الجمعة، 2 سبتمبر، 2011

الفصل الرابع، الجزء الأول ،في سجن الحراش


لم يكن مقامي طويلا في سجن الحراش لأن مدة العقوبة المحكوم علي بها كانت على وشك الانقضاء و مع ذلك فقد كان محطة هامة في مسار تجربتي في هذه الأزمة. تعرفت فيه على أساتذة محامين مطلعين على عشرات الآلاف من الملفات المتعلقة بالاسلاميين و كان على رأس هؤلاء الأساتذة الاستاذ بشير مشري الذي التقيت به مجددا هناك و كان في ذلك الوقت المحامي المفضل للمتهمين بالانتماء للجيش الإسلامي للإنقاذ و الأستاذ رشيد مسلي الذي كان مرافعا مشهورا في أوساط المساجين في سجن الحراش. و علاقتي بهما ما زالت مستمرة إلى هذه اللحظة. و من مخازي النظام في الجزائر أن يتعرض هؤلاء الاساتذة المحامون و أمثالهم إلى السجن و التهميش و التشهير و هم من أعرف الناس بحقائق هذه الأزمة و الأجدر بتقديم المشورة المخلصة و الصائبة لحلها بينما يعتمد في ذلك على المرتزقة و السماسرة الذين لا هم لهم سوى التطبيل و التزمير و التناحر على خطف الفتات من موائد الفاسدين؛ باستثناء  من خلصت نيته في السعي للاصلاح أمثال الاستاذ فاروق قسنطيني.

و مما علمته في سجن الحراش و أرى أن من المفيد توثيقه في هذه الشهادة حادثتين اختصرهما فيما يلي:
1 ـ حاميها حراميها
أخبرني الأستاذ المحامي (م.ر) بأن موكله و هو مهاجر في فرنسا ممن عادوا إلى الجزائر للاستثمار فرضت عليه جماعة حسن حطاب ضريبة مقابل عهد أمان لمتجره الكبير في الضاحية الشرقية للعاصمة فقبل العرض. و بعد أشهر تعرض المتجر إلى هجوم ليلي من طرف مسلحين في زي إسلامي، فاتصل صاحب المتجر فورا بالجماعة التي أرسلت إلى عين المكان مجموعة من المسلحين الذين دخلوا في مناوشة مع المهاجمين و حاصروهم في محيط المتجر إلى أن تدخلت دورية من خفارة الحرس الجمهوري و ألقت القبض على من بقي حيا من المهاجمين. و في الغد بدأ المحامي  إجراءات رفع الدعوى ضد المهاجمين علما بأن حراس المتجر المسلحين كانوا قد استدعوا من طرف مخفر الشرطة صباح  ذلك اليوم و جردوا من سلاحهم بحجة فحصه و تجديد الترخيص لحامليه. و قد تم خطف أحد الحراس أثناء الهجوم و لم يفرج عنه إلا بعد التوافق على حل المشكلة. و لذلك فإن صاحب المتجر طلب من المحامي عدم رفع الدعوى و نسيان الموضوع لأن السلطات المعنية اتصلت به و وعدته بتعويض خسائره كلها فورا و نقدا  و لكنهم حذروه في نفس الوقت من أن رفع الدعوى سيفقده كل شيء و أنه سيطالب أمام العدالة بتهمة تموين الإرهاب زيادة على
ذلك.                     
                                                و هذه الحادثة في الحقيقة هي النتيجة الحتمية للخيار الذي تبنته السلطة في يناير 1992 كما كان يراه العقلاء الذين بحت اصواتهم في تحذير القيادة العسكرية. و لكن الغالبين على الأمر لم يكن يعنيهم سوى الانتقام التعسفي من الاسلاميين الذين هزموهم في المنافسة السياسية و المحافظة على الامتيازات التي يوفرها لهم النظام القائم. أما ما يترتب على ذلك من تسيب و انحراف و فساد  في الدولة و المجتمع فهذا لم تكن عقولهم تستوعبه في غمرة الغرور.
2 ـ تهريب الاسلحة من الخارج

