الاثنين، 13 يونيو، 2011

قائد الولاية الثانية علي كافي يرد على كتاب سعدي

عميروش لا يعرف بوالصوف ولا بومدين نصيحتي للأجيال الحالية: انسوا كتاب سعدي كما نسينا نحن أفعال غودار! سجن رفات عميروش والحواس جريمة وبن شريف مطالب بالتحدث!
لو كان عميروش حيا.. لذبح سعدي من الأذن إلى الأذن!؟
الفراغ الذي تعيشه البلاد هو الذي فتح مثل هذه الأمور الخطيرة!
عميروش ملك للجزائر وليس لمنطقة القبائل وحدها!
بعد الضجة التي أحدثها كتاب سعيد سعدي رئيس حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، الذي حمل عنوان "عميروش حياة واحدة.. ميتتان.. ووصية"، اتصلت "الفجر" بالسيد علي كافي، رئيس المجلس الأعلى للدولة سابقا، باعتباره الشاهد الرئيسي في قضية استدعاء الحكومة المؤقتة لعقداء الداخل لاجتماع في تونس في جوان 1959، والذي بسببه استشهد عميروش، قائد الولاية الثالثة، وهو في طريقه إلى تونس، لتوضيح بعض ما جاء في الكتاب من أمور متعلقة بتاريخ الثورة التحريرية. فكان هذا اللقاء الذي تم في بيت الرئيس، ورافقنا فيه الزملاء من كل من "ليبرتي"، "الوطن" و"الخبر"، هذا نصه. وقبل البدء في التطرق لما جاء في الكتاب المذكور، والذي كان موضوع اللقاء، فضل الرئيس، علي كافي، البدء بتقديم توضيحات، قال إنه استقاها من قراءته لما نشر حول الكتاب، كما قال إنه لم يقرأ الكتاب بعد.


قال كافي "إن كتابات وتصريحات سعيد سعدي في الصحافة جعلتني أفكر في الرد في إطار تسلسل تاريخي منذ البداية، حتى تكون الأمور واضحة للأجيال"، وأضاف "لا أرد على سعدي هنا، بل أوضح وضعية تاريخية، لأنني لا أعرف أن سعيد سعدي مؤرخ، ما أعرفه أنه طبيب نفساني وبعيد كل البعد عن السيرة التاريخية للثورة التحريرية، التي لم يعشها ولم ينسجم معها، هذا أولا، وثانيا توقيت صدور الكتاب في هذا الفترة، هو الذي يلفت النظر".


التزامن البريء!؟

أولا: أنا لا أعتقد أن يكون هناك ربط مع الحملة التي تقوم بها فرنسا ويقودها كوشنير، وأنتم كصحفيين تعرفون بالتفصيل ما يقصده كوشنير، فهو يقصد المس بالمجاهدين والأسرة الثورية والتشكيك في الثورة، لأن الرؤية الجزائرية لا يمكن أن تكون منسجمة مع ما يتطلعون إليه.


وثانيا: وثيقة تجريم الاستعمار التي طرحها نواب من المجلس الوطني، يظهر أنها أحدثت عندهم هزة، وهذه غير معزولة وتسير في سياق السياسة الفرنسية اليمينية الحالية إزاء الجزائر، إلى جانب تحركات أخرى من طرف "لوبان"، ولعلكم تتبعتم الضجة التي أحدثها فيلم بوشارب ورفضهم مشاركته في مهرجان "كان" الدولي للسينما، وفي هذا السياق يأتي كتاب عميروش المذكور لسعيد سعدي، إلى جانب تصريحات نجل عميروش، نور الدين آيت حمودة، وأتساءل، هل هناك تنسيق مع مواقف اليمين الفرنسي، أم أن الأمر مجرد صدفة؟! أم أنه فقط يتعلق بإفلاس سياسي وقع فيه حزب الأرسيدي، ويريد سعدي أن يعود على أنقاض الثورة وبالتشكيك في ثورة عظيمة، وفي رجالاتها، ثورة حررت البلاد وشاركت في تحرير أوطان أخرى؟ وهل بعد عقود، نأتي ونتكلم في هذه المواضيع، وندخل في قضايا كلها كذب مفضوح.


