السبت، 23 يوليو، 2011

الفصل الثالث ، الجزء الأول ،أعراض الفشل في العمل الاسلامي المسلح


التمرد الأول في صفوف الجيش
سبق لي الحديث عن الاجتماع السري الذي عقده محيي الدين وريث و من تواطأ معه في 6 فيفري 1992 بضواحي بلدية بن زرقة و الذي كان سببا في فشل مشروع السعيد مخلوفي و اعتقال انصار المشروع الاسلامي من العسكريين. وكان من بين المجتمعين الرقيب الأول مولاي علي والرقيب قنوني محمد الذان تمكنا من الافلات من قبضة المخابرات.

وبعد اعتقالنا في بداية شهر مارس 1992 قام بعض ضباط الصف و الرتباء من فوج الصاعقة المحمول جوا بالاتصال بحسن حطاب عن طريق مولاي علي وطلبوا منه مساعدتهم على التمرد. وهنا أفتح قوسا عن مغزى التمرد في وعي العسكريين.( لقد كان بإمكان هؤلاء العسكريين النجاة بجلودهم و التواري عن الانظار دون الحاجة إلى تعريض أنفسهم للخطر كما كان بإمكانهم القيام بعملية استشهادية داخل الثكنة يقتلون خلالها أكبر عدد ممكن من الجنود والضباط أو غير ذلك مما يعتبر بطولة عند بعض الناس.

 ولكنهم فضلوا الاتصال بحسن حطاب وجماعته ظنا منهم أنهم أصحاب مشروع إسلامي بديل عن السلطة المجرمة مما يجعلهم أعلم بما تقتضيه المصلحة وتنص عليه أحكام الشريعة الاسلامية. فكانوا يريدون الإنضمام إليهم وتزويدهم بأكبر قدر من السلاح والذخيرة). وعلى هذا الأساس اتفقوا معهم على توفير ثلاث سيارات مدنية وضربوا معهم موعدا على الساعة التاسعة والنصف من ليلة النصف من رمضان.
لم يتمكن لا محيي الدين وجماعته ولا المتواطئون معهم على سحب البساط من تحت السعيد مخلوفي وعبد القادر شبوطي من توفير السيارات الثلاث إلا باللجوء إلى رئيس مكتب الجبهة الاسلامية للانقاذ بدائرة حسين داي في العاصمة المدعو (ح ع).

هذا الإنسان الذي ناهز الأربعين من عمره حكم عليه مرتين من طرف محكمة الجنايات وكان المفترض أن يقضي بقية حياته في السجن كأخف عقوبة له على جرائمه لو لا أن الله تداركه بلطفه وأطلق سراحه بمناسبة العفو الشامل سنة 1990... كيف أصبح هذا الطليق رئيس مكتب في دائرة سكنية في العاصمة تعج بالاطهار من أبناء الصحوة الإسلامية؟ كيف اكتسب الجرأة على قذف الشيخ عباسي مدني بالكفر والشيخ علي بلحاج بالنفاق والأخ عبد القادر حشاني رحمه الله بالفسق على الملأ و هم صامتون؟ كيف كان محسوبا على حزب الجبهة الإسلامية؟ الله أعلم... وقد يجيب هو يوما ما على ذلك لأنه حي يرزق.

 المهم هو أن هذا الرجل جمع ما يربو على المليار سنتيم باسم المعتقلين من مناضلي الجبهة. اشترى منها بيتا أنيقا في أرقى حي سكني في العاصمة بحوالي 400 مليون وسيارة عائلية فاخرة من نوع باترول بأكثر من تسعين مليون سنتيم وسيارة شخصية أخرى من نوع رونو 18 توربو بحوالي 40 مليون سنتيم وكان يعيش هو وزوجته كسلطان مملوكي ويعتبره الفقراء أميرا للجهاد على العاصمة وضواحيها. هذه هي حقيقته كما أثبتتها الوقائع وواجهه بها زملاؤه وتحداه بها وكيل الجمهورية العسكري أمام المحكمة ببشار بالأدلة المادية والتي منها ما تبقى من تبرعات المحسنين المقدرة ب 900 مليون سنتيم نقدا ضبطت في بيته وأشياء أخرى.

وأنا لا أذيع بذلك سرا أؤتمنت عليه وإنما أوثق للتاريخ ما شهده آخرون غيري وسمعوه. كما أنني لا أريد بذكر التفاصيل التشهير بهذا الشخص في هذه الشهادة ولا استهدافه بالمحاسبة لأن هذا ليس من شأني؛ وأنا أعتذر مسبقا لمن يعنيه أمره من ولد أو عائلة مذكرا بأن قاعدة الحق الخالدة تقرر أن ( لا تزر وازرة وزر أخرى ). ولكن الضرورة ملحة لمعرفة العوامل الحقيقية التي ساهمت في تفاقم الأزمة التي عصفت ببلادنا و حيرت مآلاتها أهل العقول.
فهذا الرجل اتصلت به جماعة محيي الدين و طلبوا منه تأمين نقل المتمردين على متن السيارات التي اشتراها بأموال أنصار المشروع الاسلامي... وحان الموعد المحدد ... وطال انتظارالمتمردين حتى اضطر بعضهم للعودة من حيث أتوا بأسلحتهم والعتاد الذي هربوه معهم فيما بقي آخرون معرضين للخطر لمدة ساعات.

