الثلاثاء، 4 أكتوبر 2011

الفصل الرابع ،الجزء الثالث،الهجرة من الجزائر

سميتها الهجرة لأنني لم أقرر التنازل عن حقي في المواطنة بعد، و إنما هي انسحاب مؤقت بنية العودة إن شاء الله. فقد تأكد لي بما لا يدع مجالا للشك بأن بقائي في الجزائر لا يعني سوى أحد أمرين. فإما أن أقبل التعاون مع سلطة تصر على التعامل مع شعبها كسلطة احتلال عسكرية حقيقية و تعتمد في سياستها للأزمة كل الوسائل القذرة و بالتالي أساهم في قتل المواطنين استجابة لنزوات ذكور و إناث لا خلاق لهم و لا دين و لا ضمير. و إما أن ألتحق بجماعات مسلحة لا عهد لها و لا شعار غير القتل و التخريب تحت شعار الاسلام. علما بأن في الطرفين عناصر مخلصة و أخرى مضلله أو مكرهة و لكنها لا تسمن و لا تغني من جوع في المفازة التي توغلت فيها الازمة.
و كان أول ما قمت به هو الاتصال بعمي المجاهد الفاضل أبي عثمان رحمه الله و الذي غادر الجزائر سنة 1993 إلى إفريقيا، و ذلك من أجل استطلاع الموقف في الخارج قبل تحديد وجهتي في المستقبل. و من المفيد أن أقف مع هذا الجزائري الوفي لوطنه الذي ظلمته الدولة الجزائرية مثل ما ظلمت غيره من المخلصين  ظلما يستوجب نقمة الله من القائمين عليها منذ الاستقلال.

الاستاذ محمد الأخضر شوشان رحمه الله

أصغر أبناء العلامة الشيخ محمد الطاهر شوشان من مواليد سنة 1937 زاول تعليمه بمدرسة الحياة و حصل على الثانوية العامة بمعهد الحياة بالقرارة. تطوع لتدريس ابناء البلدة بدلا من الابتعاث إلى جامعة الزيتونة و هو في السادسة عشر من عمره قبيل اندلاع الثورة التحريرية. و منعه شقيقه الأكبر المجاهد الحاج ابراهيم من الالتحاق بجيش التحرير رغم إلحاحه إشفاقا على أمه المجاهدة الحاجة أم الخير رحمها الله التي لم يكن للثورة جحر ترأز إليه غير بيتها المتواضع قصر القرارة. فتحدى هذا الشاب كل العوائق و التحق بجيش التحرير بمبادرته الشخصية عن طريق الحاج سلامة الذي جنده لدى قيادة الولاية السادسة فكان أحد كتابها و شارك في معارك مع قائدها العقيد محمد شعباني رحمه الله في جبل بوكحيل و جبال الكرمة. و بعد الاستقلال عين مسؤولا عسكريا و سياسيا في كل من غرداية و المنيعة و ورقلة حيث تم اعتقاله لمدة أسابيع في الحملة التي طالت العقيد محمد شعباني و مساعديه سنة 1964 بتهمة العمل على فصل الصحراء الباطلة التي أعدم شعباني ظلما و عدوانا بسببها و بقي مساعدوه الذين يشكلون اليوم الأمانة الوطنية لمنظمة المجاهدين 18 سنة في السجن قبل أن يطلق الشاذلي بن جديد سراحهم و يرد إليهم الاعتبار.