لا يوجد فرق بين الولايات في امتلاك الراديو

ولنبدأ مثلا بنظام الاتصالات في الثورة، فقد ذكر أن بعض الولايات لها نظام اتصالات بالراديو مع الخارج وفيما بين مناطقها، أي أن لديها أكثر من راديو، في حين زعم أن ولايات أخرى ومنها الثالثة حرمت من هذا النظام المتطور للاتصالات، وهذا خاطئ، وأؤكد لكم تأكيدا قاطعا، أنه كانت هناك خمس ولايات، وأفتح قوسا هنا (إن البلاد قبل اندلاع الثورة قسمت إلى خمس مناطق فقط، والتي سميت فيما بعد ولايات، أما المنطقة السادسة فقد أنشئت لاحقا بعد مؤتمر الصومام لكن فقط على الورق، وجهزت كل ولاية براديو واحد فقط للاتصالات، أي خمس أجهزة راديو جيء بها من الخارج للاتصال بالجهاز الرئيسي خارج التراب الوطني، والذي كان موجودا بالناظور في المغرب)، والتشكيك في أن بعض الولايات كان لها أكثر من جهاز راديو هو مغالطة كبيرة ودس غير صحيح وكذب على مسيرة الثورة وأجهزتها والتنسيق فيما بينها.


وحقيقة ما حدث لراديو الولاية الثالثة هو أن الشهيد عميروش - رحمه الله - حين دخل في دائرة الشك فيما عرف لاحقا بقضية "لابلويت"، أدخل الفنيين العاملين على الراديو في هذه القضية، ومنهم مشغل الراديو، ومن يقوم على فك الشفرة، لأن كل راديو يقوم على تشغيله فنيان، لهذا تعطل العمل بالراديو في الولاية الثالثة، وأصبح عميروش يتلقى اتصالاته بالقيادة في تونس عن طريقي، أي عن طريق راديو الولاية الثانية، والإخوان في الخارج يعرفون هذه القضية.