لقد اتفق (ح ع) مع صديقه الميكانكي (عميروش) على أن يعيره سيارة أحد الزبائن (ر9) لنقل المتمردين على متنها كما اتفق الأخير مع صديق آخر (م ز) على سياقة السيارة. ثم اتصل بشاب شريف صاحب نخوة ليس له علاقة بالجبهة بتاتا ولكنه ساهم في نقل الجرحى بسيارته الخاصة من نوع  (ج9 ) في مجزرة جوان 1991 بساحات الاعتصام، وطلب منه مساعدته في نقل مجموعة من الإخوة. وبما أن الرجل كان عريسا تلك الليلة اعتذر ولكنه وضع السيارة تحت تصرف (ح ع). فتوفرت للمتمردين في آخر لحظة، سيارة (ر9) سائقها (م ز) الذي لم يكن يعلم شيئا عن العملية وسيارة (ج9) تطوع لقيادتها عبد الكريم بن زرقة. وانطلقت السيارتان آخر الليل محملتين بثلاثة عشر مظليا فيما ترك 6 من المتمردين في حيرة من أمرهم مع ما تبقى من سلاح وذخيرة حتى اعتقلوا. اما أمير الجهاد في العاصمة فقد بقي محتفظا بالسيارات التي اشتراها بأموال المساكين لقضاء حوائجه الخاصة وبات نائما في سبات عميق.

تمكن عبد الكريم بن زرقة الذي هو عنصر في جماعة محيي الدين من نقل 11 مظليا مدججين بالسلاح والذخيرة إلى منزل على مشارف الاخضرية. ولكن (م ز) الذي لم يكن يعرف شيئا عن وجهة المتمردين بقي يجوب شوارع العاصمة على غير هدى حتى طلعت الشمس. ولما أحس باكتشاف أمرهم من طرف أحد الحواجز الأمنية أوقف السيارة في مكان مستور وحاول الاختباء هو ومن معه (العريف هلامي لخضر) و ( الجندي محمد شردود) في أحد المنازل.

وباكتشاف السيارة تتبعت أجهزة الأمن خيط صاحبها واعتقلته (ن ع) فأخبرهم بأن سيارته كانت لدى الميكانيكي (عميروش) لتصليحها. ولما كان (ح ع) قد علم بما جرى فإنه طلب من صديقه (عمروش) الالتحاق بالمتمردين حتى لا يتعرض للاعتقال و ذلك ما حصل فعلا.
لم تستطع أجهزة الأمن أن تصل إلى شيء وراء (عميروش) و (م ز) غير تورط الاول في توفير وسيلة النقل وتورط الثاني في سياقتها. وبقي الأمر على هذه الحال لمدة أسابيع، كان المتمردون خلالها يخططون للقيام بكمائن ضد دوريات الدرك والجيش فيما كان (عمروش) يفكر في الخروج من الورطة التي لم يحسب حسابها. وفعلا تمكن من زيارة أهله وتآمر مع صهره (محافظ شرطة في مطار الدار البيضاء) على الغدر بالمتمردين وأفاده بتفاصيل ما حدث مقابل العفو عنه. وهكذا وجد المظليون المتمردون الثلاثة عشر أنفسهم محاصرين من الجو والبر بأكثر من 5000 مقاتل من مختلف الأسلحة وخاضوا معركة مستميتة لكسر الطوق المضروب عليهم دون وجود مدني واحد من المجاهدين المزعومين. فنجا منهم تسعة وقتل منهم في المعركة ثلاثة (منهم مولاي علي) وتوفي الرابع (محمد قنوني) متأثرا بجراحه.

لقد عانى هؤلاء المتمردون زيادة على الغدر من كل أصناف الحرمان والحصار، فلم يتوفر لهم حتى الحد الأدنى من ضروريات المعيشة لا قبل العملية و لا بعدها و كان ذلك من الاسباب التي تذرع بها عمروش لتبرير خيانته. ولكنهم بعد عناء، التقوا بإمام مسجد بلدية الزبربر الشيخ عامر الذي ساعدهم في التعرف على المنطقة في بداية الأمر وانتهى بهم المطاف أخيرا إلى معاودة الاتصال بحسن حطاب من جديد عن طريق مسعودي المدعو الشيخ مبروك وشكلوا النواة الصلبة لجماعته لاحقا.
أما المتمردان الذان اعتقلا فقد حكم عليهما بالإعدام. ورغم أن السلطة تدعي أنها أوقفت تنفيذ أحكام الإعدام منذ ابريل 1993 فإنني أميل إلى أنهما أعدما بعد ذلك بطريقة ما و أنا مستعد للاعتذار على هذا الاتهام وسحبه إذا تأكد عكس ما ذهبت إليه.

إن هذه التجربة المريرة التي عشناها في الشهور الأولى من تفجرالأوضاع  دليل واضح على أن الاستعداد للمواجهة المسلحة مع النظام لم يكن جديا حتى من طرف ما يعرف بالتيار الجهادي في الحركة الاسلامية في الجزائر. ولذلك فإن العمل المسلح من طرف الاسلاميين لم يكن ثوريا بالمفهوم الصحيح للكلمة وإنما كان عملا ارتجاليا غلب عليه طابع رد الفعل الذي سهل كثيرا مهمة الأجهزة الأمنية في التحكم في مسار الأحداث وتوجيهها وفق أجندة السلطة الإنقلابية. وقد جاءت تصريحات القيادات العسكرية العليا مؤكدة لهذه الحقيقة حيث أن وزيري الدفاع والداخلية في حينها قدرا عدد المتمردين بأقل من أصابع اليد في البداية مما يدل على أن السبب المباشر في تفاقم الأزمة الأمنية لا يعود لتآمر مسبق من طرف الإسلاميين على أمن الدولة كما يزعم المتورطون في ذبح الجزائر ولكنه يعود لسياسة الاستئصال المبيتة من طرف الدوائر الشريرة في النظام مما حول الأزمة من طبيعتها السياسية إلى حرب من أجل الوجود لدى شريحة واسعة من الجزائريين. وشتان بين عمل يتم التخطيط له مسبقا وعمل يقوم على رد الفعل.

