الأحد، 26 يونيو، 2011

في مركز استنطاق الإسلاميين ببن عكنون :الفصل الثاني

في مركز استنطاق الإسلاميين ببن عكنون
كنت معصوب العينين عندما توقفت بنا السيارة المصفحة وعلى بعد خطوات منها فك الضابط المرافق القيد من يدي وانصرف. في نفس الوقت بدأ الصياح و الكلام البذيء من حولي، فنزعت العصابة لأجد نفسي في مكان شديد الظلام لم أتمكن من تحديد وجهتي فيه. فتساءلت مستغربا: ما هذا؟ أأنا حقا في مؤسسة رسمية؟ وهنا صاح أحد الزبانية المرتزقين (يدعى العنابي): إغلق فمك وإنزع السروال وإلا نزعته لك بنفسي (بلع فمك ونحي السروال والا انجي انهبطهولك)!
لا بد أن أتوقف عند هذه اللحظة من المأساة لأنها ذات أهمية قصوى في فهم ما يجري في الجزائر. فما سمعته من الجندي المرتزق لم يكن معبرا عن رأيه الشخصي وإنما كان ترجمة

واضحة لسلوك مؤسسة وطنية يفترض أن تكون أشد المؤسسات تحريا وحرصا على كرامة الشخصية الوطنية. وعندما يعطى الأمر لمستخدم حقير من جهاز المخابرات بإهانة نقيب محترم من نخبة الجيش الوطني الشعبي اعتقل بناء على شبهة في وضع اشتثنائي، فإن المقصود بالإهانة والاحتقار ليس الشخص نفسه وإنما هيبة المؤسسة التي ينتمي إليها. فجهاز المخابرات في الجزائر رغم خضوعه تنظيميا ورسميا لسلطة وزير الدفاع الوطني إلا أنه عمليا وواقعيا صارجهازا مستقلا تماما ولا يعترف بالسيادة لأي مؤسسة دستورية خارج إطار التوافق أو التحالف أو القوة، ولذلك فإنه لم يعر أي اعتبارا لكرامة رئيس دولة يمثل سيادة الشعب كالشاذلي بن جديد ولا لوزير دفاع وطني ومجاهد كمصطفى بلوصيف عندما تحالفت قيادته مع اللواء نزار خالد وجماعته، فكيف ينتظرعاقل أن يكون لكرمة المواطن البسيط أو المعارض السياسي اعتبار عند عناصر هذا الجهاز.

إن مأساة الجزائر بدأت من هنا ولن تنتهي إلا بمعالجة الداء في موضعه. فأنا كنت ضابطا مرؤوسا ولكنني كنت صاحب مبادرة في ترقية القدرات القتالية للجيش الوطني الشعبي ولم أكن أتحفظ في الصدع بما أراه حقا دون خوف من بشر ولا تردد لأنني كنت أؤمن بأن لكل مؤسسة وظيفتها التي تساهم بها في صنع النجاح الوطني، وأن الوقوع في الخطإ ليس عيبا والاعتراض عليه أو التصدي للتمادي فيه من صميم المواطنة الحقة. ولكن أن يقيم جهاز سلطته المطلقة على أنقاض كرامة شعب بأكمله ويوهم عناصره بتفردهم بالوطنية فهذا وضع شاذ لن ينعم فيه بالطمأنينة لا رئيس ولا مرؤوس، ومن ثم فإن التبرير له لن يخرج من دائرة التواطئ على الخيانة والفساد.

إن إدراكي لهذه الحقيقة هو الذي جعلني أجيب العنابي الذي لم أكن أراه في الظلام بل كان في وعيي يمثل جهاز المخابرات: الآن تأكد لي أنني مختطف من طرف عصابة من المافيا وسأتعامل معكم على هذا الأساس. وإذا لم تعرفوا النقيب شوشان من قبل، فهذه فرصتكم لفعل ذلك.

وفي هذه اللحظة انبعث الضوء من كاشف قوي خطف بصري، وقبل أن أتحول عنه سمعت صوت الرائد عبد القادر من داخل غرقة صغيرة في طرف القاعة الفسيحة وهو يقول باستهتار: أنت نقيب في الجيش، وهنا لا قيمة للجيش ولا لضباطه. وفي نفس الوقت هجم علي من أطراف القاعة مجموعة من الجنود وكان أشرسهم العنابي فكان أول من دخلت معه في معركة دامية ليتدخل العقيد ناصر قائد مركز التعذيب وهو يصيح: (حابين تقتلوه قبل ما يهدروا معاه)؟ أتريدون قتله قبل أن تتحدث معه القيادة؟ عندها تفرقوا عني، وألقى الرائد عبد القادر أمامي مشمعا أزرقا قذرا وهو يقول: هذا هو لباسك الرسمي والوحيد. فتأملت وجهه جيدا بعد أن سمعت صوته وتذكرت أنني أعرفه منذ سنة 1987 عندما كان ملازما أولا مكلفا بالتفتيش لدى المديرية العامة للتموين (Control Resident). فسألته: هل كان لهذا المهرجان لزوم يا عبد القادر؟ فانتفض العقيد ناصر قائلا: (يا الرب حتى اسماواتكم يعرفها) يا إلهي! إنه يعرف اسماءكم أيضا!... أدخل إلى الغرفة والبس المشمع فلا حاجة لك بهذه الثياب النظيفة بعد اليوم. ثم سمعته يقول (كتفوا) قيدوا يديه إنه خطير.

وضعت في زنزانة انفرادية من الإسمنت الأملس طولها أقل من مترين وعرضها متر واحد وارتفاعها حوالي خمسة أمتار، بابها من الفولاذ به ثقبة قطرها 5 سنتمتر وفي طرف الجدار الأعلى كوة لمصباح لا ينبعث منه الضوء إلا نادرا. كنت أفترش الإسمنت وألتحفه لمدة أسبوع ثم سرب لي أحد الجنود بطانية بعد ذلك. ولم يسمح لي بالخروج لقضاء الحاجة إلا مرة كل يوم ولمدة دقيقة في مكان لا سترة فيه ولا باب وتحت مراقبة السجان. ولذلك اضطررت من البداية إلى الامتناع عن الاكل والشرب و قضاء الحاجة إلا لضرورة قصوى.

