الأربعاء، 8 يونيو، 2011

السلطة تنظر إلى الصحفي كـ ''لص معلومات'' وتسعى لتخويف مصادره


نظمت ''الخبر'' بمقرها، نقاشا قانونيا وسياسيا مع مختصين في القانون يملكون تجربة طويلة مع قضايا جنح الصحافة. هم ميلود ابراهيمي وخالد بورايو ونور الدين بن يسعد. وقدم المحامون الثلاثة تحليلاتهم في مواضيع مطروحة حاليا على خلفية الإصلاحات السياسية التي تعهّد بها رئيس الجمهورية. أهمها، وجود إجماع لدى مهنيي الصحافة أن ما يجري الإعداد له على صعيد رفع التجريم عن كتابات الصحافيين، لا يعدو أن يكون تخفيفا لعقوبات
وردت في قانوني الاعلام والعقوبات. وطرحت ''الخبر'' أسئلة على القانونيين مرتبطة بنفس الموضوع، تتعلق بسبب لجوء السلطة
 إلى تعديل قانون العقوبات في 2001 لردع الصحافيين، بالرغم من أن قانون الإعلام فيه ما يكفي من المواد التي تسمح لها بذلك.
 وأسئلة أخرى متصلة بحماية مصادر المعلومات والمقاييس المعتمدة في التمكين لإنشاء صحف.

السلطة ترفض التعامل مع الإعلام على أنه سلطة مضادة
شــُددت العقوبات على الصحفيين عندما حشروا أنوفهم في ملفات الفساد

 لجأت السلطات في 2001 إلى تعديل قانون العقوبات بإضافة مواد تتضمن عقوبات بالسجن وغرامات ضد الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، بجانب مواد أخرى موجهة ضد أئمة المساجد. وانتفض أفراد مهنة الصحافة ضد القانون الذي أعدّه آنذاك وزير العدل أحمد أويحيى. ولكن لماذا اهتدت السلطات إلى تعديل هذا القانون بدل أن يكون قانون الإعلام مرجعيتها ما دام الثاني يتضمن مواد ردعية ضد الصحافة؟
يرى ميلود ابراهيمي أن التوجّس من الكتابات الصحفية هو من دفع السلطة إلى اعتماد نص يشدد في العقوبات، وفي نفس العام تمت مراجعة قانون الاجراءات الجزائية ولكن الحكومة تفادت إدخال تعديل على قانون الإعلام ''لأن الظرف السياسي والأمني لم يكن يسمح بأكثر من إحداث تغيير على قانوني العقوبات والإجراءات الجزائية''. وقد جرت على مرّ السنوات العشر الماضية، محاولات كثيرة لتعديل قانون الإعلام. وكان ميلود ابراهيمي واحدا من المهتمين بالقضية ومتتبعيها عن قرب، إذ يقول: ''عشت شخصيا محاولة وزير الإعلام حمراوي حبيب شوقي مراجعة القانون، وأظن بأنه تمكّن من صياغة مشروع مقبول، غير أنه توقّف لأسباب لا أعلمها. وحاولت خليدة تومي لما قادت وزارة الإعلام إلى جانب الثقافة مراجعة النص، ولكن ذلك لم يتم لأسباب لا أعلمها أيضا. هذا يقودني إلى القول بأن السلطة تدرك أن التعامل مع قانون الإعلام أصعب من القوانين الأخرى''.
من جهته، يرى نور الدين بن يسعد أن السلطة ''كان أسهل عليها تعزيز العقوبات ضد الصحافيين عن طريق مراجعة قانون العقوبات وليس قانون الإعلام، لاعتبارات تتعلق بصورتها في الخارج أساسا''. ويعكس هذا التصرف من جانب المسؤولين في الدولة، أن السلطة ترفض اعتبار الصحافة سلطة مضادة، حسب بن يسعد الذي يقول بأن القانون المدني يتناول تدابير كثيرة تحمي الأفراد ولم تكن هناك حاجة لإضافة عقوبات. ويقترح اعتماد غرامات بدل السجن، مع تفادي أن يؤدي التغريم إلى خنق الكلمة الحرّة.
ويقول بورايو من جهته، أن سنة 2001 كانت مرحلة جديدة بالنسبة لعلاقة السلطة بالصحافة. ويشرح ذلك كما يلي: ''لقد تميزت بداية هذه الفترة بملفات نشرتها الصحف كشفت عن قضايا اختلاس وفساد كبيرة تورط فيها مسؤولون بارزون، لذلك لجأت السلطة إلى تشديد العقوبات لتخويف الصحافيين''. ويلاحظ بورايو باستغراب أن المسؤولين الذين شددوا العقوبة ضد الصحافيين في 2001، هم أنفسهم الذين يتحدثون اليوم عن رفع التجريم. ويعارض المحامي أن يدرج إلغاء العقوبات ضد الصحافيين، ضمن الإصلاحات السياسية التي تعهّد بها رئيس الجمهورية. ويقترح الفصل بين الأمرين وأن يتم الأول المتعلق بالصحافيين بعيدا عن الثاني. ويقترح بورايو استحداث قانون أساسي لحرية التعبير ''لأن الأساس هو الحرية، فإذا ضمنتها للصحفي سوف تضمن احترام حقوق الآخرين''.
ويعتقد المحامي ابراهيمي أن الحديث عن ممارسة الإعلام ورفع التجريم عن الصحافيين، مرتبط باستقلال القضاء المرتبط بدوره بنظرة السلطة للحريات. مشيرا إلى أن ''المواطن بكل أسف لا زال يخشى التوجه إلى مرفق القضاء لطلب الإنصاف''.      ح.ي