في هذه الحملة لم يسجن المجاهد محمد الأخضر شوشان و لم يعدم لأنه لم يكن من سكان بسكرة و لكنه رفض الخدمة في المؤسسات السياسية للسلطة الحاكمة بعد ما تعرض له هو من إهانة و تعذيب و وفاء لقيادته التي يعرف إخلاصها للجزائر قولا و عملا في الحرب و السلم. فاعتزل السياسة و انخرط في سلك التعليم مربيا ابتداء من سنة 1965 و بقي فيه إلى سنة  1992و استكمل دراسته الجامعية خلال هذه الفترة.
و في سنة 1990 و اغترارا بما قام به الشاذلي بن جديد من مبادرات لرد الاعتبار للمواطن الجزائري و التي كان آخرها فتح المجال للتعددية السياسية و نزولا عند رغبة كثير من المواطنين عاد رحمه الله إلى العمل السياسي كرئيس لمكتب الجبهة الاسلامية للانقاذ بالمنيعة ثم انتخب رئيسا لمكتبها الولائي بغرداية ثم عضوا لمجلس الشورى المنبثق عن مؤتمر الوفاء بباتنة سنة 1991.
تعرض للاعتقال التعسفي بعد إضراب الجبهة في جوان  1991 ثم أطلق سراحه لتحضير الانتخابات البرلمانية. و بعد انقلاب يناير 1992 داهمت قوات الدرك و الجيش منزله في المنيعة عدة مرات دون أن تتمكن من اعتقاله فاستهدفت اجهزة الأمن ابنيه محمد الطاهر و عبد الحليم الذين قضيا بين معتقلات الصحراء ثلاث سنوات بدون وجه حق.

و هنا أفتح قوسا لأسجل أن هذا الرجل المجاهد كان عضوا في مجلس الشورى الوطني للجبهة و كان عمي و صهري و استاذي و مع ذلك لم يحاول استغلال علاقته بي لتوظيفها في خدمة حزبه كما يفعل الخونة و الخائنات الذين استباحوا كل شيء من أجل إشباع نزواتهم الجامحة في إقامة جمهورية الرذيلة و الفساد و المخدرات و الرشوة.  و  لذلك فإنه لم يعلم رحمه الله بعلاقتي بالحركة الاسلامية المسلحة إلا بعد أن اعتقل عبد القادر حشاني؛ حيث أخبرته بأنني مع بعض المخلصين من ضباط الجيش  قادرين على القضاء على الشرذمة التي تريد أن تخلط الأمور في البلاد و مستعدون لفعل ذلك بالتعاون مع الحركة الاسلامية المسلحة إذا كان هناك من يتحمل المسؤولية على تبعات ذلك. فأجابني رحمه الله بكل مسؤولية: لا أحد يتحمل عنك المسؤولية على دماء الناس يا ولدي. فإن كنت قادرا على  فعل شيء من أجل بلدك فكن مستعدا لتحمل المسؤولية على تبعاته وحدك و إلا فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

بعد أن تكثفت مداهمات الأمن لبيته و تم ترويع أهله دون ان يظهر في الأفق ما يوحي بالإنفراج في الازمة غادر الجزائر عبر الصحراء الكبرى في مغامرة كادت تودي بحياته و حط الرحال بالنيجر حيث التقى بالحاج حسن رحمه الله أحد انصار المشروع الإسلامي المخلصين و الذي كان يحضر لإنشاء قاعدة لإيواء و تدريب الاسلاميين المهاجرين في المنطقة الحدودية بين الجزائر و النيجر. و قد مكث معه اشهرا قليلة تأكد خلالها من عدم جدوى بقائه هناك فانتقل إلى غانا بمساعدة ابنه الأكبر الدكتور عثمان المقيم في المملكة العربية السعودية آنذاك. و قد اكمل رسالته التربوية و الدعوية في غانا و استقر به المقام بعد ان تزوج غانية من أهل البلد و استطاع بالتعاون مع إدارة المنتدى الإسلامي بناء مدارس و مساجد و حفر آبار و كفالة ايتام و غير ذلك من الأعمال الخيرية التي ما زال المسلمون في غانا يستفيدون منها. و بقي هناك حتى سنة 2000 حيث سافر إلى بريطانيا و حصل على حق اللجوء السياسي فيها و بقي استاذا للغة العربية في أحد معاهدها الجامعية إلى أن اقعده المرض سنة 2007 و توفي في شهر جوان 2008 رحمه الله و غفر له.
هذا الرجل المعطاء الذي امتد نفعه من قلب الصحراء في الجزائر إلى أدغال إفريقيا و أعالي بريطانيا تخرج على يديه عشرات الآلاف من الرجال و لا تسمع أحدا يذكره من الجزائر أو من خارجها إلا أثنى عليه خيرا. إنه رجل لم يؤذ أحدا في حياته و لم يكلف أحدا شيئا بل كان يكلف نفسه في سبيل التخفيف عن الآخرين دون رياء و لا امتنان. و رغم انه كان في موقع المسؤولية الذي يمكنه من الاستيلاء على املاك الناس و اختلاس اموال الدولة بعد الاستقلال و رغم أنه لم يعرف البطالة في حياته الممتدة واحدا و سبعين عاما و رغم انه كان على علم بقنوات جمع المال و الطريق إلى جيوب المحسنين من اغنياء المسلمين في الخليج و غيره فإنه توفي و ليس بحوزته عقد ملكية للبيت الذي يسكنه هو و عائلات اولاده و بناته في المنيعة فضلا عن غيرها. بل رحل و في ذمته ديون لدى اثنين من خاصة معارفه.

