الأربعاء، 15 يونيو 2011

من أجل أرضية وطنية للتغيير الشامل

بسم الله الرحمن الرحيم
بلدنا الجزائر، الذي يعيش فيه شعبنا انهيارًا اجتماعيًا لم يعد يطاق، ينادي من أجل تأسيس نظام سياسي جديد. فأيّ إصلاحات لما آلت إليه الأوضاع يكون مصيرها الفشل إذا تمّ تجاهل وضعية النظام السياسي وكيفية صنع القرار فيه. النظام السياسي المغلق الذي سمح لعدد قليل من الأفراد، بطريقة خارجة عن القانون ومخالفة للدستور، مصادرة حق الشعب بأكمله في اختيار ممثليه الذي عبّر عنه يوم 26 ديسمبر 1991. إنّ جريمة 11 جانفي 1992 النكراء أفضت إلى مأساة وطنية لم يتمّ تضميد جراحها بعد، وإلى الانسداد السياسي والإخفاق الاقتصادي. لقد سجّل أصحاب جانفي فشلًا ذريعًا في بناء الدولة المستقلة التي ينعم فيها المواطن بالحرية والتي تكون ذات اقتصاد متين ذي مصداقية، قادر على المنافسة داخل النظام الاقتصادي العالمي. وذلك يعود إلى غياب سلطة سياسية منبثقة من الشعب ومعبّرة عن تنوّعه.
فمن حق شعبنا، 50 سنة بعد الاستقلال، إقامة نظام سياسي يمكّنه من تحقيق هدف ثورة أوّل نوفمبر 1954 التحريرية، وهو الاستقلال الوطني من خلال: 1- استعادة الدولة الجزائرية ذات السيادة، الديمقراطية والاجتماعية في إطار مبادئ الإسلام، و2- احترام الحريات الأساسية دون تمييز عرقي أو ديني. لا يمكن تحقيق تلك الدولة المستقلة المنشودة إلا عبر التوصّل إلى تحقيق التراضي بين الحاكم والمحكوم. ففي بلدنا الجزائر الذي اختار شعبه النظام الجمهوري، السبيل الوحيد لتحقيق ذلك التراضي بين الحاكم والمحكوم يحقّقه نظام سياسي يقوم على مبدأ الانتخاب الحرّ في إطار تعدّدية حزبية حرّة، مع عدم تدخّل المؤسسة العسكرية والأمنية في المنافسة السياسية، مع الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، فضلًا عن احترام حرية الإعلام.
إنّ النظام السياسي الفاقد للشرعية الدستورية والشعبية أصبح يشكّل تهديدًا حقيقيًا على مستقبل بلدنا الجزائر ونسيجه الاجتماعي ومصالح شعبنا الإستراتيجية. آن الأوان للإقدام على إحداث التغيير، وجعل حدّ لمغامرة 11 جانفي المكلِفة وما تلاها من صفقات تجارية ومعاهدات أمنية مشبوهة، أُبرمت في غياب الممثلين الشرعيين للشعب وأهدرت ثروات بلدنا وانتهكت سيادته.
إنّ المصلحة العليا لوطننا تتطلّب من جميع الجزائريين والجزائريات تحمّل مسؤولياتهم، وتجاوز الخلافات الأيديولوجية والسياسية، والتنسيق معًا لتوفير الظروف المطلوبة ليكون التغيير المنشود للنظام السياسي تغييرًا شاملا حقيقيًا، يفضي إلى نظام سياسي يستجيب لطموحات الشعب ويعبّر عن تنوّعه، يجنّب بلدنا الفوضى، ويجعل حدًّا للانهيار الاجتماعي، ويُوقف استنزاف المقدّرات البشرية والمادية لبلادنا، ويُحارب كل الآفات التي ظلت تُعرقل تنميته الوطنية الشاملة. تغيير توافقي سلمي محكم يتمّ بصفة تدريجية ومسؤولة يجعل الدولة أداة في يد الشعب للحفاظ على مصالحه الإستراتيجية ومستلزمات التمكين من مصادر الطاقة الحيوية والزراعة، وتوفير الأمن الغذائي والعسكري لشعبنا، وليحقّق السلم والاستقرار للجزائر ولدول الجوار.