تعويض الحبس بغرامة مالية تكون معقولة حسب القانونيين الثلاثة
السلطة خففت من العقوبات ولم تلغ التجريم عن كتابات الصحافيين

 يتفق المحامون ميلود ابراهيمي وخالد بورايو ونور الدين بن يسعد، على أن مشروع رفع التجريم عن الكتابات الصحفية، كما يجري الإعداد لتطبيقه، سيؤدي إلى تخفيف العقوبات على الصحافيين والنشريات الإعلامية، وليس إلغاءها تماما.
وفي هذا الموضوع يعتقد ابراهيمي أن تخفيف العقوبة ضد كتابات الصحافة، كان جزئيا من جانب السلطات ''وأستغرب كون جريمة القذف غير مدرجة ضمن تخفيف العقوبات ولا إلغاء التجريم أيضا''. مشيرا إلى أن المشروع الذي تعدّه السلطات ما زال يتضمن جريمة القذف ضد النشرية، ويتعلق ذلك حسب المحامي المخضرم برئيس الجمهورية أساسا.
وأوضح ابراهيمي وهو أحد مؤسسي رابطة حقوق الإنسان، أنه يعارض رفع التجريم عن مقالات الصحفيين بشكل كامل ''فرأيي هو أن تمح عقوبة الحبس مع الإبقاء على الغرامة المالية التي ينبغي أن تكون معقولة لا تصل إلى حد تهديد المؤسسة الإعلامية في وجودها''. وانتقد ابراهيمي تحريك الدعوى العمومية في قضايا القذف (تهمة يصفها المحامي بـ''ملكة التهم'' الموجهة ضد الصحافيين)، بدون شكوى ترفعها جهة معروفة. وأفاد الأستاذ نور الدين بن يسعد من جهته، بأن الأمر يتعلق بمراجعة جزئية في النصوص التي تتناول عقوبات ردعية ضد الصحافيين والنشريات الصحفية. مشيرا إلى وجود 20 مادة في قانون العقوبات، تستعملها السلطات للتضييق على الصحافيين. وأضاف: ''هذه المواد الردعية تتناقض تماما مع مواد الدستور التي تكرّس حرية التعبير، ولا تتماشى إطلاقا مع المعاهدات الدولية ذات الصلة التي صادقت عليها الجزائر''. ويرى بن يسعد أن قانون الإعلام الجديد المرتقب ينبغي أن يتضمن ما يحمي القضايا المتعلقة بالأمن الوطني والحياة الخاصة للأشخاص ''وأقصد بذلك أن نضع حدودا متفق عليها تمارس في إطارها حرية الصحافة، ولكن ذلك لن يكون قبل أن نضمن حقوق الصحفي الاجتماعية ونضمن الحرية في إنشاء مؤسسات إعلامية''. وتساءل خالد بورايو عن سبب إلغاء العقوبة المنجرّة عن القذف في حق رئيس الجمهورية، بموجب مشروع تعديل القانون، في حين لا زالت قائمة ضد الصحفي في حال اتهم بالقذف من طرف شخصية اعتبارية أو طبيعية. وأوضح، حسب تجربته في المرافعة عن الصحافيين في قضايا القذف، أن المتابعات التي تمت في إطار إهانة رئيس الجمهورية والبرلمان والجيش لا تمثل سوى 1 بالمائة من مجموع المتابعات المتعلقة بالقذف. وتابع: ''في رأيي ينبغي إلغاء تجريم الصحافة كليا من النصوص القانونية، لكن ذلك لا ينطبق على الكتابات التي تحرّض على الكراهية بناء على العرق ولا التشهير بالأعمال الإرهابية''.
ويعتقد بورايو أن المشكلة ''لا تكمن في رفع الجرم عن الصحافة بقدر ما تتمثل في احترام حرية التعبير واستقلالية القضاء، فلحد اليوم وبعد 12 سنة من تنفيذ مشروع إصلاح العدالة، لازال القاضي يتخوف من التعامل مع جنح الصحافة''.


