الجمعة، 8 يوليو، 2011

الفصل الثاني ,الجزء الثاني,في ضيافة المدرسة التطبيقية لتدريب ضباط الاحتياط بالبليدة


كانت الأمور على الأرض تتطور بسرعة مذهلة. فبعد مرور أسبوع على اعتقالنا، وفي ليلة 12 مارس 1992 تمردت أول مجموعة من القوات الخاصة. فقد تمكن الرقيب الأول مولاي علي ومعه ثلاثة عشر من ضباط الصف بالتعاون مع حسن حطاب من الانسحاب من فيلق الصاعقة الرابع المتمركز في ثكنة بني مسوس التي يقع في محيطها مقر القيادة العام للمخابرات. وقد استطاع أحد عشر منهم اختراق الأطواق الأمنية المختلفة والتحصن بجبال الزبربر فيما وقع اثنان منهم في قبضة المخابرات ومعهم سائق مدني اسمه زنيتر محمد وكانت بحوزتهم عدة قتالية أذكر منها قاذفين للصواريخ المضادة للدبابات (رب ج - 7) و معها ستة قذائف ورشاشين متوسطين مع ستة آلاف طلقة وأحد عشر مسدسا رشاشا من نوع كلاشينكوف ومعه ستة عشر ألف طلقة متنوعة وعشرات القنابل اليدوية ونظارات ميدان ومسدسات شخصية. وسأعود لتفاصيل هذه العملية في وقتها إن شاء الله. كما تزامن هذا التمرد مع تمرد ضباط صف من مدرسة الصحة بسيدي بلعباس وتشعبت بجهاز المخابرات عمليات التحقيقق واتسعت رقعة الاعتقالات وتسارعت دون أن يظهر في الأفق ما يدل على احتوائها. فقررت القيادة العسكرية الوقف الفوري للاعتقالات والتعامل مع القضية بطريقة مختلفة. فكان أول ما قامت به هو تحويل أربعة وعشرين منا إلى سجن المدرسة التطبيقية لضباط الاحتياط بالبليدة وتهيئة الظروف المناسبة لزيارتنا من طرف وزير الدفاع اللواء نزار خالد الذي أصدر منشورا يوضح فيه أن التحقيق معنا جار في ظروف حسنة وأنه سيطلق سراحنا قريبا. ولكن تدهور صحته المفاجئ وحاجته إلى السفر حالا دون ذلك. وجاءتنا التعليمات للاستعداد لمقابلة قائد الأركان اللواء قنايزية عبد المالك وكان في انتظاره معنا المقدم بشيشي مدير المدرسة والرائد عبد القادر المدير الجهوي لأمن الجيش بالبليدة وقد تأثرا كثيرا لمعرفتهم الجيدة بنوعية الضباط المعتقلين. وحضنا المقدم بشيشي على الصراحة مع قائد الأركان وحاول جهده أن يكون شريفا في أداء مهمته كعسكري مسؤول. ورغم أنه لم يقدم لنا شيئا خارج الإطار المسموح له به من طرف القيادة، إلا أنه كان ضابطا محترما لنفسه وجديرا بالاحترام. وبعد انتظار طويل جاء الخبر في آخر المساء بإلغاء الزيارة إلى أجل غير مسمى ووضعت المدرسة في حالة استنفار قصوى رغم أن معاملتنا بقيت على حالها خاصة وأن ضابط الأمن الملحق بالمدرسة كان من طلابي السابقين وصهرا لأحد زملائي وكان ضابطا متعقلا، فقضينا أياما أقل ابتلاء قياسا بمعاناتنا في مركز الاستنطاق.

