الخميس، 18 أغسطس 2011

الفصل الثالث،الجزء الثالث،لقاءاتي مع معنيين بالعمل المسلح في سجن البرواقية

بقلم : النقيب أحمد شوشان
السجن أعظم المحن التي يمكن أن يتعرض لها الإنسان الشريف لأنها مجمع الأضرار و بوتقة الآلام. فالسجن يصيب الكريم بالبأساء بحرمانه من أهله و ماله و جاهه و وطنه و يصيبه بالضراء بما يتعرض له من التعذيب والأمراض المزمنة وسوء التغذية و يصيبه بالزلزلة في عقيدته و فكره و مشاعره تحت وطأة القهر وشماتة الأعداء وعجز الأصدقاء..... و المحظوظ من وفقه الله إلى اغتنام الفرصة للتعلم من هذه التجربة المرة والاستفادة من حلوها ومرها. وكان مما خفف علي وطأة السجن لقائي بكثير من العناصر التي ساهمت في تفجيرالعمل المسلح، فاستطعت الحصول على تفاصيل كثيرة زادتني اطلاعا على ما كان يجري في كواليس الجماعات المسلحة مما  ساعدني على تشخيص دقيق للأزمة الدموية التي أهلكت الحرث و النسل في الجزائر وعلمتني أن القضايا العامة لا يمكن فهم تفاصيلها بعقل واحد و لا الشعور بحقيقتها بقلب واحد. و كان من بركات هذه التجربة علي، موقفي الثابت من النزاع المسلح الذي تجنبت التورط فيه عن اقتناع تام بمآلاته رغم قربي الدائم من بوتقته . و المقام لا يتسع ولا يسمح بذكر جميع من التقيت بهم لأنهم مئات. و لكنني سأكتفي بمن في شهادتي عليه عبرة لغيره.

أحمد الود: طالب متخصص في الطب على باب التخرج ترك الجامعة و لبى نداء الجهاد إلى جانب المسلمين المستضعفين في أفغانستان ضد الشيوعيين. و شهد له من عرفوه بالشجاعة و الصدق. و كان أول من بويع سنة 1991 كأمير للجماعة الاسلامية المسلحة المكلفة من طرف الحالمين بالخلافة الراشدة ممن عرفوا بعد ذلك بالأفغان العرب ثم القاعدة في القرن 21.
التقيته في سجن البرواقية وكان بيني و بينه نقاش جاد وكلام ذو شجون عن مسائل متعددة استفدت منها ما يلي:

1)   أن هذا الشاب التحق بالجهاد الأفغاني مقتنعا بحق الشعب الأفغاني المسلم في الدفاع عن حريته و استقلاله و عاد من أفغانستان بعد سقوط النظام الشيوعي ليلتحق بأنصار المشروع السياسي في الجزائر دون تعصب لحزب بعينه. و لكنه بعد اعتقال أنصار الجبهة في شهر جوان 1991 بويع بالإمارة على الجزائريين الأفغان بتوصية من رؤوسهم المتواجدين إلى ذلك الحين في أفغانستان، و الذين أقنعوه فيما بعد بأن صناعة الجهاد حكر عليه و على رفاقه و لا ينبغي ترك رايته للمغرورين بالسياسة أمثال عبد القادر شبوطي و السعيد مخلوفي.

و لذلك انخرط مع زملائه في عملية تعبئة داخل صفوف الجبهة الاسلامية لسحب البساط من تحت أرجلهما (السعيد و شبوطي) ثم انتقل للتخطيط لعمليات عشوائية يأخذ بها المبادرة و يفرض الأمر الواقع على جميع الإسلاميين. و لكن الأمر اختلط عليه منذ أحداث قمار و شعر بأن تحركاته مرصودة عن قرب و أن جماعته اخترقت خاصة بعد أن قتل أعز اصحابه أحمد القبايلي في اشتباك مع أجهزة الأمن ببلدبة المنيعة في الجنوب الجزائري فاجتهد في الاحتياط لنفسه و ترك الإمارة عمليا بعد أن نازعه فيها الملياني و لكنه وجد نفسه وجها لوجه مع قوات الأمن التي حاصرته مع مجموعة من أقرب مساعديه منهم قريبه البشير فأصر على الاشتباك معهم طمعا في الشهادة و لكنه أصيب إصابات بليغة هو و زوجته و أدخلا السجن بعد أن تعرضا إلى عملية تعذيب مروعة و حكم عليه بالإعدام و على زوجته بالسجن.