وقد تكررت هذه المأساة في صور مختلفة مع جميع العسكريين الذين تمردوا خلال الشهور الأولى من انفجار الوضع مما رسخ القناعة لدى العسكريين من أنصار المشروع الإسلامي والمتعاطفين معه بعدم جدوى العمل المسلح بالتعاون مع المدنيين.
بل إن التحاق المدنيين بنا في السجن العسكري سمم العلاقة الأخوية التي جمعتنا على نصرة الحق فاختلفت القلوب وتنافرت النفوس. ومع ذلك فقد بقي على الصعيد الشخصي رجال لم تفتنهم المحنة عن قضيتهم الحقيقية فجعلوا مرضاة الله غايتهم ولولا أن قدر الله سابق في ما يجري بالجزائر لجزمت أن أولئك الرجال على قلتهم أهل لتحقيق النصر المبين على الباطل مهما كانت صولته.

 ومن هؤلاء الرجال الأخ عيسى أوكديف الذي أحسبه رجل صدق والله حسيبه. وهو مواطن جزائري من العاصمة أب لبنتين وممن شاركوا في حرب الأفغان ضد الروس الشيوعيين. لم يعترف بتهمة الانتماء إلى جماعة (ح ع) الذي ورطه فيها على خلفية مساعدته في التعرف على صاحب سيارة (ج9) رغم ما تعرض له من التعذيب على أيدي المخابرات والشرطة...وبعد تغير مسار التحقيق في قضيتنا على خلفية زيارة قائد الأركان لنا في السجن، جاءني هذا الأخ وطلب مني إقناع (ح ع) بالتراجع عن تصريحه في محضر استنطاقه بعلاقته معه، لأنه فعلا لم يكن جزءا من القضية. فقام (ح ع) على الملأ وقال: أتريدونني أن أدفع الثمن وحدي؟ وحلف بأن يجعل الجميع يدفعون الثمن.

 وهذا ما حصل بالفعل بالنسبة لأكثر من خمسين متهما. وقد اقترحت على عيسى أوكديف أن يطلب من قاضي التحقيق وبالتعاون مع المحامي طرح أسئلة على (ح ع) أوقعته بتوفيق الله في تناقض كبير وأبطلت علاقة عيسى بالقضية وكان ذلك سببا في استفادته من الإفراج المؤقت. وقد حملته رسالة شفوية إلى الشيخ أحمد سحنون رحمه الله وقيادة الجبهة الإسلامية أخبرتهم فيها بأنني صاحب الكلمة الأخيرة في هذه القضية وأنني مستعد مع أغلب العسكريين لاتخاذ الموقف الذي يرونه مناسبا لنصرة الحق ولسنا نبالي بعاقبة ذلك حتى ولو طلب منا القيام بعمل فدائي. وقد امتنع إلى ذلك التاريخ كل المحامين عن اعتماد الدفاع عني شخصيا أمام القضاء العسكري...

وجاءني الرد من عيسى أوكديف يخبرني فيه أولا: بأن الشيخ أحمد سحنون ينصحنا بالتعقل وعدم الإقدام على أي عمل غير مسؤول ويعدني بالاتصال بي في أقرب وقت وثانيا: يبلغني بأن كل المؤشرات تنذر بالشر المستطير خارج السجن وأنه ( أي الأخ عيسى) لن يسمح لأي مجرم بإهانته بعد اليوم. وفعلا بلغني بعد أشهر أن أعوان الأمن حاولوا اعتقاله عدوانا وظلما رغم أن قاضي التحقيق أفرج عنه، فأفلت منهم وقام بتلغيم بيت منعزل اعتصم فيه ثم أخبر عن نفسه بأنه موجود في المنزل فحاولت فرقة من التدخل السريع نسف المنزل قبل اقتحامه فاستدرجهم إليه ثم فجره مما أوقع في صفوفهم خسائر كبيرة وقتل هو معهم. وهكذا أنهى معركته بشرف مع من استهدفوه عدوا بغير حق. أما الشيخ أحمد سحنون رحمه الله فقد طلب من الأستاذ مشري بشير اعتماد الدفاع عني على حسابه الخاص. ولكن الثاني رفض الأجر إكراما للشيخ  وبعد الإلحاح قبل منه مبلغا رمزيا قدره خمسة آلاف دينار جزائري كمصاريف رحلة جوية واحدة من الجزائر إلى بشار.

