الأحد، 31 يوليو، 2011

الشروط التاريخية للتنمية أي آفاق للجزائر ؟


إن تناول مسألة التنمية وآفاقها في الجزائر ليس بالأمر السّهل، نظراً لتعقدّها. فلا يمكن إيفاءها حقها في خلال عشرين دقيقة ولا حتى في ساعات بأكملها.
ذلك أن الحديث عن التنمية يقتضي التطرق لقضايا ذات بعد سياسي واقتصادي واجتماعي... أو بالأحرى، كل ما يمكنه أن يعبّر ويُبرز حياة أي مجتمع.
ويعني أيضاً التطرق لمسائل ذات أبعاد أكثر دقّة، تاريخية وجغرافية ودينية وأنتربولوجية وثقافية. والمجال جدّ واسع.
في الواقع، إن مسألة التنمية لا يمكن أن تطرح إلا في إطار حضاري. فما عليكم إذن إلا أن تتصوّروا حجم المهمّة وعمقها. لقد عكف على هذه الإشكالية كبار المفكرين، من دون أن يستنفذوها تماماً.
في الخلاصة، وأمام تعقـّد موضوعنا، ترددت كثيراً قبل أن يستقر اختياري على محتوى هذه المحاضرة التي أريدها أن تكون أكاديمية بمعناها المدرسي البحت.

أمنيتي أن أحاول التطرق لبعض الجوانب البارزة التي تبدوا لي ذات أهمية بالغة، حرصاً مني على تحفيز الضمائر وإثارة الجدال المفيد أحياناً لنقاشنا المشترك، ومن دون الإدعاء بالإلمام الكامل والشامل لأيّ من المواضيع المطروحة.
ومثلما هو مذكور من خلال عنوان هذا الملتقى، نحن مدعوون لتناول ظاهرة التنمية في شموليتها.
لابد من الإقرار بأن التنمية المادية ليست سوى جانباً من نشاط المجتمعات البشرية.

هل التنمية ظاهرة قابلة للقياس ؟

إن التنمية في تعبيرها المادي قابل للقياس الكمي.
فالناتج الداخلي الخام، ومستوى المعيشة، ونسبة البطالة، وقوة العملة، والتحكم في التكنولوجيا، ومؤشر التنمية البشرية، ودرجة النفوذ في العالم... كل هذه المعايير هي وسيلة لتقييم مستوى التنمية لأي بلد.

المؤشرات الموّضحة عليها تسمح للخبراء الاقتصاديين والماليين والمنظمات الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك العالمي، وبالأخص للسياسيين، بوضع برامج تنموية كفيلة بتطوير البلدان ودفعها نحو مزيد من التقدّم والنمو والمزيد من الرخاء لسكانها.
ومن ذلك نستنتج أن التنمية هي مسألة اختيار استثمارات وتجنيد رؤوس أموال عبر سياسات جبائية وتجارية صائبة، وفتح أسواق ووضع المتعاملين الاقتصاديين في حالة من التنافس...
فإذن ينظر إلى التنمية على أنها ثمرة تطوّر طبيعي وخطّي لكل مجتمع يندرج ضمن ديناميكية ليبرالية وشاملة، ولم لا أيضاً "عولمية"، نسبة للعولمة.

مع ذلك، يبقى أن عملية التنمية في جانبها الاقتصادي ليست النتيجة الآلية والطبيعية لكل المجتمعات. بل إن التنمية، كما نرى ذلك، هي نتاج ظاهرة حضارية، وتحديداً الحضارة الغربية. ظاهرة لها معالمها، محدودة بفترة زمنية وفضاء جغرافي.
إن الجزء البارز من الجليد الذي يمكننا أن نصفه بأثر الحضارة، هو نتاج تغيّر عميق في الذهنيات حصل عند الشعوب الأوروبية قبل أن يمتد إلى القارة الأمريكية.