سمعت عن محاولات و مخططات تهريب الأسلحة من الخارج كثيرا و كنت مقتنعا شخصيا بأن ما سمعته مبالغ فيه إلى درجة مقرفة خاصة ما نسب إلى الجالية الجزائرية في أوروبا. و لكنني بعد خروجي من الجزائر تأكدت تماما من ذلك الاقتناع و علمت علم اليقين بأن المصدر الرئيسي لتسليح الجماعات الاسلامية كان من الجزائر نفسها. بينما تشكل قوات الأمن في الدول الإفريقية المجاورة (مثل مالي و النيجر و موريتانيا و تشاد و بدرجة أقل المغرب و نيجيريا ) المصدر الخارجي الوحيد للتسلح بالأسلحة المتوسطة و الثقيلة. أما محاولات التهريب من أوروبا فإنها كانت مرصودة بدقة حيث يمكن للمهربين أن يتجاوزوا كل حدود الدول بأمان ليجدوا أجهزة الأمن الجزائرية في استقبالهم لمصادرة تلك الأسلحة. أما ما أمكن تهريبه فهو استثناء لا يقاس عليه من جهة و كان في بداية الأمر قبل أن تستكمل المخابرات اختراقها لخلايا الجماعات في الداخل و الخارج. و لا بأس من ذكر حالة واحدة ذات مغزى.

التقيت السيد ( إ ق) أحد المناضلين القدامى المحكوم عليهم غيابيا في قضية تهريب باخرة الأسلحة على شاطئ (سيقلي) المنسوبة لحزب السيد احمد بلة في الثمانينات و قضايا اخرى متعلقة بانتمائه إلى تمرد حزب القوى الاشتراكية في الستينات. و قد اعتقل بتهمة التورط في تهريب أسلحة لصالح جماعة إسلامية في الجزائر. و لكن المثير في قضيته هو أنه لم يتعرض للتعذيب أو الاستنطاق كما كان يحصل مع المتهمين في قضايا تافهة في ذلك الوقت (سنة 1994) كما لم يتم التركيز معه على التهمة الاصلية و إنما طلب منه أن يشهد بالزورعلى قضايا أخرى لها علاقة بالرئيس الشاذلي و احمد بن بلة و آيت حمد حسين. و لست أدري إلى أين انتهت المساومة معه لأنني لم أسمع عنه منذ خروجي من السجن. و لكن قضيته تدل على أن قوة الشرذمة المتسلطة على مؤسسات الدولة في الجزائر تكمن في الأوهام التي تعيشها المعارضة التي في كل مرة ينوب طرف منها عن النظام في إضعاف طرف آخر لتخرج المعارضة كلها في المحصلة بخفي حنين و يبقى النظام الفاسد المترهل جاثما على صدر الشعب.

3 ـ إختطافي من سجن الحراش
لو لم أتلق تدريبا عسكريا في حياتي لكانت تجربتي في مركز التعذيب ببن عكنون و محنتي في السجن ببشار و البرواقية كافية لتأهيلي أمنيا. فكيف و قد نشأت في حضن الجهاد و قضيت زهرة شبابي (14 سنة) ضابطا عاملا في صفوف نخبة الجيش الوطني الشعبي.
 لقد جازفت و أنا على بينة من أمري بنصرة الحق والتمرد على القرار الظالم التي اتخذته القيادة العسكرية و لم أتراجع لحظة واحدة  عن موقفي حتى و أنا تحت التعذيب و لن أتاسف بعون الله أبدا على ذلك الموقف الشريف. و قد كنت متأكدا من أن المجرمين الخونة في السلطة سيستهدفونني بالتصفية بطريقة أو بأخرى رغم علم القيادات العسكرية و الضباط و الجنود الذين عملت معهم بأن موقفي مع خطورته كان بناء على ما يقتضيه الوفاء لشهدائنا و قيمنا الوطنية التي هي أقدس من القوانين و النظم التي من المفروض أن تكون في خدمة الشعب لا في استعباده. 