2)  لم يكن يبدو لي منه تأسف على أي شيء كأنه كان مقتنعا بأنه أدى ما عليه. و لكنه بكى بكاء مرا عندما أخبرته بأن مبادرته إلى تشكيل إمارة الجماعة الاسلامية المسلحة و التآمر مع الملياني و أنصاره لضرب السعيد مخلوفي تسبب في إفشال المساعي التي كان يبذلها رجال لا يقلون عنه حمية للاسلام و لكنهم أعرف منه بواقع الأزمة و تعقيداتها و أقدر منه و من رفاقه على النجاح في إيجاد الحل لها. و قد أدرك في النهاية أن جماعته كانت ضحية مؤامرة لدوائر أمنية و قال لي بالحرف الواحد: يا ابن أختي، أنا مقتنع بأن ذمتي لن تبرأ حتى يسيل دمي في إصلاح هذا الأمر. و و الله لو علمت أن الحركة الاسلامية المسلحة كانت على هذا المستوى من الوعي لكنت أول أنصارها و لكنني خدعت بالإسلام و حسبي الله و نعم الوكيل.

3)  رغم تحول نظرته تجاه الحركة الاسلامية المسلحة و اعترافه بالخطأ الذي ارتكبه بخضوعه لرفاقه في أفغانستان بقبوله إمارة الجماعة، إلا أن موقفه من السلطة ازداد حدة بعد اقتناعه من الاستغلال البشع لطموحات الجزائريين الأفغان من طرف النظام. و لعل ما تعرض له هو و زوجته من تنكيل على يد أجهزة الأمن كان له أثر سيء على موقفه. و لذلك تورط في عملية فرار يائسة داخل سجن البرواقية و قتل في مزجرة سركاجي مع عشرات المساجين فيما زعم أنه محاولة فرار أيضا.

4)  رغم أنه أول أمير للجزائريين الأفغان و أحد أبطالهم إلا أنه كان ضحية لابتزاز العناصر المتطرفة في الجماعة الاسلامية المسلحة أمثال فتح النور و مسعودي المبروك و غيرهم من الذين يمتحنون ولاء الناس للإسلام بحظهم من الدموية و التهور. و قد استغل المذكوران سطوتهما على المساجين في بداية الأمر و حاولا إثارة الشبهات حولي بالتعاون مع الخائن عمروش الذي يعرفان قضيته جيدا و لكن الحق أولى منهما بالاتباع.

حسين متاجر:  أميرجماعة الأخدرية، محكوم عليه بالإعدام في قضية اختطاف محافظ الشرطة بالأخدرية و قتله سنة 1992. و كان له نفود في أوساط المساجين. قابلته في سجن البرواقية مرتين بترتيب منه مع حراس السجن. كانت المقابلتان في غرفة الانتظار للحمامات. و كان موضوع اللقاء متعلق بدفاعي عن السعيد مخلوفي و عبد القادر حشاني الدين يعتبرهما حسين متاجر مرتدين عن الاسلام. و كان يريد مني الكف عن الوقوف في وجه أدعياء السلفية الجهادية حتى لا يضطر إلى اتخاد موقف متشدد تجاهي قد يكلفني حياتي. فطلبت منه أن يتعظ بما هو فيه من المحنة و يسوق لي دليلا معتبرا على ردة عبد القادر حشاني أو السعيد مخلوفي فكان مما قاله: بعدما نفذنا عملية بني مراد و استولينا على الاسلحة و الذخيرة من مركز الدرك، اتصلنا بعبد القادر حشاني و قلنا له: أنت ولي أمرنا الشرعي و نحن رهن إشارتك فأمرنا بما تريد. أتدري ماذا كان جوابه؟ لقد أمرنا أن نرجع الأسلحة إلى الدرك.

 إنه أمرنا أن نستسلم للطاغوت بعد أن نصرنا الله عليهم. ألا ترى أنه أصبح من أولياء الطاغوت؟ ألا تعلم أن الولاء و البراء أساس الإسلام؟
 قلت: أنت ادعيت بأن حشاني ولي أمرك، أليس كذلك؟ أولا: هل استشرته في تنفيذ عملية بني مراد؟ هل كنت تراه ولي أمرك قبل تنفيذها؟ ثانيا: إذا كنت تريد بولائك لعبد القادرحشاني وجه الله و تعتقد أنه أميرك، فلماذا لم تطعه في رد السلاح إلى الدرك، أو تبدي استعدادك المبدئي للطاعة على الأقل؟ هل فعلت أيا من ذلك؟.....

