السبت، 1 أكتوبر، 2011

الفصل الرابع، الجزء الثاني، اللقاء الأول مع المدير العام لأمن الجيش



بعد شهر و نصف تقريبا استدعيت من طرف قيادة أمن الجيش فأخبرت الاستاذ مشري بذلك و سافرت إلى العاصمة حيث التقيت بالعميد كمال عبد الرحمان و العقيد طرطاق و تحدثنا عن الوضع الأمني و تطورات مشروع الوفاق الوطني الذي اطلقه الرئيس لمين زروال  و اتفقنا على ضرورة  وقف النزيف الدموي كما وافقت على الوساطة بين قيادة الجيش و أمراء العمل المسلح شريطة اعتراف القيادة العسكرية بنصيبها في المسؤولية على تفجر الأوضاع و استعدادها للتفاوض على حل الأزمة دون شروط مسبقة. و تواعدنا على اللقاء بعد ترتيب الظروف المناسبة و موافقة القيادة العليا على ما تم البث فيه بيننا.

بعد مغادرة بن عكنون توجهت إلى الاستاذ مشري الذي اشترطت قبل قدومي أن أقيم عنده فترة وجودي في العاصمة، و أخبرته بما جرى فاستحسن الأمر و أخبرني بتطورات الوضع في عملية التفاوض مع القيادة السياسية للجبهة و مشروع الهدنة المعروض عليها و المتعلق بالجيش الاسلامي للانقاذ. و قد كان الأستاذ مشري يتألم كثيرا للوضع المزري الذي وصلت إليه العلاقة بين عناصر قيادة الجبهة و الخلاف الحاد في وجهات النظر بينها. كما أخبرني بالموقف المتردد لقيادة الجيش الاسلامي تجاه المبادرة التي عرضتها عليه قيادة المخابرات، و المتمثلة في مساعدته على مواجهة عدوان الجماعة الاسلامية المسلحة مقابل وضع السلاح بعد ذلك و ضمان حق الجبهة في النضال السلمي من أجل مشروعها السياسي. فطلبت منه تبليغ رسالة إلى مدني مزراق مفادها: الأصل أن لا يورط نفسه في التفاوض مع السلطة منفردا، و لكن أذا كان مكرها على قبول العرض كما بدا لي، فعليه أن يشترط على أصحاب العرض الموافقة على تعييني مراقبا أو مشرفا على العملية للنظر في طبيعة المساعدة المقدمة من طرف السلطة و ضمان التزامها بتعهداتها. و قد جاءني الرد سريعا بعد لقائي الثاني بالاستاذ مشري و الذي خلاصته أن مدني مزراق ارتاح إلى الخيار الأول و رفض العرض من أساسه. فطويت من جهتي هذا الموضوع فيما استمر فيه الآخرون بما يناسبهم.

قبل خروجي من بيت الاستاذ متوجها إلى المطار جاءه رسول و سلمه ظرفا سميكا و بعد انصرافه قدمه لي الاستاذ و هو يقول: هذا مبلغ من المال أرسلته لك قيادة الأمن لتستعين به على مصاريف السفر  و العيد الأضحى على الأبواب و هم يقدرون ظروفك. قلت: صحيح أنا لم أكسب سنتيما واحدا منذ دخولي السجن و لكنني لا أريد مالا مقابل ما أقوم به في هذه القضية بالذات. و بعد إلحاح من طرف الاستاذ لإقناعي بأن هذا المبلغ من حقي طلبت منه فتح الظرف و تعويضي عن ثمن التذاكر لأنني أخذته سلفة من أحد الأقارب. ثم انصرفنا إلى المطار.

الهدنة بين السلطة و الجيش الاسلامي للانقاذ
يكتنف الغموض مشروع الهدنة التي حصلت بين الجيش الاسلامي للإنقاذ و السلطة و التي تطورت فيما بعد إلى أن أصبحت ميثاقا للسلم و المصالحة.  و تحاول الأطراف الرئيسية المعنية بهذه الهدنة تقديمها للرأي العام في صور شتى حسب ما تقتضيه مصلحتها الخاصة متذرعة في ذلك بسرية حيثيات الموضوع و التزامها بشروط الاتفاق. في حين أن الشعب الجزائري أولى بمعرفة تفاصيل هذه القضية كاملة غير منقوصة لأنه المعني الأول بتداعياتها. و أكبر دليل على حقه في  ذلك ما تعرض له من إبادة على أيدي المعارضين لتلك الهدنة داخل السلطة و خارجها.
فالهدنة في أصلها كانت عرضا مدروسا من طرف ذكي في السلطة رغم أن كل التصريحات توحي بأنها مبادرة اتخذها الجيش الإسلامي للإنقاذ من طرف واحد و تبنتها السلطة بعد سنتين.