 ورغم أن أخي تمكن من توكيل المحامي بختي محمد جزاه الله خيرا على حسابه الخاص، إلا أن الأستاذ مشري كان هوالمشرف على عملية الدفاع في قضيتي. وأنا أذكر هذا الموقف المسؤول للشيخ أحمد سحنون رحمه الله ليس عرفانا لجميل قدمه لي في ظرف صعب فقط  وإنما  لأنه البقية الباقية من نبض الحياة في وعي الحركة الاسلامية المعاصرة. فالأمير (ح ع) تجندت من أجله اللجنة القانونية للجبهة الاسلامية بقضها وقضيضها ورصدت له ميزانية لا تقل عن مليون سنتيم لكل زيارة وكفالة عائلية لزوجته تتجاوز المليون سنتيم شهريا هذا ما كان ظاهرا للعيان. في حين اضطر أغلب العسكريين الغلابى للاستدانة من أجل تسديد مستحقات المحامين. أما الذين بقوا بدون محام فقد تطوعت اللجنة القانونية للجبهة لاحقا للدفاع عنهم. ورفعا للالتباس أقول لقد بقيت في السجن ثلاث سنوات وضربت في أرض الله الواسعة عبر دول إفريقيا ثلاث سنوات أخرى تقريبا وزرت المملكة العربية السعودية وانتهيت لاجئا في بريطانيا حتى سنة 1997 دون أن أتلقى مساعدة مادية في وقت الأزمة، كبيرة كانت أو صغيرة من محسوب على الحركة الإسلامية أو من غيرها فردا كان أو تنظيما سياسيا أو جمعية خيرية ولله الحمد والمنة.


إن العبرة من هذا ليست بحالتي كشخص، لأنني خضت هذه التجربة بكل مسؤولية ووعي والحمد لله، وإنما العبرة بآلاف الرجال المخلصين الذين طوحت بهم الأقدار في هذا الوضع الصعب بدون تجربة، فقط لأنهم اختاروا بإخلاص الانتصار لحق التبس على طلابه فضربوا فيه خبط عشواء  فكان جزاؤهم الإهمال إلى أن امتهنت كرامتهم وانتهكت أعراضهم حتى فتنوا ووقعوا في المحظور. فهل يستقيم على هذا الأمر من ينتظر منه إقامة الخلافة الراشدة؟ إن قراءة الأحداث بشجاعة ومسؤولية هي التي تجلي لنا الحقائق وتورثنا الاعتبار من الخطإ وتبعث فينا إرادة النهوض بقوة وثبات. وبدون ذلك سوف يبقى حال الاسلاميين كحال التي نقضت غزلها من بعد قوة.

الوجه الآخر للجيش الوطني الشعبي
يعتقد كثير من الناس أن الجيش الجزائري جيش علماني ومعادي للاسلام. والمحزن أن الوقائع والأحداث اليومية توهم بهذا الانطباع. كيف لا وضحايا الأزمة فاقوا ربع مليون قتيل خلال عشر سنين. وأنا لا أريد أن أدخل في جدل فقهي عن العلمانية لأن هذا ليس مقامه ولكنني أريد أن أثبت هنا ما كان قائما على أرض الواقع للتاريخ لأن ما سمعته عن الجيش بعد انفصالي عنه لا يعكس حقيقة ما كنت أعيشه و أنا في الخدمة. أما البث في الحكم على ذلك فسأتركه لأهل الاختصاص.

وأول ما أشهد به هو أن قانون الخدمة في الجيش المعتمد والذي اطلعت على نصوصه ليس فيه ما يتعارض مع أحكام الشريعة أو يدعو إلى مخالفتها. بل إنني لم أجد فيه ما يتناقض مع مكارم الأخلاق. أما فيما يتعلق ببروتوكولات الانضباط العسكري وتحية العلم وغيرها فإن حملها على طقوس الجاهلية من شرك وعبودية لغير الله وغيره من التأويل لا يقوم على أساس معتبر لا شرعا ولا وضعا. ومع ذلك يبقى الجيش جزءا من الشعب الجزائري، فيه الطيب والخبيث والانتهازي والمخلص، مما يوجب على المصلح الصادق في نظري أن يقدر الأمور بميزان المصلحة والمفسدة لا بميزان الكفر والإيمان.
و لا بأس أن أستعيد مشهدا واحدا من من تجربتي في هذه المؤسسة.