استدعاء عميروش تم عبر الولاية الثانية
وأوضح هنا أن القيادة في تونس لما وجهت لعقداء الداخل الدعوة للحضور إلى تونس أرسلت إليّ عبر الراديو نفس النص الذي أرسلته إلى عميروش عن طريق راديو الثانية، يفيد مضمونه بأن نحضر فورا إلى تونس مصحوبين بتوكيل من أعضاء الولاية، يفوضنا للتحدث باسمهم لحضور نقاش في أمر يخص الثورة، والنص مصدره وزير الدفاع، كريم بلقاسم، عن طريق قائد أركان الناحية الشرقية بغار ديماو، محمدي السعيد، ونفس النص وجه إلى قادة الولايات الأخرى، وكان ذلك يوم 15 مارس 1959، وقد أرسلت النص الخاص بعميروش عن طريق مرسول خاص وصله بعد يومين، لأن الاتصالات كانت مستمرة بيننا وطبيعية، واقترحت على عميروش عن طريق المرسول أن يأتي إلي بشبه جزيرة القل ونذهب سويا إلى تونس، لكنه رد علي مع نفس المرسول "لا تنتظرني، أنا سأذهب عبر طريق أخرى"، ولهذا لم أنتظره، وغادرت إلى تونس يوم 25 مارس، وذهب هو عن طريق الجنوب، وذهبت أنا عن طريق الشمال.
وعندما وصلنا إلى خط موريس، صادف ذلك يوم استشهاد العقيدين عميروش وسي الحواس، إذ كنا ننتظر مجيء الليل لقطع الخط المكهرب، وكنا نجلس ونستمع للراديو، وإذا بنا نتلقى خبر استشهاد عميروش وسي الحواس عبر الإذاعة، فجمد الدم بعروقنا، وكنت بصحبة هجرس، والأمين خان وآخرون، والصورة موجودة بمذكراتي، إذ تساءلنا ما الحكاية؟ وكيف يستشهد عقيدان بهذا الحجم؟ وبهذه السهولة؟!
وهذه الشهادة للرد على المشككين في ذمة بوصوف وبومدين، والظن بأنهما من أبلغا عن عميروش وسي الحواس.
بوالصوف يطمح للزعامة!؟
(العنوا الشيطان).. أنا أعرف شخصيا بوالصوف وأخلاقه وتكوينه الوطني ودفاعه عن الوحدة الوطنية، أعرفه منذ أن كان مسؤولا عنا في حركة انتصار الحريات الديمقراطية لمنطقة سكيكدة قبل الثورة، بوصوف وطني حد النخاع وثوري لم يكن له طموح في الاستيلاء على الثورة بأية طريقة، لأنه لو أراد ذلك لناله بسهولة نظرا لذكائه ونشاطه وسمعته الطيبة، لكنه يعادي هذا التوجه وضد منطق الزعامة والتسيير الفردي الذي كان يعيبه على مصالي الحاج، فكيف لثائر بهذه المواصفات تثار حوله الشكوك في التعامل مع الاستعمار ويتهم ببيع رفاقه للعدو.
أنا أصدقكم القول، وذكرت هذا في مذكراتي، إن الثورة لم يقم بها أنبياء أو ملائكة، وإنما بشر، وفيها الكثير من الأخطاء وأخطاء جسيمة أحيانا، لكن الثورة بكاملها تتحمل هذه الأخطاء، والشيء الذي يجب أن نحتفظ به وتحتفظ به الأجيال هو نجاح هذه الثورة، فهي ليست حرب تحرير، بل هي ثورة، والثورة تعني مشروعا وطنيا كاملا، مشروع يجسده بيان أول نوفمبر، وهو المصدر والمرجع لكل شيء، وقد استلهمت من كل فلسفات الحركة الوطنية، من حزب الشعب إلى حركة انتصار الحريات الديمقراطية، وانتهاء بجبهة التحرير الوطني، فهي قضت على كل ما يسمى بالمحسوبية والعروشية والجهوية والفكر السلبي للزوايا، وقضت عليها قضاء مبرما. وأكثر من ذلك، جسدت الوحدة الوطنية في أرقى ما يتصوره الإنسان، وهذا مصدر اعتزاز لنا ولكم وللأجيال القادمة، أما النكسة التي نعيشها الآن فهي شيء آخر.
الفراغ شجع فرنسا على استغلال سعدي
وعودة إلى موضوع تزامن توقيت إصدار كتاب سعدي، وارتباط التوقيت بحملة أخرى، وهل هو مقصود أم غير مقصود، فهذا شيء آخر، وقد استغل الفراغ الناجم عن عدم كتابة تاريخ الثورة في الترويج لمثل هذه الأفكار، ثم لماذا لم يكتب تاريخ الثورة؟! وهل فرنسا تخاف من كتابة تاريخ الجزائر الصحيح؟ أم هل هناك جزائريون يخافون كتابة التاريخ؟ وهل طلب الدولة الجزائرية الرسمي لاسترجاع الأرشيف من فرنسا أخاف ويخيف هذا النوع من الناس؟ لا أعتقد ذلك، لأن سعدي وابن عميروش غير معنيين، سعدي كان صغيرا وقتها، إلا إذا كان يشك في أهله، فهذا شيء آخر، أعرف أهل سعدي، لكن الجزائر ليست جزائر ولايات الثورة ولا جزائر الولاية الثالثة، والجزائر بدون جرجرة لا يمكن أن تكون، هذه القلعة التي أنجبت لالا فاطمة نسومر، وميرة وعميروش وكريم، بوطنيتهم المعروفة لا يقبل العقل أن المنطقة بها شعب آخر غير جزائري.
وكل هذا اللغط والخلط راجع إلى غياب الدولة؛ الدولة غير موجودة وفرطت في دورها، وفرطت في تاريخها، وفي تاريخ الجزائر، وذبحت الأجيال الحالية والأجيال القادمة ودمرتها، فنحن الذين عشنا النضال منذ بدايته، أنا شخصيا منذ الأربعينيات إلى الآن، أرى اليوم طموحاتنا تسقط مرة واحدة، وأجد نفسي في الظلام، أجد نفسي أسير نحو المجهول، لكن لمن يعود هذا؟ وأرجع دائما إلى كتابة تاريخ نزيه، ويوضع بين أيدي الأجيال القادمة القادرة على فرز الغث من السمين، وشخصيا لست وكيلا على كل الأجيال، صحيح أنني كنت شابا عندما بدأت النضال وحاربت، والآن ضميري مرتاح، لا أتدخل ولا أحدد للأجيال القادمة كيف تعيش وتحكم نفسها، فأنا لست بمتسلط على الآخرين.
لجنة التنسيق قررت ثم رحلت هي أيضا
هذا الكلام الذي قيل وسيقال حول هذا الموضوع الحساس، أريده أن يكون أساسا لنقاش هادف وبعيد كل البعد عن السياسة والسياسيين، وقد قلته لتصحيح وضعية، وتصحيح مسار جاء من بعيد وذاهب إلى بعيد، من زمن الأمير عبد القادر وكل الانتفاضات والحركات الوطنية التي رسمت كلها طريقا مشرفا للجزائر والجزائريين، وللجزائري اليوم الحق في أن يرفع رأسه عاليا، ولا أحد يعطيه دروسا، وستذهب كل هذه المغالطات والتخوفات والتشويهات، هباء منثورا، و"ما يبقى في الواد غير حجارو" على حد قول المثل الشعبي.

