الاثنين، 1 أغسطس، 2011

الفصل الثالث،الجزء الثاني،في سجن البرواقية

1. الاستقبال
عندما توقفت بنا الشاحنة في برزخ الاستقبال بين بوابة السجن الخارجية وباب السجن الرئيسي انتابني شعور باللامبالاة لأنني أحسست بأنني في نفس البيئة التي عشت فيها الأيام الأولى من اعتقالي. فأنت تشعر أنك في منطقة موحشة لا يضبطها قانون ولا ترى فيها للشعور بالمسؤولية أثر لأنها منزلة بين المنزلتين. فأنت بالنسبة للجهة التي ترافقك قد دخلت السجن المضيف أما بالنسبة لإدارة السجن فأنت لم تدخله بعد. ومن ثم يمكن أن يحصل لك أي شيء من طرف ملثمين مجهولين خارجين على القانون تحميهم السلطة ليتفرق دمك بين حراس السجن المرسل والسجن المستقبل. وهده الصورة تتكرر في مخافر الشرطة ومراكز المخابرات ومقرات الدرك. فكل ما يحصل في منطقة الفراغ هده تتظاهر الهيئات الرسمية بإنكاره ونفيه لأنه غير مقرر قانونيا ضمن الإجراءات ولا مسجلا في سجل الأحداث في حين أن هده المناطق البرزخية الموجودة في مداخل السجون كلها ومراكز الأمن الرئيسية محمية جيدا من طرف الإدارات المعنية بحيث لا يتسرب شيء مما يقع فيها ولا يبقى أثر لما يتعرض له المساجين و المعتقلون فيها مما يدل على أن هده الممارسات الإجرامية المخالفة للقانون والفطرة البشرية جزء لا يتجزأ من تقاليد النظام المعمول به في السجون والمخافر وأن كل الدين يحاولون نفي دلك أو التشكيك فيه أو تبريره من السياسيين والإداريين والاعلاميين والحقوقيين شهداء زور وشركاء في المسؤولية على استمرار تلك الممارسات المهينة لكرامة الانسان سواء أدركوا دلك أم لم يدركوه. في حين أن المفترض أن يطالب الجميع بالتحقيق الجاد مع المشجعين على هدا الشدود وتجريم مرتكبي هده الممارسات قانونيا ومعاقبتهم بالصرامة التي تردع فيهم شهوة البغي على الآخرين.

 وسأكتفي بسرد ما حصل معي شخصيا بدون مبالغة في الوصف باعتباري ضابطا محترما ومعروفا بالتزامي وحسن سلوكي ولا يمكن لجزائري واحد أو جزائرية عسكريا كان أو مدنيا أن يدعي بأن له معي حسابا يصفيه من أي نوع كان؛ ولكم أن تتصوروا بعد دلك حال المغمورين من المواطنين المدنبين. وآمل أن تتضح بدلك الصورة لكل دي عقل عن حقيقة المأساة التي انزلقت إليها الجزائر فتواجه هده الظاهرة بما ينبغي من الجدية و الحزم.

لقد تعرضنا للضرب والإهانات من طرف حراس سجن البرواقية مند أن وطئت أقدامنا أرضه؛ فبعد أن قيدوا أيدينا بالحديد ضربونا ضربا مبرحا بالقضبان الحديدية من عيار 14 مم لمدة ساعتين حتى لم يبق واحد منا واقفا ثم ساقونا إلى زنزانات نصف مدفونة تحت الأرض تنتهي إليها شبكة مجاري الصرف الصحي للسجن؛ فالأرضية مبللة والرطوبة عالية جدا والمكان قدر والظلام دامس والرائحة الكريهة خانقة، وكدسونا فيها. كنا في الليلة الأولى حوالي 20 سجينا في زنزانة لا يتجاوز طولها أربعة أمتار وعرضها ثلاثة أمتار. وفي منتصف الليلة الثانية هجم علينا الحراس وأوجعونا ضربا ثم أخرجوني ووضعوني في زنزانة منفردة مثل الأولى ولكن أرضيتها بالإسمنت المسلح المشبع بالرطوبة وكأنها صفيحة من الثلج و قد شدوا يدي إلى رجلي في حلقة حديدية واحدة ثم ثبتوا الحلقة على وتد مغروس في الأرض فلم أكن أستطيع أن أتحرك وبقيت على تلك الحال ثلاثة أيام حتى اعتقدت بأن ظهري لن يستقيم بعدها أبدا.

لقد كانوا يحررون يدي اليمنى مرة في اليوم لأتمكن من أكل أشياء لم أكن أعرف ما هي ولا ما طعمها. وبعد ثلاثة أيام ربطوني إلى نفس الوتد بسلسلة طولها حوالي مترين حتى أتمكن من الوصول إلى محل الخلاء المتواجد في طرف الزنزانة وبقيت على هده الحال أسابيع إلى أن قررت الإضراب عن الطعام. فسمع بذلك باقي المساجين بعد أن التحق بهم بعض من كان معنا في القبو، فتضامنوا معي بإعلان إضراب عام عن الطعام وبدأوا يقرعون الأبواب والأواني بدون توقف ولم يتوقفوا عن ذلك إلى أن تعهدت إدارة السجن بفك العزلة عني. فانتقلت من ذلك الجحيم إلى زنزانة انفرادية في الطابق الأول من المبنى المخصص للمساجين الاسلاميين بقيت فيها أكثر من ستة أشهر ثم انتقلت من زنزانة إلى أخرى مع باقي المساجين إلى أن استقر بي الحال في القاعة "أ" فبقيت فيها إلى أن وقعت الأحداث المأساوية في نوفمبر 1994 و بعدها تم تحويلي إلى سجن الحراش.