 و الذي أعلمه عن هذه القضية بعد النظر فيما اجتمع لدي من معطيات هو أن عمليات الاختراق التي نجحت فيها أجهزة الأمن ابتداء من نهاية سنة 1991، بقدر ما كانت مفيدة لها في جمع المعلومات و توجيه الأحداث ميدانيا بقدر ما زادت من زخم العمل المسلح و تنوعه و اتساع دائرته لأن آلاف العملاء و الجواسيس و العيون لم يكونوا في الحقيقة سوى جيشا من المحرضين الحريصين على توريط أكبر عدد ممكن من المواطنين في الأزمة حفاظا على رواتبهم و تماشيا مع نغمة الطابور السياسي للدفاع عن الجمهورية الفرنسية في الجزائر. و هكذا وجدت القيادة العسكرية العليا نفسها عاجزة عن التحكم في الدوامة التي أدارت عجلتها فقرر طرف قوي فيها إعادة النظر في معالجة الأزمة بطريقة أكثر نجاعة و أقل دموية بينما أصر طرف آخر على مواصلة سياسة الاستئصال. و إذا كان الناس متفقون على أن الفريق محمد العماري كان هو رأس الحربة في الطرف الاستئصالي منذ أن عاد إلى القيادة بعد مقتل محمد بوضياف فإنه لا أحد يصدق بأن المدير العام للمخابرات اللواء محمد مدين كان رأس الحربة في الطرف الثاني و أنا لا أريد أن أن يقرأ كلامي خارج إطاره فالقضية تعني إعادة نظر في استراتيجية التعامل مع الأزمة و لا شيء آخر.  و قد بدأت الحرب الباردة بين الطرفين منذ ذلك الحين و كسر الفخار بعضه بعضا في صمت و تسبب ذلك في  ضحايا داخل السلطة و خارجها و كان البقاء فيها للأقوى.
و لتوضيح الصورة  انبه القارئ إلى أن في الحرب الباردة قد يكون خصمك فيها بين جنبيك. فالمرؤوسين للفريق محمد العماري في صفوف الجيش ليسوا بالضرورة في صفه و العكس صحيح كذلك بالنسبة للمخابرات.

و قد استبقت الدوائر الاستئصالية في السلطة التحول الجديد و حاولت فرض منطقها الدموي بتصعيد العمليات القتالية في كل الإتجاهات فتكثفت عمليات التمشيط العشوائية و نسف مناطق بأكملها من الوجود و تسريب أسلحة و ذخائر للمتطرفين في الجماعة الاسلامية المسلحة و استهداف أنصار الجبهة الاسلامية للإنقاذ حصريا من السياسيين و المسلحين لعرقلة أي مسعى سياسي لحل الأزمة. و بالفعل فإن كل المساعي التي بذلت في هذا الاتجاه آنذاك و مهما كانت مخلصة فإنها كانت تظهر كذر للرماد في العيون إذا ما عرضت على الواقع الدموي التي كانت تعيشه البلاد. و قد كان الرئيس لمين زروال آنذاك يحاول التوفيق بين الفريقين و يجمع بين النقيضين و تقلب في موقفه بين الطرفين فلما أعجزه ذلك حاول أن يستحدث منزلة بين المنزلتين فلم يجد لها متسعا إلا في بيته فاستقال ناجيا بنفسه و أغلق بابه و فمه أيضا حتى لا تتسرب منهما أسرار الدولة الخانقة.

و قد بدأت الهدنة مبكرا بما عرف بعرض الرئيس زروال على شيوخ الجبهة سنة 1994 و الذي كان بإيحاء من المدير العام للوقاية و الأمن و تبناه زروال رغم معارضة الطرف الاستئصالي في الجيش و لكنه تخلى عنه تحت الضغط سنة 1996.
 أما المدير العام للمخابرات فقد رمى شباكه في جميع الاتجاهات لتدارك الوضع بالطريقة التي يتصورها. فكان صيده الوحيد في البداية مدني مزراق أمير الجيش الاسلامي للإنقاذ في الشرق الجزائري. و قد كان الجيش الاسلامي في ذلك الوقت يعاني من مشكلتين؛ الأولى توافد أعداد هائلة من المتطوعين بلغت بضعة آلاف تمكن الجيش الاسلامي من تأطيرها و هيكلتها و لكنه لم يستطع تسليحها  و لا تموينها فضلا عن توظيفها في عمليات قتالية. وأصبح آلاف المجندين عبئا ثقيلا على حوالي 400 مسلح يمثلون الجيش الحقيقي العامل تحت إمرة مدني مزراق. و الثانية هو استهداف الجيش الاسلامي من طرف الجماعة الاسلامية المسلحة بتحريض و دعم مباشرمن الدوائر الاستئصالية في قوات الأمن و الجيش.

