السبت، 18 يونيو، 2011

مشاورات أم مناورات؟


هناك سؤال جوهري يطرحه على نفسه كل نوفمبري أصيل، له اهتمام واسع في ميادين الفكر والثقافة: كالفلسفة وعلم الاجتماع الثقافي، وعلم النفس، وغيرهم ممن نستعين بهم في إنتاج الأفكار والنظريات التي تسهم في نشر الوعي، وصناعة الرأي العام والتي تسعى إلى مقاربة الوقائع والممارسات، وذلك عن طريق القراءة والتفسير باستعمال أدوات في الفهم والتشخيص.

ما شأن هذه المشاورات في أوضاع تعيد إنتاج مآزقها في كل اتجاه، وعلى غير صعيد، ومن غير وعي  ومن غير إخلاص، واستدراج الأمة إلى متاهات أخرى تضاف إلى المتاهات السابقة ؟ !

وهكذا لو قدر لعالم نفساني في ظل هذه المشاورات المشبوهة والمشؤومة، والتي استدعي إليها شخصيات في أرذل العمر وأرذل الفكر، رسم صورة حقيقية من خلال دراسة نفسية ميدانية، لما هو عليه وعي الأمة على ضوء الأوضاع المسدودة بالفساد والإفساد والتضليل، لاتهم الدارس بالجنون، لأن التغيرات التي تعيشها الجزائر على مستوى الوعي كبيرة ومؤزومة دراميا

 لدرجة أن أكثر التوقعات تطيرا ما كان لها توقعها، لأن النقلة المأساوية التي يتعرض لها وعي الأمة في ظل هذه المشاورات المتجاورة مع المناورات، والمتجانسة معها تجانسا ناقصا، أخشى أن يتسرب هذا النقص إلى وعي الأمة، هذا الجناس الناقص الذي يهدف إلى إعادة جدولة المحنة الوطنية، بوجوه مستعارة سميت زورا وبهتانا شخصيات وطنية، مكتوب على جبين كل شخصية (ضمير للبيع فمن يشتري؟ !).


فالجزائر تحترق بنار هادئة اسمها: (الجناس الناقص) فمن يطفئ هذه النار؟. وكياننا الحضاري والتاريخي مهدد فمن يقاوم من أجل البقاء؟ والمشروع الانتقامي يتحقق بأثر رجعي يوما يعد يوم، فمن الذي يوقف المشروع عن طريق المقاومة الواعية؟ فما دور المفكر والمثقف؟ أينظر بفكره إلى هذا الانهيار والتمييع ويرى علماء الاجتماع أن الفكر هو أساس الجهاز الاجتماعي فلا سبيل لكشف المناورة التي ارتدت لباس المشاورة إلا بيقظة الفكر فبيقظته تتضح لنا المناورة. من هنا فنحن في أمس الحاجة إلى المساءلة والفحص: كيف تننهار أوضاعنا في ما يتكاثر المتشاورون في شأنها؟ وكيف يحصل ما يحصل؟.

ما نحتاجه اليوم في ظل هذه المشاورات التي هي عبارة عن مونولوج (Monologue) بين شخصيات حرفية بلا معان، واحترافية في تسويغ ما لا يسوغ. التفكير فيه بجدية من وجه آخر: هو التمرس بمنطق اليقظة والحذر لمواجهة التحولات العاصفة بصورة إيجابية، وما يمكن فعله ثانيا: هو التحرر من هذه "الشخصيات" الحرفية التي وصلت إلى أرذل العمر، وأرذل الفكر والتفكير، والتي شوهت الماضي الملحمي ونكلت به بمذكرات كتبت بلا ذاكرة، ودمرت حاضر الأمة وباعته في مزاد السر والعلني، وسدت آفاق المستقبل بالجريمة الحضارية المرتكبة في حق الأمة منذ ما يقرب أكثر من عقد، لكي نرى جرحنا صافيا، لأن هذه الشخصيات تريد أن تعفن الجرح بطروحاتها المبتذلة، والتي أكل الدهر عليها وشرب

 لأنها لا تملك من أمرها وفكرها شيء. وليس هذا نوعا من التعابير الإنشائية لكنها شهادة نوفمبر أصيل وممحون حضاريا، روعه ما جرى ويجري في الجزائر حتى صدم مرتين: مرة في الفعل ورد الفعل الذي أسال الدماء على وجه الجزائر النوفمبرية فشوه ملحمتها، ومر عندما غير "الأعراب" و"الأغراب" طريقتهم في تأزيم الأوضاع قصد تلويث روح الجزائر وعقلها عن طريق استئناف المسار الانتخابي، وانتخاب مؤسسات دستورية كانت كلها تزييف وتزوير، وكانت كلها مؤسسات بلا أصول الغرض منها التضليل وإخفاء الجريمة الحضارية التي ارتكبت في حق الجزائر.

ويبقى أخيرا أن ننبه إلى حقيقتين: الأولى أن الخطر المحدق يشمل الجميع بلا استثناء ولا يتصور أحد منا أنه سيكون بمنحى من العاصفة لأن الفيضان لم يصل إلى داره بعد، والذين يتحدثون اليوم عن مشاورات سيكونون الضحايا في وقت أقرب مما يتصورون. وسيكونون أكبر مبصوق عليهم في التاريخ. والحقيقة الثانية أن الكارثة هذه والتي شملت مختلف اتجاهات الأمة من أمازيغ، وعرب وإسلاميين، يجب أن تدفع مختلف الطوائف الساكتة عن المناورة إلى الإدراك أنهم يجب أن يقاوموا أولا عن المصير المشترك والوجود المشترك لهم جميعا، ليبقى لهم في النهاية وطن موحد يختلفون فيه فيما بعد عن طريق التداول والتواصل، بعد زوال هذا الخطر المميع للأوضاع. هذا من حيث المبدأ الأخلاقي. أما من حيث التحديات التاريخية فليكن واضحا لدى مختلف الاتجاهات بأن هذا هو زمن اليقظة التاريخية لإنقاذ وجود الأمة، وإلا فإنه سيكون زمن الفناء المشترك لنا جميعا.            
حميد لعدايسية

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))