السبت، 11 يونيو، 2011

الفصل الأول, الجزء الثالث, المخاض (أحداث قمار: مقدماتها، حقيقتها، آثارها)

الفصل الأول
الجزء الثالث
المخاض (أحداث قمار: مقدماتها، حقيقتها، آثارها)
المقدمات
يئس النظام من صرف قاعدة الجبهة عن المخلصين لمشروعها من القيادات بتوظيف مساعديه المباشرين أمثال: الفقيه ومراني ومن لف لفهم من الوجوه المشهورة في أوساط العامة، وانتقل إلى خطتة البديلة من أجل اغتصاب الشرعية من حشاني ورفاقه ونقلها إلى طرف ثالث اختاره للمرحلة اللاحقة من المواجهة مع الجبهة. وقد سبق أن صدرت تعليمات أمنية بعدم التعرض للجزائريين الأفغان المعادين للتوجهات السياسية لجبهة الإنقاذ.
وكان أول من اجتمع من الجزائريين الأفغان بضعة عشر ة شخصا أغلبهم من الغرب الجزائري وفيهم البشير من الجلفة والمختار من قصر البخاري وعبد الرحمان دهان من وادي سوف وعبد الناصر من تلمسان ومراد من العاصمة وحليس من الأغواط. و كان هدفهم من الإجتماع أخذ المبادرة من قيادة الجبهة الجديدة وفرض الأمر الواقع عليها بإعلان الجهاد باسم الحركة الإسلامية المسلحة. وتوهموا ضرب عصفورين بحجر واحد، الأول: إعطاء المبرر الموضوعي للنظام لإلغاء الانتخابات وتفويت الفرصة على الجبهة للفوز بها على خلفية أنها وسيلة غير شرعية للوصول إلى إقامة الدولة الإسلامية في نظرهم؛ وهو ما ادخرهم النظام لتحقيقه وكثير منهم لا يعلمون. و الثاني: أخذ المبادرة في إعلان الجهاد من السعيد مخلوفي وعبد القادر شبوطي الذين رهنا الدعوة إلى العمل المسلح بيأس الجبهة من العمل السياسي السلمي وقطع العذر على السلطة العسكرية الحاكمة بمبادرتها إلى العنف أولا.
وقد اتفق المجتمعون على تعيين أحمد الود أميرا عليهم ووضعوا خطة عمل لتفجير الأحداث تمثلت في تجنيد مناضلين أحداث من قاعدة الجبهة بالاستفادة من سمعة الحركة الإسلامية المسلحة وتحضيرهم للقيام بعمليات تخريب واغتيالات عشوائية في مناطق متفرقة من الجزائر ليلة الثامن والعشرين من شهر نوفمبر1991 وإعلان الجهاد باسم الحركة الإسلامية المسلحة ووضع السعيد مخلوفي وعبد القادر شبوطي أمام الأمرالواقع.
لقد وقع هذا الاجتماع في ضواحي سعيدة تحت أعين الدوائر الأمنية المعنية بمتابعة هذه الفئة ولا يستبعد أن يكون تحديد تاريخ التنفيذ من وحي بعض عملائها لأنه كان الوقت الأمثل بالنسبة لخطتها العامة حيث كان المفترض أن تعلن الجبهة عن قرارها بشأن المشاركة في الانتخابات قبل هذا التاريخ مما يتيح لرجال المباحث اعتقال المعنيين بهذه العمليات العشوائية وتمكين الشعب من أداء واجبه الانتخابي في ظروف عادية إذا امتنعت الجبهة عن المشاركة؛ وهو ما كانت تتمناه القيادة العسكرية وتعتبره انتصارا تاريخيا. أما إذا أعلنت الجبهة عن مشاركتها فإن قيام الود و جماعته بعملياتهم يعيد المبادرة إلى جهاز المخابرات في الوقت المناسب لتوجيه الأحداث وفق الترتيبات المعدة لإلغاء العملية الانتخابية وتحميل الجبهة الاسلامية مسؤولية ما ترتب عن تلك العمليات من خسائر وإخلال بالأمن.
إلا أن قيادة الجبهة بتدبير من الله أوقعت الجميع في مأزق عندما أخرت الإعلان عن مشاركتها إلى ما بعد 28 نوفمبر1991، مما اضطر النظام للتدخل من أجل تأجيل عمليات الود وجماعته فتحرك عملاء النظام من بقايا الهجرة والتكفير في العاصمة واتفقوا مع نظرائهم الأفغان في الغرب على تأجيل العمليات ريثما يتم الاتفاق على مبايعة أمير وطني يقود الجميع تحت شعار جديد هو الجماعة الإسلامية المسلحة بدلا من الحركة الإسلامية المسلحة.
لكن أمير مجموعة وادي سوف عبد الرحمان دهان اعتقد أن عملية التأجيل مراوغة من أنصار العمل السياسي فأصر على تنفيذ ما كان مقررا في موعده المحدد ولم يكن الوقت كافيا لإقناعه أو منعه فاختلطت الأوراق على الجميع.
حقيقة الأحداث:
عبد الرحمان دهان العنصر الأساسي في هذه الأحداث رتيب سابق في صفوف المظليين و واحد من الشباب الجزائري الذين ساهموا في جهاد الأفغان ضد الشيوعيين الروس و أحد الحاضرين في اجتماع سعيدة.
خرج دهان ـ أبو سلاح ـ من اجتماع سعيدة و كله عزم على الوفاء بالتزاماته تجاه مشروع إعلان الجهاد المتفق عليه. فاستغل غياب الشيخ عمرالأزعر ـ الذي اعتقل في إطار الحملة الأولى التي استهدفت إطارات الجبهة ـ وأوهم مجموعة من الشباب الأحداث بأنه مأمور من طرف قيادة الحركة الإسلامية بالتحضير للجهاد الذي سيعلن عنه قريبا على المستوى الوطني. وبالرغم من أنه لم يكن من مناضلي الجبهة فإن نشاطه على مستوى النقابة الإسلامية وحماسه المعروف لنصرة المشروع الإسلامي كانا كافيين لتصديقه من طرف حوالي 40 شابا منهم رئيس مكتب الجبهة السابق على بلدية الوادي الذي لم يكن ملاحقا من طرف أجهزة الأمن إلى ذلك الحين.