هذا الرجل المجاهد النقي اتهمته أجهزة الأمن في الجزائر بالإرهاب و المشاركة في عمليات السطو و القتل و طالبت برأسه مقابل مكافأة مالية و علقت صوره في مخافر الأمن و اقتحمت بيته على النساء و الأطفال في منتصف الليالي بعد أن اعتقلت و شردت جميع الرجال من أهل بيته و حكمت عليه بجميع العقوبات ابتداء من الإعدام و انتهاء بعشرين سنة سجنا مرورا بالمؤبد. فهل بعد هذا يتساءل عاقل لماذا يتعرض عناصر الأمن و من تواطأ معهم للاغتيال من طرف المسلحين؟ ايحلمون أن يتحلى كل الشباب الجزائري بصبر و حلم هذا الجبل الشامخ؟ و هل يجرؤ القضاة الذين أصدروا تلك الأحكام على تبرير فعلتهم الشنيعة امام الناس في الدنيا؟  و من سيشفع لهم امام الله يوم القيامة؟ و أسأل هنا أهل المنيعة كلهم و الذين أقام هذا الرجل الفاضل بينهم منذ الاستقلال: هل عرفتم رجلا أنظف يدا و أعف نفسا و اسلم قلبا من هذا الرجل بينكم أنتم السكان الأصليون في المنيعة أو من غيركم من الوافدين على البلاد من مستخدمي الدولة و على رأسهم عناصر الأمن و بدون استثناء؟ إنه لا يسعكم غير النفي و من قال غير ذلك فهو كذاب و شاهد زور بكل تأكيد.
إن ما تعرض له هذا الرجل و أمثاله في جزائر الاستقلال من موجبات المقت و النقمة من الله. و ما دام الناس يشهدون الزور خدمة للباطل و يبجلون الحقير الفاسق و لا يعرفون لأهل الفضل حقهم  فأنى لهم أن يطمعوا في لطف الله و عفوه؟
رحلة الخروج
إستحسن عمي فكرة مغادرتي الجزائر و لكنه طلب مني التريث نظرا لخطورة الرحلة التي عادة ما تكون مع مهربين من المحتمل أن يقعوا في كمائن دوريات الدرك و الجمارك أو حتى قطاع الطرق من الطوارق و الأزواد المنتشرين على الحدود الجنوبية للجزائر. و لكنني لم أكن استطيع التأجيل  بعد ما حصل بيني و بين مديرية امن الجيش فقررت أخذ المبادرة بنفسي.

