلا إذا أكل غير غلّتها ولا يهدأ له بال إلا إذا تنسم غير نسيمها، ولا ينام إلا إذا تغطى بغير غطائها ولبس غير كسوتها، وفرح غير أفراحها، بل هناك من بينهم حتى عندما يتشاجر مع شخص آخر يسبه بلغة أخرى.

لا وطنية لهم ولا علاقة لهم بالوطن، لكنهم هم من يحكمون الأغلبية، ليس بالإرادة، بل بالخداع والمكر والكذب، فالجزائر تحت رحمتهم إلى أن يثبت العكس، ويعود الوطنيون إلى وطنهم، وتنعم الجزائر بأبنائها الحقيقيين وتنهض بذلك على كل الأصعدة.

 نورالدين خبابه
26-06-2010

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))