هي مجموع قيم سياسية وأخلاقية ودينية وجمالية جديدة غيّرت السلوكات بشكل جذري ووجهّت الطاقات نحو أهداف مشتركة تتجاوز المصلحة الفردية. وبهذا تغيّرت العلاقات بين الأشخاص وأصبحت أخف وأرقّ.
ظهور مشاريع الحياة والإرادة في تراكم رؤوس الأموال وتعميم التعليم.. إلى جانب عوامل أخرى فكرية وفلسفية وعلمية، مهّدت الطريق لتحوّل غير مسبوق في تاريخ البشرية لهذه المجتمعات.
فإذن وجد الغرب في ذاته القوة التي ستقرّر مصيره. ويعتبر القرن الثامن عشر وبعده التاسع عشر وبالأخص القرن العشرون، المنطلق الذي سيحدث هذه الثورة المذهلة على وجه الأرض. بحيث صارت كل لحظة من حياتنا اليوم مطبوعة بمعالم هذه الحضارة التي أضحت من الضروريات المألوفة.      
فإذن ما فتح السبيل للتطوّر المعنوي والمادي هو وجود استعداد فكري وتبلور موقف ذهني.
فكما نرى، إنه بمجرد أن نفتح المجال لمثل هذا النقاش، تأخذنا جسارة الموضوع، وتتفهّمون الآن جيداً توجسّي الذي أبديته لكم في بداية هذا العرض.
لندَع للحظة ـ إن شئتم ـ هذا الحديث العام عن الحضارة، ولنعُد إلى الجزائر. 

خيارات الجزائر الإستراتيجية في 1962

عندما رجعنا إلى التاريخ في عام 1962، بعد قرون من السبات، كان العالم المتقدّم يحضر نفسه ليطأ قدمه فوق سطح القمر.
وكانت حينها النخبة المثقفة الجزائرية بدأت تفكر في كينونة دولتنا التي وصفت بالمتخلفة. وفي الحقيقة إن إشكالية الحضارة كانت مطروحة قبل الاستقلال بكثير.

من بين كل الأسماء التي ساهمت في هذا النقاش، برز اسم مالك بن نبي. لقد ترك لنا مجموعة من الأعمال والدراسات والمفاهيم الجديدة، مثل "القابلية للاستعمار"، التي لا تزال صالحة إلى اليوم. كان أباً روحياً لتيار فكري بكامله لا يزال خصباً، بل وألهم تجربة سياسية وإن كانت لا تزال متواضعة من خلال حزب التجديد الجزائري.

بفضل ثقافته المزدوجة، أدرك بن نبي ضرورة التمييز بين الفكرة والشيء، بين مصادر الحضارة وآثارها. كان يعرف بأن الشيء ليس هو الحضارة بل هو منتوجها. ومنه، إن اكتساب الشيء لا يغير شيئاً في أحوالك، ولا يجعلك أكثر تحضراً أو رقياً.
لكن عند الاستقلال، كان الحكّام مقتنعين بأن اكتساب المصانع والتقنيات سيطوّر البلد. فطغت ما يسميه بن نبي "الشيئية". وكانت النخبة الوطنية منبهرة إلى حد العمى بما كانت تراه:
إن الغرب استمد قوته من صناعته وتكنولوجيته وتحكمّه في "الحديد والصلب". وهكذا  استطاع أن يمتلك الرخاء والوسائل المادية والأدوات التكنولوجية والأسلحة  والقوة... فينبغي العمل مثله.

تجدر الإشارة إلى أن العالم في الستينات كان يسبح في تفاؤل خارق للطبيعة. كان الاقتصاد العالمي في أوج توسّعه وكان يُنظر إلى ظاهرة النمو كمفتاح لمستقبل البشرية. لا شيء كان يمكن أن يوّقف حركة التقدم. طبعاً كانت هناك الحرب الباردة. لكن أليست هي التي منحت الشرعية ووفرّت المبرر الأخلاقي الشافي للتدخل الغربي في الفيتنام وفي أصقاع أخرى؟
 كان الدفاع عن القيم في صلب المناقشات. وكانت الشبيبة في انطلاقها تطالب بالمزيد من الحقوق ومن الحرية. وكانت العلوم والمعرفة والفنون والثقافة .. كلها في حالة فوران. ووجد الإبداع أجمل قوالبه في الفن السابع الذي كان يسحر الجماهير، فكانت كل الأحلام مسموح بها. 