و مما تضمنه مشروع ما سمي بالهدنة لاحقا:
1 ـ إعلان الجيش الإسلامي عن وضع السلاح يقابله العفو عن عناصره.
2 ـ  تشكيل و تسليح مفرزات قتالية من عناصر الجيش الاسلامي تحت إشراف إطارات ميدانية عسكرية  للقضاء على الجماعات الدموية المتطرفة التي كانت تستهدف عناصر الجيش الإسلامي بصفة خاصة.
3 ـ بعد التحكم في العمل المسلح تتم مناقشة حق الجبهة الاسلامية في النضال السياسي من أجل دولة جزائرية في إطار المبادئ الاسلامية. و يخير عناصر الجيش الاسلامي للانقاذ المشاركين في استتباب الأمن بين الالتحاق بالجيش الجزائري أو الانتقال إلى الحياة المدنية.
4 ـ و ربما غير ذلك من الشروط التي لم أطلع عليها.

كانت هذه المبادرة مؤشرا واضحا على التوجه الجديد لقيادة المخابرات في التعامل مع الأزمة و لكن رفضها من طرف الدوائر الاستئصالية في القيادة العسكرية كان ينذر بحرب طاحنة بين خصمين تقليديين داخل المؤسسة العسكرية يمثل فيه الفريق العماري ضباط الجيش الفرنسي السابقين خلفا لنزار خالد من موقعه كقائد أركان للجيش و بصفته الضابط الأعلى رتبة بينما يمثل فيه اللواء محمد مدين بقايا ضباط جيش التحرير من موقعه كمدير عام للوقاية و الأمن و المستأثر في خزانته بالصندوق الأسود للدولة الجزائرية الطائرة. و قد دامت هذه الحرب الصامتة منذ استقالة الرئيس لمين زروال و لم تضع أوزارها إلا بعد المعركة الأخيرة التي اجتثت جميع ضباط الجيش الفرنسي السابقين من الجيش الوطني الشعبي و ملحقاته بما في ذلك مديرية الدرك و لم يبق منهم في المواقع الرسمية للجيش سوى اللواء قنايزية الذي كان مهمشا من طرف نزار خالد و محمد العماري و الذي عين لاحقا كوزير منتدب للدفاع.
و أعتقد أن مدني مزراق كان ضحية لحداثة سنه و جهله بشخصية شركائه في الصفقة و طبيعة العلاقة بين قيادات الجيش و وظائفهم في سلم المسؤولية على غرار باقي الغطاسين من قيادات التيار الاسلامي. فقد بلغني أن مفاوضاته لم تقتصر على صاحب العرض الأول بل تعدته إلى خصمه الذي مثله العميد شريف فضيل الذراع الأيمن للفريق العماري و العميد اسماعين لعماري الذي انحاز إلى قيادة الأركان رغم أنه الرجل الثاني في جهازالمخابرات طمعا في الإدارة العامة للجهاز في ظل تغول الفريق محمد العماري على الجميع. فأعفى مدني مزراق بسلوكه هذا صاحب العرض الأول من التزاماته و تنكر الفريق محمد العماري علنا للتفاوض الذي جرى بينه و بين ممثليه و قال عبر شاشة التلفزيون الرسمي لا خيار للجيش الاسلامي غير الاستسلام أو القتل.

 و لم أجد تفسيرا غير هذا لإعلان مدني مزراق الهدنة من طرف واحد و بدون قيد و لا شرط و التمسك بها رغم استهداف مواقعه من طرف العماري بالأسلحة المحرمة دوليا، مما جعل مدير المخابرات يقرر توظيف هذه الهدنة بكل حرية و ارتياح و بدون التزامات من أي نوع  في مشاريع تزكية الرئيس عبد العزيز بوتفليقة منذ ترشحه الأول للرئاسة. أما مدني مزراق فقد خرج من الصفقة بخفي حنين رغم الشقشقة التي أحدثها في حملات الاستحقاقات الرئاسية لاحقا و قد تجاذبه في نظري شعوران؛ الأول هو الاعتراف بأنه أعفى مدير المخابرات من أي التزام بتفاوضه الفاشل مع ممثلي العماري الذي خسر المعركة و أن الموافقة على إعفاء عناصر الجيش الاسلامي من المتابعة رسميا على لسان رئيس الجمهورية بعد إعلانهم الهدنة من طرف واحد يعتبر صدقة من طرف اللواء مدين محمد. و الثاني هو أمله في أن يثمن مدير المخابرات شجاعته في إعلان الهدنة دون شروط و التزامه بها رغم قدرته على الاستمرار في العمل المسلح و يتفضل عليه مقابل ذلك بالسماح لأتباعه بالنضال السياسي في إطار القانون المعمول به في الجزائر بناء على الأصل الأول للعرض. و هو أمر غير مستبعد بعد استتباب الأمر لأنصار تيار المصالحة و يأس حزب فرنسا من التلاعب بمؤسسات الدولة و على رأسها الجيش مرة أخرى.