قال: لا، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق...قلت: لا أظنك عصيته طاعة لله لأنك لم تفكر في ذلك عندما قررت القيام بالعملية. قد تكون عصيته لأنه خالفك فيما تريد لأنك تعتبر نفسك أولى بالإمارة منه....أريدك أن تفكر في هذين السؤالين مليا قبل أن تجيب نفسك. لأنك رجل محكوم عليه بالإعدام و يمكن أن تساق إلى القتل في أي لحظة و لا ينفعك عندئذ غير الصدق مع نفسك أولا ثم مع الله أخيرا. أما بالنسبة لعبد القادر حشاني فالذي أعلمه بيقين هو أنه كان عارفا بالوضع أحسن منك و ممن معك و قد أرسل إليكم من يحذركم من البقاء في البيت الذي تحصن فيه بعضكم بالقصبة في الوقت المناسب و لكنكم أصريتم على البقاء فيه حتى تم تطويقه ثم نسفه مع البيوت المجاورة من طرف قوات الأمن. هل تذكر ذلك؟...(قال: نعم).قلت: فأعد النظر في موقفك من الرجل و اتق الله في هؤلاء الشباب المغرورين و لا تثقل كاهلك بأوزارهم.

كان اللقاء الثاني وديا اعترف فيه حسين متاجر بالتسرع في الحكم على قيادات العمل الاسلامي المخلصين و قال إنه استشار من يثق فيهم خارج السجن فذكروني له بخير و أن موقفه من السعيد كان قائما على معلومات قديمة و أن الجماعة الآن على تواصل معه و متفهمة لمواقفه السابقة.   و لمست خلال اللقاء معه تراجعا عن الموقف المتشدد الأول و استعدادا لمناقشة القضايا بكل شجاعة  و قد تجسد ذلك على أرض الواقع في تحسن ملحوظ طرأ على سلوك المتطرفين تجاه باقي المساجين بصفة عامة و اطمئنانهم إلى رؤيتي للأحداث بصفة خاصة.

لقد كان موضوع النقاش محددا من طرف حسين متاجر و موقفه هو و اتباعه من قيادات العمل الاسلامي داخل السجن و خارجه فقط. أما موقفه من السلطة و أتباعها فلم يكن محل نقاش أصلا.

يوسف بوصبيع: من قدامى الحركة الاسلامية الجزائرية المسلحة التي أسسها الشيخ مصطفى بويعلي رحمه، شديد التحفظ فيما يقول و يفعل كأنه مقبل على الله من فوره. قوي النفس و لكنه لطيف العبارة. حكم عليه بالإعدام مع سبعة من المتهمين في قضية تفجير المطار الشهيرة، و لكن تأجل تنفيذ الحكم فيه بسبب الإصابة البليغة في رجله. التقيته في جناح المحكوم عليهم بالإعدام عدة مرات و تحدثت معه في قضايا كثيرة متعلقة بعلاقته بالشيخ مصطفى بويعلي و جماعته ثم بعلاقته مع التكفير و الهجرة و الجماعة الإسلامية. و لكن أهم ما استفدته منه هو تفاصيل عن علاقة الجماعات المسلحة ببعضها في العاصمة و قضية تفجيرالمطار التي سردت تفاصيلها في الجزء الثاني من الفصل الثاني من هذه الشهادة. و قد تم تنفيذ حكم الإعدام فيه بطريقة غير شرعية حيث تم الإجهاز عليه داخل القاعة "أ" في سجن البرواقية رغم أنه بقي حيا بعد نسفها من طرف الدرك.

نور الدين خمارة: مهندس متخصص في الطبوغرافيا من قصر البخاري و نائب أمير الكتيبة الخضراء بمنطقة التيطري الشيخ عطية السايح. محكوم عليه بالمؤبد في قضية كمين لدورية تابعة لشرطة قصر البخاري. أخبرني عن نشأة الكتيبة الخضراء و نشاطها المسلح و الدعوي السلمي و علاقتها بالجماعات الأخرى و رفض قيادتها الانضواء تحت إمارة الجماعة الاسلامية المسلحة و الحركة الاسلامية أيضا. علمت منه تفاصيل دقيقة عن عملية الهجوم على ثكنة بوقزول ابتداء من التخطيط و انتهاء بالمصير المأساوي للعسكريين الذين تواطآ مع الكتيبة لاقتحام الثكنة. كما علمت منه المشاداة التي وقعت بين الشيخ عطية السايح و أمير الجماعة الاسلامية المسلحة محمد علال المدعو (موح لفيي) على خلفية تكفيره للشعب الجزائري و كادت تؤدي إلى قتل موح لفيي لولا تدخل نور الدين و آخرين, و أخبرني أيضا عن قصة العسكريين المتواطئين مع الجماعة الاسلامية المسلحة في الاستيلاء على ثكنة الرغاية. كما علمت منه أن عطية لم ينضم إلى إمارة الأفغان رغم أنه منهم و لذلك حاول المختار الذي حضر بيعة أحمد الود تشكيل جماعة ضرار للكتيبة الخضراء في المنطقة تابعة للجماعة و لكنه فشل.