عندما التحقت بالاكاديمية العسكرية لمختلف الأسلحة بشرشال سنة 1978 كانت منارة مسجد خالد بن الوليد التابع للأكاديمية هي الوحيدة في المنطقة لأن مسجد مدينة شرشال كان بدون مئذنة في حين كان مسجد الكاديمية تحفة فنية رائعة. ورغم أنه كان مزودا بمكتبة إسلامية نفيسة أهداها الملك فيصل رحمه الله للمسجد إلا أن رواده من الطلبة كانوا قليلين جدا، ولا يتجاوز عددهم أصابع اليد في بعض أوقات الصلاة. ولكن منذ أن تولى قيادة الأكاديمية المقدم حشيشي زين العابدين سنة 1977 انطلق في جزأرة شاملة لهذه القلعة الوطنية الخطيرة التي بقيت تحت هيمنة اللغة الفرنسية ومناهج التدريب الروسية منذ الاستقلال وأطلق مشروع تعريب المناهج وجزأرة التأطير ورد الاعتبار لمقومات الهوية الوطنية في محيط الاكاديمية المترامي الأطراف فتزينت الأكاديمية بصور أبطال ثورة التحرير المجيدة وأقيم متحف الجهاد في قلب الأكاديمية وانتشرت الآيات والأحاديث والأمثال الداعية إلى مكارم الأخلاق وشريف الأفعال، فتحررت الإرادات واصطبغت علاقة العسكريين ببعضهم بصبغة الهوية الوطنية بكل أبعادها فازدحمت مديرية التدريب بالكفاءات الوطنية الشابة من كل التخصصات، عشرات الأساتذة والمهندسين والخبراء في جميع التخصصات التقنية جاءوا من المؤسسات الوطنية المدنية والعسكرية ومن فرنسا وأمريكا وبريطانيا وألمانيا والرسامين والخطاطين وغيرهم جاءوا لأداء الخدمة الوطنية وتوظيف خبراتهم في جزأرة هذه المؤسسة وتحويلها إلى نموذج مصغر للجزائر التي كان يحلم بها الشهداء. وقد انخرطنا ونحن طلبة في هذه العملية على حساب وقتنا الخاص تثمينا منا لهذا المسعى الوطني النبيل. لقد كان من ثمار هذه القيادة الرشيدة ذلك الانضباط الذاتي لدى الضباط والطلبة داخل الكاديمية وخارجها ولم يصبح الذهاب إلى المسجد للصلاة عند سماع الأذان عائقا عن الاجتهاد والعمل كما كرسته القيادات الاديولوجية السابقة. فإذا رفع الأذان للصلاة تهافت الجميع إلى المسجد فإذا انقضت انصرف كل إلى عمله دون الحاجة إلى تذكير. فلم يكن المقدم حشيشي زين العابدين في حاجة إلى إعفاء لحيته وتطبيق الحدود على مرؤوسيه لحملهم على الالتزام بأركان دينهم ولا كان في حاجة إلى دفعهم إلى الإلحاد تيمنا بالروس وترغيبا في علومهم. وقد حذا حذوه العقيد الهاشمي هجريس ولكن من جاءوا بعدهم كانوا أقل منهم وعيا وأضعف شخصية. والشاهد من هذا العرض هو أن الحكم المطلق على الجيش الوطني الشعبي كمؤسسة خطأ فادح لا يساعد على التشخيص الدقيق لأبعاد الأزمة الوطنية ولا على تصور الحلول الناجعة لتجاوزها بل على العكس يضمن لكل المجرمين التمترس خلف هذه الحصن الوطني العتيد.

موقع الجزائر في وعي المعنيين بالأزمة
منذ الإرهاصات الأولى للأزمة راودني الشك في المبررات المزعومة من طرف المعنيين بتفجيرها ولذلك بقيت شديد الحذر في التعامل مع تطوراتها رغم ما تشبثت به من الصدق والإخلاص في علاقتي بالأطراف المتنازعة. مبعث الشك الرئيسي كان إهمال العامل الوطني في تقدير الأمور لدى الأطراف المتنازعة رغم أن الأزمة القائمة جزائرية بحتة. ولا يعني هذا أن هذا الطرف أو ذاك كان كله غافلا عن الطبيعة الجزائرية للأزمة، وإنما العبرة بمن ينتهي إليهم القرار وتعود إليهم الكلمة. فالدوائر الشريرة في السلطة تنكرت للجزائر تماما وفرضت نفسها كسلطة احتلال. أولا على مستوى الدولة: باستباحتها لكل رموز السيادة في الدولة الجزائرية ابتداء من حل السلطة السياسية ممثلة في الرئيس مرورا بحل السلطة التشريعية ممثلة في المجلس الوطني الشعبي وانتهاء بالسلطة التنفيذية بإعلان الأحكام العرفية و تعيين ولاة عسكريين وإنشاء المحاكم الخاصة. وثانيا على مستوى الشعب: ابتداء من احتقاره والحكم عليه بعدم النضج، مرورا بضرب نتائج الانتخابات التشريعية المعبرة عن رأيه عرض الحائط وانتهاء بضرب وحدته بتوريط شريحة منه في نزاع لا ناقة لها فيه ولا جمل لتشن الحرب نيابة عن المتعطشين للدم. وثالثا على مستوى الهوية: حيث أعلنت هذه الشرذمة الحرب على الإسلام كحضارة وليس كدين فقط، فحظرت شعارالإسلام حتى على مؤسسات التعليم المتخصصة كالمعاهد الإسلامية في الجامعات وضيقت على المصلين في المساجد ومنعت ارتداء الحجاب على الموظفات في المؤسسات العمومية وغير ذلك مما هو مشتهر. كما أن هذه السلطة جمدت قانون تعميم اللغة العربية وشنت آلتها الإعلامية المرتزقة حربا شعواء عن كل ما هو عربي تدعيما لمشروع الجزائر الفرنسية الملفوف برداء المتوسطية والأوروبية وغيرها من الأوهام.

إن هذه السلوكات الماثلة أمام أعين الناس وما خلفته من آثار وخيمة كافية للتأكيد على أن خالد نزار ومستشاريه ومن ظاهره على خياره الآثم لم يفكروا لحظة واحدة في أن هذه الأزمة جزائرية ويجب أن يتم التعامل معها في هذا الإطار. وأن الخصومة مهما بلغت خطورتها فإنها لا تبرر استئثار فئة من الشعب بالجزائر على حساب الفئة الأخرى لأن الجزائر وطن الجميع و سيبقى كذلك إلى الأبد. إن هذه الروح الشريرة والعقلية البدائية هي التي استحوذت على رموز السلطة فاغتروا بما يمتلكونه من قوة عسكرية وثروة اقتصادية ودعم أجنبي خبيث وتوقعوا أنهم سيحسمون الحرب لصالحهم باستعمال سياسة الاستئصال وكأن الجزائرمشاع للصوص أو غنيمة حرب للغالب. وقد بلغ بهم الغرور في البداية إلى حد استهداف مؤسسة الجيش نفسها فانخرطت أجهزة المخابرات والدرك في عملية اعتقال لكل من يشتمون فيه رائحة الالتزام وبلغ الأمر ببعض القيادات إلى التصريح العلني أمام تجمع كبير للضباط بأن القيادة مستعدة لاستئجار جيش من الخارج لفرض الأمر الواقع على الجميع إذا تطلب الأمر. والغريب أنهم ضموا إلى مجموعتنا في السجن ضباط قيادة الفوج40 للمدفعية كلها لأن مجموعة من ضباط الصف تمردت وفرت من الفوج آخذين معهم أسلحة وذخيرة. كما اعتقلت مجموعة من صف الضباط  التابعين للفرقة40 لا يفرقون بين عقبة بن نافع والعربي بن المهيدي بتهمة الانتماء إلى الاسلاميين.