ما أريد أن ألقي عليه الضوء هنا هو هذا الاتهام المغلف بضلوع بوالصوف وبومدين في استشهاد عميروش وسي الحواس - رحمهم الله جميعا - إننا كنا مقبلين على اجتماع العقداء العشر، إثر استقالة وزير الخارجية لمين دباغين الذي همش في الحكومة المؤقتة بسبب التدخل في صلاحياته، وحدوث أزمة في الحكومة المؤقتة ستة أشهر بعد تكوينها، إثر هذه الاستقالة، لأنه بعد مؤتمر الصومام الذي أقر أولوية الداخل على الخارج، وعين لجنة التنسيق والتنفيذ، قامت هذه اللجنة نفسها التي أقرت المبدأ بالرحيل إلى الخارج، ولما خرجوا سقطوا في المشاكل التي سبق لهم إدانتها في مؤتمر الصومام، وزيادة على ذلك، انقلبوا هم أنسفهم من لجنة تنسيق وتنفيذ إلى حكومة مؤقتة، أي عينوا أنفسهم بأنفسهم، وكان عليهم حسب قرارات مؤتمر الصومام أن يأخذوا شرعيتهم من اجتماع المجلس الوطني للثورة، ولا يعينوا أنسفهم بأنفسهم في الحكومة المؤقتة. ولهذا عندما نشبت بينهم مشاكل في 1957 صفّوا زميلهم عبان رمضان، وعندما عاودت المشاكل استنجدوا بنا في الداخل لنفك الاشتباك بينهم، لأننا - نحن في الداخل - لم تكن بيننا مشاكل، بل كانت مشاكلنا مع الاستعمار، وكانت بعض مشاكلنا ناتجة عن تدخلاتهم هم غير الشرعية.
استقالة لمين دباغين كانت بسبب التدخل في صلاحياته من جهة، وبسبب تنافره مع فرحات عباس من جهة أخرى، بسبب خلفيات سياسية سابقة على الثورة، وعندما استقال لمين دباغين في 15 مارس 1959 سقطت الحكومة، فبقيت القيادة في الخارج حائرة في أمرها، فقرر جناح منها بقيادة كريم بلقاسم استدعاءنا لفض الاشتباك، وعقد اجتماع العقداء العشرة، أي عقداء الولايات الخمسة، زائد قيادة أركان الناحيتين الشرقية والغربية، زائد الباءات الثلاث بوصوف، بن طوبال وكريم بلقاسم، وإعادة الشرعية لمؤسسات الثورة، وكان ذلك في بداية صيف 1959، لكننا عند وصولنا في أفريل، وقبل الاجتماع طلبنا من الباءات الثلاثة أن يأتونا بتفويض كتابي هم أيضا من الحكومة المؤقتة، مثلما طلبوا هم منا أن نأتيهم بتفويض كتابي من الولايات للتحدث باسمها. وجاءوا فعلا بالتفويض، ولهذا عقد الاجتماع المتكون من عقداء الداخل الخمسة، إذ مثّل أزوران الولاية الثالثة، الحاج لخضر الولاية الأولى، علي كافي الثانية، ومثل الرابعة سليمان دهيليس، المعروف بالصادق، وعن الخامسة العقيد لطفي، وعن الناحية الغربية بومدين، والناحية الشرقية محمدي السعيد، بالإضافة إلى الباءات الثلاثة، واستمر الاجتماع الذي انطلق في شهر جوان، أربعة وتسعين (94) يوما، وتمت دراسة كل المشاكل المطروحة على الثورة وإنهاء الفوضى التي كانت تعيشها القيادة في الخارج، إلى درجة أن فرنسا تجرأت وصارت تطبع جريدة "المجاهد"، لسان حال الثورة في بنزرت بتونس وتوزعها.
اجتماع العقداء أنقذ الثورة
وكان من أهم ما تمخض عنه اجتماع العقداء هو تحوله إلى اجتماع تحضيري لاجتماع المجلس الوطني للثورة في طرابلس لاحقا، الذي أقيم على أرضية صلبة ووثيقة رسمية أشرفت على إعدادها لجنة العقداء العشرة ولجان فرعية، وتمخض عن اجتماع طرابلس ميلاد الحكومة المؤقتة الثانية برئاسة بن يوسف بن خدة.