و لست أذيع سرا إن قلت هنا بأن الشيخ عبد القادر حشاني رحمه الله كان أشد المعارضين لجميع المشاريع التي طرحت لأنه كان على دراية بالصراع الدائر بين معسكرات النفوذ داخل السلطة و كان يطمح إلى التفاوض مع الغالب في آخر جولة. كما كان الشيخ علي بن حاج و اثنان من القادة المسجونين كانوا من المعترضين عليها أيضا ربما لأسباب أخرى بينما كان موقف الشيخ عباسي مدني رئيس الجبهة و باقي أعضاء القيادة بما فيها الجيش الاسلامي للانقاذ يتأرجح بين التردد و الموافقة لالتباس الأمر عليهم.
فمشروع الهدنة التي انتهت طبعته الأخيرة إلى مشروع السلم و المصالحة كما أشرت إليه منذ سنة 1999 لم يكن مبادرة من الرئيس و لا من الجيش الاسلامي للانقاذ بل كان مبادرة من المدير العام للمخابرات الفريق محمد مدين و بقي كذلك إلى حد كتابة هذه السطور رغم المبادرات الجانبية التي تخللته و لا أعتقد أن أحدا في السلطة بعد الفريق محمد العماري يمكنه الثأثير على المسار الذي اتخذه هذا المشروع.

لقاء القطيعة
مما يشعرني براحة الضمير التامة أنني لم أتعامل بخبث مع أي طرف ساقتني الأقدار إلى التعاطي معه في هذه المحنة و الحمد لله، لا من موقع العدو و لا من موقع الصديق. فكانت علاقتي بالحركة الاسلامية المسلحة قائمة في نفس الوقت على التعاون الإيجابي فيما يحقق المصلحة للجزائر و على التحذير الصارم من أي سلوك يدفع نحو المفسدة. و الأحياء ممن عرفوني في هذه المرحلة يشهدون بأنني صارحتهم بأنني سأكون معهم ما داموا طلاب حق يريدون المصحة و سأكون ضدهم إذا  اختاروا الاعتداء على حق الآخرين. و قد هددت السعيد مخلوفي نفسه بالقتل إذا استعمل القوة في حسم النزاع بينه و بين عبد القادر حشاني كما هددت حسن حطاب و جماعته بالمطاردة إذا أخذوا المبادرة في استعمال العنف ضد النظام الحاكم و كان ذلك بالخطاب الصريح الفصيح الذي لا لبس فيه. و كذلك كان موقفي مع قيادة الجيش قبل اعتقالي و بعده. و أبناء نزار و العماري و جنيوحات و غيرهم من قيادات الجيش الذين كانوا من بين طلبتي يشهدون أنني كنت أخاطبهم علنا بأنهم عسكريون في خدمة الجزائر و ليسوا في خدمة آبائهم و لا قياداتهم. و أن طاعة القيادة تسقطها المصلحة العليا للجزائر و أن من يريد أن ينتصر لحزب سياسي فعليه خلع البدلة العسكرية و الانخراط فيه.

و من ثم لم تكن لدي مواقف مسبقة من أي جزائري، عسكريا كان أو مدنيا و تعاملت مع الجميع بناء على ما ظهر لي منهم و قامت به الحجة عليهم. فسلوك قيادة أمن الجيش معي أقنعني بأن هذه المؤسسة التي هي جزء لا يتجزأ من جهاز المخابرات بؤرة من بؤر الفساد في منظومة السلطة  و لكنها القناة الوحيدة للتواصل بيني و بين القيادة العسكرية التي فيها عناصر غير شريرة يمكن التعاون معها على الحد الأدنى من المصلحة إذا أتيحت الفرصة لذلك.