و قد أفشلت جميع المحاولات الخبيثة لاستدراجي و التي استخدم فيها مساجين من الاسلاميين المفترضين و استغلت فيها علاقتي بالسعيد مخلوفي و عبد القادر شبوطي و غيرهما. و لذلك كان لا بد لي أن أستبق الخيار الأخير و الذي لا يخرج عن حالتين. الأولى هي اغتيالي بعد خروجي من السجن مباشرة في حاجز مزيف. و الثانية هي اختطافي بعد الخروج من السجن و الاعلان عن التحاقي بالجبل ثم الإعلان عن اغتيالي في عملية اشتباك مع مغاوير السلطة الأبطال.         و قد حضرت البدائل اللازمة للتعامل مع كل حالة. و هكذا اتفقت مع الأستاذ مشري على تحضير رسالة للإعلان عن اختطافي من طرف جهاز المخابرات مباشرة بعد خروجي من السجن و اتخاذ الإجراءات اللازمة لأرسالها فورا بالفاكس إلى أكبر عدد من وكالات الأنباء و جمعيات حقوق الانسان. كما اتفقنا على أن يكون كلاهما حاضرا داخل قاعة المحامين في الصباح الباكر لرصد عملية إخراجي من الزنزانة نظرا لاحتمال وجود عملاء في إدارة السجن يمكنهم إخراجي بطرق ملتوية. و هذا ما حدث بالضبط. فقد اتضح أن مسؤول الأفراد في سجن الحراش لم يكن سوى عونا من أعوان المخابرات ملحقا بالسجن.
و الحقيقة أنني لم أكن أحاول أن أتحدى قدري لأنني موقن بأن الأعمار بيد الله و لكن الذي كان يهمني هو أن أفضح المجرمين و أضعهم تحت طائلة المساءلة بقية حياتهم.

و قد غادر الأستاذ مسلي رشيد السجن بعد تأكده من خروجي من الزنزانة و ركب سيارته في انتظار خروجي مع الاستاذ مشري من باب الموظفين في الوقت الذي بقي الاستاذ مشري يتابع تنقلي بين مصالح السجن إلى أن استكملت جميع الاجراءات و تقدمت إلى سجل الخروج لإمضائه. و كان المفروض أن أمضي محضر الخروج في السجل و أغادر مع الاستاذ مشري الذي كان ينتظرني في ممر خروج الموظفين. و لكن مسؤول الأفراد الذي رافقني خطف من يدي استمارة الخروج بحركة بهلوانية و هو يقول و كأنه حقق نصرا عظيما: الآن أنت خارج السجن، و لكن الجماعة يريدونك. و هنا ظهر العقيد بوعبد الله و معه الرائد بن جرو الذيب و هما من مركز التعذيب ببن عكنون و طلبا مني اصطحابهما دون أي حركة....في هذه اللحظة صرخ الاستاذ مشري مخاطبا المدير في مكتبه و الجميع يسمعون: لقد رأيت كل شيء و سوف أحملك المسؤولية على سلامة موكلي. و حاول المدير الاعتراض على العملية لأن الأمر انكشف، فوجه له العقيد كلاما بذيئا و هدده بالبقاء في مكتبه ثم أرادوا القبض على الاستاذ مشري فلم يجدوا له أثرا لأنه خرج من الباب الخلفي و انطلق مع الاستاذ مسلي على متن سيارته إلى مكان آمن من حيث أرسلوا الاعلان الذي بثته وكالات الأنباء من لندن و باريس فورا و طالبت منظمة العفو الدولية الرئيس لمين زروال بالتدخل فورا لوقف المهزلة.