مبدأ حرية الوصول للمعلومة وحماية المصادر
النظام يرفض فكرة تحول الصحافة إلى ''سلطة مضادة''

 ينظر رجال قانون لنوايا السلطة في جعل الصحفيين ملزمين بكشف المصادر الصحفية أمام جهاز القضاء في حال المتابعات القضائية هو ''نوايا لمعاقبة المصدر وليس المساعدة في التقدم في التحقيق''. ويعيب مختصون على الإدارات العمومية، تعاطيها مع مفهوم حرية الوصول إلى المعلومة بذهنية أن الصحفي ''لص أو سارق معلومات''.
يبني المحامي خالد بورايو، مقاربته إزاء ''حرية الوصول إلى المعلومة وحماية المصادر'' ضمن مفهوم شامل يتصل بتفكير نظام ككل، فيقول عن حماية المصادر أن فكر أصحاب قانون الإعلام عام 1990 يعكس أن السلطة ''فكرت في أن الوصول إلى المصدر لقمعه وتخويف المصادر الصحفية بدل أن يكون لأغراض مساعدة التحقيق''. فيطرح إشكالية ''البيرقراطية نفسها في الإدارات حيث المعلومات لا تتحرك بحرية''. ويقول بالتالي أن ''السر المهني في قضايا التحقيق ملزم به القاضي وأعوانه القضائيون والمحامون، أما الصحفي من المفروض ألا يكون ملزما بذلك ولا يكشف مصادره''. ويطالب بورايو بتكريس حقيقي لمبدأ الوصول إلى المعلومة وحماية المصادر.
ولكن الأستاذ نور الدين بن اسعد، الوجه البارز في الرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، فيتوسع في المفهوم بضرورة الذهاب نحو ''قانون لحرية التعبير يتضمن العمل الصحفي وحق التعبير والتجمع وغيرها''. ويلفت إلى تخلف الجزائر عن العمل بالتزامات دولية صادقت عليها بعد صدور قانون 90 ''الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يتضمن حماية المصادر فلو عملنا بمبدأ أن القانون الدولي أرفع من المحلي لحللنا المشكلة''.
ويذهب بن أسعد بعيدا في مقترحاته بـ''إدراج مواد في الدستور تضمن الحرية في الوصول إلى المعلومات وحماية المصادر الصحفية''. ويعيب على مسؤولي الدولة ''سيطرة عقلية السر وعدم تقبل فكرة أن الصحافة سلطة مضادة وهو مشكل ذهني بالأساس يحاولون من حين لآخر إخفاءه وتجميله''. فحتى ''المواد التي تحدد المحظور في قانون الإعلام فضفاضة ولا تدقق في سر الدفاع الوطني مثلا''.
ويناقش بورايو فكرة ''قانون حرية التعبير'' على أنها ''ارتقاء بالعمل الصحفي''، فيقول أنه لتحقيق ذلك ''يجب مراجعة قانون العقوبات وجعل الصحفي مسؤولا أمام قانون يخص مهنته كما هو الأمر بالنسبة للجمارك''. لكن الإشكالية في رأيه: ''هل النظام يقبل بحرية تعبير في البلاد أم لا؟''، فحرية التعبير ''طبق متكامل غير منقوص، فإما حرية كاملة أم لا، فيؤول الأمر إلى سؤال آخر، هل نحن في بلد ديمقراطي أم لا، لو كنا نريد ذلك فما على النظام إلا إبداء نية سياسية واضحة في أن الحريات هي أساس المجتمع''. وينظر المحامي ميلود براهيمي بشكل مختلف يطرح فيه توازنا ما بين حرية الوصول إلى المعلومات والحق في الحفاظ على بعض القيم المتعلقة بأسرار الدفاع مثلا.