وفي مساء اليوم الأخير من شهر مارس 1992 اقتحم علينا السجن مجموعة من ضباط مركز الاستنطاق وكان من بينهم الرائد عبد القادر وحاولوا ترويعنا بالتهديد وضرب بعض الضباط رغم مناشدتهم من طرف الضابط المكلف بوقف استفزازاتهم، فدخلنا معهم في معركة انتهت بانسحابهم لأنهم كانوا قلة. وطلبني الرائد عبد القادر فخرجت إليه إلى مدخل السجن. فقال لي بنبرة مليئة باللؤم والتشفي: تمنيت أن يكون عندك في الدنيا ما تكافئني به على البشارة التي أنقلها إليك. ولكن لا بأس حتى إذا كافأتني في الآخرة سأقبل ذلك منك... المهم أن الضربة الصحيحة نزلت على رأس أكبر منك. لقد عزلنا العميد العماري (الشيكور انتاعكم) وهو الآن في الإقامة الجبرية وعينا العميد خليفة رحيم مكانه. ألم أقل لك أننا نحن الذين نحكم وأن بوضياف هو ربنا؟ والله ما رضي بوضياف برأس أقل من جنرال..... الرؤوس الصغيرة لا تملأ عينه..... والله ما تهنا(ما هنأ له بال) حتى تقربنا له برأس العماري.... لا بد أنك مرابط ودعوات والديك هي التي نجتك.
أذهلني الخبر فبقيت أنظر إليه وهو يتحدث و أحسست كأن بوصلة إدراكي قد تعطلت... ثم تداركت نفسي وحاولت التعامل مع الخبر على أنه من قبيل الحرب النفسية لهذا الفضولي الخبيث. وقلت له ببرود: لا تفرح كثيرا فقد يكون الدور عليك في المستقبل لأن في جزائركم كل شيء ممكن. وانصرفت إلى داخل السجن. وقد تأكد لي لاحقا أن ما قاله الرائد عبد القادر كان صحيحا عندما علمت أن العميد خليفة رحيم عين قائدا للقوات البرية خلفا للعماري ووضع الأخير تحت تصرف وزير الدفاع.
في السجن العسكري ببشار
صدرت التعليمات بتحويلنا إلى السجن العسكري ببشار. وتم ذلك جوا من مطار بوفاريك العسكري في ظروف أمنية متوترة وكان الرائد عبد القادر مكلفا بملف النقيب شوشان وجماعته. ولذلك فقد لازمني طوال الرحلة وأكد لي بأنه لولا البلبلة التي أحدثها اعتقالي في صفوف الجيش لما خرجت من مركز التعذيب حيا. وهددني بقتلي داخل السجن العسكري إذا حاولت إثبات براءتي من التهم المنسوبة إلي. وبقي على هذه الحال حتى انتهينا من محاضر الاستماع الأولى أمام قاضي التحقيق.

وصلنا إلى مطار بشار العسكري ونقلنا مباشرة إلى المحكمة العسكرية فوجدنا وكيل الجمهورية العسكري في استقبالنا ومعه ضابطين احتياطيين برتبة مرشح. وقد أخبرني أحدهما أنه أكمل خدمته، ولولا خوفه من عرقلة إجراءات خروجه لرفض القيام بمهمة قاضي التحقيق في تلك الظروف. وقد كان ضباط الأمن وعلى رأسهم الرائد عبد القادر يهددون المتهمين بالانتقام وإعادتهم إلى مركز التعذيب ويضربونهم حتى يصادقوا على المحاضر بالصيغة التي حررها الجلادون في مركز الاستنطاق، وقد كان موقف وكيل الجمهورية السلبي تجاه التجاوزات حتى تجاه الضابطين المكلفين بالتحقيق الأولي يعزز سطوة ضباط الأمن على المحكمة، مما جعلني أرفض حتى المثول أمام قاضي التحقيق في البداية لإجبار وكيل الجمهورية على التدخل.

فقابلته في جلسة مغلقة أقنعني خلالها بأننا ما زلنا تحت تصرف المخابرات وأن بإمكانهم نقلنا إلى مركزهم على مستوى الناحية العسكرية الثالثة خارج مدينة بشار حيث لا قانون ولا شهود وأنهم قادرون على نقله معنا إذا لمسوا منه أي اعتراض على سلوكهم. واقترح علي بالمقابل المصادقة على محاضر التحقيق كما هي حتى نصبح تحت مسؤولية المحكمة ووعدني بأنه سيبذل كل ما في وسعه لتمكيننا من حق الدفاع عن أنفسنا و الاتصال بالقيادة العليا إذا طلبنا ذلك. وهكذا بقينا محشورين يومين في قاعة المحكمة نقلنا بعدهما إلى السجن العسكري حيث وجدنا صندوقا حديديا كبيرا ينتظرنا في ساحة جانبية من السجن تكدسنا فيه أكثر من شهرين لا نرى النور إلا نادرا إلى درجة أن لا أحد من نزلاء نفس السجن شعر بنا. فاخضرت لحومنا وشحبت أجسامنا. وكنا في البداية 63 ضابطا وضابط صف ثم تلاحق المساجين بعد ذلك مدنيين وعسكريين حتى تجاوز عددهم المئتين وضاق بهم الصندوق ولم يجدوا مكانا ينامون فيه.