أول ما بادرني به العقيد بن عبد الله و هو يفتح فرجة في باب السجن هو قوله و هو يشرح لي الموقف: إسمع يا شوشان، لا تحاول أن تقوم بأي حركة لأن هذا يعني أننا سنرمي عليك تلقائيا. السجن محاصر كما ترى و رجالنا فوق سطح السجن و على شرفات المنازل و لن يستطيع أحد أن يقترب منك قبل أن نقتلك فلا داعي للمجازفة. فقلت: و من قال أنني أريد المجازفة، إذا كنتم لا تريدون خروجي من السجن فدعوني فيه. قال: هذه أوامر القيادة و هي غير قابلة للمناقشة. ثم فتح الباب و دفعني بمساعدة بن جرو الذيب داخل سيارة من نوع 505 كبيرة كانت ملتصقة بالباب تماما. بعدها انطلقت السيارة مخفورة بسيارات أخرى في اتجاه الطريق السريع.

في هذا الوقت كان أخي الدكتور محمد الطاهر مع باقي الزوار الذين جاءوا من كل أرجاء الجزائر لزيارة ذويهم محشورين في مستودع محاذ لجدارالسجن سيقوا إليه من طرف الحراس منذ الصباح و بقوا فيه بضع ساعات حتى تمت عملية الاختطاف. و عندما  اتصل اخي بإدارة السجن و طلب مقابلتي، قيل له إن أخاك أمضى محضر الخروج وغادر السجن هذا الصباح. فحاول الاتصال بالاستاذ مشري و لكنه لم يتمكن من رؤيته إلا بعد أيام قضاها في وضع لا يحسد عليه.

بعد 5 دقائق تقريبا من السير على الطريق السريع توقفت السيارة فجأة خلف عربة مصفحة فظننت أنها نهايتي و لكنهم حولوني إلى المصفحة و واصلوا السير. ووجدت نفسي في قفص حديدي داخل صندوق العربة و في مواجهتي  خلف القضبان أحد الضباط الذين دربتهم سابقا (ملازم أول) شاهرا سلاحه في اتجاهي. و بادرني بالحديث قائلا: إبق مكانك و لا تنظر إلي و لا تتحرك. قلت: و ما لك مرعوب هكذا، ألا ترى أنني مقيد في قفص و بيني و بينك سياج حديدي؟ قال: من حقك أن تقول ذلك، لأنك لا تعرف ما حصل في البلد بسببك. ألست أنت الذي بدأ التمرد على القيادة و شجع الإرهاب؟ إن البلاد قد احترقت و لم يعد أحد آمن فيها وأنت المسؤول على كل ذلك..... فلم أتمالك نفسي عن الضحك من سذاجته و قلت متهكما: إذا كان الأمر كذلك فلماذا لم تأخذ أنت بنصيحة مدربك و تتمرد أيضا؛ ألا تذكرني؟...فانتفض كالملسوع و هو يصرخ: لا تتكلم معي إنك تريد أن تقنعني بأفكارك...أنا عسكري و لا دخل لي في السياسة.  قلت: إذن قم بدور الحارس و لا تبد رأيك فيما لا يعنيك. و هنا فتحت فرجة من كابينة السائق ليتدخل ضابط لا أعرف اسمه و الظاهر أنه كان يسمع ما يجري فقال: دعه يتكلم فلن يسمعه بعد اليوم أحد.......... و فعلا  خيم الصمت على الصندوق إلى ان فتح بابه في مركز التعذيب ببن عكنون.

كان في استقبالي مجموعة  من الضباط العاملين في المركز و على رأسهم الرائد عبد القادر الذي كدت أنكره لأن ملامحه تغيرت إلى درجة كبيرة فأصبح منظره مرعبا. كان كالح الوجه حاد الملامح، شعره كثيف غلب عليه الشيب و على وجهه ظلمة الشر. تقدم نحوي و قال و الحقد يطفح من أنفاسه: أصدقت أن عقوبتك انتهت بالسجن ثلاث سنوات يا سي شوشان؟ لقد بقيت تحلم ثلاث سنوات في السجن؛ لقد تحسنت صحتك و ظهرت عليك النعمة في السجن أكثر مما كنت نقيبا في الجيش. أليس كذلك؟...على العكس مني كما ترى؛ لقد أكل الشيب رأسي و ضاعت صحتي...