لم تكن لدهان أية عدة قتالية ولا حتى بندقية صيد. ولكنه مع ذلك تمكن بالتعبئة المعنوية المكـثفة من التأثير على المجندين و تهيئتهم للقيام بعمليات استشهادية. كما استطاع بعد إلحاح إقناع مسعودي الملقب بالطيب الأفغاني ـ أحد كهول الجزائريين الأفغان ـ بالالتحاق بالمجموعة وكان هو العنصر المسلح الوحيد فيها ببندقية قناصة. و هكذا فإنه باستثناء الطيب الأفغاني ودهان فإن المجموعة لم تكن مسلحة ولا حتى مدربة على استعمال الأسلحة.
وقبل موعد تنفيذ العملية بيومين سمع الشيخ عمر الأزعر بالموضوع فشك في جديته وأصدر أوامره بالتوقف عن كل شيء، وحاول الاتصال بالقيادة العليا في العاصمة للاستفسار ولكن وجوده رهن الاعتقال لم يتح له الفرصة لفعل شيء. وفي نفس الوقت جاءت التعليمات لدهان من طرف زملائه على لسان (ع.إ و أ) بتأجيل العملية في إطار التحالف الجديد بين الأفغان ونظرائهم من بقايا الهجرة والتكفير. فاختلط الأمر على دهان وظن أن زملاءه تراجعوا عن مشروعهم الجهادي أمام مراوغات السياسيين وأصر على تنفيذ العملية في موعدها المحدد لوضع الجميع أمام الأمر الواقع.
و في يوم 28 نوفمبر1991 تقدم اثنان من أتباع دهان إلى الحارس المعزول الوحيد لمركز حراسة الحدود ببلدية "قمار" واستدرجوه في الكلام قبل أن يتمكنا من وضع القيد في يديه ورجليه و تكميم فمه ويتركاه في مكانه. تقدمت بعد ذلك بقية المجموعة إلى مركز الحراسة وباغتوا بقية الجنود واستطاعوا حبسهم بدون مقاومة ما عدا رئيس المركز فإنه استخف بهيئة المهاجمين وحاول تخويفهم مستعملا حربة بندقية بدون ذخيرة وخاض معركة بيضاء غير متكافئة سقط على إثرها بعد أن أثخنته الجراح ثم لفظ أنفاسه الأخيرة لاحقا قبل أن تدركه الإسعافات.
بعد تحييد الرقيب رئيس الحراسة اقتحمت المجموعة مخزن الأسلحة و الذخيرة و استولوا على الشاحنة اليتيمة في المركز واستقلوها بعد أن تقاسموا قطع الأسلحة الخفيفة التي استولوا عليها واتجهوا شمالا لإخفاء الأسلحة في المنطقة الجبلية المحاذية لبئر العاثر. ولكن الشاحنة توقفت بهم على مرمى حجر من المركز فاضطروا إلى تركها هناك وتفرقوا في منطقة الوادي لإخفاء الأسلحة في الأغوار القريبة وانتظار مرور العاصفة.
لم يسبق لأحد من المجموعة استعمال السلاح باستثناء دهان ومسعودي ولذلك فإنهم لم يقدّروا خطورة ما أقدموا عليه، إلى درجة أن أغلبهم عادوا إلى منازلهم كأن شيئا لم يحدث.
أما النظام فقد فاجأته هذه العملية فوضع الجيش في حالة استنفار قصوى. فبعد أن علم اللواء نزار خالد بالعملية نزل بنفسه إلى الميدان وأصدر تعليماته بإنشاء خلية أركان برئاسة قائد الناحية العسكرية الرابعة اللواء عبد الحميد جوادي تشرف على عملية تمشيط المنطقة ومطاردة الجناة كما عين المدير العام لأمن الجيش العميد كمال عبد الرحمان على رأس خلية التحقيق في القضية. وحشد لهذه العملية ثلاث أفواج من القوات الخاصة و فوجين من قوات الدرك وفوجين من سلاح المدرعات زيادة على الاحتياطي الهائل من وحدات التدخل التابعة لمديريتي الشرطة والمخابرات كما تم تجنيد كل خريت ومن له خبرة في اقتفاء الأثر في المنطقة.
وقبل الإعلان عن بدء العملية كانت المباحث و خلايا التحقيق تستنطق المعتقلين المشتبه فيهم وكان من بينهم من شارك فعلا في عملية قمار وكانت حصيلة الاستنطاق الأولية كالآتي:
* جميع المشاركين في العملية موجودون في مدينة الوادي و ضواحيها و أنهم لم يتدربوا على استعمال السلاح باستثناء الطيب الأفغاني وعبد الرحمان دهان .
* أسماء أغلب المشاركين في العملية وعناوينهم.
* أن عمليتهم تدخل في إطار خطة وطنية وضعتها الحركة الإسلامية المسلحة بقيادة السعيد مخلوفي و عبد القادر شبوطي و منصوري الملياني.
وبناء على هذه المعلومات اتخذت القيادة العسكرية الإجراءات التالية:
* تطويق منطقة الوادي و ضواحيها وتنظيم المراقبة من الأرض و الجو بالحوامات والدوريات العسكرية.
اعتقال أقارب المتهمين وأهلهم ليكونوا رهائن لدى السلطات الأمنية
* تمشيط المنطقة شبرا شبرا وبيتا بيتا وتنقيب الأرض للعثور على دهان وجماعته.