لقد كنت سجينا محكوما عليه حكما نهائيا، فلماذا استهدفني حراس السجن بهدا التعذيب القاسي بدون سبب ولا وجه حق؟ من أين استمدوا القدرة على فعل ذلك؟ وماذا ينتظرون أن أفعل بهم إذا نجاني الله من قبضتهم في يوم من الأيام؟ وكيف أجد لهم عذرا على أعمال لم يعذر فيها حتى البشر الذين عاشوا في العصور الحجرية. إن الجواب الوحيد على هذه التساؤلات هو أن هؤلاء المجرمين يظنون أنهم محميون من طرف النظام الذي يعتقدون أنه قائم على القهر والظلم والطغيان. وهم في هذا مخطئون من وجهين. الأول أن النظام خاضع لسنة المداولة حيث أن الدولة كما تدول للنظام تزول عنه وقد يتغير النظام الذي يعتمدون عليه يوما ما فيكونوا كبش الفداء الذي يتقرب به رؤساؤهم للحكام الجدد. والثاني هو أن الانتقام منهم سهل علي وعلى باقي المظلومين سواء بالقصاص العادل عند الشرفاء أو بالانتقام الجائر عند ضعاف النفوس. ولا شك أن كثيرا من المحسوبين على ما اصطلح عليه "فئة ضحايا الإرهاب وشهداء الواجب" استهدفوا انتقاما لما مارسوه على المعتقلين و أهاليهم من تعذيب وظلم . والغريب في الأمر أن تلك الوحوش البشرية التي لم ترع في إلا ولا ذمة عندما كنت في القبو أصبحت خرافا أليفة تتقرب مني وتظهر تعاطفها و احترامها لي بعد أن نجاني الله من نفق الضياع و خرجت إلى عالم الأحياء.

ورغم أنني قضيت في هذا السجن عامين حافلين بالأحداث و الذكريات إلا أنني سأكتفي بالتوقف عند ما لا يسعني إغفاله.
2. الوضع العام في السجن خلال السداسي الأول من سنة 1993
لم يكن عدد المساجين الاسلاميين يتجاوز 300 سجين أغلبهم على ذمة التحقيق في انتظار المحاكمة، ولذلك كانت حالة الترقب لدى الجميع هي السائدة وكان الأمل يحدو الجميع أن تنتهي الأمور إلى تسوية سياسية للأزمة وإن تباينت الرؤى في الصورة التي تؤول إليها تلك التسوية. وكان أغلب المعتقلين من العاصمة و ضواحيها إلى المدية. ورغم أن الكلمة الأخيرة في هده المجموعة كانت ترجع إلى أميرها الاعتباري الشيخ عبد الرحمان إمام بلدية الأخذرية إلا أنها كانت مصنفة واقعيا إلى ثلاث فئات.
أ) فئة المعتقلين في مواجهات مسلحة مع أجهزة الأمن و الجيش
و هي الفئة الفاعلة في هذا التجمع رغم قلة عدد عناصرها، و تتكون من:

_ مجموعة المحكوم عليهم بالإعدام بزعامة حسين متاجر أول أمير لجماعة الأخذرية ونائبه مسعودي مبروك.
_ مجموعة الجزائريين الأفغان ومن معهم بزعامة أحمد الود و أول أمير سري للجماعة الإسلامية المسلحة.
_ مجموعة بوفاريك التابعة لمحمد علال - موح ليفيي- بزعامة فتح النور.
_ عناصر الكتيبة الخضراء التابعة للشيخ عطية السائح بزعامة نور الدين من قصر البخاري.
 ب) فئة المعتقلين من كوادر و مناضلي الجبهة الإسلامية للإنقاد و المتعاطفين معها.

ورغم أن هده الفئة تمثل القوة الغالبة من حيث العدد إلا أنها وقعت بين مطرقة حراس السجن وسندان المجموعة الأولى و تتكون من:
_ مناضلي الجبهة الدين ليس لهم علاقة بالعمل المسلح بتاتا و أغلبهم من العاصمة.
_ مناضلي الجبهة المجندين في صفوف الحركة الاسلامية المسلحة بقيادة عبد القادر شبوطي و السعيد مخلوفي و أبرز زعمائهم عبد القادر سلام من القبة و الشيخ جلول من البرواقية.

ج ) معتقلين من غير الاسلاميين.
وهي مجموعة قليلة جدا من المعتقلين من طرف أجهزة الأمن تعسفا رغم انتمائهم التنظيمي الرسمي لأحزاب أخرى كحال أحمد من حركة حماس ببلدية الأغواط والكبش من مناضلي جبهة التحرير في قصر البخاري وغيرهما.
وقد كان لهذا التصنيف أثر سلبي جدا، حيث صرف همة هؤلاء المساجين عن قضيتهم الجوهرية المتمثلة في مواجهة الاستبداد الذي يمثله حكم البشر وإقامة العدل الذي لا يبلغ غايته إلا بتطبيق شرع الله على الجميع، كما أنساهم خصمهم الحقيقي المتمثل في السلطة الطاغية التي ترفض التغيير. لقد كاد هدا التصنيف الخبيث أن يؤدي إلى تكريس طبقية حقيقية في هدا المجتمع الصغير فأصبح عناصر الفئة الأولى بمثابة النبلاء في مجتمع الإقطاع فجهلهم علم و قولهم فصل وظلمهم قدر لا مرد له، فقط لأنهم يزعمون أنهم من أهل الثغور وأن غيرهم اعتقلوا في منازلهم. بل إن أحد سكان بوفاريك ممن لا يفرق بين البعثة النبوية و ثورة التحرير قال للأستاد المجاهد السعيد بسايح رائد المطالبة بتحكيم شرع الله في منطقة الأغواط: أنت أقل ولاء للإسلام من آخر صعلوك من بوفاريك.

لقد عجبت لما ينخر في قلب هده الجماعة من سرطان رغم مظاهر التقوى المتجلية في الإصرار على إعفاء اللحية والهتاف بشعارات الاسلام بغير مناسبة والمبالغة في الجهر بالدعاء والتضرع إلى الله و قراءة القرآن وتداول الرسائل الشرعية و غيرها مما فيه الخير الكثير. ولذلك حكمت على نفسي بعزلة اختيارية دامت أشهرا حاولت خلالها استعادة حفظ كتاب الله والتأمل فيه ودراسة ما تيسر لي الحصول عليه من مؤلفات علماء الإسلام الأوائل والمعاصرين الذين تفرغوا لخدمة أمتهم و تشخيص دائها. وقد تركزت دراستي على السيرة النبوية وفقه العقيدة ووفقني الله إلى تدريسهما لآلاف المساجين بعد ذلك.

3. تطورات الأحداث بعد السداسي الأول من سنة 1993
كانت آثار الدعاية الهدامة المنسوبة إلى عبد الحق لعيايدة أمير الجماعة الاسلامية المسلحة بعد محمد علال و أتباعه عاملا أساسيا في إثارة البلبلة داخل السجن. فقد انتشرت فتاوى ضباطه الشرعيين في أوساط المساجين كالنار في الهشيم، خاصة المتعلقة باتهام قيادة الجبهة وإطاراتها بالفسوق وفساد العقيدة والاختلاس والتعريض بقيادة الحركة الاسلامية المسلحة واتهامها بالانحراف العقدي والجبن. فاشتدت وطأة التكفيريين والمتشددين على عامة المساجين الغافلين عن حقيقة ما يجري حولهم.