و قاطعته قائلا: أنا أديت واجبي كضابط على أحسن وجه عندما كان الجيش جيشا و اخترت السجن على عذاب الضمير فنمت قرير العين و الحمد لله. أما أنت  فقد اخترت طريق الذئاب و الضباع و حكمت على نفسك بالشقاء إلى الأبد...و كان أثناء كلامي معه يفتشني بعنف فأخذ كل نقودي و أقلاما ثمينة أهديت لي. و بعد أخذ صور لي أمر مرؤوسيه بتجريدي من ملابسي و أخذي إلى الزنزانة رقم (5) و هو يقول: لم تعد لك حاجة بهذه الثياب لأن الشباب أولى بها منك.  سوف لن تحتاج إلى الثياب أصلا لأننا سننفذ فيك حكمنا و نريحك من هذه الحياة... و لكن ليس قبل أن نقوم معك بواجب الضيافة. قلت: لو كان الأمر بيدك لكنت رميما منذ ثلاث سنوات و لكن الأمر كله لله لو كنت تفهم. و تقدم مني ملازمان و أمرني أحدهما بنزع  ثيابي فطلبت منه السماح لي بفعل ذلك في مكان مستور فصحبني بعد تردد إلى الزنزانة و رمى مشمعا أزرقا قذرا داخلها و قال: سلمني ثيابك بسرعة قبل أن يأتي العنابي. و ما أن انتهيت من لبس المشمع حتى جاء العنابي يزمجر بكلامه البذيء و طلب من الملازم مغادرة المكان فورا و أغلق باب الزنزانة بعنف.

لقد فعلت ما كان ينبغي علي أن أفعله و لم يبق لي حول و لا قوة أبذلها لإنقاذ نفسي غير الثقة التامة في الله سبحانه. و لذلك انطلقت في تلاوة القرآن الذي استعدت حفظه كاملا في السجن بفضل الله و لم أتوقف عن ذلك إلا للصلاة في أوقات قدرتها تقديرا لأن الظلام دامس في الزنزانة. و على غير العادة كان المكان نظيفا رغم أن هندسته بقيت على حالها و كان هادئا و كأنه خال من النزلاء.و كان آخر ما أذكره من التلاوة أواخر سورة الأعراف أخذتني بعدها غفوة.

استيقظت على صوت الأقفال فوجدت الزنزانة مضاءة، و لما فتح الباب كان العقيد طرطاق منتصبا في الرواق و إلى جانبه الضابط الذي ساقني إلى الزنزانة. فنظر إلي نظرة استغراب فيها تكلف و تظاهر بالغضب لما رآني في تلك الحال المزرية و انهال على الضابط شتما و تعنيفا و هو يقول: أهكذا تعاملون النقيب شوشان؟ من أمركم بإلباسه هذه القذارة.......؟ ثم التفت إلي و هو يظهر الأسف و يلقي باللوم على مرؤوسيه و حاول أن يمرر لي رسالة سريعة مفادها أن عملية الاختطاف كانت من أجل الحفاظ على حياتي  و وعدني بالعودة للحديث معي بعد أن أصلح من شأني ثم أمر العنابي أن يحولني إلى زنزانة فسيحة في انتظار ذلك.
بعد أقل من ساعة  عاد إلي العقيد طرطاق و اصطحبني إلى الزنزانة المحاذية حيث وجدت المدير العام لأمن الجيش العميد كمال عبد الرحمان في انتظارنا.

