الأحد، 26 يونيو، 2011

جزائر الحروف وجزائر المعاني

ما هذا  " الخراب " ، وما معناه ؟، وماهي أبعاده الحضارية في ظل هذه الأوضاع المتأزمة دارميا؟ ولمن ولأي فترة كان هذا العنوان موجها.
كثير من الأقلام لا يدركون الفروقات بين طرفي عنوان " الخراب " لأنهم لا يملكون بوصلة مغناطسية تجتذب إليهم بطريقة لا شعورية كل  كلمة وكل فقرة يرد فيها اسم الجزائر. لكن صاحب " الخراب " مسكون بحالة لا شعورية تنتابه كلما تأزمت أوضاع الجزائر، ... وتريد حروف العلة، أن تجعل من الجزائر حروف علة تحذف ، بحروف جازمة من فرنسا التاريخية! !

من هذه الحيثيات المؤلمة عقد " الخراب "  العزم على ان يبحث عن جزائر المعاني، متسائلا كيف نتسعيد ذكرتنا المفقودة؟ كيف نلـج طريق التفكير و الانصـات؟ لتكـن "عرفانية " المتصـوفة وعقلانية المعتزلة منهجين  ينيران لنا الطريق، ولتكن تجربة استعادة الوعي المفقود بفعل تضليل الشعارات، التي كانت عكس المآلات، هامشا معاصرا يسافر بنا في اتجاه الاقامة في جزائـر المعاني والملاحم، التي يكاد يقتلونا الحنين إليها، سفر رمزي يصعب وصفه بالمغامرة الباهضة الثمن لأنه عودة إلى " جزائر المعاني " إلى وعينا الذي اختفى وراء الف حجاب من الفساد و الافساد المبرمجين، لتكن " عرفانيتنا " و" عقلانيتنا" إضاءات تعلمنا كيف لجزائر المعاني، وكيف نرى بوضوح داخل خلية كل كلمة صادقة، و نحس بأصدق الكلمة هو فجر متنام نرى فيه جزائر المعاني.

إن الكتابة التي تستوجبها " جزائر المعاني " هي كتابة صعبة، وتبدو مستحيلة في اوضاع ملغمة ومضللة، والتي كثرت فيها الخزعبلات الإصلاحية عن طريق محاورة حروف العلة لبضها البعض، هذا من جهة، ومن جهة أخرى قلت فيها ـ للأسف الشديد ـ المصارحة التي تنفتح على ما هو أكثر إيلاما و سرية في محاولة إعادة صناعة التضليل، و مع ذلك يظل البحث عن جزائر المعاني مطروحا:  إنها تريدا قلما عاشقا لها، قبل أن يفك رموز التأمر التي تحيط بها من طرف حروف العلة و أدوات الجزم. إن الأمر يبدو، وكأن البحث عن جزائر المعاني يتطلب عشقا مزدوجا: ـ عشق التضحية في سبيل البحث عنها، و عشق القراء لتلك الكتابة.

هذه الجدلية العرفانية التي سيعرفها الخراب: تحوله من حب الجزائر كمعاني ملحمية إلى حب الألم والمعانات من أجلها أو بتعبير صوفي التحلية والتجلية. لكن قبل ذلك كله وبعده تطرح هذه العرفانية الإشكالية التي تتوقف عليها أزمتنا المبرمجة: كيف يمكن تحرير الجزائر من اللامعنى!
 أو بعتبر عرفاني كيف نحررالروح الجزائرية من عقالها؟ هذه الروح سجينة مغلولة، مقيدة بأصفاد الفساد المبرمج، فمن يحررها؟ من سيحل عقدة الفساد الموجعة؟ بهذا المعنى فإن تحرير الروح الداخلي سوف يسبق التحرير الخارجي، ويكون بمثابة شرط مسبق لكل تحرير. لكن الأكثر درامية هو أننا مزلنا لا نشعر بأننا مقيدون على العكس فإن السواد الأعظم من الناس يعتقدون بأنهم أحرار، بل يستغربون كيف نثير هذه المشكلة الغير موجودة أصلا: " ولكن أكثر الناس لا يعلمون "، و الناس من شدة البكاء يضحكون على حد قول نزار قباني

و السبب في ذلك: هو التمييع و التزييف والتضليل الذي طال أكثر من عقد من الزمن. وهذه أعلى درجات الغياب و الاستلاب، أكبر مشكلة في الجزائر أننا لا نشعر بوجود أزمة عميقة تغطيها حلول مسمومة. و أكثر درجات العبودية أن نشعر أننا أحرار ونحن مقيدون بأصفـاد المكـر و الحقد  و روح الانتقام. متى حصل تلويث الروح الجزائرية لأول مرة ؟ متى بدأت تدخل في الشرنقة المسمومة و تسكت عن هذا التسمم المبرمج ؟ من الذي سلبها ملحمتها؟ متى احبطت و هبطت درجة ملحمتها شيئا فشيئا؟ كيف انتكست ؟ من الذي أشلها عن الحركة و المبادرة و المغامرة؟ كيف استكانت لكيد الكائدين ؟  الدين يرزحون على صدرها من أكثر من عقد من الزمن؟ هذه هي أهم الأسئلة التي يود " الخراب " طرحها ولا يعزف عن طرح هذه الأسئلة إلا متخاذل.

وهي لا تزال تنتظر بفارغ الصبر من يفككها أو يحفر حوليها. وعندما اتحدث عن تحرير الروح الجزائرية فإني لا أقصد شيء مثاليا كما قد يتوهم بعض أشباه الكتاب بمرسوم ... وانما أقصد معادلا موضوعيا أقصد الروح الجزائرية التـي أصيبت بـداء المتوسطية المتصهين. و استسلمت و استكـات و عجزت عن انتشال نفسها. فالمعركة طويلة و معقدة و لن نصل إلى الجزائر معاني إلا إذا نجحنا في عملية التشريح والتشخيص  نفسية الشخصيات الوطنية المستعارة للجزائر منهارة حضاريا وتاريخيا وثقافيا...  و للخراب بقية.

حميد لعدايسية

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))