فهل بعد كل ما سبق ذكره يعقل أن بوالصوف، الذي لم يلتق في حياته عميروش، يتآمر على قتله وقتل سي الحواس، أو يخطط لاغتياله عن طريق فرنسا، وهل الثورة أصبحت في خدمة فرنسا، وهذا يعني أن بوالصوف يعمل لحساب فرنسا، ولماذا لم يقع لي أنا ما وقع لعميروش، مع أن خلافاتي معهم كانت أكبر من خلافات عميروش؟ خاصة وأن بوالصوف لم تكن له أية اتصالات مع عميروش، لا هو ولا بومدين، والذي كان يتصل به عبر راديو الثانية هما كريم بلقاسم ومحمدي السعيد، فهل هؤلاء يتآمرون عليه أيضا؟
وما قاله سعدي بهذا الشأن كلام غير مسؤول، وأنا لا أدافع عن بومدين ولا بوالصوف، فتاريخهما يدافع عنهما، أما عن بومدين فأنا أضعه في المجهول، وسعدي لا يعرف خفايا وكواليس الثورة، بومدين كان في ذلك الوقت شبه مهمش ويعيش في ظل بوالصوف، وكان في ذلك الوقت لا يعرف أين بدأت وأين تنتهي الثورة، هذه الخلفيات لا يعرفها إلا أصحابها. ولو كان عميروش حيا، وسمع هذا الكلام الذي قاله سعدي وابنه نورالدين لذبحهما من "الأذن إلى الأذن "، بل لقتلهما عدة مرات، وكان سيتبرأ من ابنه، هما لا يعرفان عميروش، ومذكراتي أثارت "دوشة" لأنهم لم يفهموا ما جاء فيها. والقول إن عميروش كان ذاهبا إلى تونس لحل الحكومة وجيش الحدود و"المالغ" يدل على أنهم أناس مرضى، وخلاف عميروش مع القيادة هو جزء من خلاف الداخل مع القيادة، وقد أوضحت هذا فيما سبق، ولا يعقل أن القيادة وجيش الحدود و"المالغ" الذين عجزت فرنسا عن تصفيتهم، يصفيهم عميروش وحده، فهل هذا كلام عقلاء؟كتاب سعدي "بلويت" تاريخية
أنا لا أدافع عن بوالصوف، ولا عن بومدين الذي لم أكن أتفق معه في كثير من القضايا ومنها أنه جمع حوله مجموعة ضباط فرنسا، وإن كنت أعترف له في بعض أعماله كرئيس للجمهورية، ومنها تأميم البترول والثورة الزراعية، لكن اتهامه وبوصوف بمثل هذه الأقاويل هو ظلم في حق الرجلين، خاصة وأنهما في دار الحق، وكنا نود أن نلتقي في قضايا أكبر من هذه التي يتحدث عنها سعدي.
أنا أتمنى أن يقول لنا سعدي من أين أتى بهذه الوثائق التي يتكلم عنها والتي استند إليها، ومن هي الجهة التي سلمتها له، ويتحتم عليه أن يظهرها وينشرها، وإذا سلمتها إياه فرنسا فلماذا خصته هو بها ولم تعطها للسلطات الجزائرية مع أن هذه الأخيرة طلبت تسليمها أرشيف الثورة، وما مدى صحة هذه الوثيقة؟ أليست مزورة ومن الوثائق المزورة التي كان يستعملها المكتب الخامس ضد الثورة؟ أليست هذه "بلويت" نفسية وتاريخية أخرى؟
وفي رده على سؤالنا حول الرسالة التي ذكرها سعدي في كتابه بأن خليفة عميروش في الولاية الثالثة تلقى رسالة موقعة من كريم بلقاسم ينصحه فيها بتغيير الطريق الذي كان سيسلكه إلى تونس، ولم تتمكن قيادة الولاية من إيصالها في الوقت المناسب، رد كافي: لا وجود لهذه الرسالة، وليست هناك وسيلة أخرى للاتصال بعميروش منذ تعطل راديو ولايته إلا عن طريقي وعن طريق راديو الولاية الثانية، وتساءل: هل عن طريق القوافل، الذي يتطلب شهورا؟ وأضاف: الواقع يجعلنا نقول إن هذه المعلومة كذب في كذب، اللهم إلا إذا كان الأمر يتعلق برسالة داخلية من الولاية الثالثة نفسها، وكريم بلقاسم لا يمكن أن يرسل رسالة كهذه عن طريق البر لأنه ثائر ويعرف جيدا الجبال والأحراش منذ سنة 1947، ويعرف خطورة إرسال مثل هذه الرسائل عن طريق أشخاص فربما تسقط بيد العدو، ثم إن الوقت لا يكفي لمثل هذا العمل، وأيضا لا يمكن أن يرسل أسرارا كهذه مع مرسول، ثم أن عميروش وحده الذي يعرف الطريق الذي سيسلكه وكريم لا يعرف طريقه، فلا كريم ولا محمدي السعيد ولا أيا كان يمكن أن يحدد لي أو لغيري الطريق الذي سيسلكه.