حاول العميد أن يتجاهل عملية الاختطاف و دخل مباشرة في محاضرة لإقناعي بخطورة الوضع في الجزائر و ضرورة التعاون مع القيادة العسكرية على إنقاذ البلد. و تعمدت اختصار الطريق عليه مقاطعا: يا سيادة العميد: لقد التقينا منذ ثلاث سنوات و قبل أن تسيل دماء الجزائريين و حذرت القيادة مما تتكلم عنه اليوم بلساني و كتبت لهم ذلك بخط يدي و العقيد طرطاق شاهد على ذلك. فماذا كان جزائي؟ تعذيب و سجن و محاولة اغتيال و في الأخير اختطاف من داخل السجن. و أنا لا أريد أن تخدع نفسك يا سيادة اللواء بمحاولة إقناعي بأن اختطافي كان للحفاظ على حياتي لأن المعاملة التي تلقيتها تدل على عكس ذلك تماما. فإن كنتم ترغبون في التخلي عن اللف و الدوران و التعامل مع الأمور بجد و إخلاص من أجل المصلحة العليا للجزائر فأنا مستعد لجعل الماضي خلف ظهري و التعاون معكم على ذلك بدون مقابل. أما إذا بقيتم على دينكم الأول فإما أن تعيدوني إلى السجن و إما أن تغتالوني. و أنتم تعرفون أنني أعيش منذ ثلاث سنوات في الفائدة........... و افترقنا على أن نلتقي في صباح يوم الغد.

كان هذا أول مؤشر لنجاح الخطة التي وضعتها مع الاستاذ مشري لإفشال عملية الاختطاف و كان علي أن أدفع بالأمور إلى نهايتها لاختراق الحصار الذي سيضرب علي من طرف المختطفين فقررت أن آخذ المبادرة في توجيه تطورات القضية.
عندما غادر العميد اصطحبني طرطاق إلى زنزانة فسيحة و نظيفة كأنها غرفة بدون نوافذ و وجدت فيها سريرا جديدا و فراشا مريحا و سجادة و مصحفا و اخبرني بأن هذا ما تسمح به الظروف في الوقت الحاضر و إذا رغبت في أي شيء فعلي طلبه من الحارس بدون تردد. و أمر الحارس بأن يوقظني عندما يسمع الأذان ثم انصرف.

في صباح اليوم التالي استأذن علي الحارس بالدخول و قدم لي طقمين فاخرين من اللباس الداخلي و  لباس رياضي من النوع الرفيع و توابع النظافة و غيرها و سألني إذا كنت أحتاج إلى الاغتسال فاستغربت منه ذلك لأن المكان لا يتوفر على مثل تلك المرافق و لكنني صحبته إلى الباب الخارجي للزنزانات ثم توقفت عنده خشية أن يعتبروا ذلك محاولة فرار..... إلى أن حضر العقيد بن عبدالله الذي أخبرني بأن القيادة سمحت لي باستعمال المرافق الخاصة بالضباط. و كانت تلك أول مرة أغادر فيها الزنزانة دون عصابة و دون قيد و دون خفارة. و بعد أن عدت إلى الزنزانة وجدت على الطاولة فطورا لم أتناوله طوال خدمتي في الجيش و زودني الحارس بجميع الصحف الجزائرية الصادرة في ذلك اليوم و اليوم الذي قبله و لم تشر واحدة منها إلى عملية اختطافي رغم أن وكالات الأنباء و الصحف الأجنبية تكلمت عن الموضوع. و لكن تللك الجرائد كانت عبارة عن بيانات و محاضر أمنية تعكس الواقع الدموي التي كانت تعيشه الجزائر.