وبعد خروجي من العزلة فوجئت بشائعات عن عبد القادر شبوطي وعن السعيد مخلوفي وعني شخصيا بالعمالة للمخابرات والانتماء إلى تيار الجزأرة فتحريت الأمر وعلمت أن مصدره سجين يدعى مسعودي مولود المتهم بالخيانة في عمليات الزبربر والدي حاول أن يدفع الشبهة عن نفسه فاستبق خروجي من العزلة بتلك الإشاعات خوفا من الفضيحة . وكان هذا عاملا كافيا لإقحامي في السجال الدائر بين أنصار الحركة والجبهة من جهة وأنصار الجماعة الاسلامية من جهة أخرى وحسم القضية لصالح الحقيقة الملتبسة على الطرفين بعد نقاش مفتوح وصريح مع أقطاب تلك الفئات.

 وقد اعترف الجميع بنصيبهم من المسؤولية فيما آل إليه وضع الحركة الاسلامية وقرروا التعاون على تحقيق المصلحة داخل السجن وترك الباقي لمن هم خارجه من القيادات. وقد تحقق دلك في أرض الواقع حيث عادت الألفة بين المساجين وتم تنظيمهم على أساس جغرافي حيث ترأس أهل الفضل على من يساكنونهم فاختار سكان العاصمة وضواحيها الشيخ عبد الرحمن إمام الأخدرية واختار أهل الوسط الاستاد عبد المالك رئيس مكتب الجبهة على ولاية المدية واختار أهل الشرق الاستاد بوقصة نائب الجبهة في البرلمان الملغى على ولاية تبسة واختار أهل الغرب الشيخ عابد نائب الجبهة على ولاية غليزان واختار أهل الجنوب الأستاد السعيد بسايح الدي انتخب كذلك أميرا عاما للمساجين. ومند أن تشكلت هذه الإمارة صيف سنة 1993 أصبح السجن مدرسة حقيقية حيث برمجت حلقات عامة يومية لتدريس العقيدة و السيرة النبوية والفقه وحفظ القرآن كما كلف أهل التخصصات بتعليم المساجين الكتابة والقراءة وأحكام التلاوة والأدب والحساب واللغات الأجنبية كما أقيمت مناظرات وندوات علمية شرعية وأدبية مفتوحة.

وقد حاولت إدارة السجن التضييق علينا ولكن الموقف الموحد للمساجين جعلها تترك المبادرة لأمير السجن شريطة الالتزام بالإجراءات الأمنية. واستقر الحال على ذلك شهورا استفاد فيها الجميع علميا وتربويا ونفسيا وتجلى ذلك في مظاهر عديدة، منها أن السجناء الذين تجاوزت أعمارهم الستة والخمسين سنة جمعوا في القاعات الكبيرة بدلا من الزنزانات الصغيرة وتم تعيين شباب لخدمتهم ومساعدتهم على قضاء حوائجهم فخفف ذلك من معاناتهم وأشعرهم بالأبوة التي حرموا منها. كما أن الأميين من المساجين تعلموا القراءة والكتابة وأصبحوا قادرين على قراءة القرآن من المصحف وقراءة رسائلهم بأنفسهم هذا زيادة عن روح التكافل والإيثار التي شاعت بين المساجين مما أثر إيجابيا على حراس السجن وإدارته وخفف من حدة التوتر داخل السجن. ورغم ذلك كله فقد كانت القضية حاضرة بكل تفاصيلها في قلب الحياة اليومية للسجناء من خلال الصحف والنشريات و البيانات المتسربة إلينا والتي كنا نناقش محتوياتها بموضوعية وشفافية عالية على ضوء السياسة الشرعية وفقه القتال القائمين على العلم مما يضع كل واحد منا على بينة من أمره بعيدا عن الغفلة والغرور. وبقيت الأمورعلى نفس الحال إلى أن وقعت حركة التحويل المفاجئة من وإلى سجن البرواقية. حيث وفدت على سجن البرواقية مجموعة من سجن تازولت بباتنة وسجن سركاجي بالعاصمة تلاها تغيير إدارة السجن بداية السداسي الثاني من سنة 1994.

4. أخطر الأحداث في تاريخ سجن البرواقية
لعل من أخطر الأحداث التي وقعت في سجن البرواقية، تلك المزجرة المروعة التي ارتكبها فوج التدخل السريع للدرك المدعوم بمئات من أعوان إدارة السجون ومختلف الأسلحة المحيطة بالسجن والتي أسفرت عن 51 قتيل 50 منهم قتلوا رميا بالرصاص وأكثر من ألف جريح دون أن يصاب دركيا واحدا بخدش واحد يستحق الذكر. ويكفي أن أنقل هنا ما ذكرته في حواري مع موقع "صوت الجزائر"* عن هذه الحادثة.
ـ تطرقتم في احدى المداخلات التلفزيونية الى مجزرة البرواقية التي وقعت في نوفمبر من عام 1994, هل لكم أن تكشفوا لنا وللقاريء الكريم ما حدث في هذه المجزرة ـ التي جرت بعد تدبير عملية فرار من السجن ـ حتى نستخلص نظرة وافية عن طبيعة المجازر وكيف تتم؟
النقيب شوشان: مجزرة البرواقية هي باختصار جريمة موصوفة ضد الانسانية بالمقاييس المتعارف عليها في مواثيق حقوق الانسان الشرعية والوضعية لأنها إبادة جماعية لا تبررها الأسباب المفتعلة التي تذرع بها القتلة. وهي عمل جبان غادر بمقاييس أنظمة القتال وقواعد السياسة القديمة والحديثة لأنها استهدفت بالنيران الكثيفة مساجين عزل محاصرين في قلعة عسكرية حصينة ومحاطين بطوق ثابت من الوحدات القتالية من مختلف الأسلحة. وهي خيانة عظمى لأن الذين نفذوها هم المفوضون دستوريا بالسهر على أمن وحماية المواطنين الجزائريين من العدوان. أما الطامة الكبرى فهي أن يساهم التلفزيون الرسمي في تشويه الحقائق للتغطية على الجريمة الموصوفة التي تعرف حقيقتها هيئات الدولة المعنية من الرئيس إلى أعوان وزارة العدل.