وبعد تأمين العملية وضمان نجاحها وفي لحظة البدء في تنفيذها ظهر على شاشة التلفزيون اللواء نزار خالد وزير الدفاع ليشن حملة إعلامية مسعورة لإلصاق التهمة بقيادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ في محاولة لإرغامها على عدم المشاركة في الانتخابات فيما تحركت قواته المسلحة لتنفذ عملية جبانة راح ضحيتها خمسة و ستون (65) جزائريا في ريعان الشباب من المتورطين قتلوا وأحرقت جثث أغلبهم وألقيت على قارعة الطريق مكومة في أكياس القمامة في تحد سافر لمشاعر المواطنين العزل. كما استباح ضباط وجنود نزار خالد أموال وحرمات الجزائريين الكرام من سكان المنطقة لبضعة أيام. وقد تمكنوا من استرجاع الأسلحة والعتاد المسروق. ولم ينج من المجزرة سوى أربعة(4) أفراد هم:
زكرياء وقد تمكن من التسرب قبل تطويق المنطقة ودخل في مؤامرة جديدة على قيادة الحركة الإسلامية المسلحة لاحقا ولكنه وقع في قبضة الأجهزة الأمنية في شهر فبراير 1992 في مطار غرداية وأفادهم بعد استنطاقه بمكان تواجد الطيب الأفغاني الذي اعتقل بعد اشتباك قتل فيه حارسه البشير في يوم21 فبراير1992.
عبد الغني وعبد الحميد وهما مراهقان تورطا في هذه العملية واستطاعا الاتصال بالحركة الإسلامية المسلحة التي أسكنتهما في أحد مآويها في منطقة الشريعة الجبلية إلى أن قررا العودة إلى منطقة تبسة للإلتحاق بجماعة مزعومة في بئر العاثر و لكنهما بقيا وحيدين فترة إلى أن قتلا في تبسة قبل تحقيق بغيتهما.
مسعودي المعروف بالطيب الأفغاني وقد اختفى إلى أن هدأت الأوضاع ليجدد الاتصال بقيادة الحركة الإسلامية المسلحة وفي الوقت التي كانت الأخيرة ترتب إجراءات نقله إلى مقر القيادة بأولاد إيعيش كان رفيقه زكرياء يتآمر مع جماعة محيي الدين وريث في ضواحي بن زرقة. وقد داهمت أجهزة الأمن أحد المقرات و اعتقلت بعض العناصر الذين أفادوا المخابرات بالمعلومات اللازمة لاعتقال زكرياء الذي دلهم بدوره على مكان الطيب ففاجأته قوات الأمن في مخبئه و قتلت حارسه البشير واعتقلته حيا ليعدم بعد محاكمة عسكرية لاحقا. أما بقية المتهمين فقد أعدم بعضهم رسميا مع الطيب الأفغاني وقتل اثنان منهم في سجن البرواقية في نوفمبر 1994 كما قتل آخرون في ظروف مشبوهة خلال محاولة الفرار من سجن تازوت في باتنة في نفس العام.
وقد تم تصوير وتوثيق هذه العملية من طرف جهاز الاعلام والاتصال للجيش بكل تفاصيلها بدءا من مرحلة التحضير إلى مراسيم دفن شهداء الواجب الزائفة.

الآثار المترتبة على الأحداث
بالرغم من الدخول المتأخر للجيش فقد تمكن بدون عناء من قتل خمسة وستين (65) مراهقا جزائريا وأحراق جثثهم بعد قتلهم واعتقال عشرات المواطنين المخلصين من مناضلي الجبهة الإسلامية للإنقاذ والمتعاطفين معها وعلى رأسهم الشيخ المجاهد عمر الأزعر والتشهير بهم زورا، كما استبيحت المنطقة لمدة أسبوع كامل اعتدى خلاله الجنود على الحرمات كلها وداسوا كرامة الشرفاء من أبناء منطقة الوادي. و قد استفاد رجال المباحث من محاضر الاستنطاق أن الحركة الإسلامية الجزائرية المسلحة تعد للمواجهة خارج الإطار المرسوم لها فأطلقت حملة مطاردة لقيادتها ممثلة في عبد القادر شبوطي و أصحابه الذين كانوا إلى هذا التاريخ معفيين من الملاحقة.
أما أخطر آثار هذه العملية على المشروع الإسلامي في نظري فهو ما طرأ من تحول على موقف رئيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ عبد القادر حشاني من السعيد مخلوفي حيث ظن الأول أن الثاني هو المسؤول عن أحداث قمار وأقنعه بعض المحيطين به أن السعيد عميل للمخابرات ومتعاون مع جبهة التحرير الوطني فاتخذ منه موقفا معاديا وأصدر تعليمات بقطع الاتصال معه فاضطربت مواقف الملتفين حول السعيد من مناضلي الجبهة الإسلامية في الولاء له و أصبحوا ضحية لإرجاف المتربصين بالجبهة والحركة معا وخاصة دعاة الهجرة والتكفير ونظرائهم الجزائريين الأفغان الذين اغتنموا الفرصة لعزل السعيد مخلوفي وأخذ المبادرة في توجيه الأحداث وفق ما يخدم معتقداتهم البدعية و طموحاتهم الواهمة.
أما بالنسبة للسلطة فقد بالغ وزير الدفاع اللواء نزار خالد الضابط السابق في الجيش الفرنسي بدافع من الحقد الدفين على رجال الثورة في التشهير بالمجاهد البطل وضابط جيش التحرير الشيخ عمر الأزعر واتهمه بالمسؤولية على ما حدث رغم اعتقاله من طرف الشرطة قبل العملية مما دفع الرأي العام إلى الاعتقاد بأن عملية قمار ذريعة افتعلها النظام المحسوب على فرنسا لتصفية حسابات سياسية مع الجبهة الإسلامية والبقية الباقية من أبناء الجزائر الأوفياء لمبادئ ثورة التحرير على غرار ما حصل في شهر جوان 1991 بالمجاهد الدكتور عباسي مدني رئيس الجبهة ونائبه علي بن حاج. كما كانت الهمجية التي تعامل بها الجيش مع الأحياء والأموات من سكان الوادي عاملا أساسيا في نسبة العملية إلى جهاز المخابرات. بل إن شعورا عارما بالاستياء انتاب عناصر القوات الخاصة عندما أعلنت القيادة العسكرية عن مقتل ستة ضباط صف على أيدي جماعة قمار تم تشييع جنازاتهم بمراسيم حضرها رئيس الحكومة والقيادات العليا للجيش وبثتها قناة التلفزيون. في حين أن المعروف لدى رفقائهم أنهم قتلوا بنيران زملائهم نتيجة تهور قيادتهم الميدانية.