 و قد كنت على وعي تام بخطورة المسلك الذي أمشي فيه و لكنه كان الخيار الوحيد من أجل نفض الغبار على حقيقة الصراع و تمايز أطرافه ليهلك من هلك عن بينة و يحيا من حيي عن بينة. و على نفس الأساس كتبت بخط يدي بيانا مفصلا ضمنته تفاصيل ما جرى إلى ذلك الحين و ختمته بتوجيه نداء للشعب الجزائري و آخر لضباط و جنود الجيش الوطني الشعبي و آخر لعلماء المسلمين و دعاتهم و آخر للجماعات المسلحة. و سلمت البيان لشخصين أمينين طلبت منهما إرساله إلى عنوان واحد محدد في حالة تعرضي للاغتيال أو انقطاع أخباري عنهما أكثر من عشرة أيام. و كنت أستبق بذلك أي نية مبيتة لاغتيالي من طرف الدوائر المجرمة  و توثيق الحقيقة التي يسعى المتورطون في الأزمة إلى طمسها و تزويرها و تحميل أطراف الأزمة المسؤولية على الملأ. أما إذا كتب الله لي السلامة فإنني سأتصرف بما تقتضيه المصلحة و يتطلبه واقع الحال و لا حاجة لنشر البيانين.

خلال هذه الفترة اتصل بي أمير الجماعة الاسلامية المسلحة في الجنوب محمود أبو طالب و حذرني من التعرض إلى الاعتقال أو الاغتيال على أيدي قوات الأمن لأنهم لن يترددوا في فعل ذلك على حد قوله إذا تم تنفيذ أي عملية من طرف الجماعة في المنطقة. و في مقابل ذلك عرض علي الالتحاق به و مساعدته في إمارة مسلحي الجنوب. فأخبرته بأن قيادة الجماعة ستعاقبه على الاتصال بي لأنها تفكر بطريقة مختلفة عنه تماما. كما أنني ما زلت بصدد دراسة الوضع و تقدير الموقف و إذا عزمت على القيام بشيء يعنيه فسأكون أنا من يتصل به. و قد التقيت به مجددا في منطقة الزويرات بموريتانيا بعد أشهر و سأعود إلى ذلك في حينه.
كما بلغتني معلومات عن تواجد السعيد مخلوفي في منطقة بشار في ذلك الوقت و استقلاله بإمارته هناك بعد وفاة عبد القادر شبوطي و إرغام بعة عز الدين على الالتحاق بالجماعة الاسلامية المسلحة.

و في نفس الفترة جاءني رسول من حسن حطاب يطلب مني الالتحاق بالجماعة فاشترطت عليه أن نلتقي أولا لمناقشة الوضع و عرض تصوري الخاص للقضية ثم يكون بعدها لكل حادث حديث. فقبل حسن حطاب الاقتراح و لكنه في الوقت الذي كنت متوجها فيه إلى المطار لمقابلته اتصل بي و طلب مني عدم الحضور لأن في ذلك خطر علي على حد قول الرسول. و لم أجد تفسيرا لهذا السلوك من حسن حطاب غير اكتشافه لتورط زيتوني في علاقة مشبوهة مع دوائر أمنية، لأن توتر العلاقة بين حطاب و زيتوني تصاعد منذ ذلك التاريخ و لم يتوقف إلا بمقتل الأخير و استقلال حسن حطاب بجماعته التي سماها لاحقا الجماعة السلفية للدعوة و القتال.

في نفس الاسبوع الذي ألغي فيه اللقاء مع حطاب استدعيت من طرف المديرية العامة لأمن الجيش. و كانت أول الجلسات مثيرة للغاية لأنها انعقدت في المكتب الذي يفترض أن يصبح مكتبي و دخل العميد كمال عبد الرحمان في الموضوع بدون مقدمات......هذا المكتب الذي أجلس خلفه سيكون مكتبك و ستكون مرؤوسا لي مباشرة و ستكون أول عقيد في دفعتك......إفتح باب الخزانة؛ هذه ليست أوراق للكتابة إنها أوراق نقدية يمكنك التصرف فيها بما يساعدك على القيام بمهمتك (خزانة مملوءة بالأوراق النقدية الجديدة)....قاطعته: و لكن ما هي هذه المهمة يا سيادة العميد؟....كان العميد متكئا فاعتدل ثم قال: المهمة تقوم على قاعدة: (انهيار السقف يتطلب نسف الأعمدة). و الأعمدة في العمل الاسلامي المسلح هم السعيد مخلوفي و محمد السعيد و عبد الرزاق رجام و بعة عز الدين و أمثالهم......هؤلاء يثقون بك و يمكنك استدراجهم للاجتماع معك و هذا هو المطلوب منك، و سيقوم بباقي المهمة غيرك....