ماذا عسى أن يكون حلم الجزائر؟ بعد خروجها من الثورة، كانت تحس بنفسها مقرّبة من بلدان العالم الثالث. كما كانت تبحث عن هويتها. وكانت تريد أن تشارك من جديد في صنع التاريخ. وكان قادتنا حينها يقولون بأن العالم صُنع بدوننا، لكن سوف لن يكون كذلك في المستقبل.
ومع ذلك لم يكن الخطاب المؤيد لأفكار "العالم الثالث" ليخفي انبهارنا بمنجزات الغرب.
الواقع أن نموذج الحضارة الاستهلاكية والمادية أسر العقول. وكان الأفراد مثل الجماهير منجذبين نحو هذا النموذج مثلما ينجذب الحديد نحو المغناطيس. كانت الجزائر تريد أن تتطوّر وفق المنهج الغربي باكتساب الأدوات، دون إدراك بأن هذه الأدوات ليست دائمة وغير قابلة للتجديد إذا لم تتوفر الأسس الذهنية والنفسية.
 
النفط وفـّر الميزانية الكافية لتجسيد هذه السياسة. فقامت الدولة بشراء مصانع جاهزة للتشغيل وبتوظيف جيوش من الموظفين وأمّمت الزراعة وأقامت السلم الاجتماعي وأرست البيروقراطية.
باقتناء المنتجات الحضارية، كنّا نعتقد بأننا سنتطور تلقائياً. فتراكمت على البلد صفائح الحديد وقليل من المعرفة، وزاد من فوضاها الداخلية النزوح الريفي واشتداد التناقضات بين العالمين التقليدي والعصري، وانهيار التماسك الاجتماعي والنفسي للأمة من دون اقتراح رؤية سليمة للمستقبل. وكانت لهذه الاختلالات أو المفارقات عواقب وخيمة وكلفت ثمناً غالياً.
مثل نمسيس، آلهة الثأر في الأسطورة اليونانية على خيانة الأفكار. الجزائر دفعت ثمن خطاياها بعشرية حمراء طويلة ومروّعة. في الأخير، إن الجزائر وبدل أن تساهم في صناعة التاريخ ، انقلبت على نفسها لتستعيد توزانها الداخلي في المحنة والعذاب.   

كيف أصبحت الجزائر في 2010 ؟

بداية من عام 2010، بدأ البلد يعود تدريجياً. ونستطيع أن نقول الجزائر لا تزال هنا، مختلفة إلاّ أنها لم تتغيّر. لم تتغير لأن اقتصادها لا يزال متعطلاً. ولأن نموذج الحكم المطبّق هو نفسه السائد منذ الاستقلال. كما لم يتغيّر الرجال ولم تتغيّر معهم الذهنية التي كانت تشكّل صلب النظام السياسي وصناعة القرار.

ومع ذلك أصبح للجزائر وجه مختلف. بسكانها وبمستوى وعيها وصعوباتها وآمالها وذهنيتها. نعم. الجزائر تطورّت كثيراً خفية إن صح التعبير. إنجازات كبيرة تمتّ بمعزل وفي منأى عن السلطات. هنا تسجّل نقطة أمل.
نذكر دور ومكانة المرأة في المجتمع التي تعرف حالياً انقلاباً هائلاً. البنية العائلية والعلاقات الشخصية في تطور مستمر. ستكون لنا الفرصة في مناسبة أخرى للخوض في هذا الموضوع بشكل أعمق.
لكن رأيي أن هناك شروطاً جديدة، تلك التي تسمح بتغيير أحوالنا، بدأت تنغرس في عمق اللاشعور الجماعي.
لقد أخفقنا في عملية التنمية لما اكتفينا باكتساب وتحصيل منتجات الحضارة. وهذا ليس غريباً على من يريد أن يفقه سيرورة المجتمعات.
غير أنه خلال هذه الفترة، وبالموازاة مع الأحداث، أنجزت الأمة تحوّلات داخلية كفيلة بأن تتيح لها الفرصة لبناء مجتمع أكثر عدلاً وتوازناً وتقدماً.   

ماذا أصبحت الحضارة العالمية ؟

وبينما كانت الجزائر تتخبط في محنتها وتتلظى بنار مآسيها، كان العالم سائراً في طريقه. إلى أين وصل يا ترى في مطلع هذا القرن الواحد والعشرين؟   
لقد بلغت الحضارة الغربية أوجّها. الإنجازات التكنولوجية التي تشهدها تسير بوتيرة رهيبة. نذكر على سبيل المثال لا الحصر: الإنترنت، الهاتف النقال، التحكم في الفضاء وأعماق البحار، الهندسة، الطب، التكنولوجيا النانوية (المجهريات)، وغيرها.
الصين والهند والبرازيل وباقي البلدان تبنت نفس النموذج الاقتصادي ونفس الرؤية ونفس الأهداف. والعولمة بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية بلغت مداها.