حتمية الصدام
سبقت أحداث قمار موعد إعلان الجبهة عن مشاركتها في الانتخابات وانقلب السحر فيها على السحرة بعد أن غلب الظن عند الرأي العام على تورط السلطة الحاكمة في تدبيرها. فلجأت القيادة العسكرية إلى آخر بديل عندها والمتمثل في تنصيب المجلس الأعلى للدولة بالقوة ولكن في هدوء تام. وقد كان هذا البديل يتطلب اتخاذ إجراءات عديدة تفرغ لها جهاز المخابرات بكل مصالحه في الوقت الذي فتح فيه المجال للرئيس الشاذلي واسعا لتنشيط الحملة الانتخابية مع المتنافسين السياسيين وإجرائها في أحسن الظروف التي تستنفذ كل تفكيرهم وطاقاتهم المادية وتعزز ثقتهم في جدية النظام و نزاهته وحياد مؤسساته.
أما القيادة العسكرية وجهاز مخابراتها فقد عكفت منذ إعلان الجبهة عن مشاركتها في الانتخابات على اتخاذ الإجراءات التالية:
1 ـ التمهيد لعملية تنصيب المجلس الأعلى للدولة سياسيا بتوظيف التيارات المعارضة لمشروع الجبهة و برمجة الحملة الإعلامية لذلك.
2 ـ تحضير السيناريو الكامل لاستقالة الرئيس الشاذلي بن جديد المفترضة سلميا ابتداء من مشهد التهديد إلى اللقطات التلفزيونية الأخيرة.
3 ـ ترتيب سيناريو بديل عن الاستقالة يتمثل في تفجير إقامة الرئيس من طرف عنصرين إسلاميين مشبوهين تابعين للحرس الجمهوري سابقا بمشاركة طالب جامعي من الونزة اسمه مشري ابراهيم.
4 ـترتيب الإنتقال من حالة الطوارئ إلى الحالة الإستثنائية وما يقتضيه من توزيع السلطات
5 ـ تحضير سيناريو استقدام الرئيس الجديد محمد بوضياف وما يتطلبه الحدث من تعبئة داخلية و خارجية.
6 ـ وضع خطة دقيقة لحملة اعتقالات تستهدف العناصر النشطة من إطارات الجبهة و مناضليها وخطة محكمة لمراقبة أنصار المشروع الإسلامي داخل مؤسسات الدولة خاصة الأمنية منها بما فيها الجيش واعتقالهم عند الاقتضاء.
جرت الانتخابات في جو من الشفافية لم يسبق له مثيل واعترفت أجهزة الدولة كلها بنتائجها وأظهرت السلطات انطباع الرضى والرغبة في استكمال العملية الانتخابية في نفس الظروف... كل ذلك النفاق لم يكن سوى توفير مزيد من الوقت للعاملين خلف الستار لإنضاج طبختهم المبيتة على نار هادئة. وهكذا في الوقت الذي انتهت فيه الحملة الانتخابية الخاصة بالدور الثاني وتهيأ الناس للإدلاء بأصواتهم للحسم في إرادة الأمة السياسية وإنهاء الأزمة الرئيسية التي تسببت في الانهيار العام للبلاد طلع على الشعب الجزائري رئيسه الذي آثر السلامة وذل الخضوع للإرادة الشريرة لنزار خالد ومن تواطأ معه، على الموت شهيدا في سبيل الوفاء لتعهداته أمام أمة مجاهدة أحسنت الظن فيه ليعلن صاغرا عن استقالته وتنصله من مسؤولياته الخطيرة مبررا ذلك بما لا قيمة له أمام ما يترتب عن الاستقالة في ذلك الظرف الحساس من المفاسد العظيمة.
إن الشاذلي بن جديد محسوب على التيار الوطني المحافظ الذي وإن كان يبغض رموز الصحوة الإسلامية الحديثة كأشخاص فأنه لا يحمل عداوة تقليدية للإسلام والمسلمين عامة بل إنه من التيار الذي يمثل عمقا اجتماعيا طبيعيا لأي مشروع سياسي إسلامي. ولكن الشاذلي شأنه مع التيار الوطني كشأن الفقيه ومراني مع الجبهة الإسلامية؛ فهما ردا المبادرة للاستئصاليين في السلطة على حساب الجبهة بخرجتهما المتلفزة والشاذلي رد المبادرة للتيار الفرنكوشيوعي في السلطة على حساب التيار الوطني بإعلانه الاستقالة لا سيما و أنه كان يملك السلطة القانونية التي تخول له عزل نزار خالد و المتآمرين معه وتعيين غيرهم من الجنرالات الوطنيين العاملين أو المتقاعدين. وكم كنت أود أن الشاذلي لم يخضع للمتآمرين واضطرهم إلى اغتياله وعندئذ فإن نزار خالد وبطانته لن يتمكنوا من التحكم في القوات المسلحة ويسخروها لقهر الشعب تحت غطاء دستوري زائف ويحاكموا المعترضين على تهورهم بتهمة المساس بأمن الدولة.
