الأربعاء، 15 يونيو، 2011

قوّد تسُد

ألهتنا الأحداث ...والكثير منّا أصبح يسير مع التيّار دون أن يلتفت يمينا أو شمالا،أو ينظر إلى الخلف مرّة واحدة... وهو لايدري هل سيُساق الى قدر مشؤوم أم سينجوا من هذه الاعاصير الهوجاء ؟ ...
فتراه  و السّيول والامواج تلطمه و تجرفه... وهو يتمايل معها سكرانا غير آبه ،فلا وعظ  نفع معه ولاإرشاد.
كان حديثنا أيّام الطفولة لايخلوا أبدا من التعوذ من الشيطان الرّجيم ... وعندما أقارن اليوم بتلك الايام الخاليات وأنظر ما حولنا ،أقول في نفسي :

هل أصبح الشيطان صديقا ،و هل أصبح الايمان دروشة وجنونا؟
أتذكر قصّة  كان يرويها  والدي رحمه الله ،مفادها:أن شخصا تخاصم مع صديقه قفال له : العن الشيطان يارجل ،هل نسيت المودّة بيننا؟ فقال :

  لعنك الله أنت  ،أما الشيطان فلم ألتق به يوما ولم أتخاصم معه...وأثناء نومه  تمثل له الشيطان في صورة آدمي وأتاه فرحاً، فسلّم عليه وقال له : جئتك اليوم لأشكرك ،فقال الرّجل :على ماذا ؟
قال الشيطان : أنسيت ؟ قفال الرّجل: لاأدري ماذا تقصد ؟ فقال له الشيطان: أنت صاحبي الذي دافعت عني اليوم
 فقال الرّجل :كيف ؟فقال الشيطان : تأتيني اللّعنات من كلّ حدب وصوب، مع أنني لم أفعل للناس شيئا .
 فلاأحد منهم رآني ولاتقابلت معه ،ومع ذلك لايخلوا حديثهم من لعني...

وهاأنت اليوم كنت رجلا أمينا ،صادقا ،منصفا ،فدافعت عني ،وجزاءا لك، أردت أن تركب على ظهري لأطوف بك العالم...
فركب الرّجل  على ظهر الشيطان ،وبدأ يسيح به الارض وكأنه على ظهر البراق ، يصعد الى السماء ويشمّ رائحة الفردوس الاعلى ،يصور له النار جنة ،فلما تعب الرّجل وأراد قضاء حاجته،طلب من الشيطان أن ينزله الأرض ،فقال الشيطان: افعل ماشئت فأنت صديقي وليس من اللائق أن أتعبك ...افعل ماتريد فوق ظهري...فبال الرجل... على ظهر الشيطان ...

وبعدما أفاق من نومه وجد أنه بال في سريره  وعلى أهله ،ولم يجد بعد ذلك طريقة لاخفاء ماقام به ، فأصبح خائبا خسرانا...
 قوّدْ تسُدْ :هي ظاهرة استفحلت في مجتمعاتنا وأصبحت حرفة ومهنة عند البعض، ولم يبق لهذه الحرفة إلاّ اعطاءها الصبغة الرسمية حتى تصبح  مهنة مُشرعنة كما هي المهن الكثيرة  المُشرعنة في عصر آل كلبون ،ولم يبق للمسؤولين قبل الاطاحة بهم  ، إلاّ أن ينشئوا معهدا ،تعطى فيه  لصاحب الوشاية  شهادة  ويعلّق له وسام ،من خلال مانراه من ترقيات ومن محاباة لاهل هذه الآفة...  

مفردة قوّد هي مفردة من الدارجة  ،وتعني وشا ، يشي .وهي مشتقة من  قاد يقود،فالقوّاد هو ليس من يقود بل من يُقاد كالحمار أو كالكلب من طرف سيده من خلال مدّه بالمعلومات  المحرّمة... والقوّاد هو العميل في عصراستبدال الربا بالبيع...
أما مفردة تسُدْ، فالعام والخاص يعرفها ويحفظها ويستدلّ بها  في كل مناسبة ،وهي حكمة الأعداء الرائجة "فرّق تسد"
التي أخذناها من أعدائنا و طبّقها بنو جلدتنا علينا واستُبدل مصطلح فرّق ،بقوّد.

كم أغتيل من شخص، وكم أختطف، وكم طُرد من العمل، وكم  عُذّب، وكم أنتهك من عرض ، وكم نُفي ،وكم سُجن ،بسبب الوشاية...في المقابل كم رُقي من شخص، وكم أخذت من امتيازات، سكن ، سياحة ،توظيف، وثائق ، ...
لقد أصبح لهذه المهنة خبراء ومختصون، يتقربون بهذه الحرفة المشينة الى أصحاب الجاه وأرباب المال ،ولايهمهم ماذا سيترتب عن وشاياتهم  ؟

في أحد الأيام من شهر ذي الحجة عام 1999 م،سألت أحد الحجّاج عن شخص كان يعترض طريق االصالحين ، بعد الانقلاب على الارادة الشعبية بسلاحه وينقل كلّ كبيرة وصغيرة الى الشرطة وإلى الدّرك، هل فلان قام برمي الجمرات بنفسه أم أوْكل شخصا آخر ينوب عنه ؟ فأجابني :وهل يرجم الشيطان صاحبه ؟...تخيلوا كان يطوف الجبال والوهاد كل يوم قبل ذهابه الى مكة المكرمة وعندما وصل الى رمي الجمرات أو كل شخصاُ آخر ؟

قال لي أحد الممتعضين وهل مثل هذا تحملته مكة فقلت له كما حملت مكة محمدا صلى الله عليه وسلم فقد حملت أبوجهل...
لم يكن أحد يعرف هذا الشخص قبل الفتنة ، ماعدا في أوساط عائلته ، وبفضل ضرب الشيتة ،أصبح اسمه رائجا حتى خارج البلدية،فكم من دركي أهداه ربطة عنق ،وكم من مسؤول حمل له المظلة ،وكم وكم ...

لقدأصبحت الوشاية ،المهنة المحبوبة والوسيلة المطلوبة  لدى  المسؤولين "الأغبياء"  سيما وأنهم يحبون الطاعة العمياء ولاتوجد كلمة لا في قاموسهم ،وأصبح لسان الحال بعد ورّق تسد أي ادفع الرشوة  تقضي حاجتك وتتسلق أعلى المناصب،قوّد تسُد...
فكم من شخص قضى حاجته عن طريق نقل الاخبار وإيذاء الاخرين  !

لاغرابة في ذلك عندما يكون الانسان غير مسلم...أما أن يفعل المسلم هذا ويؤسس تجارته وعمله عن طريق الوشاية ،فالامر يدعوا الى وقفة جماعية لوقف هذا النزيف حتى لانساهم في شرعنة المنكر.

نورالدين خبابه
15/06/2011

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))