وعندما دخلت رواق الزنزانات أول مرة كانت الآهات تتعالى مرعبة والأنين ينبعث من كل مكان. ومن زنزانتي كنت أسمع المساجين يضربون ويهانون حتى أثناء قضاء حاجتهم، وكنت أراهم يساقون للتعذيب من ثقب الباب ويعودون نصف عراة وهم ملطخون بالدماء وغير الدماء يشكون إلى الله هوان الإنسانية على هذه الوحوش البشرية.

عندما وجدت نفسي وحيدا مقيد اليدين في الزنزانة توجهت إلى الله وصليت المغرب والعشاء جمعا ثم اضطجعت وبدأت أقرأ القرآن لأدفع الهواجس التي غزتني... إلى أن انتبهت على صوت الاقفال تفتح والسجان يصيح في وجهي: (أخرج هبط راسك)...!! ثم ألقى على رأسي كيسا أسود وأخرجني من الزنزانة ثم دفعني في سيارة مصفحة انطلقت بنا في رحلة وهمية دامت 5 دقائق تقريبا. والحقيقة أن السيارة كانت تدور حول المكان المقصود والذي لا يبعد عن الزنزانة سوى أمتارا معدودة. سلكنا أروقة وصعدنا درجا واخترقنا مكاتب... لنصل في النهاية إلى غرفة الاستنطاق فأجلسوني على كرسي وثبتوني عليه بقيود ونزع أحدهم الكيس عن رأسي فوجدتني محاطا بمجموعة من الضباط عرفت بعضهم. وكان أول المتدخلين العقيد ناصر حيث بادرني: ليس عندنا وقت. لقد عرفنا كل شيء وجماعتك اعترفوا بكل شيء. والأحسن لك أن تعترف وتخبرنا عن اسم قائدكم الأعلى. لقد اعترف السعيد مخلوفي بكل شيء.
إن ما رأيته وسمعته كان كافيا لتأكدي من عبثية هذه المؤسسة وخروجها عن القانون وخطرها على مستقبل الجزائر ولذلك قررت التعامل معها بحذر ومسؤولية ووضعت نصب عيني المصلحة العليا للوطن دون غيرها.

لقد كان أول ما قلته: أريدكم أن تعرفوا شيئا يظهر أنكم لم تفهموه بعد. أنا لست السعيد مخلوفي ولا واحدا من العسكريين الذين اعتقلتموهم. بل أنا نقيب في الجيش الوطني الشعبي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ولن تكونوا أبدا أحرص مني على المصلحة الوطنية. وإذا كنتم تريدون الخير لهذا البلد حقا فعليكم التوقف عن هذا العبث فورا وتدارك الأمر قبل أن يخرج عن السيطرة. وعندها سنتكلم كضباط وبكل مسؤولية. أما إذا أصريتم على التعامل معي بنفس الطريقة فاعلموا أن الجثة التي بين أيديكم ليست سوى جزة من الصوف لن تأخذوا من نفضها سوى الغبار.

اشتاط بعضهم غضبا وردوا علي بكلام قبيح وضربني بعضهم في مواضع مختلفة من جسدي ودفعني أحدهم فتدحرجت على الأرض وأنا مثبت على الكرسي ثم أقامني أمام موضع هندسي ناتئ في جدار الغرفة وهو يقول: أتدري ما هذا؟ إنه ورشة الصدمة القاتلة... ضربة واحدة تكفي لتفجير جمجمتك... أتدري ما هذا؟ (مشيرا إلى بقايا دم ونجاع يلطخ الموضع) إنه مخ الرائد عبد المجيد الخائن. لا شك أنك تعرفه وسوف نلحقك به... لقد كان هنا قبلك... وهكذا تداولت علي الأيدي واختلطت علي الأصوات وتلقيت الضربات من كل اتجاه وأنا مقيد الرجلين واليدين، إلى أن وجدت نفسي في ورشة التعذيب الرئيسية التي يعذب فيها ضباط وضباط صف وجنود من القوات الخاصة عراة ونصف عراة منهم المعلق من رجله ومنهم المثبت على مجسم... يعذبون بأساليب سادية تدل على الشذوذ والانحراف الذين تتميز بهما هذه المؤسسة. ومن لطف الله بي أن تعذيبي اقتصر على الضرب والكهرباء والإرهاق النفسي ولم يكن في تلك الورشة.

وقد هالني أن أرى ضباطا ملتحين ويلبسون اللباس الأفغاني يدخلون ويخرجون إلى هذا المركز ويتبادلون الحديث عما يفعلونه خارج الأسوار من تحريض وكتابة على الجدران ويخبرون ضحاياهم بما يقومون به من تضليل للمواطنين ويذكرونهم بالمساجد التي كانوا يرتادونها متنكرين في شكل إسلامي...
كانت الساعة الثالثة صباحا تقريبا عندما جاءت التعليمات بتحويلي إلى قاعة محاذية لغرفة العمليات ووجدت في زاوية منها المقدم بشير طرطاق جالسا خلف مكتب عادي وكان صامتا لا يتكلم. في حين استمر باقي الضباط في محاولة استنطاقي أمامه بما فيهم العقيد ناصر الذي كان أجبنهم وأشدهم بذاءة وإباحية ولكن دون أن أجيبهم بشيء... حتى التأوه لم يسمعوه مني رغم الألم الذي كان يقطع جسدي. وفي لحظة ما، دخل الرائد قطوشي المكلف بالأمن لدى الأمانة العامة لوزارة الدفاع وتقدم نحوي وهو يقول: يا بن... أهذا أنت... أما زلتم تتحدثون معه؟ وسحب مسدسه الخاص ووضع فوهة الماسورة على ناظري الأيمن قائلا: لو كان الأمر بيدي لأطلقت عليك رصاصة في الرأس أيها... فأجبته باحتقار: لو كان فيك ذرة من الشرف لما قلت هذا الكلام... ولو كان مسدسك بيدي الآن لما استأذنت أحد في قتلك أيها الجرثومة. فصاح العقيد ناصر: إحذر! إنه يريدنا أن نقتله قبل أن يتكلم... وأبعده عني بقوة وهو يقول: والله لن يخرج من هنا حيا... سنقطعه تقطيعا. وهنا تلاحق باقي الضباط إلى الغرفة من جديد واستانفوا دورة التعذيب إلى أن قام المقدم بشير طرطاق من مكانه فتأخر الجميع. وقد بدا من تصرفه أنه صاحب التدبير الفعلي داخل المركز. وكان أول ما قاله بصوت الواثق من نفسه: إسمع يا شوشان. أنا متأكد من أنك ابن فلاق. وأن هذه الأساليب لن تنفع معك. ولكنني أنا أيضا فلاق وأعرف كيف أجعلك في النهاية تتكلم. فوفر على نفسك لأن ذلك أريح لك...