ولو أن النافذين في القيادة العسكرية كانوا يعتقدون بأن خصومتهم مع جزائريين مثلهم وأن محاولة استئصالهم ستأسس للحرب من أجل الوجود وتفتح دورة الاستئصال بين الجزائريين إلى أجل غير مسمى، لكان ذلك كفيلا بدفعهم إلى التروي والتصرف بحكمة تقوي فيهم هذا القاسم الوطني المشترك الذي كان من شأنه أن يكفل لكل جزائري كرامته و أمنه في وطنه وبين أهله بغض النظر عن الاختلاف القائم بينهم.

أما الإسلاميون فإن ضعف المعنى الجزائري للقضية في وعي الغالبين على أمرهم كان نتيجة لعدة عوامل أذكر منها:
ـ ضبابية المعنى الوطني في خطاب وأدبيات أغلب القيادات الإسلامية. ربما للتميز عن التيارا ت الوطنية التي لا ترفع شعار الاسلام. أو ربما لأن منابر الخطاب ارتبطت بالمساجد التي تعتبر أماكن للعبادة يحكمها ضابط العقيدة لا ضابط الوطن. ومهما يكن السبب، فإن التوعية الوطنية ضرورة  تقتضيها حاجة المجتمع للاستقرار وتجاهلها في الخطاب التعبوي قصور كانت له عواقب وخيمة على المجتمعات الاسلامية بصفة عامة وعلى الجزائر بصفة خاصة.

ـ الخلفيات العالمية والأممية والإقليمية في التوعية السياسية لأنصار التيار الاسلامي، حيث تتخطى الدولة الجزائرية حدودها الوطنية في وعي البعض إلى المغرب العربي و شمال إفريقيا (عند جماعة النهضة مثلا) أو الأمة الاسلامية لدى السلفية العلمية بل والعالم بأسره عند الحالمين بالخلافة الراشدة (مثل الجزائريين الأفغان وجماعة الهجرة) ويبقى التصور ضبابيا لدى الإخوان (جماعة حمص) رغم انغماسهم في ضحضاح النظام القائم. ولذلك فإن التعامل مع الازمة الجزائرية المحلية قام على مراعاة مصلحة الدائرة الأوسع إقليميا او أمميا او عالميا وعلى حساب ما تقتضيه المصلحة الوطنية الجزائرية.

ولعل من الثمار المرة لهذا الغرس انضمام بقايا المسلحين في الجزائر إلى القاعدة و ربط مصير الأمن في الجزائر بعوامل لا قدرة للجزائريين على التحكم فيها بعد اليوم. و يجدر بي هنا أن أذكر بأن الشيخ مصطفى بويعلي الذي كان مجاهدا في ثورة التحرير وأسس أول حركة إسلامية مسلحة معارضة للنظام القائم في الجزائر سنة 1979 أصر على إضافة الضابط الوطني لشعارحركته فسماها: الحركة الاسلامية الجزائرية المسلحة حتى لا تخلط المور عبى أتباعه ولا تتجاوز الحركة مجالها السياسي الوطني إلى بعدها الإسلامي الذي لا تحده حدود.

ـ تعدد المرجعيات الدينية واختلاف المرجعيات الاسلامية في حكم الوطنية ومفهومها بين من يعتقد أنها من بقايا الجاهلية أو مخلفات الصليبيين كعلماء الجزيرة العربية والمشرق وبين من يجعلها من مقتضيات النهوض من ذوي الميول القومية. وهذه من البلاوي العظيمة التي حلت بالجزائر منذ أن تمكن أعداء الدين والفضيلة من السيطرة على مراكز النفوذ في الدولة وأصبح الشعب الجزائري المسلم يلهث في كل اتجاه خلف العلماء و الفقهاء في البلدان الأخرى والذين لا يعرفون عن وضع الجزائر شيئا يذكرفيفتون على السماع بما ليس له بالواقع أي علاقة فحدثت بذلك فتن عظيمة جعلت الشباب الجزائري يكفر بتاريخه العريق و يشك في أمجاده الخالدة و ينخرط في تخريب وطنه بيديه متطلعا إلى سراب لا فائدة ترجى منه.

