الاثنين، 24 أكتوبر، 2011

العقيد محمد الصالح يحياوي يرد على الطاهر زبيري ج1


2011.10.23  بقلم العقيد: محمد الصالح يحياوي 
رفضت أن أطعن بومدين في الظهر
يتعرّض الإنسان في مسار حياته إلى فترات دقيقة وحرجة، يشتد فيها التنازع بين العقل والعاطفة، إزاء مواقف محددة، سيما إذا كانت تمس، وفي العمق، قضايا وطنية ومصيرية، ويكثر حولها الجدل، وتتعدد الروايات، إلى درجة أن كل من له ضمير حي، ويحرص على إبداء الحقيقة، خدمة للتاريخ وإنصافا للرجال، يجد نفسه مجبرا على تجاوز الاعتبارات العاطفية، والاحتكام إلى العقل والضمير.
   وهذا ما حدث لي وأنا أتابع قراءة مذكرات الأخ العقيد "الطاهر الزبيري"، والتي ذكر فيها معلومات غير دقيقة، وأخرى مبتورة مجزأة، تستدعي التصحيح والتوضيح.
  لقد ربطتني بالأخ الزبيري، علاقات مودة وصداقة متينة، أحكمت عراها سنوات من الكفاح المسلح، أثناء حرب التحرير، ورسّختها بعد الاستقلال قناعات مشتركة، وأهداف واحدة، ناضلنا في سبيل حمايتها وتحقيقها، واتخذنا معا مواقف صريحة وقوية، ضد ما بدا لنا من انحرافات عن مبادئ أول نوفمبر، ومن نزوع إلى التفرّد بالحكم، والسعي لبناء نظام بوليسي جائر. فانتقدنا بشدة ممارسات الرئيس أحمد بن بلة، ثم الرئيس بومدين، عند نزوعه هو الآخر إلى التفرّد.
  وسأتناول بشيء من التفصيل وقائع ما حدث في هذه الفترة الحساسة من تاريخ الجزائر، متجاوزا كل العواطف، ملتزما الأمانة والصدق.
سأروي كل ذلك بنزاهة وتجرد ما استطعت كشهادة، خدمة للتاريخ، وإنصافا للرجال، كما أسلفت، وتطهيرا لنفسي من الإثم، لأن الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: "لا تكتُموا الشهادة، ومن يكتُمْها فإنه آثِـمٌ قـلبُه" صدق الله العظيم. ولنبدأ رواية الوقائع من بداياتها الأولى، ليتضح سياقها العام...

 كيف ساءت العلاقة مع الرئيس بن بلة؟
  في أواخر سنة 1962 تقرر انتدابي للعمل مع "المكتب السياسي" لتنظيم الحزب وإنشاء هياكله على المستوى الوطني، والتحضير لمؤتمره الأول، ممثلا لولاية الأوراس. وكنت، وقتها، مازلت أمشي بالعِصِىّ، إذ لم أكن قد شفيتُ بعد من جراح معركة الوادي الأحمر، بناحية آريس، بتاريخ 18 جانفي 1962. ولقد أتاح لي هذا التعيين فرصة التعرف على أعضاء المكتب السياسي الذين عُيّنوا في مؤتمر طرابلس، وعلى الكثير من الأطر والقادة من مختلف النواحي والمناطق. وبحكم عملي في الحزب، وكممثل أيضا لولاية "الأوراس"، انتخبتُ في مؤتمر 1964، عضوا في قيادة الحزب.
  وفي آخر دورة من دورات اللجنة المركزية التي سبقت حركة 19 جوان 1965 ببضعة أشهر، وكان الرئيس "بن بلة" وقتها أمينا عاما للجنة المركزية، يدير أشغالها، ورئيسا للحكومة، ولعدد من الوزارات والهيئات العليا. طلبت منه الكلمة، وتحدثت عن الاعتقالات السياسية، والنفي إلى الصحراء لشخصيات وطنية، وضباط من جيش التحرير الوطني، وكيف تتعامل وتتصرف معهم الشرطة السياسية التابعة مباشرة للرئيس بن بلة.
  كان يجلس بجانبي الأخ "عبد العزيز زرداني"، والذي حاول الإمساك بسترتي طالبا مني الجلوس. غير أني واصلت الحديث. ثار الرئيس بن بلة، وانتفض واقفا، ورفع الجلسة، وغادر القاعة إلى مكتبه القريب.
  اتصل في الحين بنائبه، وزير الدفاع، العقيد "بومدين"، وكانت تجمعني به علاقة احترام، فأنا الذي استقبلته، في الحدود الجزائرية ـ التونسية، في أواخر صائفة 1962، بعد أن تأزمت العلاقة بين قيادة الأركان والحكومة المؤقتة، وجئت به إلى مدينة خنشلة، حيث قضينا الليل هناك، في منزل المناضل "بوزيان"، وفي الصباح غادرنا إلى مركز الولاية القريب من غابة الابراجة، حيث كان قائد الولاية "سي الطاهر الزبيري" في الانتظار. 