لقد أذهلني العرض إلى درجة أنني استغرب اليوم كيف سمعت هذا الكلام كله بهدوء. فأردت أن استوثق من جدية ما أسمع فقلت: يا سيادة العميد ألم نتفق على أن أكون طرفا في الوفاق بينكم و بين الجماعة؟ قال: هؤلاء لا ينفع معهم الوفاق. قلت: و لكنك تعرف أن الذين ذكرتهم بالاسم إطارات سياسيون مثقفون و كلهم جامعيون يمكن الوصول معهم إلى توافق بالحوار و التفاوض و أنا اضمن لكن ذلك إذا اعطيتموني الفرصة. و لو أنكم طلبتم مني وضع حد للمجرمين الذين يتبجحون بقتل النساء و الأطفال و يخربون المدارس كجمال زيتوني و أمثاله لتفهمت طلبكم....و هنا قاطعني طرطاق منفعلا: دع زيتوني و شأنه، هو رجلنا و سنتكفل به نحن. أما أنت فمهمتك أن تلتقي بالسعيد و الجماعة الذين سنحددهم لك...و هنا نهض العميد و هو يقول: المهم أنك موافق على الموضوع و ستدرس التفاصيل مع بشير (يقصد طرطاق) و سأراكم لا حقا لأن لدي ما يشغلني الآن... ثم انصرف. و هنا اقتنعت بأن هذه المؤسسة ليست فاسدة فحسب بل بدائية في أسلوب عملها و لم يبق لي خيار غير العمل على كسر الطوق المحيط بي بهدوء تام.

سألني طرطاق إن كنت جاهزا لبدء العمل فأظهرت له الموافقة و قلت: أعطوني فرصة للاتصال بهؤلاء الجماعة و التفاهم معهم. فقال طرطاق: نحن سنعد كل شيء و المطلوب منك هو تنفيذ التعليمات ليس إلا.  سنحدد لك غدا موعدا مع عنصر اتصال يصحبك للقاء زيتوني و البقاء معه حتى تأتيك تعليماتنا. و فعلا تحدد الموعد على الساعة 11 صباحا و المكان غرفة في الطابق الثالث أو الرابع من نزل على شارع ديدوش مراد. و فعلا كنت في الموعد و لكن في الرواق و ليس في الغرفة و جاء عنصر الاتصال و كان شابا رياضيا ملتحيا و دخل الغرفة و حاول البحث عني في الرواق قريبا من الغرفة فلم يجدني وعاد من حيث أتى.
مباشرة بعد خروج عنصر الاتصال اتصلت بالاستاذ مشري و طلبت منه الاتصال بالمدير العام للأمن و إخباره بأن الفريق المكلف بقضيتي في جهاز أمن الجيش بدائي جدا و لا يمكنني الاستمرار في التعاون معهم و طلبت منه ترك المبادرة لي في الاتصال بالسعيد و غيره. و كان الرد فوريا من طرف المدير العام للأمن فعدت إلى المنيعة حيث تركت عائلتي.

حدث في الطريق
بعد الرحلة الجوية من العاصمة إلى غرداية أكملت رحلتي إلى المنيعة بالحافلة و كنت جالسا في المقعد الأمامي. و في أول مفترق طرق توقفنا عند حاجز للجيش. اقترب الملازم من الحافلة و ما ان رآني حتى تراجع إلى الخلف و هو يصيح كالمجنون موجها الخطاب لجنوده: انبطحوا إنه النقيب شوشان..... لقد عرفته...إنه هو... فانتشر الجنود حول الحافلة منبطحين و اسلحتهم جاهزة لإطلاق النار في اتجاه الحافلة. فدب الذعر في أوساط الركاب و تسمر السائق المسكين على مقوده و هو ينظر إلي. فقلت: لا تخف و اخرج لهذا الحمار و قل له بأنني سأنزل بهدوء فلا داعي لترويع الركاب. و قد امتنعت عن الوقوف خشية ان يتصور اني أريد أن أقاتله فيرمي عشوائيا على الركاب المساكين. فنزل السائق و كلمه، فصاح الملازم السفيه : انزل و يديك على رأسك. فنزلت و انا اسأل: اين المسؤول على هذا الحاجز؟ فرد علي: انا المسؤول، تقدم نحو المركز بدون كلام. و لما دخلت إلى المركز وجدت دركيا برتبة مساعد اول و عسكري برتبة مساعد أعرفه فسألتهما: كيف تبقيان داخل المركز و تتركا هذا الولد الطائش يروع الناس؟ فضحك المساعد و قال: إنه ضابط يا حضرة النقيب و يتصرف بدون مشورتنا. قلت: لماذا أوقفني؟ أعندكم أمر باعتقالي؟ قال الدركي بعد مراجعة القوئم: لا. قلت: و ما المطلوب مني إذن؟ فاجابني الملازم الذي كان خلال هذه الفترة يستنفر القيادة بأنه ألقى القبض على عدو الجزائر رقم 1. المطلوب ان لا تتحرك حتى تصل القيادة. قلت: و هؤلاء المسافرين ما ذنبهم؟ قال: هذا أمر لا يعنيني. فطلبت من المساعد ان يذهب إلى الحافلة و يأتي بحقيبتي و ياذن للسائق بالذهاب ففعل.