ـ ضعف التربية الوطنية لدى الشباب الجزائري بصفة عامة والذي يمثل الاغلبية الساحقة للتيار الاسلامي. ولذلك فإن شعور الشباب بالظلم و التهميش من طرف أعوان الدولة مبرر كاف في نظرهم لحرق المؤسسات الوطنية دون التفكير فيما يترتب على ذلك من الخسائر المادية أو ما تقدمه هذه المؤسسة بالنسبة لهم ولباقي المواطنين من خدمات ضرورية لحياتهم اليومية. لأن غرضه هو الانتقام من الدولة التي هي في نظره إدارة لتسيير شؤونه لا تربطها به علاقة غير ذلك ولا يفرق بين أن تكون هذه الإدارة وطنية أو إدارة احتلال. فإذا أضيف إلى هذا الفهم حكم شرعي ببدعية الوطنية أو تحريمها  يمكننا تصور قيمة الوطنية في نفوس الشباب الجزائري المسلم.
ـ الدعاية المغرضة للاعلام الجزائري الذي جعل الوطنية حكرا على النظام الفاسد وأعوانه مما أفرغ الوطنية من معناها الحقيقي وزهد باقي المواطنين فيها.
ونتيجة لهذا القصور في الشعور بالمسؤولية لدى الطرفين تحول الصراع بين أبناء الشعب الجزائري المسلم  من التنافس السياسي السلمي للتداول على تسيير مؤسسات الدولة الجزائرية المستقلة القائمة على الوطن الواحد الذي حرره شهداء ثورة التحرير المجيدة إلى حرب قذرة محلية استبيحت فيها الدماء والأموال وانتهكت فيها القيم والأعراض و تنازل الطرفان فيها عن كل المكارم من أجل النفوذ و البقاء و كانت الضحية الحقيقية هي الجزائر التي أصبحت فئات بعد أن كانت شعبا واحدا وأصبحت مناطق نفوذ بعد أن كانت وطنا واحدا و أصبحت سلطنات طائفية بعد أن كانت جمهورية ديمقراطية شعبية.

المحاكمة
أسميها المحاكمة مجازا لأنها كانت مهزلة حقيقية انسحبت منها هيئة الدفاع وكانت كلمتي فيها قصيرة لم أتطرق فيها للتهم المنسوبة لي بتاتا.

كان لزيارة قائد الأركان أثر واضح على مجريات الأمور في قضيتنا حيث تم تعيين النقيب عبد الكريم للتحقيق معنا من جديد فقام بواجبه بمسؤولية عالية رغم أنه لم يستطع تجاوز محاضر التحقيق الأولى التي أقحمت في قضيتنا ملفات مدنية جنائية لا علاقة لنا بها لا من قريب ولا من بعيد. وانتهى بعد جهد وعناء إلى تصنيف القضية في آخر سلم الجنح وقدمها إلى القيادة العسكرية التي بدأت تشعر بالورطة التي وقعت فيها فقررت تقديمنا للمثول أمام مجلس تأديب. وقد أكد ذلك وزير الدفاع اللواء نزار خالد بنفسه بمناسبة شهادتي ضده بمحكمة الجنح بباريس.

هذه التطورات أثارت حفيظة الدوائر الاجرامية في جهاز المخابرات فاستهدفت قاضي التحقيق النقيب عبد الكريم وعاقبوه بالسجن أقصى عقوبة عسكرية ممكنة في حق الضباط وهي 45 يوما سجنا لست أدري ما كان مصيره بعدها. أما نحن فقد قرروا الانتقام منا بطريقتهم وهددونا بذلك أكثر من مرة.

وقد حاولوا استدراج بعض ضباط الصف للفرار من السجن لتبرير تدخلهم في قضيتنا من جديد كما استغلوا فرصة نقلنا إلى المحكمة العسكرية لتنفيذ وعيدهم فاكتشفنا مخططهم قبل مغادرة السجن فرفضنا الخروج وتبين لنا بعد ذلك أن وكيل الجمهورية اكتشف عبوة ناسفة داخل المحكمة كانت ستنسفها من الأساس. و قد تم توجيه التهمة لاحقا في هذه القضية لشقيق قاري السعيد أحد منظري جماعة الجزائريين الأفغان. كما حاولوا استفزازنا يوم المحاكمة للدخول معنا في اشتباك يبرر لهم قتل من يريدون منا ولكن وكيل الجمهورية العسكري تفطن لمخططهم ولم يسمح لأحد منهم بالدخول إلى حرم المحكمة باستثناء المدير الجهوي لأمن الجيش الذي كان يتهارش مع صف الضباط داخل قاعة الجلسة.

وقد سبقت المحاكمة حملة إعلامية تولت كبرها جريدة الوطن والصباح الفرنكفونيتين نشرت خلالها جريدة الوطن مقاطع كاملة من محضر استنطاقي في بن عكنون مما جعلني أحتج رسميا لدى الجريدتين عن طريق موكلي المحامي الاستاذ بختي و طالبت الجريدة بحق الرد ولكنها رفضت. ولست أضيف بهذا شيئا جديدا ولكنني أؤكد ما قيل عن تلك الجرائد المستقلة التي حصلت على شهادات التقدير من فرنسا وأمريكا بأنها وسائل دعاية هدامة والعاملون فيها كذابون مرتزقة لا شرف لهم.