 بدأت إرهاصات الأحداث قبل عملية الفرار من سجن تازولت بباتنة ربيع سنة 1994 حيث تم تحويل دفعات من المساجين المشبوهين من باتنة والحراش وسركاجي وتيزي وزو. وقد تمكن بعض المثقفين والأساتذة من تحويل سجن البرواقية بين 1992 و1994 إلى مدرسة حقيقية رغم ما يعانيه المساجين من تعسف وظلم فاهتم أغلب المساجين بترقية مستواهم الثقافي والمعرفي إلى درجة جعلت عمي مختار (57 سنة) يقول لزوجته لقد كتب الله علي السجن لأتعلم الكتابة والقراءة فقالت له إذن إبق في السجن أحسن لك وأصبحت نكتة نتفكه بها.

 وقد تجاوز عدد المساجين السياسيين 1200 سجين سنة 1994 مما اضطر إدارة السجن لتعزيز الوضع المستقر الذي حققه السلوك الإيجابي لأولئك الإطارات خاصة خلال موسم الاعلان عن الحوار الوطني. ولم يرق هذا الأمر للخفافيش التي كانت ترصد الوضع فقامت فجأة بعملية التحويل المذكورة وغيرت إدارة السجن وبدأ مخاض الأحداث. واستهدفت أول خطوة التشهير بالدعاة والأساتذة المؤطرين ثم شكلت إدارة السجن عصابة من المساجين القادمين من سجن سركاجي والحراش تربطهم على ما يبدو علاقة سابقة بالمدير شخصيا وأصبحوا الوسيط المعتمد بين الإدارة والمساجين وتجاوزت صلاحياتهم بعض حراس السجن بتوصيات من المدير. وكان من بين أفراد هذه العصابة عملاء لدوائر أمنية تم تحويلهم للقيام بعملية تصفية جسدية لإطارات الجبهة الاسلامية للانقاذ . وكانت الخطة كالآتي:

1- يتم التغرير ببعض المساجين المراهقين الذين تعرضوا للاحباط جراء ما تعرضوا إليه من تعذيب وإهانة في مراكز الاستنطاق أو ما وقعوا فيه من أخطاء في حق الأبرياء وإقناعهم بإمكانية الفرار من السجن بالتعاون مع حراس مفترضين دون التعرض إلى موضوع التصفية المبيت من طرف المدبرين للمؤامرة وقد تم فعلا تجنيد حوالي ثلاثين سجينا منهم الإبن البكر لمنصوري الملياني.

2- لضمان الامتثال التام للأوامر يتم الإعلان عن إمارة شرعية للمعنيين بالفرار يبايعون فيها الأمير على السمع والطاعة. وقد تم فعلا تعيين عبد الكريم صفصافي أميرا للمجموعة ثم رقي إلى خليفة بعد مقتل أمير الجماعة الاسلامية المسلحة قواسمي الشريف الملقب بأبي عبد الله كما عين بريش عبد الفتاح الملقب بأبي سليمان إماما وعين مراد من بلكور الملقب بالطيب الأفغاني أميرا للحرب وكان الرأس المدبر هو عبد القادر بوخشم. وقد اعترف لنا بهذه المعلومات بعض الضحايا المتورطين بعد أن وقع الفأس في الرأس واكتشفوا أنهم كانوا ضحية عملية مخابراتية محبوكة.
ـ (مقاطعا: تقصدون هنا ترقية المدعو صفصافي من أمير إلى خليفة لقواسمي الشريف على مستوى السجن أم على مستوى الجماعة المسلحة بأكملها؟
النقيب شوشان: على مستوى الجماعة طبعا لأنهم اعتبروا إمارة الشيخ محمد السعيد رحمه الله المعلن عنها آنذاك غير شرعية).
3- إختيار أشد المجندين تطرفا وتوزيعهم بالتعاون مع الإدارة على الزنزانات التي يسكنها الإطارات المستهدفون بالتصفية وقد تم تأجيل هذا الإجراء إلى يوم العملية.

4- بعد تنفيذ عملية التصفية يتم القضاء على المتورطين فيها ويعلن التلفزيون الجزائري أن عناصر من الجماعة المسلحة قتلوا عناصر من الجبهة في إطار الاقتتال الحاصل بينهما ولولا تدخل رجال الأمن الأشاوس لكانت المجزرة أفضع وهو بالفعل ما صرحت به مذيعة التلفزيون الرسمي التي أصبحت فيما بعد وزيرة وسيناتورة في مجلس الأمة رغم أن رجال الدرك والأمن قتلوا خمسين سجينا أعزلا فيما قتل عملاؤهم سجينا واحدا من المتورطين في العملية. أما باقي المساجين بدون استثناء فقد كانوا بين جريح وصريع ولم يتمكن واحد منهم من الدفاع عن نفسه.

ورغم العدد الكبير من الضحايا إلا أن الخطة فشلت لأن المستهدفين بالتصفية فيها نجوا من المذبحة بتدبير من الله. وقد ظهرت بوادر الفشل ليلة العملية عندما رفض أغلب الشباب المغرر بهم فكرة التصفية وتردد البعض منهم ووقعوا في حرج كبير فعدلوا عن تسريبهم إلى زنزانات المستهدفين بالتصفية الجسدية من إطارات الجبهة والدعاة خوفا من افتضاح أمرهم. ولكنهم في منتصف ليلة العملية خرجوا من زنزاناتهم الثلاثة المفتوحة وأمروا مجموعة من ضحاياهم بالإقتراب من سور الحصن في حين بقيت مجموعة أخرى داخل العمارة. وفي هذه اللحظة بالذات خرج أحد حراس السجن وصرخ بأعلى صوته لقد أوقعوكم في كمين وسيقتلونكم جميعا أناشدكم الله يا إخوتي أن ترجعوا إلى زنزاناتكم. وكان هذا هو الصوت الذي أيقظ المساجين الآخرين وأصبح الجميع شهودا على ما وقع منذ تلك اللحظة إلى نهاية الاحداث. ولكن المتواجدين في القاعة (أ) وأنا من بينهم كانوا أقدر على معاينة الأحداث لأن نطاق العملية كان مفتوحا أمامنا.