و بعد نصف ساعة تقريبا وصلت قوة من الدرك و الجيش أرسلها قائد القطاع العسكري لولاية غرداية. فسألتهم بأي حق تعتقلونني؟ فقالوا: ستعرف عندما نصل إلى مقر القيادة. و وضعوا القيد في يدي و عصبوا عيني و نقلت مخفورا بقوة عسكرية مختلطة كبيرة إلى مدينة غرداية حيث بقينا ندور أكثر من نصف ساعة في طرقات المدينة لتمويه الوجهة الحقيقية للقافلة إلى ان انتهينا إلى مقر قيادة مجموعة الدرك الذي اعرفه قبل أن ينخرط العاملون فيه في الخدمة.

وجدت في استقبالي الرائد الأخضر قائد مجموعة الدرك فعرفته و لكنه لم يذكرني. فسألني: الملازم يقول انك نقيب فار من الخدمة. قلت: هذا الضابط من ضحايا صحفيات الوطن و الصباح و تعيينه في حاجز أمني خطر على أمن المواطنين يا حضرة الرائد. قال: إذا لم تكن فارا فناولني إجازتك.. قلت: انا ليس عندي ما اقوله لك غير ان تطلق سراحي إذا لم يكن لديك امر بالقبض علي او تتحمل المسؤولية كاملة على ما يحصل. قال: و من هذا الذي يحملني المسؤولية؟ سأضعك في السجن و لن يسمع بك أحد. قلت: عجيب يا سي لخضر! لقد كنت ضابطا مثاليا عندما كنت أمينا في مكتب المقدم حشيشي ذات يوم و لكن الظاهر أن هذه الأزمة جننت الجميع. ثم قلت: ناولني الهاتف و ساوصلك بمن يحملك المسؤولية يا حضرة الرائد. و يمكنك ان تقول له بانك ستضعني في السجن. و انصحك ان تبعد السماعة عن اذنك لأنك ستسمع ما لا يسرك. فطلب مني الرقم وهو يقول: رقم من هذا؟ قلت: اطلبه و اساله. و هنا تناول الرائد سماعة التلفون و اتصل بقائد القطاع و استفسر عن التلفون ليأتيه الخبر اليقين بعد خمس دقائق....لست ادري ما قيل له و لكن الرجل انقلب مرة واحدة و اتجه إلى قائلا: يا أخي لماذا لم تخبرني من البداية؟ لقد أحرجتني يا سي شوشان و أنا اعتذر لك على ما حصل و و الله إن جميع المسؤولين على مستوى الولاية يعرفون بانكم عائلة وطنية مجاهدة و لكن الأمور اختلطت علينا و لم نعد نفهم شيئا....أنا آسف جدا على سوء التفاهم الذي وقع و الملازم الذي تسبب لنا في هذه المشكلة سيدفع ثمن غلطته....فقاطعته قائلا: الذي يهمني هو أن تجدوا وسيلة توصلني إلى المنيعة لأن اولادي في انتظاري. قال: فورا سأطلب لك سيارة اجرة. قلت: لن اركب مع احد حتى تدفعوا له ثمن التذكرة نقدا كما دفعتها انا نقدا لشركة نقل المسافرين. و فعلا حصل. و سبقتني التعليمات تحذر مصالح الدرك على مستوى ولاية غرداية من التعرض لي. و منذ ذلك الحين أصبح عناصر الأمن يعاملونني باحترام دون أن يفهموا شيئا.

الشاهد في هذه الحادثة هو أن طغيان القيادة العسكرية لم يأت من فراغ. و إنما هو نتيجة لتفشي القابلية للذل من طرف المواطنين و وضاعة النفوس عند الطبقة الوسطى من سلم القيادة و المسؤولية. فهذا الملازم الحقير لم يأمره أحد باعتراض الناس. و لكن نفسه الوضيعة التي تطير فزعا عندما يتكلم الرصاص هي التي تزين له الاستئساد على المواطنين العزل. أما قائد مجموعة الدرك فهو لا يستشعر المسؤولية امام الله و لا أمام القانون و لا يخضع لتأنيب الضمير كأنه سكران أو أبله بل إن كل ما يهمه هو أن يفعل شيئا يشبع شهوات سيده حتى و لو كان بالتعسف في اعتقال الأبرياء و سجنهم بل حتى قتلهم.
ما الذي تغير بالنسبة لي؟ لا شيء بتاتا. فأنا هو انا امام القانون قبل الحادثة و بعدها. و لكن الذي تغير هو الطبيعة المزاجية التي يتميز بها كثير من مستخدمي الدولة عسكريين و مدنيين.