و قد التقيت بمسؤول الحركة الاسلامية المسلحة في الغرب الجزائري محمد النيل الذي حدثني عن مشاريع الحركة في الغرب الجزائري و إجهاضها من طرف أنصار الملياني و تفكيكها من طرف جهاز المخابرات، كما حدثني الحاج محمد عن نشاط الحركة في منطقة بشار و عين الصفراء.
أما جماعة الجزائريين الأفغان فقد التقيت بقيادات من جماعة البيض و تيارت و تلمسان و الجلفة و العاصمة و ضواحيها و الأغواط و الشلف و غيرها. حدثوني جميعا عن تجاربهم في هذه المحنة العظيمة.

كما التقيت بأساتذة من مختلف أرجاء الجزائر ممثلين للشعب على مستوى البرلمان المنتخب و المجالس الولائية و البلدية و مسؤولين في الإدارة و التعليم و أطباء و رؤساء مكاتب و اعضاء في المجلس الشوري الوطني للجبهة لكل منهم تجربته الخاصة مع العمل الاسلامي السياسي و المسلح و لكن المقام لا يتسع لذكر أسمائهم و كانوا كلهم مجمعين على أن العمل المسلح أمر واقع فرض على الجميع بشكل أو بآخر.

ديدي روجي أبو أمين: هذا الرجل الكهل مواطن مسيحي فرنسي أصلي عاش طفولته و شبابه نشالا إلى درجة الإدمان. حيث أصبح لا يتحكم في حركة يده عندما يرى شيئا ثمينا حتى بعد أن تاب من آفة النشل و صلح حاله . قضى في السجون الفرنسية أكثر من 14 سنة. إعتنق اليهودية في السجن بعد أن أقنعته حملة تبشيرية بقضية اليهود المضطهدين من طرف المسلمين الفلسطينيين ثم تصهين و سافر إلى تل أبيب و تجند في الجيش الاسرائيلي و قضي أكثر من سنة في الخدمة العسكرية تأكد خلالها أن المضطهدين الحقيقيين هم المسلمون الفلسطينيون فتعاطف معهم و ترك الخدمة في الجيش الاسرائيلي و عاد إلى فرنسا و احتك بالجالية الفلسطينية والجزائرية و أعلن إسلامه و تزوج من فتاة جزائرية الأصل من مستغانم و أنجب معها أمين و جهاد و حاول أن يعيش كمواطن فرنسي مسلم صالح .

تزامنت زيارته للجزائر مع إضراب الجبهة و هاله مظهر القمع الذي يتعرض له الاسلاميون فعرض على بعض الاسلاميين في العاصمة تزويدهم بالسلاح للدفاع عن أنفسهم فقبلوا. ذهب من فوره إلى فرنسا و شحن مجموعة من المسدسات والبنادق القناصة على متن سيارة 505 كبيرة الحجم و دخل بها الى الجزائر. و لما أراد تسليم الأسلحة تنكر له الجميع و لم يستقبله أحد في العاصمة, حاول الاتصال ببعض المهاجرين الذين يعرفهم في فرنسا فوجد محمد و أخاه من بسكرة فسافر إليهما. و لما أخبرهما بما جرى نصحاه بالتخلص من هذه الأسلحة في أقرب وقت. و أثناء خروجه من بسكرة لاحظ تسربا للوقود من خزان السيارة فاضطر إلى تركها لدى ورشة لتلحيم السيارات لإصلاحها و كان ذلك سببا في اكتشاف أمره و إلقاء القبض عليه من طرف فرقة الدرك و الحكم عليه بالإعدام و على المهاجرين الآخرين بالمؤبد من طرف المحكمة الخاصة.

