الأربعاء، 15 يونيو 2011

الفصل الأول ،الجزء الرابع : الإعتقال


الإعتقال
كانت الساعة تشير الى الخامسة بعد الظهر من يوم 3 مارس 1992، خرجت من مسجد الأكاديمية العسكرية لمختلف الأسلحة بشرشال بعد أن صليت العصر و توجهت إلى مكتب الرائد عبد الحميد مسؤول أمن الجيش الملحق بالأكاديمية والذي كان بيني وبينه موعد سابق في إطار المتابعة العادية لملفات المرؤوسين.

دخلت المكتب فوجدت معه مجموعة من الضباط بالزي المدني والذين كان بعضهم يراقب تحركاتي منذ أن كنت خارج المبنى. بادرني الرائد عبد الحميد قائلا على غير عادته: حضرة النقيب القيادة العليا في العاصمة تطلبك وقد بعثوا فرقة من ضباط الأمن الرئاسي ليرافقوك. قلت : خيرا إن شاء الله. فقال لا أحد يعرف، حتى قائد الأكاديمية العميد غدايدية لم يتمكن من معرفة السبب. قلت إذن أذهب إلى البيت لأغير ثيابي (كان ذلك خارج وقت العمل الرسمي)... وهنا تدخل رئيس فريق الأمن الرئاسي العقيد عبد الله قائلا:

لا حاجة إلى ذلك فالوقت داهمنا وقد تم إخلاء ساحات الأكاديمية تماما ويجب أن تصحبنا بهدوء لا نريد لفت انتباه أحد. في نفس الوقت تقدم نحوي ضابطين في يد كل منهما مسدس في وضعية قتال فيما اقترب الثالث ليضع القيد في يدي اليمنى ويشده إلى يده اليسرى. خرجت معهم من المكتب لنجد ثلاث سيارات مدنية من نوع (جيتا) توقفت الوسطى أمام عتبة المكتب لنندفع فيها ووجدت نفسي بين الضابطين مشدود اليدين إليهما فيما وجه الثالث سلاحه صوبي من المقعد الأمامي. إنطلقت بنا السيارات الثلاث بسرعة جنونية عبر الطريق الساحلي الرابط بين شرشال والعاصمة.

وكانت مجموعات الإسناد وتأمين المسير منتشرة عبر الطريق، كلما مررنا بإحداها بلغت عن سير المهمة. وقد كنت معصوب العينين ولكنني كنت اسمع جميع التقارير الشفوية لأن شبكة الاتصال كانت على نظام الدارة المفتوحة. فبعد أن قطعنا مسافة قصيرة على الطريق السريع انعطفنا إلى بلدية مفتاح حيث تم تغيير الفريق المرافق ونقلت إلى عربة شحن مدرعة (صندوق فولاذي) لتنتهي بي الرحلة بعد أقل من ساعة إلى مركز استنطاق الإسلاميين ببن عكنون حيث اكتشفت حقيقة السلطة الفعلية في الجزائر وتعرفت على طبيعة عناصرها وحاورتهم وجها لوجه بدون وساطات ولا أقنعة واتخذت منهم موقفا مبدئيا. إنهم ليسوا تنظيما إرهابيا بالمعنى السياسي فقط وإنما هم عصابة من نوع المافيا بالمعنى التام للكلمة، وهذا ما قلته لهم بالحرف الواحد عندما كنت بين مخالبهم.
مركز استنطاق الإسلاميين

لن أتعرض إلى تفاصيل هذا المركز وإنما أكتفي بما لا بد منه لتوثيق الانزلاق الذي تهاوت فيه الجزائر بعد تفكيك مؤسسات الدولة الشرعية.
إن هذا المركز مؤسسة رسمية أنشئت بعد إعلان الجبهة عن مشاركتها في الانتخابات التشريعية في ديسمبر 1991على أنقاض ما كان يسمى المركز العسكري للمباحث والتحقيق وهو إحدى ملحقات المديرية العامة للوقاية والأمن. و قد تم تعيين العقيد ناصر على رأس هذه المؤسسة منذ نشأتها. وهو ضابط لا قيمة للشرف ولا للدين ولا للوطنية عنده إلى درجة جعلتني أعلن في جلسة محاكمتي العسكرية وبدون تحفظ بأنه يستحق الإعدام لأنه يشكل خطرا على أبسط معاني الإنسانية. وقد أراح الله الأرض منه مبكرا في شهر أفريل 1992 ليحل محله مؤخرا العقيد عثمان أو أيوب و هو الاسم الحركي للعقيد بشير طرطاق. أما العاملون في هذا المركز فيصنفون كالآتي:
1 ـ كتائب التدخل السريع التي تسمى سرايا الموت