 رجع جميع المساجين إلى العمارة وأصر اثنان على الإقتراب من السور وهما الشاهدان الوحيدان الباقيان ممن تورطوا في مأساة (قمار ـ واد سوف) تورطا مباشرا ولم يكن أمامهما سوى الإنتحار للتخلص من الضغط النفسي الذي يعانونه منذ أعتقالهما. وكان بالإمكان صرعهما أو قطع الحبل الذي حاولا تسلقه، ولو افترضنا جدلا أنهما تمكنا من الوصول إلى أعلى السور فقد كان من المستحيل عليهما أن يقفزا من ارتفاع أكثر من عشرة أمتار فوق الصخور الصماء ومع ذلك فقد كان بإمكان حراس السور والدوريات العسكرية للثكنات المحيطة بالسجن اصطيادهما حتى بعد تجاوز سور الحصن لأنهما أعزلان. ولكن حارسا مجهولا من أعلى السور اختار إطلاق النار عليهما بكل برود فأرداهما قتيلين وهما داخل السجن. أما الباقون فقد طلبوا من المساجين فتح زنزاناتهم فلما رفضوا فتحوها عنوة ليصبح اكثر من ألف سجين يتجولون في أروقة العمارة. وقد حاول أحد المتورطين تحذير المساجين مما يراد بإطارات الجبهة ولكن رفاقه عالجوه بقضيب فولاذي حتى الموت.

لم تطلع شمس اليوم التالي إلا والموقف واضح وضوح الشمس للجميع. حوالي عشرين سجينا على علاقة مشبوهة بالإدارة يحاولون الفرار، قتل منهم ثلاثة وبقي الاخرون محاصرين بإحكام مع أكثر من ألف سجين أبرياء في عمارة بدون ماء ولا طعام ولا كهرباء. ولم يسفر قصف العمارة بمئات الحشوات من الغاز والقنابل الدخانية عن خروج المساجين ثم فتح باب التفاوض على إخلاء العمارة بين الإدارة وقيادة فوج التدخل السريع للدرك من جهة ومنفذي العملية وبعض المساجين من جهة أخرى ( منهم الدكتور محمد خليفي و الشيخ محمد بن قطاف و عبود أمير السجن المنصب من طرف هده المجموعة خلفا للشيخ السعيد بسايح) وكان ممثلوالمساجين يريدون حضور طرف مدني من ممثلي حقوق الانسان يضمن لهم التمتع بحقوقهم في حين أصر الطرف الآخر على الاستسلام غير المشروط أو الإبادة الجماعية. وانتهت المفاوضات إلى الفشل وجاء الأمر الفصل على لسان قائد فوج التدخل السريع للدرك الوطني الذي أعلن بمكبر الصوت بعد منتصف الليل قائلا: ابتداء من الساعة الثامنة صباحا سأخلي العمارة بقتلكم إذا لم تخرجوا. وفعلا تم اقتحام الطابق السفلي للعمارة بعد منتصف الليل وتم إخراج الأسرة التي استعملت لسد المدخل من طرف حراس السجن تحت غطاء من القصف الكثيف بالغازات والقنابل الدخانية وحشر المساجين في الطابقين العلويين. وبعد الساعة الثامنة صباحا بقليل وجه أكثر من خمسمائة مسلح رشاشاتهم الخفيفة والمتوسطة نحو نوافذ العمارة وأبوابها وبدأ إطلاق النار لتعيش العمارة بمن فيها جحيما حقيقيا أثناء اقتحام الطابق الأول وتساقط المساجين بين قتيل وجريح وأصبح الجنود يرمون المساجين العزل المحصورين رميا مباشرا من مسافة أقل من عشرين مترا داخل العمارة ورغم صراخ وكيل الجمهورية الذي لم يحتمل بشاعة الموقف بإيقاف الرمي إلا أن حضرة الرائد قائد الفوج الهمام لم يصدر الأمر بإيقاف الرمي إلا بعد أن دخل وكيل الجمهورية شخصيا في قطاع الرمي وهدده بالعقوبة. فرد عليه قائد الدرك بكلام بذيء و أوقف الرمي عند ذلك.

عندما توقف الرمي كان الجنود المتقدمون من مدخل العمارة قد وصلوا بمحاذاة الزنزانة رقم 28 التي انتقلت إليها مع سجينين آخرين قبل بداية الاقتحام بناء على تقدير قتالي للموقف ولم يكن الجنود يتصورون أن نكون في ذلك المكان المتقدم لأن مئات المساجين اندفعوا إلى القاعة (أ) باعتبارها أبعد نقطة عن مدخل العمارة هربا من جحيم الرصاص فاكتظت بهم القاعة وما حولها من الزنزانات وبقي الكثير منهم خارجها يتزاحمون وظهورهم دريئات طرية للنحاس الملتهب. وبعد أن توقف الرمي نادى وكيل الجمهورية المساجين وأذن لهم بإخراج القتلى أولا ثم بدا إخلاء العمارة.
 كنت ومن معي نسمع ونرى دون أن يتفطن لوجودنا أحد. وبعد أن بدأ المساجين في الخروج اشرت إلى أحدهم أن يخبر وكيل الجمهورية بوجودنا حتى لا يضطرب الجنود ويطلقوا النار عشوائيا فاقترب أحد الجنود من مدخل الزنزانة وأذن لنا بالخروج.
 توقعنا أن الكابوس انتهى فخرجنا لنلتحق بطابور المساجين الخارجين من العمارة تحت النظرات الحاقدة لأعوان الدرك. وما أن وضعنا أرجلنا على عتبة الباب الخارجي للعمارة حتى تلقفت القضبان الحديدية من كان أمامنا من المساجين ليمروا بصراط جديد بين العمارة والساحة المعدة للمحشر الجديد وطوله حوالي 300 متر يمر خلالها السجين بين صفين من حراس السجون حوالي 250 حارسا يضربونه بجنون فلا يصل إلى الساحة إلا صريعا مضرجا بدمائه ومجردا من جميع ثيابه فيتكدس بعضهم فوق بعض في منظر مريع يدل على الاحتقار البشع للذات البشرية عند القوم.