عبان نهر عميروش بالقبائلية
وعن سؤال: إن سعدي في كتابه ذكر أن عميروش منعك من حضور جلسات مؤتمر الصومام، رد كافي بالقول إن عميروش لم يكن له الحق أن يمنعني من الحضور، فهو لم يكن عضوا في وفد الولاية الثالثة، وكلف فقط بمهمة دليل لوفد الولاية الرابعة، انطلاقا من الأخضرية، لكنهم عندما وقعوا في كمين، فر عميروش وتركهم.
والعقيد أوعمران - رحمه الله - لو كان على قيد الحياة لأكد لكم ذلك، وفي هذا الكمين فرت "البغلة" التي كانت تحمل وثائق المؤتمر ووقعت في يد الاستعمار، فقام بتمشيط المنطقة، من الماء إلى عمق مائة كلم. وأذكر أنني رأيت الشهيد عميروش عندما دخلنا البيت الذي أقيم في المؤتمر، جالسا في ركن يرتدي قشابة ومنكمشا على نفسه، وكان المرحوم عبان رمضان الذي أراه لأول مرة يهينه ويشتمه بالقبائلية لأنه فر وترك الوفد في مواجهة الجيش الفرنسي، ومما قال له بالأمازيغية: "لعن الله من منحك رتبة ضابط"، ولم يرد عميروش بكلمة واحدة، وقلت في نفسي كيف له أن يقبل بشتم كهذا، وزيادة على ذلك، فإن الملازم الأول آنذاك، قاسي، هو الذي كلف باستقبال وفد الولاية الثانية عند حدود الولاية وليس عميروش، وقد وقعنا أيضا في كمائن وغنمنا أسلحة من الاستعمار قدمناها للولاية الثالثة، وكان وفدنا يتكون من زيغود، بن طوبال ورويبح وأنا وآخرين، وبسبب التمشيط وصلنا حتى ذراع بن خدة ثم عدنا إلى إيفري. هذا لأقول إنه لم يكن لعميروش الحق في تحديد من يحضر ومن لا يحضر لقاء الصومام كما ادعى سعدي، لكنني حضرت جلستين، ثم جاءني بلمهيدي وزيغوت في الجلسة الثالثة وقالا لي إن طائرة محملة بالأسلحة سترمي بالسلاح في وادي الزهور بالقل وعليّ أن أكون هناك لأؤمن العملية، فذهبت، وبعد تسعة أيام وصلت إلى المنطقة وأشعلت النيران في الوقت والمكان المحددين ولكن الطائرة لم تأت بل جاءت طائرات الاستعمار وأمطرتنا بالقذائف، ولا أعرف حتى الآن سر هذه القضية وما المقصود من ورائها. وكل هذا مذكور في مذكراتي.
أنا لا أعرف.. فكيف عرف سعدي ؟
وعن سؤال إن كان هذا التكليف يراد به إبعاده عن المؤتمر، أجاب كافي، لا أعرف وأنا نفسي أطرح التساؤل، فكيف لسعدي أن يعرف هذا وهو لم يعش الواقعة، ثم إن عميروش أو عبان ليسا ملك سعدي، هما ملك للثورة والجزائر، ولا يشاركان سعدي الرأي، صحيح أنهم قبائل لكن بعقلية غير عقلية سعدي، ولا نقبل بتقزيم هؤلاء العظماء، وعميروش يبقى عندي رمزا من رموز الثورة رغم كل شيء ورغم المغالطة التي أوقعته فيها فرنسا في قضية "لابلويت"، لأن أي واحد منا كان يمكن أن يقع في ما وقع فيه عميروش، والخطأ الذي وقع في الثالثة ليس خطأ عميروش وحده، بل خطأ قيادة الثالثة كاملة لأنهم رحلوا عن الولاية إلى تونس وتركوه وحده في مواجهة أرمادة من الجنرالات والعلماء والقوة الفرنسية، عميروش ينتمي إلى جمعية العلماء وليست له عقلية البربرية أو عقلية سعدي، نحن نتكلم عن جيل هو من أفضل ما أنجبت الجزائر.