لقد تمكنا من تسخير كل صغيرة و كبيرة من أجل تخفيف وطأة السجن على أنفسنا. فاتفقنا على تعيين أكبر الضباط سنا ليكون أميرا علينا ونظمنا كل شؤوننا داخل الصندوق ولذلك فإن الأثر الكبير كان على أجسادنا نظرا لسوء التغذية وحاجتنا إلى الماء والشمس والحركة أما معنويا فقد كان الجميع على مستوى عال من التوكل على الله والثقة بالنفس.
كانت تلك الظروف فرصة ثمينة بالنسبة لي، تعرفت فيها على وجوه جديدة واطلعت فيها على كثير من التفاصيل التي بصرتني بحقائق الأمور وساعدتني على التعامل مع الأزمة بكل مسؤولية وثقة على المستوى الشخصي أساسا ومع الاخرين كذلك. ومن أهم ما يجدر بي التعرض إليه في هذه المرحلة:
ـ اختلاق الأزمة الأمنية (قضية تفجير مطار هواري بومدين)
ـ مقابلتان مع القيادة العسكرية العليا
1 اختلاق الأزمة الأمنية:
إلى هذا التاريخ بقيت الأزمة سياسية محضة رغم حملات الاعتقال التعسفية العشوائية ورغم حدوث تمردات داخل الجيش وأعمال عنف محدودة لم يتعد ضحاياها 85 قتيلا بما فيهم 65 مدنيا قتلوا على أيدي الجيش في مجزرة قمار خلال شهر ديسمبر 1991. ولذلك فقد اعتمدت القيادة العسكرية أسلوب الفوضى الخلاقة من أجل التحكم في الوضع. فبدلا من احتواء الأزمة السياسية بالتعامل على قاعدة (ولا تزر وازرة وزر أخرى) وحصر المسؤولية في إطارها السياسي الضيق، أصرت بدافع من الغرور والطغيان إلى توسيع دائرة التوريط لتشمل شرائح عريضة من المواطنين الأبرياء وبث الرعب في أوساط الشعب. وقد تسبب هذا في تأسيس الأرضية الخصبة للأزمة الأمنية المزمنة التي كسرت ظهر الجزائر والتي بنيت في الحقيقة على ركيزتين رئيسيتين.

 الأولى هي انتقال عدد كبير من المواطنين إلى السرية خوفا من الاعتقال التعسفي في البداية ليجدوا أنفسهم بعد تعقد الأزمة أمام خيار وحيد هو حمل السلاح ويشقوا بذلك مسلك العنف لمن بعدهم من ضحايا الفزع من إرهاب الدولة بكل أشكاله. أما الثاني فهو أن اعتقال الأبرياء العشوائي تطلب مبررا قانونيا لإضفاء الشرعية عليه ولوشكليا مما دفع أجهزة الأمن إلى تلفيق التهم الباطلة للمعتقلين وافتعال قضايا لا وجود لها في الواقع فاستدرجوا إلى دوامة التعذيب لانتزاع الاعترافات فلم يستفيقوا من سكرتهم إلا على آلاف المفقودين. وفي نفس السياق توسعت تلك الأجهزة في الربط التعسفي بين الانتماء إلى حزب سياسي أو تيار فكري أو علاقة شخصية وبين الانتماء إلى جماعة مسلحة لتجد نفسها بمآت الآلاف من الاجئين والمعتقلين والمساجين تتراوح أعمارهم بين سن 14 و 100سنة ذكورا وإناثا (لا غرابة في ذلك فقد اعتقل شيخ من واد سوف عمره أكثر من 100 سنة لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلم ولا يمشي ولا يدرك شيئا، بتهمة التهريب وتزويد جماعة إرهابية بالسلاح وقد مات في سجن البرواقية بين أيدينا بعد اعتقاله بأسبوع وقبل أن يقدم للمحاكمة ليكون شاهدا على العبثية التي تم بها تسيير الأزمة). إن هذا الجنون يظهر جليا في حادثة تفجير مطار هواري بومدين التي سأكتفي بسرد ما بلغني عنها من المعنيين بالموضوع أنفسهم وأترك النظر فيها للتاريخ.
في يوم 20 ماي 1992 التحق بنا في السجن مجموعة من المدنيين المتهمين بمساعدة المتمردين من القوات الخاصة التابعين لثكنة بني مسوس بالعاصمة. وكان من بينهم أمير الجماعة المسمى الحاج عراب الذي سأعود إلى الكلام عن شخصيته بتفصيل عند الكلام عن عملية التمرد.