مأساة هذا الفرنسي لم تتوقف عند هذا الحد. فقد استغلتها الدوائر الحاكمة آنذاك في تشويه سمعة قيادة الجبهة و ادعت أن قيادتها كلفته بهذه المهمة و أن بعض الأسلحة فعلا استعملت من طرف قناصة مجهولين كما طفت لغة الخشب إلى السطح من جديد على لسان حمالات الحطب لبعث أساطير السبعينات بأن الاسلاميين رجعيون و متواطئون مع فرنسا و إسرائيل. و كان الرد على هذا الاتهام الباطل بالمثل من طرف مسؤولي الجبهة في بلدية سعيدة، حيث زوروا وثيقة صادرة من الولاية (أمرا بمهمة) يحمل اسم ديدي روجي و معه اسم الفقيه أو المراني و نشروها في وسائل الإعلام لإيهام الرأي العام بأنه من الجماعة التي توظفها السلطة ضد الجبهة. كما دخل الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران على الخط بدعوى الدفاع عن مواطنه الفرنسي و حذر السلطة الجزائرية من تنفيذ حكم الإعدام فيه و بعث قساوسة خصيصا لزيارته و الاطمئنان عليه.

 و قد ألغي حكم الإعدام في حقه فعلا رغم إصراره على إسلامه و رفضه العودة إلى المسيحية. و قد كلفه رفض الارتداد عن الاسلام عذابا أليما يفوق الوصف صبه عليه شرذمة من الحراس الأخساء بعد أحداث البرواقية. فزيادة على ما كان يناله كل المساجين من التعذيب و الإهانة كانت هذه الشرذمة تنفرد به في ساحة السجن و تنهال عليه ضربا بقضبان الحديد حتى لا يقوى على الحراك. ليس لأنه  فرنسي أو لأنه مجرم بل لأنه مسلم. إن هذا ما استقر في وعي بعض الحراس من خلال التعبئة المسمومة التي كانوا يتعرضون لها باستمرار فأصبح الاسلام عندهم رمزا للعداوة. و هذا من أخطر الإنزلاقات التي وقع فيها كثير من أعوان الدولة و أدت إلى التعسف في حق كثير من الأبرياء.

إن ذكري لبعض اللقاءات التي جمعتني بمختلف العناصر الفاعلة في الأزمة قبل و بعد تفجرها ليس من باب الترجمة لهم فهذا ليس مقام ذلك و لكنني أحاول أن أساعد المهتمين بهذه القضية على إعادة النظر في تصورهم لحيثياتها. فالعنصر الأساسي في تفجر الوضع في الجزائر كان و ما يزال في نظري هوعدم التواصل بين الجزائريين مما جعلهم غرضا سهلا في متناول أعدائهم في الداخل و الخارج. فالأغلبية الساحقة من الإسلاميين الذين التقيت بهم سياسيين و مسلحين يمكنهم بالتواصل المستمر بناء أرضية صلبة لإطلاق مشروع إسلامي وطني قابل للتطبيق و الاستمرار و تحقيق المقاصد الشرعية للاسلام. كما أن التواصل المستمر مع قيادات وطنية ذات نفوذ في دوائر النظام سيكون كفيلا بالحد من نفوذ الدخلاء المعادين لمقومات الشخصية الوطنية و يفتح آفاقا واسعة للتعاون في إطار القواسم المشتركة بين الجزائريين. و قد توصل كثير من المعنيين بالأمر من الطرفين إلى هذه الحقيقة و لكن بعد أن أصبحت معوقات التواصل بين الطرفين أكثر تعقيدا.

قضية الحاج علي بن رقية
إن هذا الرجل ليس من الإسلاميين و لا من المسلحين و لكنه مثال للضحيا الحقيقيين في هذه الأزمة الوطنية.
من مواليد سنة 1935 في بلدية المدية. مجاهد في ثورة التحرير. و بعد الاستقلال اشتغل بجد و جهد في التمريض و تصليح الأحذية و الخياطة و السياقة و البناء و انتهى به الأمر تاجرا في السبعينات و أنشأ بالاشتراك مع تاجر آخر أكبرسوق لبيع التجهيزات الكهرمنزلية و الإلكترونية في منطقة التيطري في الثمانينات و أصبح من أعيان المنطقة و تعرف عليه المسؤولون من خلال متجره الكبير رغم أنه لا يحسن الكتابة و لا القراءة (باستثناء قراءة رسم المصحف). بنى مسجدا في الحي الذي يسكنه و كفل إمامه الحاج لحسن رحمه الله قبل أن تظهر الجبهة الإسلامية للوجود.