  كانت فرصة ثمينة، أني تعرفت وتحدثت طويلا مع قائد الأركان الذي أصدرت الحكومة المؤقتة قرارا بعزله.
  قلت، اتصل به بن بلة، ليقول له، إنه لا يريد أن يراني مرة أخرى في اللجنة المركزية. كان الرئيس بن بلة يعتقد خاطئا أنني تدخلت بإيعاز أو تنسيق مع قيادة الجيش، التي لم يكن يطمئن لها، ولا هي تطمئن له. وفي اليوم الموالي، اتصل بي "سي الطاهر"، وأخبرني أن بن بلة لا يريد أن يراني مرة أخرى في قيادة الحزب، وأن بومدين يقترح عليّ العودة إلى الجيش كنائب للعقيد عباس بكلية شرشال؛ حيث كان العقيد عباس، رحمه الله، من أعز أصدقائي وأخلصهم، حتى وافته المنية.
  تم وضعي في الصورة عن حركة 19 جوان 1965 أسابيع قبل اليوم الموعـود. وكنت أشرف، بنفسي، على تحضير الوحدة التي تقرر أن تتجه للعاصمة، للمشاركة في كتابة فصل جديد من تاريخ الجزائر.
  لم أكن مع المجموعة التي ذهبت إلى »فيلا جولي"، مقر إقامة الرئيس بن بلة، في ذلك الوقت، بل قمتُ تلك الليلة بمهام أخرى داخل العاصمة، وكنت مع الوحدة التي قدتها قريبا من الجميع. أما الذين ذهبوا إلى "فيلا جولي"، فهم:

العقيد الزبيري، والعقيد عباس، والرائد السعيد عْبيد، وأحمد دْراية.          
 كيف كانت الأوضاع في تلك الليلة؟             
(ليلة 19 جوان 1965)
   في سنة 1978، زارني في مقر الحزب، بعد وفاة بومدين، وكنت وقتها المسؤول التنفيذي المكلف بالحزب، زارني الأخ "الطيّبي العربي"، عضو مجلس الثورة، ووزير الفلاحة سابقا رحمه الله.
  قال لي أنتم تجهلون شيئا مهمّا وخطيرا يتعلق بليلة 19 جوان 1965، ليلة أن كنتم تقودون عملية من أخطر العمليات، وكنتم بين الحياة والموت... كانت مجموعة أخرى من أعضاء مجلس الثورة، وذكر لي أسماء: بومدين، ومدغري، وبوتفليقة، وقائد أحمد، والشريف بلقاسم، وشابو عبد القادر. قال لي إن هؤلاء أحضروا طائرة في المطار العسكري ببوفاريك، تحسّبا لأي طارئ، قد يُفشل العملية.
  لم يتعرّض "الزبيري" لهذا، غير أن الطيّبي العربي كان واثقا مما يقول. ولقد أكدتْ هذه العملية، مرة أخرى، أننا كنا نحن قيادات الداخل، نصنّف دائما في خانة الأنصار وغيرنا في خانة المهاجرين، فهم الأمراء كما قال "أبوبكر الصديق" رضي الله عنه.

 أزمة خريف 1967
   قبل الفاتح من نوفمبر1967 بأسابيع، جاءني إلى "بشار"، قائد الأركان العقيد سي الطاهر الزبيري، مصحوبا بالرائدين: "زرقيني" و"بوتـلة". وكان الثلاثة غير راضين عن وضع قيادة الأركان والصلاحيات الممنوحة لها، وعلاقتها بوزارة الدفاع. فضلتُ أن لا أشارك في الحديث، فأنا لم أكن أطمئنّ لبعضهم. ولم يقل لي العقيد سي الطاهر، طيلة وجوده بالناحية الثالثة، أيّ شيء عن خططه، وعمّا كان ينوي القيام به في الفاتح من نوفمبر.

  وقبل أيام قليلة من التظاهرة، اتصل بي الملازم الأول "عيسى بخوش"، قائد مدرسة المدفعية "بالتلاغمة"، والذي كان بالعاصمة مع المجموعة التي ستشارك في الاستعراض العسكري. قلت اتصل بي وأخبرني أنهم تسلموا أمرا من قيادة الأركان للمشاركة في الاستعراض العسكري بالذخائر الحية، وهذا شيء خطير، وغير مألوف من قبل، فنبّهته للمخاطر، وحذّرته من سلوك هذا الطريق... كل هذا وقائد الأركان لم يقل لي شيئا.
  كان الملازم الأول عيسى بخـوش من أعز زملائي، حتى اليوم. عمل مرؤوسا لي بالمنطقة الأولى، ثم بالمنطقة السادسة "النمامشة"، بولاية الأوراس، وكانت هذه الأخيرة من أخطر وأصعب المناطق بالأوراس، وأنا مازلت أعاني من جروح معاركها حتى اليوم...
  أما غياب قائد الأركان يوم الفاتح من نوفمبر عن الاستعراض، فقد أخبرني به العقيد عباس، رحمه الله. وبعد حادثة الغياب هذه، كلف الرئيس بومدين، العقيد عباس، والرائد بن سالم، بالانضمام إلى قائد الناحية الأولى، الرائد "السعيد أعبيد"، للمشاركة في تهدئة الأوضاع التي بدأت تطفو على سطح الأحداث، وجَعْـل حد "للشوشرة" داخل الجيش، والتي أثمرت فيما بعد حركة سميت بـ: حركة "14 ديسمبر"، التي قادها العقيد "الزبيري". 