ففي يوم 26 مارس 1992 ألقي القبض على الحاج عراب فأخبر أجهزة الأمن عن تفاصيل خطة مفترضة لتفجير المطار وعن كل أعضاء الجماعة التي تخطط لهذه العملية بما فيها حسين عبد الرحيم وسوسان ويوسف بوصبيع. ولكنه أخبرهم أيضا بأن الجماعة تنوي فعل ذلك دون التسبب في خسائر بشرية وتريد أن تشتغل على طريقة المافيا الإيطالية باستعمال الهواتف النقالة والمثبتة على السيارات في اتصالاتها وتقوم بعمليات ضد أهداف استراتيجية. واستطاعت أجهزة الأمن بناء على اعترافات الحاج عراب أن تلقي القبض على أكثر من خمسين شابا أغلبهم لا علاقة لهم بالموضوع ولكنها لم تلق القبض على المعنيين الحقيقيين رغم علمها بهم وتركتهم يتجولون بكل حرية بسياراتهم وجوالاتهم دون أن يعترضهم أحد (ولكن دون أن يخبرهم الحاج عراب بأنه كشف مخططهم لأجهزة الأمن). وقد بقيت هذه الجماعة بجميع عناصرها ومن انضم إليهم لاحقا مراقبة من طرف أجهزة الأمن.
إلى هنا يبقى السؤال المطروح هو: كيف سمح لهذه الجماعة بتنفيذ تلك العملية البشعة رغم وجود عناصرها تحت الرقابة المباشرة لأجهزة الأمن؟

التقيت بيوسف بوصبيع الذي يفترض أنه هو واضع القنبلة في المطار حسب الرواية الرسمية. كان من المفترض أن ينفذ فيه حكم الإعدام مع رفاقه السبعة حوالي أفريل 1993 ولكن تأجل تنفيذ الحكم فيه هو بالذات لأسباب إجرائية فكان لقاؤنا بطلب منه في عيادة السجن أثناء خضوعه لفحص المراقبة الذي يجرى قبل تنفيذ حكم الاعدام. وقد بلغه أنني أدنت عملية التفجير ووصفت المسؤولين على تنفيذها بالمجرمين الأغبياء فساءه كلامي.

قال لي هذا الرجل: رغم أنني سمعت عن مروءتك ممن أثق فيهم إلا أنني لست متأكدا من عدم انتسابك للمخابرات. ولكنني مع ذلك واثق من أمانتك وحبك للخير وأريدك أن تعلم وتخبر من تتوسم فيه الخير من أصدقائك الضباط بأن القنبلة التي انفجرت ليست هي القنبلة التي كنت أحملها وأن المكان الذي انفجرت فيه ليس هو المكان الذي كنت أريد وضعها فيه. القنبلة التي كنت أحملها كانت حشوة بارودية تقليدية الصنع خالية حتى من الشظايا لا يمكن أن تحدث الدمار الذي خلفه التفجير والمكان المقرر لوضعها كان تحت برج المراقبة وليس في قسم الركاب. قلت: وكيف ألقي القبض عليك؟ قال: القي القبض علي في المطار وأنا أحاول وضع القنبلة. قلت: إذن فقد كنت متابعا. قال: أظن ذلك لأنني منذ أن اقتربت من دورة المياه المحاذية للبرج تم الهجوم علي وأصبت بطلقات نارية ولم أعد أذكر شيئا. ولم أسترجع الذاكرة إلا أمام هيئة الاستنطاق مع حسين عبد الرحيم و سوسان. قلت:

وكيف سمحت لنفسك بتفجير مبنى فيه أناس أبرياء؛ أتعتبر هذا جهادا؟ قال: لقد قلبنا الأمر في هذا طويلا وكان غرضنا لفت انتباه العالم إلى القضية ولذلك فإن الحشوة كانت ستحدث هلعا كبيرا ودخانا كثيفا في المطار ولكنها لم تكن لتتسبب في تدمير المبنى أو سقوط قتلى. قلت: وكيف فكرتم في تنفيذ عملية كشفها النظام منذ شهر مارس؟ وهنا اندهش الرجل وقال: ومن قال لك هذا؟ قلت: هل تعرف الحاج عراب؟ قال: نعم. قلت: ألم يخبركم بأنه كشف مخططكم وبلغ عن أسمائكم؟ قال: لا أبدا. وهل ذكر أسماءنا؟ قلت: نعم. بل ذكر حتى وضعيات جلوسكم وأنتم تتكلمون عن الموضوع متسترين بالاجتماع من أجل عقيقة المولودة الجديدة لبعض إخوانكم. قال: الآن تيقنت من صدقك. لقد خدعنا من داخل صفنا قبل أن يخدعنا النظام. قلت:

وكيف لم تحاولوا التأكد من الأمر طوال هذه المدة بعد أن تم القبض على العشرات من تنظيمكم؟ قال: إنهم لم يكونوا من تنظيمنا ولا يعرفني أحد منهم. ولكن الحاج عراب وفر لنا مكان للاجتماع في بيته الذي اشتراه بأموال المتبرعين من أنصار المشروع الإسلامي ولم نتوقع أنه كان مهتما بالموضوع لأنه لم يكن يعنيه في شيء. وقد تحفظنا فترة من الوقت ولكننا لم نلمس أية ردة فعل من النظام ضد الافراد المعنيين بالخطة فانخدعنا. كما أن الجماعة التي خططت للعملية ليست هي التي أخذت المبادرة لتنفيذها. قلت: أتعني أن حسين عبد الرحيم لم يأمركم بذلك؟ قال: حسين عبد الرحيم لم يكن أميرا علي في هذه المرحلة. القرار اتخذ من طرف إمارة الجماعة الاسلامية في الوقت الذي كان على رأسها محمد علال. قلت: وكيف استطعت الوصول إلى المطار؟ قال: لقد رافقني إلى المطار سيد أحمد مراد العريف السابق في الحرس الجمهوري وقد استغل علاقته الشخصية مع عناصر الحواجز الأمنية لتسهيل الوصول إلى المطار. قلت: وهل ألقي عليه القبض؟ قال: لا. قيل لي أنه تمكن من الفرار بعد أن ألقي علي القبض ثم سافر إلى إيران ومنها إلى أفغانستان بعد ذلك. قلت:

وهل اكتشف أمره؟ قال: نعم. هو متهم معنا في القضية. قلت: وكيف خرج إذن؟ قال: والله يا سي أحمد لقد بلغني أنه سافر من نفس المطار بعد أيام من العملية وعاد بعد ستة أشهر وتم تنصيبه أميرا على الجماعة الإسلامية بعد ذلك (وهو المدعو جعفر الأفغاني) ولكنني لن أحمل نفسي وزر اتهامه بشيء لأنني مقبل على الله في أية لحظة ويكفيني ما تحملته إلى حد الآن. قلت: أتخاف الله في اتهام شخص مشتبه في أمره ولا تخافه في اتهام شعب كامل بالكفر دون بينة يا يوسف؟ قال: أشهد علي أنني لا أكفر أحدا بعينه ولكنني أكفر النظام الذي يمنع المسلمين من الاحتكام لشريعة الإسلام. قلت: وإذا قلت لك بأن داخل هذا النظام من هو أحرص منك على مرضاة الله والتضحية في سبيل دينه وأقدر على مواجهة الفساد فيه وهم جنود وضباط من مختلف الرتب؟ قال: والله لو تأكد الإخوة من وجود أمثالكم في الجيش لما تعجلوا في المغامرة بمواجهة هؤلاء الطغاة. ولكن قدر الله وما شاء فعل. قلت: وهل هناك إخوة من جماعتك معنا في سجن البرواقية. قال: نعم ولكن أترك لي فرصة الحديث إليهم قبل أن تكلمهم أنت لأن بعضهم يظنون أنك من ضباط المخابرات وقد يسيؤون الظن بك. ولكن يمكنك الكلام مع جمال العسكري لأنه ابن جنرال في الجيش ولن يتحرج في الكلام معك لأنه شجاع ويعرف كل شيء عن عمل الجماعة.