لقد أتيت بالمرأة التي كنتم تجتمعون في بيتها (وكان يقصد المجاهدة الحاجة غنية التي كان السعيد مخلوفي يجري لقاءاته في بيت تملكه ولا تسكن فيه على سفوح جبال الشريعة) وقد تعرفت عليك (وهو كاذب في ذلك لأنني لم أعرف حقيقتها إلا في سجن البرواقية) وسوف تقابلها الآن وإذا أنكرت معرفتها أنت فإننا سنفعل فيها... حتى تتفقا على الحقيقة . أما إذا أصريت على الإنكار فسآتي بزوجتك الآن ونفعل بها ما يجعلك تعترف رغم أنفك... وهنا تكلمت لأول مرة منذ أن بدأ التعذيب وقلت: أولا زوجتي ليست صحفية في جريدة الصباح حتي تستطيع أنت الوصول إليها حية وثانيا أنا لم أنكر شيئا حتى تحتاج إلى تهديدي بالاعتداء على عرض جزائرية. فوالله لو مكنني الله منكم ما تركت أحدا منكم يعيش لحظة واحدة. أما بالنسبة للسعيد مخلوفي الذي تدعي أنه اعترف بكل شيء، فو الله لو فعل ما يسيء إلى الجزائر لقتلته بنفسي دون الحاجة إلى استشارة أحد. و لكنني أشهد بأنه أشرف منكم وأعلم بحقيقتكم مني لأنني لم أكن أتصور أن مسؤولا عسكريا جزائريا يتعامل مع عسكري مثله بأساليب الاستعمار ويهدده بهتك عرضه وامتهان كرامته بدون سبب... فقاطعني قائلا: وما زلت تقول بدون سبب؟
قلت: نعم بدون سبب.
قال: ألا تعتبر التدبير لانقلاب سببا كافيا لإعدامك؟
قلت: إذا كنت تقصد الانقلاب على الرئيس الشاذلي بن جديد فالقيادة العسكرية هي التي دبرت الانقلاب ونفذته وبالتالي فهي أولى بالإعدام مني. أما إذا كنت تقصد تمرد العرفاء على هذا الانقلاب فإن واجب القيادة أن تتعامل بحكمة مع الوضع الذي ورطت فيه الجيش وإلا فإنها ستفقد السيطرة على الأوضاع وأنا لا أصدق أن يكون اللواء نزار خالد وضباط الجيش الفرنسي أشد حرصا وإخلاصا للجزائر من الرئيس الشاذلي بن جديد وضباط جيش التحرير.
قال: وهل بوضياف من ضباط فرنسا.

قلت: لقد حكمت القيادة على بوضياف بالخيانة منذ ثلاثين سنة بالحق أو بالباطل، وأنتم حرصتم على تكريس ذلك في وعي الشعب كله. وإقناع الناس بأنه رجل وطني شريف لن يتحقق خلال ثلاثين يوما؟
كان الضباط الآخرون يشتمونني ويتحفزون لضربي وأنا أتكلم، وكان طرطاق يمنعهم وكأنه يريد أن ينفذ إلى الخلفية التي بنيت عليها موقفي وقد كنت صادقا معه رغم وعيي التام بخبث قصده. وعندما بلغ الحوار هذا الحد تقدم نحوي الرائد عبد القادر وهو يزمجر قائلا: أنتم ربكم الله و رسولكم محمد ونحن ربنا نزار و نبينا بوضياف!! أفهمت؟
قلت: أنا لا أتحدث عن ربك ولا عن نبيك أنت حر ولا يهمني أمرك. أنا أتكلم عن الجزائر المستقلة التي حررها الشهداء أمثال مطصفى بن بولعيد والعربي بن مهيدي والمجاهدون أمثال الشاذلي بن جديد و أبي وأمي... وهنا لم يتمالك الرائد نفسه وهجم علي وهو يقول: أنا أبي ليس مجاهدا! ينعل (يقصد يلعن) دين الشاذلي ومصطفى بن بولعيد ودين المجاهدين والشهداء انتاعكم ودين الجزائر التي تعرفها. الجزائر انتاعنا (يقصد جزائرنا) هي اللي نتفرشكو فيها ونديروا فيها راينا (التي نتمتع ونعبث فيها) ولا يهمنا أن تكون فرنسية أو شيوعية أو يهودية؟!. المهم البترول والغاز والدراهم... فقاطعته غاضبا: أنتم إذن مرتزقة ولستم جزائريين؟ وإذا كنتم رجالا حقيقيين فقولوا هذا الكلام للشعب وسترون ما سيكون مصير الخونة أمثالكم... وقبل أن أسترسل رفع هراوة ضخمة كانت بيده وأنهال بها على عاتقي بحقد شديد فأحسست بالدوار وفقدت الوعي.