وبعد خلع الرئيس واستباحة حرمة الدولة الجزائرية من طرف شرذمة من الضباط السامين السفهاء، أصبحت مقتنعا بأن من واجب كل جزائري عاقل حر ومخلص أن يتصدى لهذا الاستعمار المقنع بكل ما يستطيع من قوة وحكمة. وأنا لا أتحفظ في القول بأن الرئيس الشاذلي بن جديد لم يستقل وإنما أرغم على الاستقالة تحت التهديد وبعد تعرضه للإهانة، لأنني استقبلت في مكتبي عنصرين من حرسه الشخصي كانا مدربين سابقين لدى مديرية التكوين البدني العسكري والرياضي التابعة للكلية العسكرية لمختلف الأسلحة بشرشال أذكر اسم واحد منهما هو محمد الاخنش الذي كان الحارس الشخصي لبوضياف أيضا أثناء عودته من المغرب. وكان الاخنش يلبس بدلة رياضية فاخرة لفتت انتباه نائبي الملازم الأول بن بوزيد الذي كان مدربا سابقا معه فسأله: من أين لك هذا اللباس الرياضي يا صاحبي؟ فأجابه الاخنش: إنه نصيبي من تركة ذلك الرخيص الذي طالما امتهن كرامتنا، ودارت الأيام عليه فشفينا غليلنا فيه. لقد أخرجناه من غرفته بلباس النوم كالكلب و تقاسمنا ملابسه الداخلية. كان هذا يومين قبل إعلان الاستقالة و لذلك كنت أرجو أن يتخذ الأخ عبد القادر حشاني موقفا حازما ضد إقالة الشاذلي وحاولت أن أشجعه على أخذ المبادرة قبل فوات الأوان لحماية الدولة الجزائرية وليس حزب الجبهة الاسلامية فأرسلت إليه الأخ (م.ب) ليخبره بأن بعض العسكريين مستعدون للقضاء على العناصر الانقلابية في القيادة العسكرية إذا كان مستعدا لتحمل المسؤولية في تسيير الأزمة وإعادة الوضع إلى طبيعته. و لكنه أحجم عن ذلك وبقي مترددا إلى أن اعتقل.

التنازع و الفشل
كانت مجموعات من الضباط وضباط الصف والرتباء الملتزمين موزعة داخل المؤسسة العسكرية على المراكز العصبية حيث كانت عناصر القوات الخاصة منها مبثوثة في أطقم الحراسة القريبة والشخصية للقيادات العسكرية العليا ومؤسسات الدولة وهيئاتها الإستراتيجية وكان بإمكان هذه المجموعات تحقيق الشلل الإستراتيجي الكامل للنظام والإطاحة بسلطته خلال بضع ساعات وذلك بالقضاء على القيادة العليا للجيش. فقد كان طقم الحراسة الشخصية لوزير الدفاع وطقم التشريفات لقائد الأركان وطقم التشريفات لقيادة القوات البرية وطقم الحراسة لدى رئاسة الحكومة والكتيبة المكلفة بأمن الإذاعة والتلفزيون وأطقم الحراسة على مستوى القيادات الجهوية وكثير من قادة الوحدات الفرعية مستعدين لتنفيذ أي عمل أطلبه منهم لتجنب الدخول في مواجهة مع الشعب. ولكن حجم هذه القوات لم يكن في تقديري يضمن التحكم في الوضع بعد العملية. ولذلك فقد كانت المبادرة من طرفي إلى هذه الخطوة الخطيرة متوقفة على استعداد طرف سياسي قوي من أنصار المشروع الإسلامي أو الوطني قادر على تحمل المسؤولية في تسيير الأزمة وتأمين استقرار الوضع بعد الإطاحة بالسلطة العسكرية القائمة من جهة، وتجنيد عدد محدد من المواطنين الأصليين في بعض المناطق الحساسة من العاصمة وضواحيها للمساعدة على التحكم في الموقف الأمني بسرعة وبأقل خسائر ممكنة. وقد كنت مستعدا للتعاون الإيجابي مع أي قيادة سياسية لإنقاذ الجزائر من الهاوية التي كانت تتجه إليها وتمنيت أن يكون السعيد مخلوفي وعبد القادر شبوطي قادرين بالتعاون مع قيادات سياسية أخرى على تأمين الحد الأدنى من متطلبات النجاح في هذه العملية ولكنهما فشلا في تحقيق ذلك. فبعد عزل الرئيس وإلغاء المسار الانتخابي وحل البرلمان واعتقال الشيخ عبد القادر حشاني كان من المفترض أن يكون يوم 09 فيفري 1992 آخر مناسبة للاحتجاج يدعو إليه عبد الرزاق رجام الناطق الرسمي باسم الجبهة ويتم التعاون فيه مع السعيد مخلوفي ومن انضم إليهم من القوى السياسية للضغط على الانقلابيين. ولكن تم تأجيل الموعد مرة بعد مرة إلى أن اقتحمت قوات الأمن المنزل الذي كان السعيد مخلوفي يجري فيه لقاءاته في منطقة أولاد إيعيش يوم 28 فيفري1992 وألقت القبض على النائب الأول للملياني المدعو حسان كعوان الذي وجد فيه بالصدفة واعتقلت صاحبة البيت. وقبل أن أتمكن من التحقق مما حدث كانت فرق من جهاز الأمن الرئاسي تحاصر الأكاديمية العسكرية لمختلف الأسلحة بشرشال و ضواحيها لتعتقلني وتنقلني إلى المكان المجهول المسمى مركز استنطاق الإسلاميين ببن عكنون.
بعد اعتقالي وعلى مدى سنوات، نصبت محكمة لنفسي وتتبعت القضية ومشطتها تمشيطا دقيقا لتحديد المسؤوليات في هذه التجربة المريرة وهيأ الله لي أن ألتقي بكثير من العناصر الفاعلة في الأحداث قبل الاعتقال و بعده.