ورغم أنني التقيت بيوسف في مناسبات أخرى وحدثني بكل ما يعتلج في صدره إلا أنه لم يتمكن من الاتصال ببقية المجموعة إلى أن قتل في أحداث البرواقية في نوفمبر 1994 كما أنني لم أقم طويلا بعد ذلك في سجن البرواقية حيث تم تحويلي إلى سجن الحراش. ولكن مع ذلك فقد التقيت بجمال العسكري وتحدثت معه طويلا وأكد لي كل ما قاله يوسف رحمه الله وبتفصيل أكبر.

من خلال هذه المعلومات الموثقة في محاضر الاستنطاق لدى أجهزة الأمن والتي لا يزال بعض الشهود عليها أحياء ومنهم الحاج عراب وجماعته يتضح جليا أن أجهزة الأمن كانت تتابع حركات المنفذين المفترضين بدقة وقد تمكنت من إلقاء القبض عليهم خلال أقل من أسبوع بعد الحادث رغم تواجدهم في أماكن متفرقة من الوطن. وبقي على التاريخ أن يكشف لنا سر إمهال حامل الحشوة البارودية حتى يصل إلى المطار ثم سر تحولها إلى قنبلة من المتفجرات البلاستيكية الكاسرة شديدة المفعول التي لم تستعملها الجماعات الإرهابية لا قبل هذه العملية ولا بعدها ثم سر إعدام متهمين مقبوض عليهم قبل تنفيذ العملية بشهور مثل الملياني.

2 المقابلة الأولى مع العميد أحمد قايد صالح قائد الناحية العسكرية الثالثة ببشار وقائد أركان الجيش الوطني الشعبي منذ سنة 2004.
بعد اعتقالنا في شهر مارس تمردت مجموعات من الجبش الوطني الشعبي كما سبقت الإشارة إليه وكان من بينها تمرد مجموعة من الفوج الرابع للمدفعية التابع لفرقة المدرعات 40 التي يقودها العميد بوغابة رابح والمتمركزة في قطاع العمليات الشمالي للناحية العسكرية الثالثة كما تمردت مجموعات أخرى من الناحية العسكرية الثالثة. مما جعل العميد أحمد قايد صالح يجمع ضباط الناحية ويتوعدهم بالعقاب الشديد إذا فكروا في التمرد وقال لهم: لو تمرد الجيش كله فإن القيادة لن تتردد في استئجار جيش من الخارج لفرض سلطتها على الجميع. هذا ما نقله لنا قائد أركان فوج المدفعية 40 الذي حضر التجمع قبل أن يعتقل من طرف المخابرات ويلحق بنا في السجن مع المتمردين من الناحية وقد سمعه أكثر من ثمانين عسكريا غيري. في هذا الوقت بالذات زارني المبعوث الخاص لوزير الدفاع النقيب الأزهر داخل السجن العسكري وحضر اللقاء الرائدان وكيل الجمهورية العسكري والمدير الجهوي للأمن العسكري وقدم لي النقيب الأزهر عرض وزير الدفاع اللواء نزار خالد.

 كان العرض متمثلا في صفقة أقوم بموجبها بمساعدة القيادة في اعتقال السعيد مخلوفي أو قتله مقابل أن يطلق سراحي مع كل من معي وتؤمن لي إقامة مكفولة في الخارج مع أولادي على حساب الدولة إن خشيت الانتقام من طرف الاسلاميين. وقال لي: إذا وافقت على العرض فإنك لا تحتاج إلى العودة إلى الصندوق وسنطير فورا إلى العاصمة. وكان ردي صريحا وواضحا حيث قلت: لم يكن أحد من آبائي عميلا لأحد، ولا يمكن أن أكون أنا كذلك. أما الغدر فلو كنت أقبله لنفسي لأظهرت الموافقة على عرضكم وغدرت بكم بعد ذلك انتقاما لما لحقني منكم من الظلم. فأنا معترض على سياسة القيادة في معالجة القضية مبدئيا ولست مستعدا للمساومة على موقفي بأي ثمن.

وقد حاول مدير الأمن العسكري أن يعرض الصفقة على النقيب مخلوفي عامر ابن عم السعيد مخلوفي الذي كان مسجونا معي وهدده بالاعتداء على شرف أهله إذا لم يقبل العرض؛ تفاديا للعودة إلى نزار بخفي حنين. وقد بلغني أن النقيب مخلوفي عامر تم اغتياله مباشرة بعد خروجه من السجن العسكري ببشار ولكن لم يتسن لي التأكد من الخبر بنفسي.