و من هنا يجب علينا ان نفهم بأن التمني لا ينفع في تغيير الأوضاع شيئا و إنما الذي ينفع هو اسنهاض الهمم و الصبر على الحق و احتقار الباطل و استنكاره مهما كانت صولته. فالمسؤول المتغطرس إذا لم يلتزم بالقانون كما هو معلن عنه في المواثيق الرسمية يجب على جميع المواطنين مقاطعته كخطوة أولى لتنبيهه ثم محاصرته لتخويفه فإن لم ينفع معه لا هذا و لا ذاك فيجب توقيفه عند حده بكل الطرق الممكنة حتى لا تقوم له بعد ذلك قائمة. و بدون ذلك فإن الفساد سيجدد بعضه بعضا إلى أجل غير مسمى. ( يتبع...)

النقيب أحمد شوشان

3 التعليقات:

  • vive les hommes
    incha allh vous libérez l'Algérie

    aaamin

    17 مارس، 2012 9:38 م

  • و اللله كنت اعلم ان اللواء قائد اركان الحرب الحالي السيد محمد مدين هو المهندس الحقيقي للمصالحة الوطنية التي كانو يسمونها في الاول قانون الرحمة و للاسف محمد العماري و كمال عبد الرحيم قائد الناحية الثانية هم من عطلو قانون المصالحة في التسعينيات لهدف القظاء علئ القيادات الحقيقية للجيش الاسلامي و الجماعة المسلحة خاصة السياسية و اللواء كمال عبد الرحيم تسبب في تشجيع بعض الميليشيات في تكوين عصابات لترويع المواطنين العزل لكن الحمد لله تم تنظيف الجيش من هؤلاء الاستئصاليين و كل الفضل يرجع الئ اللواء محمد مدين الذي قام بطرد هؤلاء الاستئصاليين ابتداء من محمد العماري الذي كان معارض لقدوم بوتفليقة للجزائر كثير من الجزائريين يتهمون اللواء مدين انه كان مجرم و هذا خطئ كبير لان اللواء محمد مدين رجل وطني هو المهندس الحقيقي لمشروع المصالحة الوطنية و اذا الجزائر تنعم اليوم بالسلم فالفضل يرجع اليه اولا لانه صاحب الفكرة و المبادرة و الئ الاسلاميين الذين استجابو للنداء حقنا لدماء الجزائريين حفظ الله لنا الجزائر و نتمنئ ان شاء الله ان لا تتكرر فتنة يقتل فيها الجزائري اخاه يجب اخذ العبرة

    6 أغسطس، 2012 10:40 ص

  • و اللله كنت اعلم ان اللواء قائد اركان الحرب الحالي السيد محمد مدين هو المهندس الحقيقي للمصالحة الوطنية التي كانو يسمونها في الاول قانون الرحمة و للاسف محمد العماري و كمال عبد الرحيم قائد الناحية الثانية هم من عطلو قانون المصالحة في التسعينيات لهدف القظاء علئ القيادات الحقيقية للجيش الاسلامي و الجماعة المسلحة خاصة السياسية و اللواء كمال عبد الرحيم تسبب في تشجيع بعض الميليشيات في تكوين عصابات لترويع المواطنين العزل لكن الحمد لله تم تنظيف الجيش من هؤلاء الاستئصاليين و كل الفضل يرجع الئ اللواء محمد مدين الذي قام بطرد هؤلاء الاستئصاليين ابتداء من محمد العماري الذي كان معارض لقدوم بوتفليقة للجزائر كثير من الجزائريين يتهمون اللواء مدين انه كان مجرم و هذا خطئ كبير لان اللواء محمد مدين رجل وطني هو المهندس الحقيقي لمشروع المصالحة الوطنية و اذا الجزائر تنعم اليوم بالسلم فالفضل يرجع اليه اولا لانه صاحب الفكرة و المبادرة و الئ الاسلاميين الذين استجابو للنداء حقنا لدماء الجزائريين حفظ الله لنا الجزائر و نتمنئ ان شاء الله ان لا تتكرر فتنة يقتل فيها الجزائري اخاه يجب اخذ العبرة

    6 أغسطس، 2012 10:42 ص

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))