كان واضحا للجميع أن وضعي خاص جدا. فأما الاسلاميون فكانوا واثقين بأنني من أهل الحق و لا يمكن أن أنحاز إلى الباطل مهما كان الثمن. و لذلك فقد بقيت علاقتهم بي على حالها و لم تتغير بل ازدادوا مني قربا لأنهم استانسوا بإطلاق سراحي و رد الاعتبار لي كما بدا لهم. أما أتباع السلطة فقد وقعوا في حيرة عندما رأوني آكل الطعام و أمشي في الاسواق بعد كل ما حدث. و زاد من حيرتهم ما لا حظوه من تهيب أجهزة الأمن من الاقتراب من بيت عمي الذي قضيت فيه مدة غير قصيرة.

في هذه المرحلة لجأت إلى بيتنا عائلة من أم و ثلاث بنات و صبي. هذه الأم اعتقل ابنها الأكبر و هو معيلها الوحيد بتهمة الانتماء إلى جماعة مسلحة سنة 1992 و سجن في السجن العسكري بالمرسى الكبير و فر منه سنة 1993 ليجد نفسه في حضن الجماعة الاسلامية المسلحة بقيادة  عبد الرحيم في غرب الجزائر. و منذ ذلك الحين اعتقلت الشرطة أخاه الثاني و فرضت على العائلة المحافظة المسكينة حصارا مشددا لتبقى الأم و بناتها التي بلغن سن الشباب عرضة لفضول حراس الجمهورية الأشاوس الذين لا يحلو لهم ترويع الغلابى إلا بعد منتصف الليل. و لما وصل عبد الحكيم إلى المنيعة و علم بما تتعرض له عائلته من طرف الشرطة التحق بالجماعة المسلحة هناك و طلب منهم مساعدته في تهريب عائلته خارج الجزائر فوعدوه بذلك. و لكن النافذين في الجماعة نقضوا العهد و ساوموه على الزواج من أخواته الثلاث فرفض، و لما حاولوا إرغامه تمرد عن الجماعة و انفصل عنها. و منذ ذلك الحين أصبحت الأم و بناتها بين مطرقة السلطة و سندان الجماعة فلجأت المكسينة و بناتها إلى بيت عمي فرارا بدينها و عرضها.

و قد كانت هذه العائلة المنكوبة عقبة في طريق خروجي لأن بقاءها في البيت بعد ذلك سيعقد الأمور على الجميع و لذلك كان التفكير في مصيرها جزء من مشروع الهجرة.

أول خطوة قمت بها كانت دراسة منطقة العبور على الخريطة ثم استئجار دليل موثوق عارف بطرق دوريات الحراسة و مراقبة الحدود. و قد تمكنت بمساعدة بعض الأقارب بالوصول إلى أقدم خريت في الصحراء الكبرى قضى أكثر من ستين عاما بين شعابها اسمه عبد الرحمان و يسميه سكان المنطقة بالضب. كان في وضع حرج بعد أن صادرت مصلحة الجمارك كل ممتلكاته التي جمعها خلال ستة عقود من التجارة الشرعية و غير الشرعية. فاتفقت معه على تأمين كل شيء متعلق بالرحلة مقابل أربعين مليون سنتيم ادفع له منها عشرة ملايين مقدما لتجهيز نفسه. و كان هذا المال ثاني عائق أمامي لأنني لم أكن أملك سنتيما واحدا فاضطررت إلى استلاف المبلغ كاملا بمساعدة أخي الدكتور محمد الطاهر.

أما بالنسبة لتلك العائلة فقد التقيت بولي أمرها عبد الحكيم و كان مسلحا بمسدس رشاش من نوع كلاشنكوف و بحوزته حوالي 400 طلقة متنوعة و قنبلة يدوية.  و روى لي قصته كاملة و طلب مني مساعدته على إخراج أهله من الجزائر فاقترحت عليه أن يصحبني في رحلتي شريطة أن يوفر وسيلة نقل لسفر عائلته فاستشارني في كيفية الحصول عليها فنصحته أن يحصل عليها بالمعروف فإن تعذر عليه ذلك فليتجنب الإعتداء على مال أو عرض أو دم أي مواطن فإن مأساة أهله لا يجوز حلها على حساب الآخرين. و فعلا استطاع بالتعاون مع اثنين من الشباب أن يستولي على سيارة ميدانية من نوع تويوتا ستايشن تابعة للدولة دون إراقة دماء.