لست أدري إن كان التعذيب قد تواصل بعد ذلك، ولا أعتقد أنني كنت قادرا على الكلام لأنني كنت أشعر بالغثيان وبأن جسدي كله تفكك. وقد أخبرت بأنني أخذت وجبة متكاملة من التعذيب التقني اعترفت خلالها بأن قائدي هو العقيد بن زمرلي المدير العام السابق لسلاح الهندسة العسكرية، رغم أنني لم أعرف هذا الضابط من قبل. كما علمت لاحقا بأن الفترة التي قضيتها تحت تاثير التعذيب المستمر كانت أكثر من 24 ساعة. نقلت بعدها إلى زنزانتي.
أخذوني بعد أن أفقت إلى نفس الغرفة بعد أن أعيد تنظيمها وسمعت صوت طرطاق وهو يقول: لو لم أردهم عنك البارحة لقتلوك يا شوشان، أنت لا تعرفهم. إنهم يستمتعون بالقتل. وعلى كل حال لقد قررت أن نبقى وحدنا حتى نتكلم كضباط، أليس هذا ما تريده؟ استرح قليلا وسنتكلم بعد أن تقابل بعض قيادات الجيش الذين يريدون رؤيتك. ثم واصل بنبرة استخفاف فيها تهديد: الجميع يعرفونك واشتاقوا إلى رؤيتك. لم يتوقعوا أن تكون قائد الانقلاب عليهم.
بعد قليل دخل ضابط بلباس مدني وهو يقول: لقد جاؤوا. ثم دخل مجموعة من الضباط السامين على رأسهم المدير العام لأمن الجيش العميد كمال عبد الرحمان. كنت أعرفه منذ أن كان ضابطا في الهندسة العسكرية بشرشال والتقيته مرارا عندما كان رئيسا للمكتب الجهوي للاستطلاع بورقلة ثم عرفته عندما كان قائد اركان للواء العاشر للمشاة ولذلك عرفته من أول نظرة.
قال: وقعت في أيدينا يا شوشان. لقد كنت تريد أن تقتلنا. أليس كذلك؟
قلت: لا أحد يريد قتلك أنت.
قال: إذن فأنت تعرفني.
قلت: نعم أنا أعرفك جيدا ومتأكد بأنك عبد مأمور لا تملك من أمر نفسك شيئا.
قال: فمن الذين حكمت عليهم إذن؟
قلت: أنا لم أكن أريد قتل أحد، ولكن القيادة العليا هي التي تريد توريطنا في قتل المدنيين وهذا أمر يرفضه الكثير من العسكريين. وعندما يصل الأمر إلى درجة يفكر فيها العرفاء والجنود في أخذ المبادرة للتمرد ورفض الأوامر يمكنك أن تتصور حجم الخطأ الذي ترتكبونه. ولذلك فأنا أنصح القيادة أن تتراجع عن موقفها وتعالج الأمور بحكمة قبل أن ينفرط عقد الجيش كله.
قال: أنت واثق من نفسك أكثر من اللزوم يا سي شوشان. وأنا لم أتوقع منك هذا الكلام. على كل حال جماعتك قبضنا عليهم والأحسن لك أن تفيد الجماعة بكل ما تعرف.
قلت: إذا لم توقفوا الاعتقالات وتطلقوا سراحنا خلال أسبوع فإنكم لن تتحكموا في الوضع أبدا. وتذكر يا سيادة العميد أنني نصحتكم في الوقت المناسب وبرأت ذمتي ولكم أن تفعلوا ما بدا لكم.

قال: النقيب احمد بن زمرلي وبوحادب والآخرون الذين تعول عليهم كلهم في الطريق إلى هنا وأنا أريدك أن تخبر الجماعة بقائدكم الأعلى قبل طلوع الشمس. فإذا لم تفعل، تكون قد جنيت على نفسك... وهنا جاء ضابط مسرعا وهو يقول: الشاف جاء!! (لقد جاء الرئيس). فخرج العميد كمال وتوجه إلي العقيد ناصر بالخطاب قائلا: أعرف كيف تتكلم مع القيادة وإلا...(تكلم مع القيادة بأدب وإلا..). وفي نفس الوقت تقدم الرائد عبد القادر وأمسك بالكرسي الذي أجلس عليه (مثبتا بالقيود) من الخلف وانبعث ضوء قوي من كواشف عديدة منعتني من رؤية القادمين و لكنني تمكنت من رؤية الجانب السفلي من هندامهم وكان بعضهم يرتدي الزي المدني وبعضهم الزي العسكري وعاد العميد كمال عبد الرحمان معهم وهو يحدثهم عني و أدى لهم العقيد ناصر التحية العسكرية.

وقف الوفد قريبا مني وتوجه إلي سيدهم قائلا: أهذا هو النقيب شوشان الذي يريد الانقلاب علينا؟ حاب يرد الشاذلي بن جديد؟ حابين اديروا دولة اسلامية... راكم تحلمو!! (أتريدون إقامة دولة اسلامية؟ إنكم تحلمون) روحوا ديروها في السعودية والا في الإمارات ميش في الدزاير (إذهبوا وأقيموها في السعودية أو في الإمارات و ليس في الجزائر) واش حاسبين ارواحكم؟ اشحال تكونوا ثلاثة ملاين، ست ملاين؟ (ماذا تظنون أنفسكم؟ كم يكون عددكم؟ ثلاثة ملايين ستة ملايين؟) أنا مستعد لأمحيكم من الأرض ويعيش أولاد الجزائر الحقيقيين مثلما يعيش أبناء عمومتكم في الخليج... لم أتمالك نفسي وأجبته قائلا: أنا لا أتسول وطنيتي منك ولا من غيرك لأنني جزائري حر ومولود في مركز من مراكز الثورة، أما القتل فالظاهر أنك لا تعرف عنه شيئا!! فلو قتلت ثلاثة ملايين جزائري فإن رائحة جثثهم كافية لقتلك وقتل من بقي معك.

قال: فكر في مصيرك. هذه قضية أكبر منك. وركلني بقوة... ثم التفت إلى من معه وهو يقول بنبرة غاضبة وبكلمات عامية وفرنسية: (يستحيل أن يكون العقيد بن زمرلي رئيسه. أنطقوه بالقوة حتى يبوح باسم قائده الحقيقي. لا يمكن لنقيب أن يتزعم ضباطا سامين من مختلف الأسلحة في الجيش) ثم انصرف غاضبا ومعه العميد كمال عبد الرحمان والوفد المرافق.