ومن لطف الله بي أن أحد الحراس المتعاطفين معي كان مكلفا بالتعرف على المحكوم عليهم بالاعدام حتى يتم عزل من بقي منهم حيا عن باقي المساجين لايهام الرأي العام بأن عملية التصفية لم تكن مقصودة فأخرجني من الصف مع واحد ممن كانوا معي وألحقنا بجناح المحكوم عليهم بالإعدام ونصحني بأن لا أجيب إذا ناداني أحد باسمي حتى تنجلي الأمور. وفي آخر عملية الإخلاء تم إخراج السجين عبد العالي وهو أحد العناصر النشطة المتورطين في العملية منذ إرهاصاتها الأولى وتم إطلاق النار عليه بكل برود أمام المساجين حسب ما أخبرنا به شهود العيان في أوانه مما جعل رفيقه يبادر إلى ضرب حارس متورط معهم في القضية فاطلقوا النار عليه وأخرجوه إلى خارج العمارة وقتلوه بالسلاح الأبيض شر قتلة فاعتصم من بقي من المساجين داخل القاعة رقم (أ) وأغلقوا بابها على أنفسهم وكان بينهم عناصر ممن لهم علاقة بالعملية خشية أن يلاقوا نفس المصير، فما كان من قوات الدرك إلا أن سربت إليهم سوائل ملتهبة من منافذ القاعة ثم قصفتها فتفحم أغلب المساجين فيما أصيب بعضهم إصابات بالغة وقد أخبرنا بعض الناجين أن قوات التدخل أجهزت على بعض الأحياء من بينهم المحكوم عليه بالإعدام يوسف بوصبيع. وقد جمعت بعد ذلك جثث واحد وخمسين سجينا أغلبها متفحمة في ساحة العمارة وبقيت ليلة كاملة في العراء تعبث القطط السائبة بما بقي منها من أشلاء لتنقل على متن شاحنتين صباح اليوم التالي وتدفن في حفرتين مختلفتين إحداهما في منطقة البرواقية والأخرى في مقبرة "تاخابيت" ضواحي المدية.

أما باقي المساجين فقد كدسوهم عراة حفاة في قاعات ضيقة لا تتسع لهم واقفين ملتصقين ببعضهم وعاشوا صورة من يوم الحشر العسير وبقوا على تلك الحال يومين أشرف بعضهم فيها على الموت. وكان الحراس يخرجونهم بالضرب بالقضبان الحديدية ويدخلونهم به لضبط قوائم المناداة وكان المساجين يفضلون الضرب بالقضبان خارج القاعة هروبا من وضعية الوقوف عراة كما ولدتهم أمهاتهم لا يمكن لأحدهم تغيير وضعية رجله دون إيذاء أخيه. علما بأن بين السجناء من تجاوز عمره 75 سنة ومعه أبناؤه وإخوته. وكان من بينهم مجاهدون وآباء شهداء ثورة التحرير الوطني بكوا بكاء مرا وهم يقلبون الذاكرة بين جلادي الجزائر المحتلة قبل سنة 1962 وجلادي الجزائر المستعمرة بعد 1992.

وفي اليوم الثالث وزع الحراس على المساجين سراويل خشنة مؤذية للجلد وخففوا من الاكتظاظ بحيث أصبح بإمكان كل سجين أن يجلس دون أن يمد رجليه أو يستلقي لينام والقاعة التي التحقت بها في اليوم الثالث كان طولها اقل من عشرين متر وعرضها لا يتجاوز 6 متر وفيها ثقبة واحدة للخلاء غير مستورة وبدون ماء وكان عددنا في البداية 400 سجين ثم اصبح حوالي 360 وكنا نفترش الإسمنت المشبع بالرطوبة والماء في البداية ونتغطى بسقف القاعة الذي يتسرب الماء من كل زواياه إذا ذاب الثلج الكثيف المتجمد عليه ومع ذلك فقد كانت هي أحسن القاعات حالا. لقد بقينا في هذه الوضعية أكثر من شهرين كانت وجبات العقوبة فيها أكثر من وجبات الأكل ولم نغتسل فيها مرة واحدة وكنا نوفر ماء الشرب للاستنجاء حتى نبتت من جلودنا الديدان الحية وتفشى الجرب في المساجين إلى درجة جعلت الحراس يخافون على انفسهم من العدوى. وعند ذلك فقط سمح لنا بالاغتسال بالسوائل المطهرة واتخذت بعض الإجراءات لعلاج الحالات المرضية المتقدمة وتم تزويدنا ببعض البطانيات والملابس وفتحت الزيارة بعد ذلك. وقد زارني في الاسبوع الثاني أو الثالث من الأحداث الأستاذان المحاميان مشري بشير ومحمد بغدادي بترخيص استثنائي من ديوان رئيس الجمهورية للتساؤل عن حقيقة ما حدث ولم يكن مسموحا لأي هيئة أو شخص أن يدخل السجن أو يخرج منه في تلك الفترة إلا بترخيص من وزير الدفاع باعتبار السجن منطقة عمليات عسكرية. وقد استنكر الأستاذ مشري بشدة الوضعية المزرية التي رآني فيها ورفض مقابلتي فيها وهدد مدير السجن بالمتابعة ولم اتكلم معه إلا بعد أن ألبسوني حذاء ولباسا عاديا وقد أخبرتهما بما رأيت في ذلك الوقت وأكدت لهما أن قوات التدخل السريع هي التي قتلت خمسين سجينا بدم بارد أما السجين الواحد والخمسين فقد تعاون على قتله اثنان من المتورطين المشبوهين في العملية وقد تم قتلهما بطريقة ملفتة للانتباه أثناء خروج المساجين من العمارة من طرف رجال الدرك والفرقة الخاصة الملحقة بهم من الملثمين المجهزين بالسلاح الأبيض وأن المساجين يعانون من معاملة لا أتخيل لها مثيلا من الحقارة في تاريخ البشرية. وقد أخبرني الأستاذين بأنهما مكلفين باستقصاء الحقيقة لصالح قيادة الجبهة الاسلامية ومصالح الرئاسة حتى يكونوا على بينة مما حصل وسينقلانها لهم كما وصفتها وقد كنت أمينا في شهادتي وما زلت والحمد لله.

 وقد تبين لنا بعد مراجعة التفاصيل مع بعض المتورطين والحراس ومن خلال محاضر التحقيق أن 8 جواسيس كانوا مندسين في صفوف المساجين اختفى منهم سبعة وأصيب واحد منهم بالخطأ مما جعله يعاتب إدارة السجن على إطلاق الرصاص عليه رغم إعطائه إشارة التعارف بينه وبينهم وكان ذلك على مرأى ومسمع من سجينين كانا يعذبان داخل مكتب رئيس الحرس وقد تم نقل العميل خارج السجن فورا وأجريت معه مقابلة صحفية في ذلك الوقت قال فيها ما أملي عليه من شهادة الزور البينة باعتباره أحد السجناء. كما أخبرني طبيب سجين استدعي للمساعدة في عيادة السجن أن بعض الأشخاص المشبوهين من المتورطين في العملية كانوا تحت تأثير المخدرات مما يدل على أنهم لا يمتون بعلاقة للمساجين السياسيين المستهدفين كما أن هذه المعلومة لم تشر إليها الدعاية الرسمية التي من عادتها اختلاق القرائن لتشويه سمعة الإسلاميين.