بعد هذا اللقاء وفي الاسبوع الأول من شهر ماي 1992 استدعاني قائد الناحية العسكرية الثالثة اللواء أحمد قائد صالح وسألني عن حقيقة الدعوى المرفوعة ضدي وعن أسباب ظاهرة التمرد التي تفشت في قواعد الجيش وأمور أخرى. وقد كان وكيل الجمهورية حاضرا معنا. فبينت له أولا بأن الدعوى المرفوعة ضدي هي حق يراد به باطل. فالوقائع التي تأسست عليها القضية هي ثمرة التسيب التي يعاني منه الجيش الوطني الشعبي منذ سنوات وأنا لست مسؤولا عنها لا من قريب ولا من بعيد. وعلاقتي بالموضوع هي علاقة الضابط المسؤول الحريص على معالجة المشاكل الداخلية للجيش في الإطار الذي يحفظ على الجيش تماسكه وشعبيته ووطنيته وهويته التي ضحى من أجلها ملايين الشهداء. أما الذين اتهموني فهم أؤلئك الذين يريدون أن يحولوا الجيش إلى آلة قمع لا هوية لها ولا عنوان، لذلك يريدون أن يفصلوه عن عمقه الشعبي والوطني فيصبح كالسمكة خارج الماء يتصرفون فيه كما يشاؤون. وقد تم البدء بتصفية الضباط المرؤوسين الموثوقين لدى القيادة ومن ذوي التوجه الوطني كما استهدفت القوات الخاصة التي تعتمد عليها القيادة في حمايتها القريبة ببث البلبلة في صفوفها لتبرير تعويضها بعناصر المخابرات والدرك ليسهل على القيادة السياسية الجديدة تطهير الجيش من كل ما يمت للوطنية ومبادئ ثورة التحرير بصلة. وأنا متأكد من أنك مستهدف شخصيا مع ضباط آخرين.

أما بالنسبة للتمردات فاعلم يا سيادة اللواء بأن العرفاء وضباط الصف بعد الإهمال الذي تعرضوا له والعجز الذي لمسوه في القيادة أصبحوا يبحثون عن البدائل بأنفسهم ولذلك وقعوا ضحية للوضع المتأزم الذي لم يتسببوا فيه فجرفهم تيار التذمر العام في البلاد والذي إذا لم يتم التعامل معه بحكمة فإنه سيأتي على الأخضر واليابس. وهل يجدر بي بعد أن رجعوا إلي للمشورة قبل أن يتورطوا، أن أسلمهم لمن سيؤكد لهم شرعية التمرد بسلوكه الإجرامي. لقد جاءني هؤلاء العسكريون وهم على وشك التورط مع مدنيين في تمرد مسلح وجدوا كل ما يبرره في سلوك القيادة وتعاملها الخاطئ مع الأحداث. فماذا كنت تريد مني أن أفعل؟ أن أسلمهم لمخابرات لا تحسن شيئا غير هتك أعراض الجزائريين وامتهان كرامتهم؟ سيتمرد آخرون غيرهم بعد ذلك ولن يثقوا في أحد...على كل حال، لقد اجتهدت في معالجة هذه القضية بكل تبصر، وما زلت مقتنعا بأنها الطريقة المثلى في معالجة هذه القضية. أما إخلاصي ووطنيتي فأنا لست بحاجة إلى ضباط المخابرات لاثباتهما وأنت سيادة اللواء أولى بمعرفة ذلك. وإن كنت نسيت فما زالت عندي رسالة التهنئة التي تلقيتها منك سنة 1982 عندما كنت رأس السهم في قطاع العمليات الأوسط وطلبت منكم المرابطة في الثغر الأمامي إلى أن ينتهي مشكل الحدود الغربية للجزائر، في الوقت الذي كان فيه الضباط المتحمسون لقتل المدنيين اليوم يزورون شهادات الإعفاء من الخدمة لتجنب البقاء في منطقة العمليات وهم اليوم ضباط سامون يتزلفون للقيادة كأنهم أبطال.

