الاثنين، 15 أغسطس، 2011

ورحل فارسنا الأخير

حميد لعدايسية
 
     إلتحق بالرفيق الأعلى الشيخ الجليل عبد الرحمان شيبان ، و أنقطع عما نحن فيه ، ورقدت تلك العرفانية الوهاجة ،وحول رمسها تحوم الأن سكينة الهيبة و الوقار ،وتسمو علي الحزن و البكاء و تلك وسام آل شيبان .ولقد رجعت روح الشيخ إلي ربها مطمئنة رحلت إلي عالم سرمدي تشعر به و لاتدركه، وفي رحيلها عظة محزنة و أليمة لنا جميعا .

      لقد كان شيخنا أمة وحده ،فهو علامة العربية ، وعاشق النوفمبرية في جوهرها الذي يحدد الانتماء الحضاري لهذه الأمة ، و محيي تراث جمعية العلماء ، وفارس الأصالة الجزائرية بأبعادها الرباعية :(الجزائر وطننا،و العربية لغتنا ،و الإسلام ديننا، و الأمازيغية تراثنا ).حيث جمع شيخنا في شخصيته إلي غيرة المسلم عزة العربي ، و إلي  تمرد الجزائري شموخ الأمازيغي ، و إلي شجاعة المقاوم الحضاري بقلمه طبيعة المتسامح ، و إلي عقل العالم براءة الطفل .

       لقد تحرر شيخنا الجليل من متاعب الكتابة المبدئية و مشاقها ، و سار ملتفا برداء ثباته علي المبدأ إلي حيث يتسامى عن محنة الكتابة و متاعبها . هذا هو فارسنا ،  وحامي قيمنا ، فكرة وهاجة لا تنطفئ وروح متمردة لا تهدأ إلا علي منكبي اليقظة و صناعة الوعي . وقليل في محنتنا الوطنية الذين عاشوا هذه المنحنة و من هذا القليل شيخنا الجليل عبد الرحمان شيبان، الذي إنقطع لهذه المحنة وجعلها شاغله في ليله و نهاره ، وفي ما يكتب وفي ما يقرأ وفي ما يحدث به من يرتادونه حتى و هو علي فراش المرض متشوق إلي  لقاء ربه لأنه أدى الأمانة ونصح الأمة وبلغ الرسالة و تلك شيم العلماء الربانيين .

رحمك الله يا أبا أمين ، و أسكنك فسيح جنانه، و سقاك الله من حوض نبيه ، وجزاك بإحسانك إحسانا ، وسيئاتك عفوا و غفرانا ،.رحمك الله  يا عالم الجزائر ، يا من نافحت عن أدبها و أصلتها ، و حطمت بكلماتك دعوى المغرضين ، و دحضدت  بحججك خطط الماكرين العابثين ، و ألجمت بعباراتك أفواه المشوهين حضاريا ، و المزيفين تاريخيا ، و كتابك (حقائق وأباطيل ) أكبر وسام تضعه الجزائر النوفمبرية علي صدرها يحميها من أي هجوم حضاري أو غزو فكري يريد أن يستأصل الجزائر النوفمبرية .
إيه يا فارس الجزائر : فارقت دار الزوال إلي دار المآل. فعسي الله أن يجزيك  عن الجزائر خير الجزاء  و عسي الله أن يسقي رمسك من فيض رحمته الواسعة إنه جواد كريم .

     لقد قضيت - يا أبا أمين – عمرك في خدمة العلم و نشره ، و بذلت أقصى جهدك في إحياء تراث الجزائر و بعثه ، فيا ليت حياتك لم تكن في هذا الظرف المنحط ، فما هذا الظرف ظرفك ، فلو أنك كنت في زمن الأخيار ، لوجدت هناك من يرثك حق الرثاء ، ومن يخلد إسمك في الغابرين . و لكن شاءت الأقدار أن تعيش وتمت في جزائر ميته .ماتت فيها كل القيم و أندثرت فيها مآثر العلماء .ليتني – يا شيخي الجليل – كنت شاعرا لأبدع قصيدة تشرق في جنابتها حرو ف إسمك و ينتشر من عبيقها رائحة فكرك . ليتني كنت عرفانيا لتذوب شخصيتي في شخصيتك  وتكتب  مقطوعة جوانية تدرج يوما في سيرتك . فأي شرف أصبوا إليه بعد هذا الشرف ؟ يا أشرف عالم قابلته في حياتي .

أشعر( يا شيخي الجليل ) أنه في موجة فراقك ، فراق عالم من علماء الجزائر ، وفي رزاية  موتك مرزأ الجزائر ، و بإنطفاء نورعلمك أفول لشمس العلم الساطعة ، و تبقي الجزائر كما ،أن جزءا منها قد إنقلع أو ركن من أركانها قد إقتلع .و في ختام عزائي أتوجه بنداء عاجل إلي آل شيبان و في مقدمتهم الدكتور سعيد شيبان شقيق الشيخ الجليل داعيا إياهم بأن يكونوا خير خلف لأعظم شيخ عرفته الجزائر المستقلة ، و أن لا يبخلوا علينا ببعث كتب الشيخ ، و إعادة طبعها من جديد . فنحن مشتاقون لقراءة كتب الشيخ و تصفحها لنري فيها وجهه ، ونسمع منها صوته ، و نحس في عبارتها مشاعره ، وما خلج صدره و أنهى هذه المرثية ببيت الخنساء مقبسا :

فلا و الله لا أنساك أيها الشيخ الذي أحبني حتي أفارق مهجتي ويشقى رمسي. لا أقول وداعا و إنما أقول إلي اللقاء ، و أرجوا أن يجمعني الله معك في جنة الخلد .       

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))