وبالرغم من ذلك، نجد أن الإحباط والإحساس بالخيبة يخيّم على وجه الأرض. والشعوب المتقدّمة تبدوا تائهة ومحبطة ويائسة.
أما الأفراد، فنراهم يزدادون ميلاً نحو الانطواء والعزلة، ونال منهم القلق والخوف ويعانون من حالات العصاب ومن صعوبات في التكيّف، وأغلقوا على أنفسهم في حياة فردية مَرضية. إن الشك في المستقبل أصبح بارزاً. وانحلال القيم أدى إلى انحلال الأخلاق. وصار الإنسان لا يميّز كثيراً بين الخير والشر. 

وسائل الإعلام، من صحافة وتلفزيون، كلها تبث على مدار الساعة الأخبار المفجعة والحوادث الشاذة التي أصبحت عادية وتلك التي تصوّر العذاب النفسي. الإحساس بالفراغ الروحي راح يفرغ شيئاً فشيئاً كل المجتمعات النامية من حيويتها.      
لمّا نتابع الأخبار، نستشف محنة كبيرة قادمة. الأزمة الراهنة لا تشبه أيّ أزمة أخرى. هناك شيئ ما تكسّر، وتحطّم. عيوب النظام التي كانت جانبية، أصبحت طاغية وجوهرية. الشك في المستقبل يتسلل إلى كل مكان، إلى كل العقول. 
·    العالم أصبح صغيراً، فيه كثير من السكان، كثير من الاستهلاك وكثير من المالية، وكثير من الديون، وكثير من الجشع، وكثير من البؤس، وكثير من الحروب غير المفهومة... 
·    النفط بدأ يقلّ، ويهدد بإعادة النظر في أسس الحضارة المعاصرة.
·    التغيرات المناخية تجعل المناخ ثقيلاً.
·    الأزمة المالية تسحق شرائح كاملة من السكان، بما فيها تلك التي كانت في مأمن منها،
·    المجاعة، النقص في الأراضي، النهاية المرتقبة للمواد الأولية...
·    نهاية أسطورة النمو اللامحدود وتشكل الوعي بوجود نهاية لعالمنا،
·    نهاية كل شيء، ووصول كل شيء إلى مداه. إنه زمن العالم المنتهي قد بدأ.
وأخطر من هذا، إن الشعوب بدأت تحس وترى بأنه لم تبق أي أخلاق، ولا حتى تلك التي يتم التغطي بها. منذ الحادي عشر سبتمبر شيء ما سقط، شيء خطير على البشرية يحدث الآن.
·    أصبحت الحروب غير المشروعة والمدمرة في العراق وأفعانستان وباكستان... والجيوستراتيجية والمصالح، أصبحت أخلاقيات القرن الحادي والعشرين،
·     تواطؤ قادة العالم في مجزرة غزة وفلسطين. الغرب غض الطرف ويتجاهل صرخات الأطفال الذي يتضورون جوعاً، والضحايا الأبرياء. غزة هي رمز الانحطاط الأخلاقي ونكران الذات الواعي للنخب العالمية.
·      وعلى نفس القدر من الخطورة، الشك الذي يعذب الكثير من الضمائر بشأن القصة الحقيقية لتفجيرات الحادي عشر من سبتمبر. هل هي من صنيع إسلامي مغمور، مختبئ في كهوف العصر الحجري الحديث، أطاح برموز القوة الأميركية، أم أنها عملية مدبرة من الداخل؟ وفي هذه الحالة لأي غرض؟ ما هي الدلالة الفعلية لمثل هذا الحدث؟

الحادي عشر من سبتمبر: انتقال العالم إلى ما بعد الحضارة

إن المادو، والمال والجشع وإرادة القوة أدى إلى تجريد الإنسان من إنسانيته وفقدان لبقيم والمثل العليا وإلى فساد الضمائر. فهل سيستغفر الغرب من ذنوبه؟
 وهل سيستعيد من جديد قيمه الحقيقية، تلك التي جعلت منه نور المعمورة؟
 أم أنه سيذوب في شذوذه؟ الآلهة نمسيس لا تزال هنا..هل نحن نشهد نهاية الحضارة المعاصرة؟ هل يمكن أن تلد حضارة أخرى، قائمة على الروح الإنسانية والعقل والسلم والتسامح، تحل محلها؟ أم أننا وصلنا إلى نهاية حقبة زمنية تنذر بالخراب والفوضى والموت؟