كان اللواء يستمع إلي بصبر جميل ولكن بحذر كبير، وكنت أعرف شخصيته جيدا. وبعد أن بلغت هذا القدر من الحديث تدخل قائلا: عجبت لأمرك، ألم تكن تثق في قيادتك؟ ألم تقل أنك تثق بي أنا؟ قلت: ومازلت أثق بك وبكل المخلصين. قال: فلماذا لم تتصل بي عندما علمت بهذه الأمور الخطيرة وتعفي نفسك من هذه المسؤولية؟ قلت: لقد عرفتك وأنت برتبة رائد وكنت مستعدا لتنفيذ أوامرك دون نقاش وأخبرك بكل شيء دون تحفظ لأنني كنت مقتنعا بقدرتك على حمايتي وتحمل المسؤولية على الأوامر التي تصدرها. أما اليوم فأنا متأكد بأنك لا تستطيع أن تشفع حتى لنفسك وأنت برتبة لواء لأن اسمك مكتوب بقلم الرصاص كما أكد لي ذلك ضباط الأمن في مركز الاستنطاق. وهذا الأمر لم يكن خافيا على أحد على كل حال. فكيف تريدني أن أقامر بحياة شباب أبرياء وضعوا ثقتهم في؟

صمت اللواء قليلا ثم قال وهو يتأهب للنهوض: مع أنني أتفهم الظروف المحيطة بقضيتك فإن ما وقعت فيه أنت بالذات يا شوشان خيانة للثقة التي وضعتها القيادة فيك. لقد كنت أتمنى أن تتاح لي فرصة زيارتك وأنت قائد ناحية عسكرية بعد تقاعدي من الخدمة واستمتع بالحديث معك عن ذكريات 1982، ولكن للأسف خاب ظني فيك والظاهر أنك ستقضي باقي حياتك في السجن، هذا إذا لم يعدموك. قلت: أنا أيضا كنت أتمنى أن يتحقق ذلك ولكن ليس على حساب الشرف العسكري. قال وهو ينصرف: لم أتوقع أن يأخذ مني اللقاء كل هذا الوقت وسأعود للحديث معك في وقت لاحق.

دامت المقابلة ساعة كاملة تقريبا تأكدت خلالها من أن الطرف الحريص على تقديمنا قربانا للقيادة هو جهاز المخابرات تحديدا للتغطية على فشله في تقدير الموقف وتوريط القيادة في هذه الأزمة. واستقر رأيي على التعامل مع الوضع بكل إيجابية. فنصحت كل العسكرين بتجنب لغة التحدي والاستفزاز التي غذاها فيهم اليأس من إمكانية التصالح مع من امتهنوا كرامتهم بمركز الاستنطاق وبدأت أفكر مع بعض الضباط في الطريقة المثلى لفك الحصار المضروب علينا. وقد كان لتلك الزيارة أثر حسن على المساجين، حيث صدرت تعليمات بتغيير ملابسنا وتزويدنا بالماء الكافي للاغتسال كما شعر ضابط المناوبة المكلف بحراستنا بنوع من الارتياح واعتذر لي عن القسوة التي كان يتعامل بها مع المساجين خوفا على نفسه. ومن الطريف أنه كان من الضباط الذين أشرفت على تدريبهم سنتي 1989/90.

وخلال الأسبوع الأخير من شهر ماي 1992 استدعاني مدير السجن ليخبرني بأن قائد أركان الجيش سيزورنا في السجن وعلي أن استعد لمقابلته وطلب مني أن أوصي المعتقلين معي بعدم إثارة الشغب أثناء الزيارة والإلتزام بالانضباط العسكري حتى يجنبوه المشاكل. فطلبت من جميع العسكريين أن يبرهنوا على انضباطهم ويدافعوا عن أنفسهم بكل شرف إذا أتيحت لهم الفرصة. وفعلا حصل ما توقعته. فقد طلب اللواء قنايزية قائد أركان الجيش مقابلة بعض الضباط وضباط الصف لمدة دقائق وبخهم فيها على التمرد على القيادة قبل أن يستدعيني إلى جلسة دامت ساعة تقريبا وحضرها كل من اللواء أحمد قائد صالح والعميد بوغابة رابح والعميد معزوزي والمقدم ممثل جهاز المخابرات ووكيل الجمهورية العسكري الرائد قندوز وتكفل مدير السجن النقيب لعرابي جمال بخدمة الحاضرين فكان يدخل ويخرج وقد سمع مقتطفات من الحوار.

النقيب أحمد شوشان
ـــــــ

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))