 و في سنة 1993 بعد أن شاعت الفوضى و عم الرعب منطقة الوسط طالبه مسلحون بدفع 100 مليون سنتيم نقدا فقال لهم أنه لا يملك هذا المبلغ، فأخذوا منه 50 مليونا عنوة و طالبوه بدفع الباقي خلال أسبوع و إلا قتلوه. فرأى من الأحوط له أن يخبر مصالح الأمن لأن المسلحين قالوا له إذا اعتقلت فقل الحقيقة. فاتصل بصديقه محافظ الشرطة و أخبره بما حصل له و أنه سيضطر لدفع المبلغ الباقي حفاظا على حياته ما دامت الدولة عاجزة عن حمايته. و قبل أن تنقضي المهلة استدعاه محافظ الشرطة و أخبره بأن الأولى له أن يدخل السجن حفاظا على حياته حتى يتم التحكم في الوضع؛ فسلم أمره إلى الله.

و بدأت رحلة الحاج على بن رقية من مخافر الشرطة و الدرك و المخابرات في المدية  و لم يشفع له التبليغ عن القضية و لا علاقاته الخاصة و لا كبر سنه و لا جهاده فتعرض للضرب و الإهانة و التعذيب من كل صنف بتهمة تموين و دعم الإرهاب الباطلة. و كانت ثاني محطاته سجن البرواقية الذي سيق إليه مع الحاج بن رقية العشرات من أعيان المنطقة بنفس التهمة أغلبهم لم يكونوا من المصلين و لا من الذين يطعمون المسكين بل و من الذين شهروا السلاح على مناضلي الجبهة قبل أن تشهره عليهم السلطة نفسها مما جعل بعضهم يتعرض للانتقام من طرف بعض المساجين السفهاء بذريعة أنه تبول واقفا. و أثناء وجوده في سجن البرواقية تقدمت عشرات الشاحنات العسكرية ليلا و استفرغت التجهيزات الإلكترونية من المحل التجاري الكبير و المقدر قيمتها على الفواتير الرسمية بثمانية مليارات سنتيم (8 مليارات)؛ فيما قدرت الخسائر الاجمالية ب 13 مليار دينار و نصف.

  و تمت العملية خلال ساعات الليل الطويلة و حالة حضر التجول الصارمة و حالة الطوارئ السارية المفعول و شعار (يجب أن يغير الخوف موقعه) و عيون المواطنين المتفرجة من خلف الستائر. و بعد الانتهاء من عملية إخلاء المحل انسحبت الشاحنات و تم إضرام النار فيه قبيل الفجر. و قالت المصادر الرسمية أن الارهابيين هم الذين فعلوا ذلك في ظروف يعرف العام و الخاص أن مصالح الأمن تحصي على المصلين خطواتهم و تقتحم على الأطفال و النساء مخادعهم في جوف الليل بحثا عن الاسلاميين المختبئين في الدواليب و ليس المتجولين ليلا بالشاحنات الثقيلة في قلب مدينة المدية.

محطة الحاج علي الثالثة كانت في سجن سركاجي و ما أدراك ما سركاجي و زبانية سركاجي.
و لكنه عندما وقف بعد تسعة أشهر من المعاناة أمام المحكمة الخاصة و ما أدراك ما المحكمة الخاصة لم تجد بدا من تبرئة ساحته و إطلاق سراحه مع جميع المتهمين فيما عرف بقضية أغنياء التيطري...... فماذا عن رزقه المحروق و كرامته المهدورة و سمعته الملوثة و.....؟...إن هذا ما لا ينبغي أن يفكر فيه الحاج علي عند المتحكمين في آلة التدمير الذاتي للجزائر. و لذلك كان لا بد من إخماد صوته. فجاءه الخبر من بعض معارفه  بأنه مستهدف بالاعتقال من أجل تصفيته و عليه مغادرة المدية فورا في انتظار الحصول له على جواز سفر لمغادرة الجزائر.