مباشرة بعد خروج الوفد انهال علي الرائد عبد القادر ضربا بهراوته وهو يقول: أتعرف من كان يتكلم معك؟ إنه بوضياف (يا واحد الرخيس). الم اقل لك إنه رسولنا؟ الآن أجهز عليك سواء تكلمت أم لم تتكلم... لست واثقا من صدق الرائد عبد القادر، كما أن حالة الإرهاق التي كنت أعاني منها لم تسمح لي بتبين صوت المسؤول الذي كلمني ولكن إذا لم يكن المتكلم محمد بوضياف كما زعم عبد القادر، فإنه اللواء محمد مدين (توفيق) المدير العام للوقاية والأمن بكل تأكيد. لأن العميد كمال عبد الرحمان وضباطه لا يمكن أن يتأدبوا بذلك الشكل أمام أحد غيره باستثناء اللواء خالد نزار الذي لو كان هو المتكلم لعرفته فورا... ثم انضم إليه النقيب بن جرو الذيب جاب الله وضابط آخر متخصص في التعذيب الكهربائي. وبعد أن يئسوا من إرغامي على الكشف عن قائد الانقلاب المزعوم اقترحوا علي أن أتهم أي ضابط سام برتبة جنرال واقترحوا علي بالإسم العميد حشيشي زين العابدين والعميد لمين زروال والعميد عبد المجيد شريف واللواء عبد المالك قنايزية... فرفضت رفضا قاطعا رغم شدة التعذيب الذي استمر حتى فقدت الشعور بالألم وأصبحت أحملق فيهم وكأنهم يعذبون شخصا آخر. ولم استعد وعيي تماما إلا في الزنزانة.

لست أدري كم مر علي من الوقت قبل أن يعيدوني بنفس الطريقة إلى قاعة الاستنطاق. وكان في هذه المرة النقيب بن جرو الذيب ومعه الرائد وحيد (وأصله من بريان/ ولاية غرداية) هما المكلفان باستنطاقي. وأول ما بادرني به النقيب بن جرو الذيب كان تقديمه للجنة التي كلفت باستنطاقي وكان منهم ملازم أول اسمه علي مهندس دولة في التعذيب الكيماوي، متخصص في التطهير وتصفية المعلومات ومهندس آخر متخصص في التعذيب الإلكتروني برتبة نقيب قضى خمس سنوات في موسكو وسنتين في يوغسلافيا مع 8 سنوات خبرة وهو المعروف ب: الروجي (الأحمر) وهو الوحيد الذي لم ينطق بكلمة واحدة و كل ملامحه تشير إلى أنه ليس جزائريا.

لم يخفني التعذيب ولا الموت، لأنني كنت أشعر بأنني في أعلى مقامات الصدق مع الله والوفاء للوطن (وإني أسأل الله صادقا اليوم وأنا في سعة من أمري أن يقبضني وأنا على مثل تلك الحال من الصدق والإخلاص). ولكن عز علي أن تستمر يد الغدر والخيانة في اغتيال الأحرار والعبث بمصير شعب أبي كالشعب الجزائري. فقررت أن أتعامل مع تلاميذ أوساريس وماسو بأسلوب رجال ثورة التحرير؛ وذلك بتعويم المعلومة بدلا من كتمانها.

لقد كنت أعرف النقيب بن جرو الذيب جيدا لأنه قضى معي أكثر من سنتين كطالب متخصص في الدفاع الجوي في الأكاديمية العسكرية لمختف الأسلحة بشرشال وتخرجت قبله برتبة ملازم في القيادة العسكرية مع تخصصي في سلاح المدرعات قبل أن ألتحق بالقوات الخاصة. ولذلك فإنني لم أجد كلفة في الكلام معه وقلت له متهكما: ما شاء الله عليكم، بدلا من أن تبعثوهم يتهندسون في الذرة والسلاح النووي صرفتم عليهم بالعملة الصعبة ليعذبوا الشعب الجزائري... وماذا لو قلت أنكم لستم في حاجة إلى استنطاقي؟ فإذا كان غرضكم إدانتي فأنا مستعد لأعترف بكل ما نسب إلي من طرفكم لتحكموا علي بالإعدام وتهنأوا بجزائركم اليهودية. أما إذا كان غرضكم معرفة الحقيقة فأنا مستعد أن أكتبها لكم كما هي دون الحاجة إلى كل هذا.

أجابني وهو ينظر إلى المهندس: الآن أصبح كلامك واضحا ويمكننا أن نتكلم بلغة واحدة، ثم انصرف إلى الغرفة المجاور وعاد و في يده رزمة من الأوراق التي وضعها أمامي وقال أريدك أن تقرأ هذه المحاضر أولا وتبدي لي رأيك فيها. وعلى ضوء ذلك سنحدد وجهة التعامل معك. والأحسن لك أن تفيدني بكل ما تعرفه عن محتوى هذه المحاضر. فقلت: إطمئن، سأفعل وإن كنت لا أعتقد أن الحقيقة ستغير من الأمر شيئا.

كانت المحاضر تحتوي على كل كبيرة وصغيرة تتعلق بحياة الضباط وضباط الصف المعتقلين وفيها اعترافات مضحكة لعرفاء وجنود خططوا لقلب نظام الحكم و تآمروا مع الجبهة الإسلامية لنشر التقتيل في أوساط المواطنين والقوات المسلحة منذ سنة 1988 (قبل ظهور الجبهة) وغير ذلك من الكلام الذي لا يصدقه عاقل وكأن الوقائع تتعلق بالطوقو أو جزر القمر. كما كانت فيها تفاصيل عن اللقاءات التي جمعتني بالسعيد مخلوفي وعبد القادر شبوطي وفيها ذكر لضباط غافلين لا علاقة لهم بهذه الأمور بتاتا. ولكن صياغة تلك التفاصيل المتناثرة في أبعاد الزمان والمكان والحال، صيغت بطريقة تظهرها في شكل مؤامرة لقلب نظام الحكم. ولكن محرري المحاضر نسوا أن يغيروا التواريخ ويوزعوا الأدوار على المتهمين بطريقة تنسجم مع ما طبخوه، فبقيت على أصلها. فكان القائد المفترض للكتيبة المكلفة بالاستيلاء على مقر الاذاعة والتلفزيون خلال إضراب الجبهة مثلا، متربصا في موسكو في ذلك الوقت. وكان أغلب الضباط المعتقلين أقدم مني رتبة و خدمة في الجيش ولم أكن أعرف عن علاقتهم بالسعيد مخلوفي شيئا، فضلا عن التآمر معهم على انقلاب عسكري. أما ضباط الصف فرغم كونهم ممن سبق لي تدريبهم وقيادتهم إلا أن اثنين منهم فقط سبق لهم إثارة الموضوع معي في مقابلة شخصية وتصريحاتهم تدل على أنني حذرتهم من التواصل مع المدنيين أو أخذ المبادرة في التمرد... إلى غير ذلك.
ومنذ أن قرأت المحاضر استقر في ذهني أن جهاز المخابرات قرر تدراك فشله في ضبط مسار الأحداث، من خلال تقديمي قربانا للقيادة العسكرية بتصفيتي جسديا، وأن الغرض من حملة الاعتقالات السرية ليس إفشال انقلاب محتمل من طرف العسكريين المعتقلين وإنما هو السعي لتعزيز شرعية الانقلاب المجنون الذي تورط فيه وزير الدفاع وبطانته ضد الرئيس الشاذلي بن جديد، والتمترس خلف اتهام قيادة الجبهة الاسلامية بالتآمر مع العسكريين المعتقلين للاستيلاء على الحكم بالقوة. وبناء على هذه القناعة عزمت على الثبات على ثلاثة مبادئ في مواجهة التحقيق:

1 ـ أن لا يتضرر من هذه القضية من لا علاقة له بها خاصة قيادات الجبهة الاسلامية باعتبارهم المستهدفين من طرف جهاز المخابرات.
2 ـ أن أضع القيادة العسكرية في الصورة الحقيقية للموقف ما دامت الأزمة في بدايتها و أقيم عليها الحجة بتقديم الدليل على خطورة المغامرة.
3 ـ استدراج المخابرات إلى فك الحصار عن القضية والكشف عنها بأعترافي الكامل بكل الاتهامات الموجهة إلي دون التنبيه إلى ما فيها من تناقضات وإغرائها بتقديمي إلى المحاكمة بملف ثقيل.
وهكذا استرسل بعض الضباط في ذكر أسماء الضباط من مختلف الأسلحة عشوائيا لتفادي الهلاك تحت التعذيب مما أوقع القيادة العسكرية في حرج شديد ونبهها إلى الانزلاق الذي دفعها إليه جهاز المخابرات، خاصة بعد تمرد مجموعة من ضباط الصف التابعين لفوج الصاعقة الرابع المتمركز في ثكنة بني مسوس المحاذية للمديرية العامة للمخابرات ليلة 12 مارس 1992 وتمكنهم من التحصن بجبال الزبربر على مشارف العاصمة وإصدارهم لبيان يتوعدون فيه القيادة بالانتقام ويحرضون فيه الجيش على التمرد. فاتخذ وزير الدفاع قرارا بوقف الاعتقال فورا وأصدر منشورا وزاريا يوهم فيه العسكريين بأن النقيب أحمد شوشان والضباط المعتقلين معه موقوفون على ذمة التحقيق أمام مجلس تأديب وسيعودون قريبا إلى وظائفهم.

فكان أول ما فعلته في اليوم السابع من الاستنطاق هو إقراري بالمسؤولية على كل تضمنته تلك المحاضر من تفاصيل. وكان لهذه الخطوة أثر كبير في وجهة التحقيق حيث تم تحويلي بعد ذلك من غرفة الاستنطاق إلى غرفة العمليات وطلب مني العقيد ناصر تحرير اعترافاتي بخط يدي ففعلت ذلك خلال خمسة أيام. وكان الرائد بن جرو الذيب جاب الله يراجع ما أكتبه و يطلب مني تعديله وفق ما ينسجم مع تصوره لمجريات التحقيق ويحاول إقناعي بأن مراجعاته قائمة على ما لديه من معلومات عن الاسلاميين والتي يستقيها من منظومة الإعلام الآلي في قاعة العمليات. وهي شبكة كمبيوترات مزودة بطابعة وأجهزة تلكس تستقبل الرسائل على مدار الساعة. وكان من بين ما علمته بهذه المناسبة أن عناصر الهجرة والتكفير متابعين بدقة من طرف المخابرات. وأن المعلومات الشائعة عنهم لدى المواطنين غير صحيحة. حيث ما زال الهاشمي سحنوني على رأس قائمتهم وأن التوبة المعلنة من طرف هذه العناصر ليست حقيقية. كما أن جماعة الأفغان الجزائريين تخضع لنفس النظام وأن عددهم حوالي 760 عنصرا. وقد قرأت بنفسي ملف أحدهم جاء فيه في القسم المخصص للعلاقات وأماكن التواجد في الجزائر:( وهو يقضي أغلب وقته في بيت عمته الكائن في العنوان...والتي تربطه علاقة عاطفية بابنتها وهي محل ثقته الأول). ومن أهم ما استفدته في هذه المرحلة هو اكتشافي للاستثمار البشري الذي قامت به المخابرات الجزائرية في حرب افغانستان حيث كانت تلك الحرب حماما حقيقيا من حمامات التزكية للجواسيس المكلفين باختراق الحركة الاسلامية والتحكم في توجيهها.

وبعد أن اطمأن المحققون إلى الوجهة التي أخذها التحقيق وركزوا على إثبات إدانتي كقائد للانقلاب، اقترحت على بن جرو الذيب جاب الله كتابة رسالة أوجهها إلى وزير الدفاع اللواء نزار خالد أوضح له فيها أمورا مهمة لا تعنيني كشخص ولكنها تعني مستقبل الجيش الوطني الشعبي وتداعيات الأزمة. فزودني بعد الانتهاء من صياغة المحضر بأوراق وقلم وأمر السجان بإضاءة زنزانتي. فسودت رسالة مطولة إلى وزير الدفاع وبيضتها قبل يوم من مغادرتي مركز الاستنطاق يوم 18 مارس 1992. وقد ضمنتها نقاطا عديدة منها:
1- أنني لا أكتب الرسالة استجداء للعفو ولا تراجعا عن موقفي المعارض لقرار القيادة وإنما استكمالا لواجب النصح وإبراء للذمة.