 و هكذا أصبح المعنيون بهذه الرحلة مجموعتين مسلحتين تتكون الأولى من عبد الحكيم و أمه و أخواته الثلاث و أخوه الأصغر و الشابين الذين ساعداه في الاستيلاء على السيارة و معهم سلاح عبد الحكيم أما الثانية فتكونت زيادة عني أنا من الدليل و سائقه مزودين بسلاح رشاش آخر وفره الدليل لتأمين الرحلة.

و قد فشلت أول محاولة للخروج عندما تأخر الدليل عن الموعد المحدد نتيجة للحصار المضروب على المنطقة. و قد كانت تجربة قاسية لأننا تواعدنا على اللقاء 80 كلمترا في عمق الصحراء في منتصف الليل. و كانت مخارج المنيعة كلها مغلقة و نظام منع التجول ساري المفعول. و رغم أن خروجنا كان سهلا بعض الشيء لأننا رتبنا كل شيء مسبقا إلا أن اقترابنا من المدينة عند العودة مع اقتراب الفجر و دخولنا إليها كان عملا في منتهى الصعوبة و الخطورة خاصة و أن معنا نساء لم يتعودن أبدا على مثل هذه المواقف. و لكن هذه التجربة الميدانية كانت مساعدة لنا جدا في محاولتنا الثانية التي كانت موفقة بعون الله.

اخترقنا المنطقة الصخرية بين طريق عين صالح و طريق أدرار بحذر شديد و نحن في وضعية قتال لأن أي تماس بيننا و بين أي دورية لم يكن يعني سوى شيئا واحدا هو القتال حتى الموت و قد تعاهدنا على ذلك قبل الانطلاق ليكون الجميع على بينة من الأمر. حتى النساء فضلن الموت على البقاء في الجزائر عرضة للابتزاز و المساومة على شرفهن. و رغم ذلك لم تخل رحلتنا من الفكاهة لأن الدليل كان قد جاوز السبعين و كاد يفقد بصره تماما و كنت أصف له وضع النجوم و تضاريس الأرض لتحديد وجهته و لكنه كان أحيانا يختلط . و من ذلك أنه تأمل تجمعا للنجوم مرة و ظنه " الدب الأكبر " الذي يسميه الناس عندنا " الناقة " فقال لي : هذه هي الناقة و لذلك فإن علينا الاتجاه من هنا. فقلت: يا عمي عبد الرحمان الظاهر أن ناقتك طايرة لإنني لا أرى لها أرجلا و إنما أجنحة.... و قد اصطحبت معي خريطة و بوصلة ساعداني على التحرك بثقة كاملة و الحمد لله.

بعد يومين وصلنا إلى منطقة جبلية مظلمة اسمها " آهنت" تمتد شرقا إلى عمق التراب الليبي و جنوبا إلى حدود تشاد و لكنها لم تكن وجهتنا، فخيمنا فيها أسبوعا كاملا تم خلاله استطلاع المنطقة الحدودية المحاذية لدولة مالي و استحدثنا نقاط للتزود بالوقود و الماء.
في هذه المنطقة يمكن لجيش كامل أن يتمركز دون أن تتمكن أية قوة في الأرض أن تقضي عليه إلا بالانتشار داخل شعابه و احتلاله بعد دفع خسائر بشرية و مادية لا تقل عن عشرة أضعافه. و لذلك فإن المراهنة على القوة لاستتباب الأمن في الجزائر سواء في الصحراء أو في الشمال وهم يملأ رؤوس الحمقى وحدهم.