لكي يتمّ هذا التغيير نحو نظام أفضل، دون تكليف شعبنا المزيد من المعاناة، يحتاج بلدنا منّا جميعًا ودون تأخير إلى نظرة جديدة للأوضاع ومعالجتها؛ نظرة قادرة على إدراك متطلبات الحاضر بوضوح وإلى صياغة نموذج بديل وواقعي للنظام السياسي القائم يكون في مستوى آمال جميع الجزائريين من مختلف التيارات، ويفتح لهم جميعًا دون إقصاء آفاقًا جديدة. فإنّ الفعل السياسي المطلوب اليوم هو الذي يسعى دون تأخير إلى تمهيد الطريق للمجموعات الوطنية كافة، بما فيها المنتسبة للصحوة الإسلامية الأصيلة، لتتجاوز الخلافات وتكثّف الجهود من أجل تحقيق وفاق وطني يلتزم الجميع بمبادئ أساسية ضرورية لنظام سياسي جديد، مستوحاة من تاريخ نضال الشعب من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
وعليه، إننا في حركة الحرية والعدالة الاجتماعية ندعو الحركات الشبابية والطبقة السياسية لأخذ زمام المبادرة وإحداث ديناميكية سياسية من خلال التنسيق فيما بيننا، والتواصل المباشر مع الشعب، من أجل إحداث التغيير المنشود للنظام السياسي، وتأسيس معًا مجلس وطني يقوم بـ:
1- التنظيم والإشراف على نقاش وطني شعبي، مفتوح وموسّع، عبر المدن والقرى، من أجل "أرضية وطنية للتغيير السلمي للنظام السياسي في الجزائر"؛
2- مراقبة تنفيذ هذه الأرضية خلال فترة انتقالية يتمّ الاتفاق عليها.
ومساهمة منّا في حركة الحرية والعدالة الاجتماعية في النقاش الوطني، نقترح اتخاذ التدابير المبيّنة أدناه من أجل تحقيق تغيير شامل وبطريقة تدريجية:
ألف- تحديد هدف تغيير النظام السياسي:
نقترح تكملة المشوار الوطني من أجل تحقيق هدف ثورة أوّل نوفمبر 1954 وهو: "تحقيق الاستقلال الوطني من خلال 1- استعادة الدولة الجزائرية ذات السيادة، الديمقراطية والاجتماعية في إطار مبادئ الإسلام، و2 - احترام الحريات الأساسية دون تمييز عرقي أو ديني".
باء- ضمان القطيعة الحقيقية وبطريقة سلمية وتوافقية مع النظام السياسي الحالي، من خلال:
1- الرفع الفعلي لحالة الطوارئ والإجراءات الاستثنائية التي تلتها؛
2- إلغاء الدستور الحالي، والعودة إلى دستور 23 فبراير 1989 خلال الفترة الانتقالية، ريثما يتمّ وضع دستور جديد من قِبل برلمان تأسيسي منتخب؛
3- فتح الحقل السياسي والإعلامي: إعادة إقامة نشاطات جميع الأحزاب إعادة تامة دون إقصاء، ورفع إجراءات منع تأسيس الأحزاب الجديدة، ورفع إجراءات منع وإيقاف الصحف والمطبوعات والكتب.
جيم- العودة إلى السلم المدني والسيادة الشعبية والشرعية الدستورية، من خلال:
1- طيّ صفحة المأساة الوطنية وتحقيق مصالحة وطنية حقيقية: التعهد على العمل، بعد تأسيس النظام السياسي الجديد وفي إطار القانون والقضاء المستقل، على كشف الحقيقة كاملة غير منقوصة حول جميع الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان وحول الجرائم المرتكبة في حق الشعب؛
2- تحديد فترة انتقالية: بالتشاور مع جميع القوى والشخصيات الوطنية، تحديد أقصر فترة ممكنة تمكن الشعب من ممارسة سيادته كاملة؛
3- تنظيم انتخابات حرة ومتعدّدة لبرلمان تأسيسي، ولمجالس المحلية، ولرئيس الجمهورية.
كما أننا في الحركة نوضح بهذه المناسبة جملة من النقاط ونقترح طرحها للنقاش الوطني من أجل اعتمادها بصفة متكاملة ضمن "الأرضية الوطنية للتغيير" لبعث الثقة بين مختلف التيارات من جديد، ولتعزيز مبادئ وأسس النظام السياسي المنشود:
ألف- حول مكونات الهوية الوطنية:
إنّ العناصر المكوّنة للشخصية الجزائرية هي الإسلام والعروبة والأمازيغية. يجب أن تجد هذه العناصر مكانتها وتعزيزها المؤسساتي دون إقصاء أو تهميش. فإنه من حق الجمعيات الثقافية العمل لتعزيز هذه العناصر، من دون احتكار التعبير باسمها. إلا أنه ينبغي ألا تستخدم هذه العناصر لأغراض الدعاية السياسية الحزبية.
باء- حول علاقة الدولة والأحزاب السياسية مع الدّين:
إنّ الإسلام هو الدين الذي اعتنقه الشعب في أغلبيته الكبرى، عربًا وأمازيغ، منذ أكثر من أربعة عشر قرنا. فأيّ مشروع تغييري يتجاهل هذا العنصر المهمّ والأساسي لهوية المواطنين يكون مآله الفشل. لذا ينبغي تثبيت مادة الدستور التي تنص على أنّ الإسلام هو دين الدولة. لكنه، تجنّبا لأيّ تجاوز من قِبل الدولة أو الأحزاب السياسية، فإنه من الضروري كذلك أن تدرج في الدستور الجديد مواد تترجم المبادئ التالية لضبط علاقة النظام السياسي في المستقبل مع الإسلام:
1- رفض أن تحتكر الدولة أو الأحزاب السياسية التعبير باسم الحقيقة الدينية: لا يمكن لأيِّ كان احتكار الإسلام أو احتكار فهمه، حيث هناك عدة اجتهادات ممكنة في فهم النصوص الشرعية وفي عملية تنزيلها وتطبيقها؛
2- يمكن للأحزاب السياسية استلهام برامجها السياسية من تفسيرها الخاص للإسلام: إنّ على الشعب اختيار، في كل شفافية، البرنامج السياسي الذي يستجيب لطموحاته؛
3- إنّ الممارسات التي تستهدف المتديّنين من كل الديانات بالتمييز بناء على خصوصياتهم الدينية، إنما هي ممارسات تتعارض مع حقوق الإنسان والحرية ومناهضة للممارسة الديمقراطية؛
4- إنه من غير المقبول استخدام الدين لأغراض سياسية، أو لممارسة الضغط على الناس الذين يعيشون ويفكّرون بطريقة مختلفة.
جيم- حول العملية الديمقراطية:
العملية الديمقراطية الحقيقية التي تسعى إلى إقامة نظام حكم ديمقراطي تتطلب:
1- احترام وتعزيز حكم القانون والتساوي في المواطنة، ومحاربة الفساد والجهوية؛
2- احترام وتعزيز حقوق الإنسان كما نص عليها الإعلان العالمي، والاتفاقيات الدولية بشأن حقوق الإنسان، والمعاهدة الدولية ضد التعذيب؛
3- ضمان الحريات الأساسية، الفردية والجماعية، بصرف النظر عن العرق أو الجنس أو الدين أو اللغة؛
4- حرية الاجتماع السلمي، وتأسيس النقابات والجمعيات الخيرية والثقافية والدينية، والأحزاب السياسية، ووسائل الإعلام غير الحكومية المكتوبة والمسموعة والمرئية؛
5- احترام التناوب السياسي بالاقتراع العام، التزام الحزب الفائز بالأغلبية احترام حقوق الأحزاب السياسية الأخرى مع نبذ سياسة الاستئصال وكذلك التزام تلك الأحزاب باحترام حق حزب الأغلبية في تطبيق برنامجه الذي حظي بتزكية الشعب عبر الانتخاب مع الحفاظ على حق ممارسة المعارضة السياسية؛
6- رفض العنف كوسيلة للوصول إلى الحكم أو البقاء فيه، ورفض كل ديكتاتورية أيًّا كان طابعها وشكلها، احترام وتعزيز التسامح والتنوع والتعددية، والفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، واستقلالية الإعلام. من حق الشعب الدفاع عن مؤسساته المنتخبة؛
7- عدم تسليح الأحزاب السياسية أو تمويلها من الخارج. وعدم توريط المؤسسة العسكرية والأمنية في المنافسة السياسية ومبدأ إخضاعهما للسلطة السياسية المنتخبة. احترام المؤسسات الدستورية للبلاد والالتزام بالعمل داخل إطار الدستور وأنّ أيّ تغيير للدستور لا ينبغي أن يتم إلا عبر وسائل الدستور ذاته.
دال- حول المواطنة:
يتمتع الشعب الجزائري بالسيادة، الأمر الذي يمنح كل جزائري وجزائرية، دون تمييز أو إقصاء، حقوق فردية وجماعية للمواطنة أساسية ودائمة لا يمكن تغييرها نتيجة لتغيرات الحكومة أو الدستور. يجب تضمين هذه الواجبات والحقوق في "ميثاق مواطنة" يقدّم إلى استفتاء شعبي.
من بين هذه الحقوق الفردية والجماعية الأزلية للمواطن الجزائري، نقترح ما يلي:
1- حق المساواة في المواطنة لجميع المواطنين من مختلف فئات الشعب الجزائري. وحق العدالة، وحق المساواة أمام القانون؛
2- حق الحياة وتوفير الأمن وحق الشرف والكرامة. حق توفر التعليم الأساسي. وحق توفر التدريب المهني للشغل المنتج والمجزي؛
3- حق الخصوصية وحق حماية خصوصيات المواطن من التجسّس والمراقبة. وحق الحرية بما فيها حرية الضمير وحرية التعبير وحرية الاعتقاد؛
4- حق توفّر الحد الأدنى من العيش الكريم: الغذاء والملبس والمأوى والصحة والأمن والنقل العمومي. حق الكسب المشروع، وامتلاك العقار. حق توفّر الأمن الاقتصادي والشغل المنتج والمجزي للقادرين على الشغل. وحق الإمداد المجّاني بضرورات الحياة لغير القادرين على الشغل؛
5- حق المشاركة في الشؤون العامة للبلاد: حرية الاجتماع السلمي، وحرية التعبير وإبداء الرأي وتقديم النصح والنقد في أطار احترام حقوق الغير؛
6- عدم تولّي أحد أمرًا من أمور الشعب إلا بانتخابه من قبل الشعب، فالشعب هو صاحب الحق والسلطة في الولاية والعزل، فلا يتولّى أحد أيّ مسؤولية سياسية عامة كانت على أيّ مستوى كان إلا بانتخابه من قبل الشعب. واحترام اختيار الشعب والالتزام بمبدأ التداول على السلطة من خلال انتخابات تعددية حرة والالتزام بعدم البقاء أو الوصول إلى السلطة عبر استعمال القوة؛
7- حق مراقبة السلطة السياسية، بشقيها التشريعي والتنفيذي، وحملها على ما يراه الشعب صائبا لا ما تراه هي.
إننا في حركة الحرية والعدالة الاجتماعية نندد مرة أخرى بأيّ تدويل للمسألة الجزائرية ونعارض أيّ تدخّل أجنبي في الشؤون الداخلية للجزائر. كما أننا نطمح إلى تطوير علاقات جزائر المستقبل مع الدول المغاربية إلى أسمى العلاقات الأخوية في إطار الاحترام المتبادل والتكامل الاقتصادي خدمة للمصالح الإستراتيجية لشعوبنا المغاربية. ونطمح كذلك إلى تطوير علاقات جزائر المستقبل مع الدول الاسلامية ودول الجنوب ودول البحر الأبيض المتوسط والدول الكبرى والتعاون الإيجابي معها فيما يخدم المصالح الإستراتيجية المشتركة لشعوبنا.
نرجو من خلال هذه المذكرة المساهمة في خدمة المصالح الإستراتيجية لبلدنا الجزائر وأمنه الوطني، وفي حماية شعبنا من الأخطار الجدية المحدقة به. 
عن حركة الحرية والعدالة الاجتماعية
أنور نصر الدين هدام
نائب منتخب لدى البرلمان الجزائري (ج. إ. إ.، 26 ديسمبر 1991)
الاربعاء 14 رجب 1432/15 جوان 2011
عن موقع الهقار

2 التعليقات:

  • ما شاء الله ,إن شاء الله، يتحول إلى حقيقة

    29 يناير 2012 9:14 م

  • نحن مجتمع لانقبل النقد على انفسنا فلن نستطيع قيام دولة ديموقراطية لان كل من يمسك بزمام الامور لن يتراجع الا بالقوة او وافته المنية مهما كانت الظروف لان تفكيره صائب بالنسبة اليه مهما كان خاطئا. اذن لن يحل مشاكلنا الا بعد ظهور المهدي

    3 يناير 2014 2:34 م

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))