وهي عبارة عن مفرزات خاصة تلحق بمجموعات التدخل السريع للقيام بعمليات الاقتحام والاختطاف وعمليات تطعيم الحرب. ويعتمد أساسا في تشكيل هذه القوات على مجندين من عناصر القوات الخاصة بدأ تحويلهم إلى صفوف الأمن منذ سنة 1990 وكانت أول عملية نفذوها هي اختطاف الشيخ عباسي مدني بعد اقتحام المقر الرئيسي لحزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ في جوان1991. وهم المسؤولون على اشتباكات عديدة مع مصالح أمنية أخرى منسوبة إلى الجماعات المسلحة كما أن حضورهم في بعض مجازر السجون في باتنة وسركاجي والبرواقية غير مستبعد ولا أعتقد أن أحدا غيرهم قادر على تنفيذ المذابح المبرمجة بالكفاءة العالية التي حصلت في ضواحي العاصمة. واستعمالهم اللثام أثناء تنفيذهم للمهام القذرة لن يمنع من تحديد هوياتهم ما دام بعض ضباطهم معروفين بحكم انتمائهم للقوات الخاصة سابقا.
2 ـ فرق المباحث والاستنطاق

و هي عبارة عن مجموعات من الضباط الأحداث المؤطرين بالقدامى من إطارات أمن الدولة المنحل متخصصة في التعذيب والاستنطاق. ويتم تكوين هؤلاء الضباط في أكاديميات ذات تاريخ عريق في الأمن على مدى خمس سنوات بعد الثانوية العامة ليتخرجوا مهندسين تطبيقيين في فنون التعذيب والاستنطاق وتحرير المحاضر المدينة لضحاياهم بتهم يحار فيها القضاة (هكذا قدم لي الرائد بن جرو الذيب جاب الله نقيبا مهندسا في التعذيب منهم).
3 ـ خلية الأركان

أما خلية أركان المركز فمكونة من ضباط من مختلف الأسلحة تابعين لمديرية أمن الجيش مؤهلين في التخطيط والمتابعة لعمليات القمع وتفريق الجماهير والمطاردة و قد تلقى أغلبهم دورات تدريبية خاصة في إيطاليا ويوغسلافيا والولايات المتحدة الأمريكية. ويزود مقر الخلية بمنظومة معتبرة للإعلام الآلي تتابع عليها ملفات الهيئات والأشخاص من رئيس الجمهورية إلى أحقر معني بالأمن في الجزائر. وعلى جدران المقر مخطط بياني دقيق لانتشار نقاط ومراكز المراقبة التابعة للمديرية العامة للوقاية والأمن بمنطقة الجزائر العاصمة و ضواحيها إلى البليدة .

ويعتبر هذا المركز أعلى هيئة أمنية في الجزائر وأقدر سلطة على محاسبة الآخرين ومعاقبتهم بدون استثناء من رئيس الدولة إلى أبسط أفراد الشعب. وهي المؤسسة الوحيدة التي تستمد شرعيتها من نفسها ولا تحتاج لتبرير ما تفعل. بل إنها الفاعل المجهول الذي لا يترك أثرا ولا يمكن إثبات وجوده إلا من طرف من يعرف العاملين فيه بأعيانهم. ومع ذلك فإن المسؤول المشرف على هذا المركز يعترف بأن هناك دوائر أمنية تابعة للدرك والشرطة والجيش تملك هامشا للمبادرة فيما لا يتعارض مع إرادة هذه المؤسسة السيدة.

إن هذه السيادة هي التي شجعت المدير العام للمخابرات المتحالف مع نزار في ذلك الوقت على المجازفة باختطاف قيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ وإرغام الشاذلي بن جديد على الاستقالة واعتقال اللواء بلوصيف واستقدام بوضياف وإقالة الفريق المختلط من العمداء الذي نفذوا الإنقلاب وتجريد اللواء العماري محمد من مهامه مداراة لبوضياف والسماح بتعيينه قائدا أعلى بعد مقتل بوضياف وتنصيب زروال والإذن له بمفاوضة عباسى مدني ثم إلغاء المفاوضات على لسان أويحي وإقالة زروال ثم أخيرا تنصيب بوتفليقة رئيسا وتكليفه بتنفيذ مشروع الوئام المدني والذي سيلغى إذا لم يساهم في تكريس سيادة المؤسسة التي لا تسأل عما تفعل.