ولم أكن في حاجة لمراجعة ملف النظام الجزائري وموقفي منه لأنه استنفذ مني ما يقرب من خمسة عشرة عاما لم يدخر فيها العسكريون ( ممن عرفتهم أو سمعت عنهم ) جهدا للإصلاح والنصح والإخلاص حسب ما تيسر لكل منهم حتى استيقنت من أن شفاء الجزائر الوحيد والأوحد هو التخلص من هذا النظام بأي طريقة، لأنه لم يكن يعيقها عن الحياة الطبيعية فحسب بل كان يقتات على حساب وجودها المادي والمعنوي و الأدبي؛ والشعب الجزائري في ظل هذا النظام سائر إلى التخلف والزوال بخطى حثيثة. ولذلك فإن موقفي لم يكن تمردا عارضا على القيادة العسكرية أو خيانة لها كما يتهيأ لبعض الناس، بل إنه امتداد طبيعي لموقف مؤسس ومخلص تعرفه القيادة العسكرية المتغطرسة نفسها كما يعرفه معظم ضباط وجنود الجيش الوطني الشعبي. فقد كنت أعلن على الملأ ومنذ إرهاصات الأزمة الأولى أن أي محاولة للانحياز إلى هذا الطرف السياسي أو ذاك خارج إطار الشرعية الدستورية سيفقد القيادة العسكرية شرعيتها بموجب القانون ويعطي الحق لكل عسكري شريف أن يجتهد في الوفاء لتعهداته التي أقسم عليها يوم توليه مسؤولياته والمتمثلة في خدمة الوطن وتخليد أمجاد الشهداء واحترام القوانين و النظم. ولم يكن هذا الموقف بدافع من الانتصار لحزب بعينه بل كان حرصا على تمكين الشعب الجزائري من تحقيق التحول الجاري في نظام الحكم بالطرق السياسية السلمية التي تبناها الرئيس الشاذلي بن جديد بعد ماساة اكتوبر 1988. وقد كان على العدالة العسكرية أن تحاكم الضباط السامين الذين اعتدوا على القائد الأعلى للقوات المسلحة وعلى رئيس الجمهورية الجزائرية الذي يمثل رمز السيادة الوطنية و صمام الأمن والاستقرار بدلا من مقاضاة الضباط المرؤوسين الرافضين للغدروالاستبداد والظلم والفساد. وقد سألني قائد أركان الجيش اللواء قنايزية عبد المالك عن سبب تدخلي في الأمور التي يعتبرها هو من اختصاص القيادة العليا وحدها فأجبته بكل وضوح: لقد أمرتم الجيش بقمع الشعب في أكتوبر1988 كما كررتم ذلك في جوان 1991 وكنا نعلم أنكم مخطئين و لكن دستورية الإجراءات وقانونية التعليمات العسكرية ألزمانا بالاجتهاد في تنفيذ الأوامر بأقل الأضرار، أما اليوم فقد دستم على الدستور والقانون معا فبأي شرعية تطالبون المرؤوسين من الضباط و الجنود بالتورط معكم في هذه المغامرة؟.... ومع ذلك أكدت له بكل جدية بأننا سنبقى مستعدين للخدمة العسكرية تحت قيادتكم بكل صدق و إخلاص في هذا الظرف الصعب الذي تمر به بلادنا إذا تداركتم الموقف وقدمتم المصلحة الوطنية العليا على الطموحات الشخصية. وسوف أعود إلى اللقاءات التي جمعتني بالقيادة العليا سنة 1992 في حينها إن شاء الله ليتأكد لكل ذي عقل أن الإرادة الشريرة للدوائر النافذة في تلك القيادة لم تكن تستهدف الحزب السياسي للجبهة الإسلامية كتنظيم بل كانت تستهدف القضاء على الهوية الوطنية الجزائرية التي استعصت على جحافل الغزو الفكري والثقافي والعسكري للدولة الفرنسية النازية.
لقد وصلت بعد مراجعة متأنية وتحقيق في الملابسات التي صاحبت ظهور الحركة الاسلامية المسلحة في الجزائر إلى حقائق أجملها فيما يلي:
لقد اعتمد السعيد مخلوفي ونائبه عبد القادر شبوطي على مجموعات من مناضلي الجبهة ومجموعات أخرى جندها منصوري الملياني وبعة عز الدين وغيرهم كانت لها طموحات مختلفة عن أهداف السعيد، و كان من المفترض أن تقوم هذه المجموعات بالمساعدة في ضبط النظام أثناء المظاهرات والتدخل بِشعارات خاصة لتفادي الصدام بين المحتجين والعسكريين عند اللزوم. كان هذا بمناسبة إضراب الجبهة في ماي 1991. و لكن الموقف في تلك المناسبة لم يتطلب تدخل هذه المجموعات. وقد فر كثير من مناضلي الجبهة تجنبا للاعتقال بعد الاضراب والتحقوا بالسعيد مخلوفي الذي شكل منهم مجموعات غير مسلحة ولكنهم عادوا إلى العمل السياسي بعد الإفراج عن المعتقلين والسماح للجبهة بخوض الانتخابات.

أما عناصر الهجرة و التكفيرالمندسة في تلك المجموعات فقد استفزهم فوز الجبهة في الدور الأول من الانتخابات فشكلوا تحالفا مع نظرائهم من الجزائريين الأفغان و اتفقوا على التآمر على الجبهة على صعيدين:
الأول تمثل في المبادرة إلى القيام بعمليات عشوائية لفرض الأمر الواقع و اختلاق حالة الحرب قبل أوانها ومن هذه العمليات كمين نصبته مجموعة القصبة لدورية الشرطة في شارع بوزرينة ثم الإغارة التي قام بها حسين متاجر وجماعته على مخزن الأسلحة التابع لفرقة الدرك في بني مراد و أخيرا ذبح تسعة (9) جنود في إغارة على الأمرالية البحرية بالعاصمة بالتواطئ مع ثلاثة من ضباط الصف العاملين. وقد استطاعت أجهزة الأمن رغم تدخلها المتأخر استرجاع أغلب الأسلحة المسروقة (على غرار عملية قمار) وقتل عدد من المشاركين في هذه العمليات واعتقال أغلبهم مما ساعدها على كشف شبكة المجموعات المجندة من طرف السعيد مخلوفي ـ والتي لا علاقة لها بما جرى في تلك الفترة ـ وتفكيكها؛ وسأعود إلى تفصيل ذلك في ملحق خاص إن شاء الله.