بعد ذلك قمنا بعملية اختراق طويل لمفازة " تانزروفت" الممتدة غربا أكثر من 500 كلمتر بين " جبال آهنت " و "عرق الشاش الكبير" ثم اقتحمنا عرق الشاش جنوبا في اتجاه " الحنك" من تراب مالي الذي هو عبارة عن صفائح قاطعة من الصخور البركانية تمتد عشرات الكيلمترات  في اتجاه الصحراء الغربية. ثم انحدرنا من الصحراء الغربية في اتجاه الجنوب نحو منطقة الزويرات الموريتانية. و قد دامت  المرحلة الأخيرة من رحلتنا أسبوعا كاملا من المغامرة بلياليه تفادينا أثناءها التماس مع دوريات الحراسة الجزائرية و المالية و نقاط المراقبة الموريتانية كما قدمنا المساعدة لبعض المتخلفين من المشاركين في رالي دكار و السواح العرب المتوغلين للصيد في شمال مالي.
خيمنا على مشارف الزويرات ثلاثة أيام قام خلالها الدليل بترتيب دخولنا بعد أن استأذن المعنيين بالأمر وفق الأصول المعمول بها واستأجر لنا بيتا هناك.

أخبار من موريتانيا

لم أصدق لحظة ما كان الناس المضللون بوسائل الاعلام في ذلك الوقت يتداولونه من أخبار عن العمليات القتالية التي تقوم بها الجماعة الإسلامية المسلحة في الجنوب خاصة ما كان يتعلق منها بالسطو على شركات البترول في الصحراء و سرقة السيارات منها. و لكنني لم أستطع أن أقيم الدليل على عكس ذلك حتى وصلت إلى موريتانيا و رأيت تلك السيارات و سارقيها بأم عيني.
فقصة السطو على الشركات و سرقة السيارات منها و تهريبها إلى موريتانيا و بيعها باسعار زهيدة سابقة عن الأزمة السياسية و لكنها جزء من الأزمة الأم. فالقضية تتعلق بمجموعة من الشباب المهربين الذين كانوا يشتغلون بالتعاون مع أعوان الجمارك و الأمن يتقاسمون معهم أرباحهم بل إن بعضهم كانوا من الأزواد يحملون وثائق جزائرية رسمية. و فجأة استفاقت الدولة سنة 1990 و قررت شن الحرب على المهربين. و بين عشية و ضحاها وجد أولئك الشباب أنفسهم يفترشون الأرض و يلتحفون السماء و مطالبين من طرف شركائهم من مستخدمي الدولة برشوة لإطلاق سراحهم من السجن زيادة على الخسائر. و مما زادهم غيظا و حقدا أن أولئك المستخدمين الذين يعرفون عنهم كل شيء أهانوهم و عذبوهم باسم القانون الذي كانوا هم أول من داسوا عليه. و أنا لا أتكلم عن مبالغ بالملايين و إنما عن رشوة بمئات الملايين للفرد الواحد. و كما هي العادة أطلق سراحهم في النهاية. يقول زعيم هذه المجموعة لقد قررت أن أستعيد المال الذي سلبوه مني بالقوة بنفس الطريقة. و هكذا تشكلت هذه المجموعة من ستة شباب من أعرف الناس بتلك الأرض و أمهرهم في سياقة السيارات الميدانية و أجرئهم على المغامرة و بدأوا بالاستيلاء على سيارة واحدة رتبوا بها أوضاعهم ثم أصبحوا يدخلون من موريتانيا بسيارة واحدة و يخرجون من الجزائر بستة سيارات من نوع كروزر بينما أجهزة الأمن و الجمارك و مراقبة الحدود تعلق فشلها و خيبتها على شماعة الإسلاميين.

أما بيع مسروقاتهم فيتكفل به قريب الرئيس الموريتاني معاوية ولد الطايع الحاكم الفعلي في الزويرات. فلديه حظيرة شاسعة تستقبل السيارات و تضبط لها أوراقها ثم تعيد بيعها للشخصيات الفاسدة التي تعج بها دول إفريقيا. هكذا كانت البداية إلى أن تنبه لها أمير جماعة المنيعة  سنة 1995. فأصبحت الجماعة تستولي على السيارات و الناقلات و تقايضها بالسلاح في موريتانيا بعد أن كانت تشتري السلاح بدفع الثمن نقدا لضباط الجيش في النيجر و مالي و مقاتلي التوارق و مقاتلي البوليزاريو.