هذه بعض الصور من مأساة البرواقية ولو استعرضنا شريط الأحداث كاملا لصعب على الناس تصديقها ولكن الشهود الأحياء على الأحداث يعدون بالمئات ولن تمحو الأيام مهما طالت ذلك الكابوس المرعب من ذاكرتهم.

ـ وأنتم تقدمون هذه الشهادة الحية عن هذه المجزرة في حق السجناء العزل, أشرتم إلى كون الهدف من تخطيطها كان النية المبيته في تصفية اطارات الجبهة الإسلامية والدعاة, بتوريط سجناء سذج وحمقى ومغرر بهم لهم علاقة بالجماعة المسلحة.. هل نفهم من هذا أنه حتى داخل السجن العلاقة بين اطارات الجبهة ومقاتلي الجماعة كانت متوترة ومكهربة؟

النقيب شوشان: لم يكن هناك تصنيف للمساجين داخل السجن فالجميع يعتبرون من مناضلي الجبهة والمتعاطفين معها رغم اختلاف وجهات النظر والقناعات الذي لم يكن له تأثير على العلاقة بين المساجين إلى أن تم غزو البرواقية من طرف العناصر المشبوهة كما أشرت إليه. فالتوتر كان طارئا على السجن ولم تظهر علاقة المتورطين بالجماعة إلا بعد الأحداث. أما ما نراه اليوم من التوتر فهو الحصاد المر لموسم الأزمة الطويل الذي عاشته الجزائر في نظري.


وقفات في هذه المرحلة
·   من الذكريات المحزنة في مأساة البرواقية وغيرها أن السفهاء المتسببين فيها والطامعين في الاستفادة من غنائمها هم أول من يسارع إلى التنصل من المسؤولية على ما يترتب عنها من المغارم والنجاة بأنفسهم على حساب الآخرين بل و الاستئساد عليهم باسم الدين والوشاية بهم بدون مروءة و لا حياء. فعندما تأكدت الشرذمة المتسببة في المأساة من وقوعها في المكيدة التي دبرت لتصفية الرجال داخل السجن و استحالة خروجهم من السجن لم يدخلوا في معركة استشهادية كما يتشدقون و لا استسلموا كما يفعل الطير الحر إذا وقع في الشرك. و إنما استاسدوا على إخوانهم المقهورين فكسروا أبواب الزنزانات الأخرى و اختلطوا بباقي المساجين و هددوا من عارض سلوكهم بالقتل و هم يصرخون : نحن الذين بايعنا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا. و لما وقعت الواقعة و بدأت قوات الدرك إطلاق النار و حان وقت الجهاد الحقيقي انسحبوا جميعا إلى الركن الخلفي من القاعة "أ" متترسين بباقي المساجين الذين تساقط منهم العشرات ظلما و عدوانا. و لذلك لم يقتل من المتورطين أحد في هذه المرحلة. أما لما حان وقت الخروج فإنهم خاضوا معركة حقيقية ليكونوا في أول الصفوف للنجاة بأنفسهم.

و لولا قتل صاحبهم عبد العالي من طرف الدرك بدم بارد و ما ترتب عليه من فوضى وقتل عشوائي لعادوا جميعا إلى قواعدهم سالمين. و الأدهى و الأمر أنهم في محاضر التحقيق شهدوا بأنني أنا المتسبب في التحريض على ما حصل لأنني كنت أعقد حلقات في فقه القتال لبعض المساجين. و لولا أنني استبقت هذا النوع من المكائد بطلبات تحويل من السجن و اتخذت بتوفيق من الله إجراءات عملية في الوقت المناسب لإبطالها لوجدت نفسي متابعا بقضية أخرى كما حصل لبعض الإخوة الطيبين.
و قد أطلعني قائد فوج الدرك على المحاضر أثناء استجوابي بحضور وزير العدل نفسه و أكد لي ذلك بعض الشباب المتورطين في القضية و اعتذروا لي عنه. و من المؤسف أيضا أن يجد بعض الأفاضل أنفسهم رهينة في يد هؤلاء المغرورين يوردونهم المهالك و هم ينظرون. و قد زارني الأخ الفاضل (م ب ق) في وقت سابق عن الحدث فنصحته بالحذر من مباركة سلوك هذه الشرذمة و لكنه غلب على أمره رغم رجاحة عقله و كبر سنه و تجربته كمجاهد في ثورة التحرير و مناضل مسؤول في جبهة الإنقاذ - و لعله كان طامعا في التأثير على أولئك الشباب - .

 و قد ترأس الوفد المفاوض باسم المساجين مع قيادة الدرك  فجاءني مستنصحا في آخر جولة من المفاوضات فقلت له: لا أعتقد أن من المفاوضات جدوى الآن و لكن أقيموا الحجة على وكيل الجمهورية و فاوضوه على ضمان سلامة الإخوة و لا تشترطوا غير ذلك. فإن لم يقبل منكم ذلك فإنهم يريدون إبادتنا و لا خيار لنا غير الدفاع عن أنفسنا قدر المستطاع. و فعلا ذهب الوفد للتفاوض و لكنه لم يعد و لم التق بالأخ المذكور إلا بعد الواقعة بأسابيع دون أن أجد جوابا مقنعا يبرر قابلية خضوع العقلاء للسفهاء في القضايا الخطيرة. إن نصيب هؤلاء السفهاء من المسؤولية لا يسقط شيئا من مسؤولية النظام عن المجزرة التي ارتكبتها قوات الدرك في حق المساجين الأبرياء بجبن و خساسة خاصة إذا علمنا أن الخليفة الذي بايعه المتورطون ينعم بجميع حقوقه المدنية اليوم و إمامها يتجول بجواز سفر جزائري في بلاد الحرمين بينما أرامل المقتولين و أيتامهم يعانون.