أما الصعيد الثاني الذي تحرك عليه التحالف المذكور فقد تمثل في التآمر المباشر على السعيد مخلوفي لضرب مصداقيته لدى الشباب المجندين معه. فقد قام منصوري الملياني بإيعاز من المحيطين به من عناصر التكفير والهجرة والأفغان بالإشراف على اجتماعات سرية للطعن في عدالة السعيد مخلوفي والتشكيك في علاقته بضباط الجيش و ضعف التزامه بالمنهج السلفي و تحفظه في التكفير واتفقوا على مبايعة الملياني كأمير لجماعتهم وطلبوا من السعيد وشبوطي وبعة عز الدين الانضمام إليهم فرفضوا. وقد اعتمدوا في ترويج أباطيلهم على شباب أغرار من التيار السلفي وطلبة العلم الشرعي الطموحين أمثال عبد الناصر علمي وأخيه عمر واستغلوا موقف عبد القادر حشاني من السعيد بعد أحداث قمار، فاضطربت مواقف الشباب الذين سبق للسعيد تجنيدهم وتراجع أغلبهم عن التعاون معه. وقد حاول السعيد أن يستعيض عنهم بتوثيق التعاون مع قاسم تاجوري وعبد الرزاق رجام وحسين عبد الرحيم ولكنهم خذلوه أيضا فبقي يراوح مكانه في الوقت الذي كانت أجهزة الأمن جادة في اعتقال الشباب الذين سبق له تجنيدهم.
وفي الوقت الذي كانت إحدى خلايا تحالف الملياني مجتمعة في بلدية بن زرقة (حراقة) بتاريخ 6 فيفري 1992 داهمتها فرق من قوات الأمن وألقت القبض على بعض الحاضرين وكان من بينهم نور الدين (أمين سر الأمير محي الدين وريث) الذي أفاد مستنطقيه بكل واردة و شاردة عن جماعته وعلاقاتها وخاصة ما تعلق بالاجتماع الأخير.
لقد التقى في هذا الاجتماع رؤساء خلايا الهجرة والتكفير العاملة في شرق العاصمة تحت إمارة محيي الدين وريث (واسمه الحقيقي محمد وارث) وكان معهم من العسكريين ضابطا صف هما مولاي علي ومحمد قنوني كما حضر الاجتماع حسن حطاب ونائب الطيب الأفغاني المدعو زكريا. وقد تناول جدول الأعمال التخطيط لأخذ المبادرة من السعيد مخلوفي حيث سيتم تنفيذ عمليات بالتعاون مع ضباط الصف الذين سبق لحسن حطاب الاتصال بهم سنة 1989 و بدون علم السعيد ولا غيره من الضباط باعتبارهم طواغيت سابقين غير مؤتمنين على إدارة شؤون الدولة الاسلامية المزعومة. وقد قال محيي الدين وريث للرقيب الأول مولاي علي: ما الفائدة من جهادكم إذا كنتم ستبقون مرؤوسين في ظل الدولة الإسلامية لنفس القيادة التي تحكمكم في دولة الطاغوت؟ فقال له مولاي: لقد استشرت النقيب شوشان في المبادرة إلى استعمال السلاح فقال لي: إذا بادر أي واحد منكم إلى استعمال السلاح خارج إطار التعليمات العسكرية فسأطارده بنفسي ومن كان ضامنا لمكانه في الجنة اختصرت له الطريق إليها بطلقة في الرأس. (هذا ما صرح به المرشح خليل عبد القادر في محضر استنطاقه واعتبره سفهاء المخابرات حجة لإثبات إمارتي لجيش إسلامي داخل الجيش الوطني الشعبي).
ومن المعلومات التي أفاد بها نور الدين أجهزة المخابرات إسم الشاب طاجين ناصر الطالب الضابط في المدرسة العليا للمهندسين ببرج البحري والذي كان أول من اعتقل من العسكريين. وقد احتاط الأمن العسكري جيدا إذ نظم أمرا بمهمة لهذا الطالب خارج المدرسة ثم اختطفه واستنطقه دون أن يشعر به أصحابه. ثم قاموا بتتبع هادئ وذكي لجميع عناصر الخلية التي كانت تنشط في مدرسة المهندسين بالتعاون مع محمد وارث ـ ولم أكن أعلم أنا شخصيا عن هذه الخلية شيئا قبل اعتقالي ـ. لكن طاجين ناصر وعبد القادر خليل كانا على علاقة مع الرقباء الأوائل مولاي علي ومحمد قنوني وسوالمية محمد الأمين مما سهل على المخابرات وضع خطة محكمة ألقي القبض فيها على أكثر من سبعين ضابط و ضابط صف دفعة واحدة أغلبهم من القوات الخاصة تم الإفراج عن بعضهم فيما بقي أكثر من ستين رهن الاستنطاق لمدة أسابيع.
أما على المستوى المدني فبعد إلقاء القبض على نور الدين تمكنت أجهزة الأمن من تحديد الهوية التي تنكر فيها المدعو زكريا من جماعة قمار وجدّت في مطاردته إلى أن اعتقلته في مطار غارداية واستفادت من استنطاقه المأوى الذي يختبئ فيه الطيب الأفغاني في بلدية قمار بمنطقة الوادي ونظام حراسته مما سهل عليها الإغارة عليه واعتقاله بعد اغتيال حارسه المدعو بشير. كما استفادت من استنطاق نور الدين معلومات هامة مكنتها من تفكيك المجموعات الموالية للسعيد بالغرب الجزائري واعتقال المسؤول عنها المدعو النيل محمد ومعرفة االمكان الذي تتم فيه اللقاءات فاقتحمته يوم 28 فبراير1992 بأولاد يعيش واعتقلت فيه النائب الأول للملياني المدعو حسن كعوان الذي كشف تحت التعذيب عن مشاريع الملياني و طموحاته و علاقته بالسعيد ومن معه.