فهرب إلى العاصمة و بقي مستخفيا فيها إلى أن تم ترتيب تسفيره إلى السعودية بتأشيرة عمرة و منها إلى اليمن التي بقي فيها عدة سنوات هو و زوجته حتى طالته أيدي منقذي الجمهورية في الجزائر و خيروه سنة 1997 بين العمل لصالحهم أو التصفية فساعدته  أجهزة الأمن اليمنية على مغادرة اليمن مع جزائريين آخرين تفاديا لوقوع مشاكل على التراب اليمني لينتهي المطاف بالحاج علي - الذي سهر الليالي الشاتية في جبال التيطري و وديانها من اجل استقلال الجزائر و بزوجته الحاجة التي طالما اشتغلت حمالة لمجاهدي ثورة التحرير - في جزيرة بريطانيا التي يفصلها عن الجزائر بحر و محيط و عدة أقطار حيث طلب اللجوء و حصل عليه سنة 2001 بعد مرافعات أمام مصالح الهجرة و اللجوء. و تكفلت بإطعامه و كسوته و إسكانه و بكل ما يلزمه للعيش الكريم حكومة المملكة البريطانية العظمى مراعاة لسنه و إشفاقا على حاله .

فهل اكتفى الأوصياء على أمن النظام الجزائري الراشد بتشريد هذا العجوز الذي تجاوز سنه السبعين و نفيه؟........كيف و هم يعتبرون ذلك إهانة لكبريائهم الزائفة و غرورهم المفرط. إنهم قادرون على شراء الذمم و إثارة البلبلة و تهديد أمن الشعوب في عقر دارها. فكيف يجار طريدهم و يرد له اعتباره و لو في حدود الانسانية.....لقد كانت أحداث سبتمبر 2001 الملعونة صك غفران لهم على كل ما ارتكبوه في حق الجزائر و شعبها و حقنة إضافية من الجنون على جنونهم. و لذلك أداروا آلتهم الاجرامية من جديد عن طريق الصحف الفرنكفونية و أصدروا أمرا عالميا بالبحث عن الحاج علي بن رقية بتهمة قيادة الجماعة الاسلامية المسلحة التي اختطفت و اغتالت رهبان دير تبحيرين ثم بتشكيل جماعة إرهابية في الخارج بالتعاون مع زوجته....و لم يكتفوا بهذا بل تواطأوا مع صحيفة بريطانية ساقطة لشن حملة تشهير على الشيخ المسكين أصيب على إثرها بالسكري هو وزوجته ظنا منه أن السلطات البريطانية ستعتقله بناء على ذلك الكلام الفارغ.

و جاء ميثاق السلم و المصالحة و كان الحاج علي أول المسارعين إلى مباركته و قام بالاتصال بلجنة المصالحة و وعده القائمون على لمشروع السلم بتسوية وضعيته و تعويضه على ما أصابه من التعسف. و استصدروا له جواز سفر جزائري و سلموه وثيقة الكف عن البحث عنه من طرف السلطات الجزائرية بعد أن أمضى محضر تحقيق لدى مباحث المخابرات و برمجوا دخوله إلى الجزائر بحيث تصادف مع نزول رئيس الجمهورية إلى مطار هواري بومدين فكان من مستقبليه و ألبسوه في المطار بدلة رياضية تحمل شعار المصالحة الوطنية و قبل الرئبس بوتفليقة رأسه و زاره مسؤولون من الأمن في داره حتى ظن أنه في حلم. و لما عاد إلي بريطانيا لعب الدورالذي فشل فيه السفير الجزائري في بريطانيا و قام بحملة حقيقية لدعم المصالحة ثم استصدر جواز سفر لزوجته و عاد معها إلى الجزائر و قضى شهورا سعيدة بين أهله ثم بدأ إجراءات المطالبة بتعويضه عن الخسائر التي لحقته خاصة و أن المحضر الخاص بحرق محله يحمل المسؤولية مجهولين.  لكنه عندما أراد مغادرة الجزائر للمرة الثانية منع من الخروج على مستوى المطار و أخبر بأنه مطالب بالمثول أمام العدالة في قضية ذات طابع اقتصادي و اتضح بعد التحري أن القضية متعلقة بشيكات بدون رصيد و دعاوى رفعت في غيابه لا تقوم على أساس. و لكن الاشكال في أن هذه القضايا لا يمكن البث فيها إلا بحلول موعد الدورة القضائية و بعد برمجتها في جدول الدورة و هذا بدوره لا يمكن القيام به إلا بتسليمه نفسه لوكيل الجمهورية و دخوله السجن.