قبل وقت الغداء زارني المدير العام لأمن الجيش و أخبرني بأنه قادم هذه المرة بصفته رسولا من القيادة العليا ليخبرني بأنها تحتاجني للمساهمة في مشروع التفاهم مع الاسلاميين و أن المصلحة تقتضي أن أسكن في إقامة محروسة من إقامات الدولة في ضواحي العاصمة أتمتع فيها مع عائلتي بكل حرية و تتكفل الدولة بكل ما يلزمني و لا تمنعني من استقبال أو زيارة أحد. و كان جوابي على العرض مختصرا؛ بالنسبة للمساهمة في أي مشروع مصالحة جاد فأنا مستعد لأكون طرفا فيه بدون تحفظ و بدون مقابل. أما بالنسبة للإقامة المحروسة فأنا ليس عندي كلام غير الذي قلته: إطلاق سراحي بدون قيد و لاشرط. و بقي الوضع على حاله من الأخذ و الرد أسبوعا كاملا حاولوا خلاله إلزامي بالتبليغ عن المتصلين بي من المسلحين و غير ذلك من الأمور و انتهينا أخيرا إلى إطلاق سراحي دون التزام بشيء شريطة أن أستجيب للدعوة إذا طلب مني الحضور لمناقشة مشروع الوفاق الوطني و مساهمتي فيه. بعد ذلك سمح لي بالاتصال بأهلي لطمأنتهم و اتخاذ إجراءات سفري من العاصمة إلى غرداية جوا و منها إلى القرارة عن طريق البر.

أثناء تنقلي إلى مطار هواري بومدين تألمت كثيرا لذهول الناس عما يجري حولهم من الفظائع؛ و كأن لسان حالهم يقول: أنج سعد فقد هلك سعيد. و شعرت و أنا أنظر إلى الناس في العاصمة و في المطار بأن الأزمة لم تعد أزمة صراع على السلطة كما كانت سنة 1992  بل تطورت لتصبح أزمة متعددة الأبعاد اعتاد فيها الضحية على الجلاد و أصبح المواطن مستعدا للابتسام للجلاد بوجهه و البكاء على الضحية بقفاه طلبا للسلامة و هو أمر لم أعهده في الشعب الجزائري قبل اعتقالي و لا  حتى داخل السجن. و هو في الحقيقة ما كنت أخشى وقوعه نتيجة الإنحياز العلني و التدخل المباشر للجيش في الصراع الحاصل بين السياسيين على السلطة. و خطورة ذلك لم تكن تكمن في حرمان الجبهة الاسلامية من ثمرة نضالها السياسي بقدر ما كانت تكمن في مسخ قيمة المواطنة في وجدان الجميع ظالمين و مظلومين و ما يترتب عن ذلك من فساد على جميع المستويات.

كان أول ما فعلته بعد وصولي إلى القرارة هو الاطمئنان على مصير الاستاذين مشري بشير و مسلي رشيد فاتصلت بهما و أخبرتهما بما جرى و علمت أنهما بخير و تواعدت على اللقاء بهما. و لكنني طلبت من الاستاذ مشري أن يكون رفيقي في المسيرة المقبلة و الشاهد على كل ما يحصل بيني و بين السلطة. و كان أول لقاء جمعني به في مدينة غرداية بعد حوالي شهر من إطلاق سراحي. و بعد أن أخبرته بما جرى منذ اختطافي سألته عن تفاصيل الوضع الميداني المتعلقة بالاسلاميين خاصة فيما يخص العلاقة بين الجيش الاسلامي للانقاذ و الجماعة الاسلامية المسلحة

فأكد لي ما كنت عرفته داخل السجن بشكل عام و ما استفدته من الاستاذ مسلي عن وضع الجماعة فاتفقنا على التواصل بالهاتف و طلبت منه تبليغ رسالة إلى قيادة الجيش الاسلامي مفادها أنني مستعد للتعاون معها إذا كانت ترغب في توحيد العمل المسلح و ترشيده لخدمة المصلحة العليا للجزائر. أما الاستاذ مسلي فقد بقي التواصل بيني و بينه عن طريق الهاتف و لم ينقطع إلا بعد دخوله السجن. ( يتبع...)
بقلم النقيب أحمد شوشان

1 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))