وعن سؤال: لماذا قاطعت اجتماع عقداء الداخل الذي دعا إليه عميروش وعقد في الولاية الثانية؟ قال الرئيس كافي: لا وجود لاجتماع عقداء الداخل، وكل ما هنالك أن عميروش أراد أن يبرر خطأ "لابلويت" التي خطط لها غودار ونفذها ليجي وسقط فيها عميروش الذي قتل كل من كان يعرف مسك القلم، وفقدنا فيها ثلة من خيرة إطارات الجزائر الثورية، ويحصل على تزكية منا لمواجهة ما قد يطرح عليه من تساؤل من القيادة في تونس، رغم أن القيادة باركت ما فعله في رسالة رسمية أرسلتها إليه عن طريقي، وقد أكرمت الوفد الذي غاب عنه العقيد لطفي من الولاية الخامسة، وحضرته الولايات الأولى والثالثة والرابعة، لكل هذا رفضت تزكية القضية التي تتضارب الأرقام بشأن عدد ضحاياها، فيما تذكر وثيقة لعميروش نفسه، أرسلها الى تونس أن عدد الضحايا بلغ 1800 في الولاية الثالثة وحدها، في حين فقدت الولاية الرابعة بين 400 و600 إطار. ومع ذلك أكرمتهم. والأمين خان ما يزال على قيد الحياة لأنني كلفته برعاية اجتماعهم وطلبت منهم أن يبتعدوا عني، وهذه هي الحقيقة، ولو يعود التاريخ لما كنت أكرمتهم، وفيما عدا ذلك كانت علاقتي بعميروش جيدة، فقد جاء عندي عدة مرات في سرج الغول، ولاحظت في آخر لقاء معه أنه كان متأثرا بالخطإ الذي وقع فيه، وصار لا يثق في أي شخص، وكان ينام بسلاح على صدره وبملابسه وحذائه، فقلت له إن كان يخاف مني، فالأمر سهل، بإمكاني أن آمر جنديين بالتخلص منه، وإن كان يخاف من فرنسا "فسيموت فيلق كامل منا قبل أن يصلوا إليك، فنم مطمئنا ولا تخف شيئا"، وعندها نزع ثيابه وتخلص من سلاحه ونام.
زيغود تربطني به علاقة عائلية
وعن سؤال حول ما ورد في الكتاب المذكور بأن زيغوت لم يكن يثق في شخصه، قال كافي: زيغوت من عائلتي، وهذه لا يعرفها أحد، وجدتي فرڤانية من عائلة زيغوت، زيادة على ذلك إننا عندما كنا متجهين لحضور لقاء الصومام، استدعانا زيغوت إلى الكازمة، وطلب منا رأينا في من سيخلفه إذا ما حصل له مكروه وهو في الطريق إلى الصومام، فقال بوبنيدر - رحمه الله - قاطعا الطريق أمام الجميع، سي علي هو من يخلفك، وهكذا كان الأمر.
سؤال آخر طرحناه على الرئيس: قال سعدي إن عميروش أوصى من خلفه أن لا يأمرهم بوضع السلاح بعد الاستقلال، حتى يقرر الشعب مصيره، قال قائد الولاية الثانية: هذا اتهام لعميروش خارج عن أطر الثورة، ولا يمكن أن يصدر عنه كلام كهذا، فالرجل كان يحترم مسؤوليه احتراما شديدا.
كريم كان يريدنا إلى جانبه
وعن سؤال عن المناوشات التي وقعت بينه وبين كريم بلقاسم في أول جلسة لاجتماع العقداء، قال كافي: كريم كان يريد استعمال الداخل لصالحه ضد رفقائه في الحكومة المؤقتة، وتبين هذا من خلال تدخله في الجلسة الأولى، فتناولت الكلمة ورفضت هذا الطرح، وأيدني في ذلك كل من بومدين ولطفي، فحمل الباءات الثلاثة حقائبهم وغادروا الاجتماع الذي بقي مفتوحا، وعلمت فيما بعد أن كريم كان يريد إلقاء القبض عليّ وعلى لطفي وبومدين، وقتلنا، فهربنا إلى سوسة، وانتظرنا حتى تهدأ الأمور، ثم اتصلت بكريم وحذرته من خطورة ما سيقبل عليه، فيما قام أيضا بن طوبال عندما سمع بالأمر بتحذير كريم وقال له إن كافي وراءه 4000 مجاهد في الحدود.