اعتماد الصحف يخضع لـ''مزاج الملك''

 أجمع ضيوف ''الخبر'' على أن منح الإعتماد للصحف الجزائرية الجديدة ''يخضع لقرار سياسي'' دون التقيد بالقانون. وأثارت ''الخبر'' النقاش بشأن نص قانون الإعلام حول اعتماد الصحف بـ''مجرد إصدار تصريح من وكيل الجمهورية'' لكن الواقع أبرز عدم إقرار بمنصوص القانون، فيذكر المحامي نور الدين بن إسعد أن الممارسة بيّنت أن ''الأمر يخضع لقرار سياسي، في حين يتم الدوس على القانون دون رقيب ولا حسيب''. ويعطي بن اسعد مثل ''مزاج الملك'' في إعطاء اعتماد لصحيفة دون غيرها ''مع أن الأمر لا يتعدى في الواقع مجرد إعلام الجهة المعنية بإصدار صحيفة''. وإن كان التصريح بالنشر وفقا للقانون يتطلب الحصول على وصل من وكيل الجمهورية، فإن ''العملية هذه أيضا تتم حسب هوى السلطات، فتقدم وصلا لمن تشاء وتمنعه عمن تشاء''. ويعتقد المحامي أن الأمر هنا يتطابق مع حال الأحزاب السياسية التي تنتظر الإعتماد لدى وزارة الداخلية. ويقول نور الدين بن اسعد أن ''المحاباة'' في منح الإعتمادات، تستمر وترافق الصحف المعتمدة ''فالنظام يتعامل مع الصحف بمحاباة كبيرة، صحف لديها مليارات من الديون دون حساب وصحف أخرى يمنع عنها الإشهار من الوكالة الوطنية للنشر والإشهار بقرار سياسي''. ويذكر المحامي خالد بورايو أن الغرابة في تعاطي السلطات مع اعتماد الصحف ''غياب التبرير'' ويلفت أيضا أن ''ميزة الصحافة الجزائرية أنها وطنية وتدافع عن بلدها، نلحظ ملف الصحراء الغربية الذي ترفعه الصحافة الخاصة وتناضل لأجله، لكن تعاطي السلطات معها غير شفاف من الإعتماد وحتى بعد الصدور''.
وفي سياق آخر، أثارت ''الخبر'' إمكانية لجوء السلطات لعفو عن الصحفيين المتابعين في تهم إهانة رئيس الجمهورية أو الجيش و السلطة عموما، فيذكر بن اسعد أن ''العفو في تقاليد البلدان المتقدمة، مثلا فرنسا، أن الرئيس يقوم فور انتخابه بعفو عن صحفيين''، أما في ''الجزائر فلاحظنا عفوا عام 2006 ولم يشمل كثيرين بسبب عدم صدور أحكام نهائية في حق كثيرين، مما أسقط عنهم شروط هذا العفو''.
ويثير خالد بورايو الموضوع من وجه نظر أخرى ''بدل العفو عن الصحفيين يجب الذهاب إلى جوهر الأمور، قانون لحرية التعبير يعفي من هذا المطلب''.
وينتقل بهذا الموضوع إلى ملف آخر يتصل بالمجلس الأعلى للإعلام ''الذي قتلوه، لأنهم يدركون صلاحياته سابقا، فتمت عملية الإجهاض لوقف العمل بقانون الإعلام وترك الأمر لجهات لا تطبّق القانون''.
06-06-2011 الجزائر: حميد. يس / الجزائر: عاطف قدادرة 
الخبر

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))