و هكذا عاد عمي الحاج علي المسكين برجليه إلى السجن و هو يحلم بتصفية ملفه بعد اسبوع إن شاء الله. و فعلا مثل أمام المحكمة و صدر في حقه حكم بالبراءة من جميع التهم المنسوبة إليه. و مع ذلك لم يفرج عنه بذريعة وجود تهمة أخرى اكتشفتها العدالة الموقرة مؤخرا تقتضي بقاءه في السجن هذه المرة بأمر من وكيل الجمهورية. التهمة تقول أن الحاج علي بن رقية كان موظفا في شركة عمومية أفلست في عشرية الدم و تم حلها و تصفيتها من طرف العدالة و تبرئة أغلب الموظفين فيها و جميع المتهمين من التجار المتعاملين معها و أقفل ملفها في الوقت الذي كان فيه عمي علي مشردا – أي في وقت الخالوطة. و هذا كلام لا أساس له من الصحة لأن عمي علي كان تاجرا و لم يكن موظفا في مؤسسة عمومية أبدا.

و بعد شهور من السجن جاء موعد الجلسة و وقف الحاج علي بن رقية المعتبر موظفا في الشركة العمومية حسب عريضة الاتهام أمام القاضي و حضر معه محاموه و شهود من المتهمين في القضية نفسها. و بدلا من البث في قضيته لم يجد رئيس الجلسة ما يبرر به هذه المهزلة غير قوله: أنت لم تمثل أمام قاضي التحقيق و لا يمكن البث في قضيتك قبل الدورة القادمة، يعني بعد سنة إن شاء الله. فالتمس له محاموه الافراج المؤقت لأنه رجل مسن و مريض يعاني من السكري زيادة على أن تهمته غير مؤسسة، و لكن المحكمة رفضت الالتماس ليبقى عمي علي في السجن إلى أجل غير مسمى ليس لأنه متهم بصفة رسمية كما يظهر و لكن فقط لأنه في غمرة الحلم بدأ النبش في قضية وقعت في اليقضة و نسي أن  قرار دفنه في السجن صدر في الليلة التي أحرق فيها محله من طرف مجهولين لن يتعرف أحد على هويتهم إلا بعد تطهير مؤسسات الدولة الجزائرية من جميع الفاسدين شريطة أن يتم ذلك في اليقظة و ليس في المنام.
و من أجل إزالة اللبس في هذه القضية اقترحت على ابن عمي علي توكيل الاستاذ فاروق قسنطيني للدفاع عنه باعتباره أحد ممثلي الرئيس في مشروع المصالحة حتى يكونوا على بينة مما تحت البساط الذي يقفون عليه و يعلموا ان تعهدات الشرف التي صرحوا بها للمواطنين تتطلب منهم الاختيار بين الوقوف في وجه الشرذمة المجرمة بحزم و صرامة أو الاعتراف العلني بالعجز و الانسحاب من دائرة الضوء. و قد قبل الاستاذ اعتماد الدفاع عن الحاج علي منذ أسبوعين و أملي أن يبعث الإفراج عن هذا المواطن المظلوم الأمل في إمكانية التحول الإيجابي في مسار هذه الأزمة المقيتة و إلا  فعلى عرابي الحكم الراشد و دولة القانون أن يخرصوا غير مشكورين.   

إن حالة عمي علي عينة من مأساة شعب بأكمله. و رغم أنها قضية شخصية للحاج علي إلا انني لم استشره في نشرها لأنني أعتبرها جزء من مأساة أعيش في صميمها و أنا شاهد عليها رغما عني و عنه. و لذلك فأنا لا أسوقها للتسلية و لا للتعزية و لكن لأمكن المعنيين بهذه القضية من النظر إليها من زوايا مختلفة حتى تتضح الصورة الحقيقية للأزمة و تظهر ملامحها بجلاء. فلا يمني البعض انفسهم بأنها قضية سياسية أو أمنية فحسب، بل هي منذ البداية مؤامرة خسيسة ضد شعب استعصى على المستعمر الأجنبي و أريد له أن يدمر نفسه بنفسه. و لينتبه الغيورون على الجزائرإلى ان تشخيص الأزمات لا ينبغي أن يقوم على الفرضيات و الاستنتاجات النظرية و تخيل القضايا خلف المكاتب من طرف الموظفين أو المتقاعدين الذين يملؤون فراغهم بالنظر في القضايا من مواقعهم المريحة و مناقشتها مع سماسرة السياسة و الإعلام و دوائر المخابرات  و إنما يكون بناء على الاقتراب من الواقع الذي يعيشه الناس و تقليبه من كل الوجوه دون إهمال جزء من الصورة مهما كان تافها لأن القضية متعلقة بالدماء و الأعراض و الأموال و ما يترتب على المساس بها من آثار وخيمة على الكرامة و الشعور و الفكر.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))