رئيس الجلسة كان قاض مدنيا على وشك التقاعد قيل لي بأنه فقد عقله بعد تلك المحاكمة وكان القضاة المساعدون ضباطا عسكريين اطلعوا مسبقا على محاضر الاستنطاق قبل موعد المحاكمة كما أن وكيل الجمهورية رافع بناء على محضر الاستنطاق الذي حرره جهاز المخابرات و ليس قاضي التحقيق. وكان الإعلان عن غلق الجلسات بعد جلسة الافتتاح دليلا واضحا على المهزلة كما عبر عن ذلك الاستاذ بشير مشري بقوله آنذاك: إذا كان الرشام حميدة واللعاب احميدة فما الداعي لحضورنا. وطلب من هيئة الدفاع الانسحاب فانقسمت على نفسها. وقد تشكلت هيئة الدفاع من أكثر من عشرين محاميا أغلبهم اساتذة و على رأسهم الأستاذ مشري بشير أقدم المرافعين في القضايا الاسلامية والأستاذ رايس محام معتمد لدى هيئات القضاء الفرنسية والاستاذ مسلي رشيد والاستاذ زويتة على رأس لجنة الدفاع عن قيادة الجبهة الاسلامية والاستاذ بوريو والأستاذ بختي محمد وغيرهم.

حصلت خلال الجلسات خزعبلات من طرف بعض المدنيين وضباط الصف الذين بقوا تحت وطأة التجربة المرة التي عاشوها. فمنهم من حاول التشويش على المحكمة بتلاوة القرآن أو التكبير ومنهم من حاول التعبير عن آرائه ومشاعره بالهتاف بشعارات يتبناها، ولكن الجلسات التي استمرت من يوم 3 إلى 13 يناير 1993 أثبتت أن الضباط المتهمين كانوا فعلا من صف النخبة في الجيش الوطني الشعبي ولم يستطع وكيل الجمهورية العسكري أن يثبت دعوى واحدة معتبرة قانونا ضدهم. ورغم الأحكام القصوى التي طلبها إلا أن القرار جاء بعد أسبوعين من انتهاء الجلسات بالإفراج عن أغلب الضباط وضباط الصف مع الحكم عليهم بالمدة التي قضوها في السجن حفظا لماء الوجه، والحكم على مجموعة قليلة كنت أنا من بينهم بثلاث سنوات وكانت أقصى عقوبة بالسجن 5 و8 سنوات في حق النقيب بن زمرلي والملازم الأول زلة نعمان رحمهما الله.

عندما عدد وكيل الجمهورية التهم المنسوبة لي وأنهى مرافعته بطلب أقصى العقوبة في حقي رد عليه الأستاذ مشري بشير ثم الاستاذ بختي كما تدخل الاستاذ رايس رغم أنه لم يكن مؤسسا للدفاع عني. وعندما أحيلت إلي الكلمة قلت للقاضي: ما ينبغي أن أقوله بخصوص هذه القضية يعني قيادة الجيش وحدها وقد سمعته مني بدون واسطة ولا أرى فائدة من نشر غسيل العسكر في هذا المجلس لأن الحاضرين فيه لا يعنيهم هذا الأمر في شيء. وحتى القاضي أتحداه أن يدعي الحكم علي بما يمليه عليه ضميره المهني.

 أما ما أود تأكيده من هذا المنبر فهو أن الذين استغلوا هذه القضية لإهانة الشرفاء من أبناء الجزائر والاعتداء على أعراضهم لا يمكن أن يكونوا جزائريين أحرارا. واذكر أمامكم الرائد قطوشي والعقيد ناصر الذين زاراني في مركز التعذيب وشتم قطوشي أمي وأنا مقيد اليدين. وقد نذرت لله إن طال عمري لأقتلنه وفاء لجهادها من أجل تحرير الجزائر. ولكن الله انتقم لها منه وخلص الأرض من شره. فتدخل وكيل الجمهورية قائلا: لقد استشهد الرائد وهو يؤدي واجبه الوطني فلا تشتمه. قلت: الواجب الوطني لا يؤدى بقمع المواطنين العزل وقتلهم وإهانة الشرفاء في الأقبية ومراكز التعذيب يا حضرة الرائد بل يؤدى بالتضحية من أجل الوطن وسلامة المواطنين وسعادتهم ولا أعتقد أن الجيش الوطني الشعبي يراد له أن يقوم بهذا الواجب منذ يناير 1992.

لقد كانت المحاكمة شكلية تم تسجيلها وتحرير وقائعها للضبطية الإدارية فقط أما الأحكام فصدرت بناء على تقدير جزافي من طرف قيادة الجيش. ولذلك أصرت الدوائر الأمنية التي تستهدفنا على تصفيتنا جسديا خارج إطار القانون. وقد بلغني اغتيال 5 نقباء من بين 11 المتهمين معي في القضية في ظروف غامضة لم يتم التحقيق فيها بعد زيادة على محاولات اغتيالي في السجن واختطافي شخصيا من سجن الحراش بعد انتهاء مدة العقوبة وتهديدي بالقتل صراحة من طرف المقدم عبد القادر في مركز التعذيب ببن عكنون والتواطئ على اغتيالي مع جمال زيتوني وصعاليكه بعد مغادرتي الجزائر.

بعد النطق بالأحكام قلت لوكيل الجمهورية على مسمع من الجميع: أخبر من أصدروا الحكم بسجننا بأنهم وفروا علينا مؤونة التورط في قتل شعبنا وهذا أمر نحمد الله عليه. أما إذا تعرضت الجزائر لعدوان عسكري أجنبي فلا يستحوا من العودة إلينا فنحن أولى بالدفاع عن بلدنا من أي عدوان أجنبي.
بعد النطق بالحكم مباشرة تم نقل المحكوم عليهم بالسجن إلى سجن بشار الشهير الذي قضينا فيه حوالي شهرين ثم نقلت إلى سجن البرواقية مع خمسة العسكريين. ونقل الباقون إلى سجن الشلف. (يتبع...)
النقيب أحمد شوشان

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))