2- أن قرار القيادة تجاه الأزمة السياسية خاطئ يجب عليها التراجع عنه بالطريقة التي تراها مناسبة وإلا فإنها ستتحمل مسؤولية ما تؤول إليه الأوضاع كاملة. كما أن إصرارها على التمادي في هذا المسلك الدموي خيانة لعهد الله والشهداء وعناصر الجيش الوطني الشعبي ليس لها فيه عذر. كما أن هذا القرار لا يعكس الكفاءة المهنية والحنكة السياسية لضباط الجيش الوطني الشعبي.
3- أن ما قمت به من اتصالات مع السعيد مخلوفي وعبد القادر شبوطي اجتهاد ما زلت مقتنعا بجدواه، اقتضته المصلحة العليا للجزائر والحرص على شعبية الجيش ووطنيته. وأن الغرض منه هو حقن دماء الجزائريين مدنيين وعسكريين. مع التأكيد على استعدادي إلى الآن للقضاء على القيادة العسكرية لو تيقنت من أن ذلك يضمن لباقي الشعب الجزائري السلم والاستقرار و ينهي الأزمة.
4- أنني مستعد للموت متطوعا وبكل رضا إذا كان ذلك يمكن القيادة العسكرية من تداركها للموقف وإعادة الأمور إلى نصابها.
5- إن تقديري الميداني للموقف انتهى إلى استحالة انتصار الجيش الوطني الشعبي في هذه الحرب المعلنة على شريحة واسعة من الشعب حتى لو ساعده فيها الحلف الأطلسي وحلف وارسو مجتمعين وحتى لو استعمل فيها السلاح النووي. وأن أقصر طريق للانتصار فيها هو إطفاء نارها قبل أن تشتعل. وهذا ما زال ممكنا ويسيرا إذا توفرت الإرادة المخلصة. والذي دفعني إلى هذا الاستنتاج هو معرفتي كمحافظ سياسي بمعدن الجمهور الجزائري البسيط الذي الذي عشت في نفوس الآلاف من شبابه ومعرفتي كضابط ميداني بطبيعة أرض الجزائر المنحازة للمظلوم. وسردت مشاهد من الواقع ذكرت منها:

أ- كنت في جلسة عمل مع الرائد رشيد كواشي قائد القطاع العسكري ببسكرة بمناسبة صياغة مقترح الناحية العسكرية الرابعة المتعلق بإصلاح الدستور سنة 1984. وكانت كتيبتي تنفذ مسيرا ميدانيا عبر جبال القنطرة. وبعد انتهاء الجلسة أردت الالتحاق بجنودي. فحددت مكان تواجدهم تقريبيا ورافقني الملازم الأول بن جانة بسيارة لندروفير إلى سفوح السلسلة الجبلية. ورغم أن عدد أفراد الفوج المتحرك كان يفوق 500 فردا بكامل عدتهم وكان الجو صحوا فإنني لم أستطع رؤيتهم إلا بعد استعمال نظارة الميدان وبعد جهد، وكأنهم بعوضة حطت على ظهر فيل. فتساءلت يومها: ماذا لو كان عددهم عشرة من جنود العدو؟ وماذا لو كانوا يتحركون في عمق الاوراس؟ عندها تيقنت أن الجزائر بتضاريسها بلد مشجع على التمرد والثورة وأن على المعنيين بأمن الجزائر واستقرارها أن يحرصوا على تجنب أسباب التمرد ابتداء واحتوائه إذا تعذر ذلك في أضيق دائرة ممكنة قبل استئصال نواته بطرق قتالية مبتكرة فعالة. لأن احتياطي العالم كله من المتفجرات لا يكفي لمطاردة مجموعة صغيرة في منطقة كهذه بالطرق القتالية المعهودة. (و قد قمت منذ ذلك الحين بناء على هذا التصور بتقديم مقترحات من أجل ترقية مستوى الأداء القتالي للقوات الخاصة، ابتداء من جزأرة برامج التدريب وتعريبها بعد أن كانت روسية محضة حتى في الجانب المعنوي والسياسي من التكوين). وأرشيف مدرسة القوات الخاصة كفيل بإثبات ذلك.

ب- كان اليوم جمعة وكانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد الزوال تقريبا وكنت أهم باجتياز الطريق المؤدي إلى ساحة الشهداء بالعاصمة.... أوقف شرطي المرور السيارات وأذن لنا بالعبور وكان من بيننا غلام في الثالثة عشر من العمر تقريبا، يحمل سجادة كأنه متوجه إلى المسجد. وبعد اجتيازنا الطريق، نهره شرطي من عناصر التدخل السريع المنتشرين على طول الرصيف قائلا: إسمع! ممنوع الصلاة خارج المسجد هل فهمت؟ إذا صليت في الطريق سأقتلك... توقف الغلام فجأة والشرر يتطاير من عينيه غضبا وهو يردد: تقتلني؟ أنت تقتلني؟ هيا!! أقتلني إذا كنت رجلا!.. ثم نشر سجادته على الرصيف وبدأ يصلي. وتوقف المارة وكادت الأمور أن تتأزم لولا تدخل بعض المواطنين الذين أحاطوا بالطفل حتى أكمل صلاته وانصرف. علمت بعد ذلك أن الحكومة أصدرت قانونا يمنع الصلاة خارج حدود المساجد. وهذا إجراء يمكن تفهمه، على عكس الاستفزاز الصادر عن الشرطي المتحفز للشر... ولكن سلوك ذلك الطفل كان نذيرا غير مقصود منه لكل من يعنيه الأمر مثلي بأن التمادي في التهديد والاضطهاد من طرف أجهزة الأمن سيفقد الناس طعم الحياة. وعندها ستجد الدولة نفسها في مواجهة مواطنين لا يهمهم أن يقعوا على الموت أو يقع الموت عليهم. فهل يتمنى عسكري شريف أن تؤول الأمور في وطنه إلى هذه النهاية؟ وما جدوى وطنية الجيش وشعبيته إذا أعلن الحرب على شعبه ومؤسسات وطنه؟ إن كل المؤشرات تدل على أن هذا ما قامت به القيادة العسكرية إلى حد الآن، وأن الاستمرار في هذا التوجه سيكون على حساب الفعالية القتالية للجيش وتنامي روح الانتحار لدى الشعب.