ذهاب العقيد زبيري إلى ثكنة "اللّيدو" والاحتماء بفيلق الدبابات
   كان أول من أخبرني بذهاب قائد الأركان، إلى ثكنة "الليدو"، حيث يوجد الفيلق المدرع بقيادة الملازم الأول "العياشي"، هو الرئيس بومدين بنفسه، في الثالثة أو الرابعة صباحا، عن طريق الخط المباشر. وكنت في مقر قيادة الناحية العسكرية الثالثة ببشار. وقال لي، وقتها، إن سي الطاهر الزبيري قد ذهب إلى ثكنة "الليدو"، بضواحي العاصمة، عند صهره العياشي. وأردف قائلا: "...لقد كلفت عباس وبن سالم وعْـبَيد، بالاتصال به، وأرجو أن تكونوا يقظين، فالناحية الثالثة وضْعها حساس. وسأعاود الاتصال بك عندما يعود عباس ومن معه من عند سي الطاهر".
  وفعلا عاود الاتصال بي، في نفس اليوم، ليخبرني أن سي الطاهر، عـاد إلى منزله. وطلب مني العقيد بومدين القدوم إلى العاصمة للمشاركة في المساعي التي يبذلها الإخوة الثلاثة المذكورون آنفا.
  لذلك، فأنا لم أذهب قط مع الإخوة الثلاثة إلى»الليدو"، كما قال العقيد الزبيري. وقد عملنا، نحن الأربعة، كل ما في وسعنا لتفادي المحظور، ونجحنا في إقناع الزبيري، بإبعاد فيلق المدرعات إلى ولاية" الشلف".( الأصنام وقتئذ).
  لم يكن أيّ منا، نحن الأربعة، يفكر في عمل عسكري. فلا بن سالم الذي كانت وحداته على بعد أمتار من الرئاسة، ولا السعيد عـبيد الذي كان هو أيضا قاب قوسين أو أدنى من مقرات القيادة، ولا عباس الذي كان على بعد بضعة كيلومترات من تواجد بومدين، ولا يحياوي الذي كانت جل وحداته بمنطقة تندوف، على بعد 2000 كيلومتر من العاصمة.
  كانت مواقفنا نحن الأربعة متعاطفة مع سي الطاهر سياسيا، وكنا نصارح بومدين بهذا، كما كان يفعل سي الطاهر. ولم نكن ندفعه ثم نتخلّى عنه، كما يقول، خاصة في حديث له مع قناة الجزيرة، وهذا شيء لم يحصل أبدا.
  وطيلة أيام الأزمة التي استمرت أسابيع طويلة،. تجنبت لقاء سي الطاهر على انفراد. كنت أعلم انه ينسق مع العُقـداء القدامى، ومنجلي، ولعروسي وآخرين، وهم كثرة، وكان فعلا يخطط مع هؤلاء لعملٍ ما، كما أكد ذلك "ملاح".
  قلت تجنبت لقاء سي الطاهر على انفراد. ما عدا مرة واحدة، تلاقينا فيها أمام منزلي، قبل منتصف الليل، وطلب مني أن نذهب معا إلى منزله فذهبنا. وكان منزله دائما مليئا بأناس لا أعرفهم، أو لا أطمئن إليهم. جلسنا معا في غرفة منفصلة عـن الصالون، وكان ثالثنا الملازم موسى احواسنية رحمه الله. تحدثنا عن الأوضاع. وفهمت أنه يريد التغيير، ولكن ليس لديه برنامج واضح، لم يقل وقتها ما لونه، وما شكله، وما طعمه.
  قلت له في تلك الليلة بصراحة، وأظنه يتذكر الآن ذلك جيدا.. قلت له: "سي الطاهر، ليس من طبعي الخيانة والغدر؛ بومدين وضعني على رأس قيادة ناحية من أخطر النواحي، ولا يمكن أن أطعنه في الظهر!".
  ربما كنت في قرارة نفسي لا أعتقد هذا.. ولكني قلته بقصد إبعاد سي الطاهر عن هذا التفكير.. غضب مني وقال لي: هذا أنت؟ وافترقنا.
  سي الطاهر يقول كنت أنتظر المدد من يحياوي ونزار، ومرات من عباس، وبن سالم، واعبيد.. كيف ينتظر المدد من يحياوي الذي سمع منه هذا الكلام، وتبعد وحداته عن العاصمة بـ2000 كم؟
الشروق
....يتبع

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))