وعندما التقيت بالسعيد مخلوفي يوم 29 فيفري1992 كان محبطا جدا واقترح علي الفرار من الجيش تفاديا للاعتقال الجزافي الذي يستهدف الإسلاميين من طرف المخابرات وتشكيل معارضة مسلحة بالتعاون مع من أثق فيهم من ضباط الجيش على أن يهيأ لأهلي خروجا آمنا من الجزائر. لقد كانت تلك الكلمات آخر ما سمعته من الأخوين السعيد وعبد القادر وكانت ليلة الفاتح من مارس1992 في بيت على سفوح جبال الشريعة المطلة على العاشور أحسست من خلالها بخيبة أملهما أمام تطورات الأحداث رغم وفائهما وإخلاصهما فكان جوابي لهما صريحا وواضحا وما زلت أذكره. لقد قلت: لقد التقينا من أجل تجنيب شريحة واسعة من شعبنا إبادة جماعية وقد تمكنا إلى حد الآن من تعطيلها وأنا لن أفقد الأمل في تحقيق ذلك. أما إذا فرضت علي هذه الحرب القذرة فإنني أفضل أن أكون فيها عبد الله المقتول لا عبد الله القاتل.
و في يوم 2 مارس 1992 أرسلت الرقيب الأول علي شارف في إجازة لتفقد باقي العسكريين في مختلف الوحدات القتالية لإطلاعهم على تطورات الأحداث تجنبا لوقوعهم في المحظور. وأثناء خروجه من الأكاديمية العسكرية لمختلف الأسلحة بشرشال تم اختطافه من طرف الأمن العسكري في إطار الخطة المعتمدة بناء على استنطاق سوالمية وطاجين ناصر. وباستنطاق الرقيب الأول شارف علي وصلت تحريات المخابرات إلى النقيب أحمد شوشان يوم الثلاتاء 3 مارس 1992 ووضعت النقيب بن زمرلي احمد والملازم الأول زلة نعمان والنقيب حلفاوي محمد وضباطا آخرين من المحافظين تحت المراقبة وبعد استنطاقهم تأكدت القيادة العسكرية أن غالبية الضباط المرؤوسين يتقاسمون نفس القناعات وأن الاعتقال على هذا الأساس سيحدث أزمة داخل المؤسسة العسكرية فقررت توقيف الاعتقالات وحصر التحقيق والاستنطاق في أنصار المشروع الإسلامي المعروفين وإطلاق سراح الباقين فاستقر الأمر على تسعين عسكري أغلبهم ضباط صف و منهم 24 ضابطا بين ملازم ونقيب.

وبعد اعتقال أنصار المشروع الإسلامي داخل الجيش وجد السعيد نفسه أمام الأمر الواقع، وكان الملياني أوفر عناصر الحركة الاسلامية المسلحة حظا، لأن أعوانه نجحوا في تضليل الشباب المتطوع لحمل السلاح و أوهموهم بأن الملياني يمثل الجناح السلفي في قيادة الحركة وأنه الرجل الميداني المناسب لقيادة الجهاد فاجتمع حوله خليط من عناصر الهجرة والتكفير والمنتسبين للأفغان ولفيف من الراتعين في مراعي الانحراف الخلقي والمغرورين من أبناء التيار الاسلامي. لكنه لم يلبث أن وقع في شباك الأمن واعتقل هو و حوالي 400 من أتباعه ليقوم عناصر الهجرة والتكفير بعده بتشكيل جماعاتهم الاسلامية المسلحة والتي كانت أهمها جماعة محمد علال المدعو "ليفيي" التي انتهت إمارتها إلى عبد الحق لعيايدة وأعلنت رسميا عن شعار الجماعة الإسلامية المسلحة سنة 1993 ثم استقطبت باقي الجماعات لاحقا.
أما السعيد فقد تنازل عن إمارة الحركة الاسلامية المسلحة لعبد القادر شبوطي واكتفى هو بقيادة مجموعاته المسلحة المنتشرة في منطقة مفتاح وخميس الخشنة وبومرداس و تيزي وزو والتي تنشط تحت شعار حركة الدولة الإسلامية ثم انتقل بعدها إلى منطقة بشار. أما عبد القادر شبوطي فقد بقي وفيا لمبادئه ورفض الانضمام لإمارة الملياني لعلمه أنه غير مؤهل لمثل تلك المسؤولية من جهة ولأن بطانته المحيطة به حديثة عهد بالالتزام ولا حظ لها من التربية والعلم والشرعي زيادة على ما هي عليه من شبهة التكفير والهجرة. وقد بقي مرابطا إلى أن توفاه الله بين مجموعة من الجزائريين الشرفاء صيف سنة 1994. أما عز الدين بعة فقد قتلته الجماعة الإسلامية المسلحة التي اغتالت بعد ذلك السعيد مخلوفي ونخبة من خيرة أبناء الحركة الاسلامية بتواطئ مفضوح مع دوائر أمنية مما جعل قواعد المقاتلين تتمرد على قياداتها المشبوهة ويقوم بعضها بقتل جمال زيتوني لتنقسم هذه الجماعة إلى كيانات مستقلة يقاتل بعضها بعضا. ومن المجموعات الجديدة التي ظهرت في هذه المرحلة من تاريخ الازمة:
1 ـجماعة الموحدين التي تحولت الى الجماعة السلفية للدعوة و القتال بقيادة حسن حطاب
2 ـ رابطة الدعوة والجهاد ـ بقيادة سيد علي بلحجر
3 ـ كتيبة الأهوال ـ بقيادة عبد الرحيم
4 ـ الجماعة الاسلامية المسلحة في الشرق بقيادة عبد الرشيد
5 ـ حركة الباقين على العهد ـ بقيادة عبد الرحمان ابي جميل
6 ـ الجماعة الاسلامية ـ بقيادة عنتر زوابري
7 ـ جماعة حماة الدعوة السلفية ـ بقيادة رابح قطاف
8 ـ جماعات أخرى نسبت إلى قيادتها الميدانية المحلية في الجنوب و الغرب خاصة.

1 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))