6- أن أغلبية الضباط المرؤوسين غير متحمسين لتنفيذ مشروع القيادة العسكرية وسوف يقتصر عملهم على التنفيذ الحرفي تجنبا للعقوبة دون تبني المهمة أو المبادرة لإنجاحها. وهو ما يجعل الوضع الأمني معرضا للانتكاس في أي لحظة مهما كان حجم الإنجازات ويفرض على قيادة الجيش تبني رد الفعل بدلا من العمل العسكري المخطط والتورط في حرب أهلية تهلك الحرث و النسل.
7- أنني أتعهد شخصيا بالتكفل بالقضاء على أي تمرد مسلح على الدولة الجزائرية مهما كان توجهه إذا ما توصلت القيادة العسكرية إلى حل توافقي للأزمة يشترك فيه الرئيس الشاذلي بن جديد وقيادة الجبهة الاسلامية للإنقاذ (ويمكن لوزير الدفاع أن يتأكد من جدية ما أقول بالعودة إلى القيادة الميدانية التي سبقت لي الخدمة معها).
8- بعد أن اقترحت على القيادة إجراءات لتصحيح الوضع حملتها المسؤولية الكاملة على كل ما يترتب عن التمادي في حربها ضد الشعب.

وقد جاءت الرسالة في أكثر من عشرين صفحة تضمنت استطرادات كثيرة توضح وجهة نظري وتبرهن على أن تقديري للموقف قائم على دراسة ميدانية عسكرية احترافية ودقيقة ولم أعتمد في موقفي من الأزمة كما ادعاه اللواء خالد نزار في أكثر من تصريح على قناعتي الإسلامية الراسخة. وقد اثبتت الأيام أن موقفي كان انتصارا لكرامة الشعب الجزائري وحقن دم أبنائه دون تمييز من أي نوع.
قبل يوم من مصادقتي على محاضر الاستنطاق ألحق بزنزانتي أحد أنصار الجبهة الاسلامية. وهو طالب جامعي من مدينة الونزة اسمه مشري ابراهيم . وقد بدا مندهشا من حالتي النفسية و معنوياتي المرتفعة رغم ما كان يسمعه عني من بقية المعتقلين. ولما استأنس بي قص علي قضيته. لقد عرّفه قريبه وهو مساعد عامل في الحرس الجمهوري بمساعد متقاعد آخر، أياما قبل موعد الانتخابات المقررة في ديسمبر 1992. وقد سلمه المساعد المتقاعد مخططا هندسيا لمباني معزولة وطلب منه الاجتهاد في وضع خطة لنسفها بطريقة علمية. ورغم أنه لم يفهم شيئا عن الموضوع ولم يبدأ البث فيه إلا أنه وجد نفسه في اليوم التالي معتقلا ومتهما بالمشاركة في تفجير إقامة الرئيس بعنابة ومتلبسا بما اعتبر المخطط العمراني لإقامة الرئيس بحوزته. وقد طلب منه الضابط الذي استنطقه تسجيل اعترافه بأن قريبه العسكري قدم له المساعد المتقاعد وأن الأخير سلمه مخطط الإقامة الرئاسية الذي ضبط بحوزته وطلب منه وضع مخطط لتفجيرها ففعل.

ومنذ أن سجل المحضر وصادق عليه مكتوبا منذ أكثر من شهرين لم يتعرض لأي تحقيق آخر ولكنه بقي محتجزا في المركز إلى اليوم. في حين أن المساعد المتقاعد اعتبر مختلا عقليا وأطلق سراحه. أما المساعد العامل قريب مشري فقد تعرض لتعذيب تنوء به الجبال حسب قوله والظاهر أنه فقد إحدى عينيه دون أن يعترف بالتهم الملفقة ضده وبقي تحت التعذيب إلى أن أعلن الشاذلي عن استقالته يوم 11 يناير 1992 فكفوا عن تعذيبه و نقلوه إلى العلاج. وقد وعدوهما بالإفراج عنهما بعد الشفاء التام من آثار التعذيب. ومن خلال ما وضحه لي هذا الطالب من تفاصيل لا أذكرها الآن كلها، تبين لي أن عملية التفجير كانت مبرمجة من طرف دوائر في السلطة لاغتيال الرئيس إذا رفض الانصياع لإرادة القيادة العسكرية وقد كان مشري ابراهيم وقريبه الضحيتين المفترض اعترافهما بالجريمة أمام الرأي العام للتغطية على المجرم الحقيقي. ولكن هذا السيناريو البديل أصبح لاغيا ولا حاجة إليه ما دام الرئيس قد رضخ للتهديد واستقال سلميا. فرجّحت أن يطلق سراح مشري وقريبه بعد حين. ولذلك فقد سلمت له مسودة الرسالة وقرأتها عليه راجيا منه إن كتبت له النجاة أن يكون شاهدا على الحقيقة في يوم من الأيام.

وفي اليوم الذي صادقت فيه على محضر الاستنطاق أحضر بن جرو الذيب معه ضابطين برتبة ملازم سبق لي أن دربتهما وبقيا معنا يستمعان إلى آخر مراجعة للمحضر. وبعد ان انتهينا قدمني إليهما قائلا: هل تعرفان حضرة النقيب؟ قالا: نعم لقد كان المدير العام للتكوين البدني العسكري والرياضي في الأكاديمية العسكرية لمختلف الاسلحة. قال: هل توقعتما أن تجداه هنا؟ قالا: أبدا... مستحيل أن يكون النقيب شوشان وراء ما يحدث. قال: كيف يظهر لكما وهو بين أيدينا. هل يستطيع أحدكما أن يستنطقه إذا كلفته بذلك؟ فقال أحدهما: علي أن أعيد التدريب يا حضرات لأنني لم أعد أفهم شيئا. هل كنت تخدعنا يا حضرة النقيب؟ الحمد لله أن القيادة قبضت عليك. فأجبته قائلا: أنت ما زلت صغيرا على فهم هذه الأمور أيها الملازم، إحرص دائما على الاستفادة ممن هو أقدم منك. أما ما تعلمته مني فيكفيك أن تعلم بأن القيادة تتمنى أن يتعلمه كل ضابط في الجيش. وعندما أخرج أنا من هذا المكان سيؤكد لك قائدك ما قلت ولن يملك أن يقول لك غير ذلك.

ومن سوء حظ ذلك الملازم أنه وجد نفسه معي وجها لوجه بعد ثلاث سنوات في يوم 31 مارس 1995 داخل المصفحة الذي اختطفت فيها من سجن الحراش علي أيدي المخابرات. وكانت بيننا دردشة سأعود إليها في حينها.

النقيب أحمد شوشان

1 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))