ماذا عن الجزائر؟

بالطبع إنّي أتمنى أن يكون الأفق أكثر انجلاء والمستقبل أكثر أماناً.
كنت أقول قبل قليل أن التطور الداخلي للأمة في الأخير بدأ يسمح بانطلاقة جديدة. لكن الظروف العالمية لم تعد تسمح به، على الأقل ليس في ظل الحضارة الحالية. وبطبيعة الحال، لن يكون للجزائريين مستوى الاستهلاك الذي وصل إليه الإنسان الأوروبي أو الأمريكي.

لهذا، يجب تصوّر شيء جديد. ورسم أفق آخر لمستقبلنا. وهذا لن يتأتى في ظل العزلة والانكفاء على الذات. بل نحن بحاجة إلى مد الجسور مع كل الذين يحملون هذا الوعي الجديد. إنهم أصبحوا أكثر عدداً. في فرنسا والولايات المتحدة وأماكن أخرى في العالم، هناك بشر. لابد لنا من تجاوز بعض الخلافات لبناء أمل جديد، كلّ في مستواه. لكن بالنسبة للجزائر، تحديات أخرى تنتظرنا. يجب أن يكون هناك تغيّر أجيال، وتسليم للمشعل في السلطة الجزائرية في أقصر الآجال. ستكون هنا ربما فرصة لبروز ممثلين حقيقيين للأمة،  قادرين على لعب دورهم في تقرير مصير الوطن. إلا أن ذلك لا يزال مجرد أمنية.
   
يتعين علينا أيضاً أن نواجه تحديات أخرى مباشرة، ونتحمل مسئوليات جسيمة، مع ضمائر أخرى في العالم، لبناء واقع جديد معاً. في الحين، أي في الأجل القريب: 

• يتعين على الجزائر أن تواجه شطحات نظام النقد الدولي. فالبلد لا يزال هشاً، وأي خسائر في أرصدتها سوف تكون نتائجها وخيمة.
• نحن بحاجة إلى مراجعة إستراتيجيتنا التجارية الخاصة بالمحروقات وتحديد أطول أجل ممكن قبل نفاد تصديرها ومن ثم إنتاجها.
• تستورد الجزائر نحو 40 مليار دولار من البضائع سنوياً ولا تصدّر، خارج المحروقات، سوى ما يقل عن 1 مليار دولار. فعلينا بتصحيح هذا الاختلال في التوازن الذي يهدد المصالح الحيوية على المدى المتوسط. وينبغي وضع خطة على مدى20  سنة تعيد التوازن في ميزان المدفوعات خارج المحروقات.

• ومن هذا المنطلق، يجب إعادة النظر في الاتفاقات المتعددة الأطراف التي هي في غير صالح بلدنا في الوقت الراهن.
على المدى البعيد، ينبغي إعادة تقييم كامل لمفهوم التنمية. يجب أن نفكر من ناحية في الأشكال التي يحتمل أن تتخذها الحضارة الإنسانية "الجديدة" التي هي في طور التكوين (الطاقات المتجددة، وسائل النقل، تهيئة الإقليم، الزراعة ، الخ...).
من ناحية أخرى، يجب علينا أن نبني بأدواتنا الخاصة بنا، وهذا يعني انطلاقاً من عناصر نفسية وذهنية وطنية، محددة بشكل واضح مسبقاً. فالمسائل المتعلقة بالهوية والتماسك الاجتماعي، وبنموذج التسيير الاقتصادي، وعلاقتنا بالثقافة والثروة...، كل هذا ينبغي أن يعاد النظر فيه. في المحصلة، يجب العمل على التسريع في تطور الذهنيات والإعداد لتحوّل حقيقي.   
إن إقامة دولة القانون وإطلاق مسار ديمقراطي هما الشرطان الأساسيان لإنجاح هذه العملية.
وختاماً، لا يسعني إلاّ أن استشهد بهذه الآية القرآنية:

   "إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم." (سورة الرعد، الآية 11).  
جيلالي سفيان
الجيل الجديد

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))