·   من الذكريات التي علقت بمخيلتي أن أمير الجماعة الاسلامية المسلحة سيد أحمد مراد الملقب بجعفر الأفغاني بعث لي رسالة مع أم أحد المساجين يعرض علي فيها الترتيب لتهريبي من سجن البرواقية لأن الجماعة في حاجة إلي على حد قول الرسول. و لم أكن أشك في صدق حامل الرسالة لأنني أعرف الشاب المعني جيدا. كما أنني لم أكن أشك في مصدر الرسالة لأن التي حملتها تعرف سيد احمد مراد كما تعرف ابنها تماما. و لكن الذي أردت التأكد منه هو الغرض من الاتصال بي. و لذلك طلبت من أمير الجماعة الاسلامية أن يتصل بالسعيد مخلوفي و يطلب منه اسم الرجل الذي كان معه في مكان محدد و وقت محدد، حتى أستوثق من جدية العرض. و لكنني لم أعرف الجواب إلا بعد اختطافي من سجن الحراش من طرف جهاز أمن الجيش حيث أبلغوني بأنهم قاموا بمحاولة استدراجي 5 مرات عن طريق المساجين كانت آخرها في سجن الحراش باسم السعيد مخلوفي نفسه و لكنهم فشلوا فيها جميعا. و أنا لا أريد اتهام الإخوة الذين استخدموا في هذه المحاولات أو سوء الظن بهم و لكنني أنبه إلى أبعاد الانزلاق الذي وقعت فيه الجزائر خلال هذه الفتنة العظيمة.

·   كان تضامن الإخوة معي عندما كنت في قبو المحكوم عليهم بالإعدام و احتجاجهم على تعذيبي ثم تعاوني مع باقي الدعاة على مساعدة الإخوة المساجين في تجاوز محنتهم سببا في لفت انتباه إدارة السجن إلى حظوتي بين الإخوة، فاستدعاني مدير السجن آنذاك و أبدا لي أسفه على وجود ضابط مثلي في السجن وسألني عن سر انقطاع الزيارة عني منذ اعتقالي. فأخبرته بأنني أرفض أن أخاطب أولادي الأبرياء من وراء القضبان. فقال لي إن هذا قانون يسري على الجميع. فقلت لو كان القانون هو الساري لما كنت أنا في هذا المكان أصلا. فقال ماذا لو رتبت زيارة لأهلك في وقت خاص و سمحنا لك بالجلوس معهم. قلت إذا كان بإمكانك فعل هذا فلماذا تحرم مئات الآباء من احتضان أولادهم؟ قال: أنا لا أريد أن أفتح على نفسي بابا للمشاكل. قلت: أنا أشكرك على تعاطفك و أقدر لك هذا الشعور النبيل و لكن ضميري لا يسمح لي بالاستئثار بهذه الميزة عن باقي الإخوة....

 و عندما اقترب موعد العيد استدعاني مرة أخرى  فقلت لماذا لا تخفف على هؤلاء المظلومين في مناسبة العيد و تزيل الحواجز بينهم و بين أهاليهم و سوف لن تخسر شيئا ما دام القانون يسمح لك بذلك. فقال: القانون يسمح لي و لكن يحملني المسؤولية على المشاكل إذا وقعت، فمن يضمن لي عدم وقوعها؟ قلت إذا كنت موافقا مبدئيا فدعني أتدبر قضية الضمانات. و فعلا التقيت بالأخ السعيد بسايح  الذي كان أميرا على السجن آنذاك و أخبرته بما دار بيني و بين مدير السجن فاستشار باقي الإخوة فأكدوا على تعهد جميع الإخوة بالانضباط إذا أتيحت لهم هذه الفرصة فقابلنا مدير السجن و تكفل بعد ذلك الأخ السعيد و أمراء الولايات  بالتنسيق مع مسؤول الحرس على وضع جدول زمني يمكن جميع المساجين من قضاء 20 دقيقة مع زائريهم في الساحة الأمامية للسجن خلال أيام العيد الثلاثة. و كان المدير وفيا لتعهده و الإخوة المشرفين كذلك فكان عيدا مميزا حقا و انتصارا للخير على الشر في النفوس و هي المناسبة الوحيدة التي زارني فيها أولادي خلال اكثر من ثلاث سنوات من السجن. و لكن هذا الانجاز كان سببا في إحالة مدير السجن على التقاعد قبل أوانه و تعيين المدير الذي وقعت في ظله المجزرة.

·   آخر وقفة أجعلها مع الفساد الذي ارتبط ذكره عموما بالأنظمة و رموزها و لكنه  في الحقيقة صفة لا هوية لها. فمن مظاهر الفساد التي كانت تنذر بفشل الاسلاميين في مواجهة النظام الفاسد هو استئثار ذوي النفوذ بالنعمة على حساب المغلوبين على أمرهم. و قد وقفت على هذه الظاهرة و أنا في السجن العسكري ببشار و غاظني تهكم مدير السجن بي عندما دعاني لرؤية بعض الزوار الذين ظننتهم أعضاء منظمة دولية لحقوق الإنسان فإذا بها زيارة عائلية لأمير الجماعة المسجونين معنا في السجن و عرفنا بعد ذلك أن المصروف الأسبوعي المخصص من طرف الجماعة و الذي لم ترض به زوجة الأمير يفوق مرتب ضابط في الجيش.

و في سجن البرواقية كان الشقيق الأعزب للأمير جعفر الافغاني المسجون معنا في سجن البرواقية مثلا يتمتع بما يتمتع به إبن أي جنرال من حيث اللباس و الأكل الذي يتزود به في كل زيارة و كذلك الشأن مع أصهار بعض الأمراء و معارفهم. أما إمام مسجد المدنية المفصول عن عمله و القابع في نفس السجن فإن زوجته كادت تموت جوعا مع ابنتها لولا أن احتالت جارتها على زوجها الأفلاني و اتخذتها غسالة عندها مقابل مرتب متواضع تمكنت به من زيارة زوجها بعد شهور من اعتقاله مما تسبب له في صدمة نفسية كادت تتلف عقله. و المشكلة أن هذه الآفة متفشية حتي في أوساط المتصدرين للعمل الاسلامي السياسي حاشى الرجال المخلصين لقضيتهم أمثال الشيخ على بن حاج أو صاحبه الوفي عبد القادر شبوطي رحمه الله الذي لم يكن أولاده اليتامى يجدون طعاما في بيتهم فينزلون ضيوفا على بقية صالحة من الرجال يطعمونهم خفية مما يطعمون أولادهم..... فعلى أي شيء نراهن في معركتنا الضارية من الفساد و الاستبداد؟
إن هذه الشهادة مؤلمة بكل تأكيد و يخشى البعض أن يستغلها أعداء المشروع الإسلامي في التشهير برجاله، و هو تخوف مشروع و لكنه أقل خطرا من قوله تعالى: "أتامرون الناس بالبر و تنسون أنفسكم و أنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون". (يتبع...)

النقيب أحمد شوشان

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))