إن هذا المركز ليس له عنوان رسمي ولا يتعرف على وجوه الزبانية العاملين فيه غير ضحاياهم الذين من المفترض أن لا يعرف مصيرهم أحد بعد دخول المركز. ولكن من طرائف تجربتي المريرة أنني أعرف بعض الضباط العاملين في هذا المركز معرفة جيدة قبل اعتقالي وأشرفت على تدريب بعضهم ومع ذلك فقد احتوى محضر استنطاقي على ثلاثة عشرة مادة للحكم بالاعدام من القانون الجنائي.

إن أخطر ما يتميز به العاملون في هذا المركز هو اقتناعهم الراسخ بأن ما يقومون به عمل غير شريف ومخالف للقانون ومضاد للمصلحة العليا للجزائر فضلا عن مخالفته للقيم الإنسانية. فهم لا يعذبون ضحاياهم من أجل استنطاقهم لجمع المعلومات وتحرير المحاضر فقط بل إنهم يجدون لذة في تعذيب ضحاياهم جسديا ومعنويا ونفسيا فيمكنك أن تتصور أي مشهد خسيس فيه إهانة للنفس البشرية وإهدار لكرامة الإنسان لتجد أبشع وأخس منه في هذا المركز. كما أن الضباط المشرفين على التسيير يفصحون عن حقيقتهم التي لا يجرأون على إظهارها خارج حصنهم. فالجزائر عندهم ليست سوى مصدر استرزاق.

 أما الولاء فهو لمن يدفع أكثر ولا يهمهم أن يكون من ولا ماذا يريد. فقد قال لي أحدهم بكل جدية على مسمع من الحاضرين أن مصير الجزائر لا يعنيهم والمهم عندهم أن يحافظوا على الامتيازات التي اكتسبوها وأنهم مستعدون من أجل ذلك أن ينفذوا أوامر فرنسا أو إسرائيل. كما أنهم لا يخفون حقدهم على أمجاد الجزائر وتاريخها فهم يسبون كل ما يمت لثورة التحرير بصلة سبا شنيعا لا يستثنون قيما ولا شهداء ولا مجاهدين بل يشتمون الشهداء الأبطال بالاسم إمعانا منهم في الحقد وإيمانا منهم بأنني أمثل الخلف الشرعي لأولئك الشهداء الأمجاد المتشبثون بالقيم. لقد كان ضحاياهم يستغيثون بالله وينطقون بالشهادة تحت التعذيب المميت فتبلغ بهم النشوة مداها وهم يصرخون "أعل هبل". لقد كانت بيني وبينهم جولات حاولوا فيها استنطاقي فاستنطقتهم باستخفافي بالموت وسبرت غورهم بالتحدي وأنا أشهد جازما أن أولئك الزبانية في حالهم التي كانوا عليها كفار بالله وبالوطن وبالشعب وبالإنسانية

وأن النظام الذي يقوم على مثل هؤلاء لا يمكن أن يكون سوى نظاما إرهابيا لا أمن فيه ولا أمان وأن أي محاولة لإصلاح الدولة في ظل وجود هؤلاء الشواذ خارج طائلة المساءلة والقانون تضييع للوقت وإهدار للجهد بدون طائل، وقد قلت لهم ذلك وأنا تحت رحمتهم وبصوت مرتفع جعل أحدهم (الرائد عبد القادر) يضربني بحقد شديد على عاتقي بهراوة ضخمة ضربة مازلت أشعر بألمها بعد ستة عشر عاما. إن هذا التشخيص مبني على ما سمعته بأذني ورأيته بعيني وعشته بنفسي في تلك الفترة الكالحة من الزمن وأنا أعرف المعنيين بأشخاصهم ولا أحمل لهم حقدا بل إنني أتمنى أن يكون لهم فيما آلت إليه الجزائر من الخراب عبرة وأن يتداركوا أنفسهم بالإصلاح والتوبة قبل أن تجري عليهم سنة الله التي لا تعطلها مراسيم البشر.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))