سجن الرفات جريمة!
أما عن قضية الرفات وسجنها عشرين سنة، قال كافي إنه لا يعرف خلفيات الموضوع، ولكنه عمل إجرامي في حق شهيدين في حجم عميروش وسي الحواس، وتساءل: هل من المعقول أن يتورط مرباح وبومدين في هذا الأمر، لكن - قال - على بن شريف أن يقول الحقيقة، بن شريف قد يكون على علم بالموضوع، ولا يمكن أن يتهم شخص مثل مرباح في هذه القضية، لأن أخلاقه عالية وجهاده لا غبار عليه، عرفته في المغرب حين نزلت ضيفا على بوصوف.
سؤال آخر طرحناه على الرئيس هو إن كان سعدي ضحكت عليه فرنسا بوثائق مزورة؟
أجاب كافي: قد تكون هذه واحدة من حلقات الحرب النفسية ضد الثورة التي كان يقوم بها المكتب الخامس، وأنا شخصيا استعملت مثل هذه الوثائق المزورة لتصفية خائن، وقد جاءني أحد الباحثين يحمل وثائق فرنسية مزورة ضد الثورة ويريد إنجاز أطروحة على ضوئها، فكشفت حقيقة هذه الوثائق فتركها عندي، وما زالت عندي إلى اليوم.
وعن سؤال عما قاله له الملحق العسكري الفرنسي في تونس، عندما كان سفيرا بعد الاستقلال، أجاب كافي: هو كان ضابطا في منطقة الحدود الشرقية، في الجيش الفرنسي، وكانت عنده معلومات عن تحركاتنا، فكان ينتظرنا بكمين في مكان ما، وأنا مررت من مكان آخر وأنا في طريقي إلى اجتماع العقداء العشرة، وهذا يحدث لأننا نتجسس عليهم ويتجسسون علينا.
عميروش لم يكن مرتاحا في ولايته
وعن سؤال عن قول سعدي إن عميروش لو لم يخرج من منطقة القبائل لما قتل، أجاب كافي: إنه كان يحس بالراحة عندما يدخل إلى الولاية الثانية، أما في الولاية الثالثة فحيثما حل لاحقه الجيش الفرنسي، وهذا يثير تساؤلا عن علاقته بمحيطه، لأن فرنسا تفقد أثره عندما يدخل تراب الولاية الثانية التي وحدها لم تمسها مؤامرة "لابلويت".
وعن سؤال لماذا اختار عميروش الذهاب عن طريق بوسعادة ؟ أجاب كافي: لا أدري، ربما لأن بينهما صداقة، أو لأن الجنوب ليس فيه الضغط العسكري الفرنسي مثل الشمال، فهو آمن نسبيا.

وفي الختام قال كافي إن كتّاب التاريخ عندنا جبناء ولا يقومون بدورهم، وتساءل: من منعهم من الكتابة، إن كانوا مضطهدين فما عليهم إلا التعبير عن ذلك، أنا أرميهم بالجبن، ولهذا أصبح التاريخ يكتب من طرف أمثال سعدي. وفي الأخير نصيحتي لكم أن تنسوا ما جاء في كتاب سعدي عن عميروش، واعتبروه أنه لم يكتب، فالذي شكك في الثورة وعدد الشهداء وحوّل المجاهدين إلى خونة ليس له الحق في كتابة التاريخ.عليها.

حضرت اللقاء عن ”الفجر”: حدة حزام
جريدة الفجر

1 التعليقات:

  • والله ما عرفنا شكون لي عندو الحق وراه المجاهد و راه الحركي اا جابلي رابي كلهم حركا٠ والله يرحم الشهداء لي ماتو علي هذي البلاد بين سنة 1830 حتى سنة 1962 ،ولي قعدو مشكوك فيهم ،وتحيا الجزائر بدون اولاد فرنسا

    25 فبراير، 2012 2:16 م

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))