بعد وصولنا كان لابد لنا من ضبط وضعيتنا الإدارية حتى نتمكن من التحرك. فقابلت الحاكم الفعلي و تحدثت معه عن رغبتنا في الحصول وثائق مدنية فقال لي أنتم في ضيافتي و لن تحتاجوا للوثائق فعلمت أننا طرقنا الباب الخطأ خاصة عندما قال لي بأنه سيشتري السيارة التي معنا بسعر لا يساوي ثمن عجلاتها فطلبت منه إمهالي حتى أستشير رفاقي. و بعد ما خرجت من عنده طلبت من الدليل ان يجد لنا طريقة للخروج من الزويرات و لكنه لم يستطع فعل شيء حتى جاءنا الفرج بعد أيام من حيث لا نحتسب.
عندما وصلنا مباشرة كان الخبر قد وصل إلى زعيم مجموعة المهربين المذكورة (ق.ر) الذي كان موجودا في نواكشوط.  فظن أننا من المهربين الذين يريدون أن يفسدوا عليه السوق فجاء فورا و تكلم مع الدليل عمي عبدالرحمان الذي يعرفه جيدا و علم منه كل شيء قبل أن يأتي لمقابلتي. و من تيسير الله لنا أن الرجل كان في مثل سني و كنت أعرف عائلته جيدا و كان يسمع عني. و لما أخبرته عن اللقاء الذي دار بيني و بين قريب الرئيس الموريتاني ثارت فيه حمية الجزائريين و أقسم أن يأخذ منه نفس الثمن المعتاد. و قد تأثر كثيرا لما علم أنني أصطحب معي نساء مهاجرات بدينهن و قدم لنا يد العون في تلك الظروف الصعبة فجزاه الله خيرا و هداه.

و بينما كنا ننتظر صدور الوثائق وفد على الزويرات فوج من الجماعة الاسلامية المسلحة يقوده نائب الأمير المدعو عيسى (ج.ح) و هو من المنيعة فتعرف على أحد الشابين الذين سافرا معي (م.ط) فتتبعه حتى حدد مكان سكننا و علم بوجودي مع المجموعة فظن في البداية أنني جئت لأتجسس على نشاطهم في موريتانيا و لكنه بعد أن التقى ب (م.ط) في السوق استطلع منه الأمر. و لما بلغني الخبر أرسلت في طلبه و تحدثت معه. و كان مما أخبرني به هو أن عبد الحكيم و (م.ط) مطلوبان من طرف إمارة الجماعة و من واجبه أن يعيدهما ليمثلا أمام قاضي الجماعة. فقلت أترى بأنك أنت و إمارة الجماعة أولى بصحبة عبد الحكيم من أمه و أخواته المشردات في هذه الظروف؟ قال: أنا ليس لي رأي و لكنني أطبق تعليمات الأمارة. قلت: إذا أردت الكلام معي بمنطق الشرع فهات ما عندك و سأنوب بنفسي عن إمارتك في تطبيق الشرع. أما التعليمات فإنها غير نافذة على أحد ممن معي. و إني أحذركم من مغبة التعرض لأي واحد منهم بسوء. و قد خرجت من الجزائر تجنبا لإراقة دم الجزائريين فلا ترغموني على فعل ذلك خارج الجزائر. و كان ( ق.ر) حاضرا فقال: أنا مع سي احمد فيما قال و إذا حصل أي شيء فلا تفتربوا من ساحتي أبدا.

و قد عرفت بعد ذلك أن (ق.ر) لم يعد في حاجة إلى الدخول إلى الجزائر بعد أن أدرجت الجماعة السطو في عملياتها و اكتفى بتسويق بضاعتها و مقايضتها مقابل السلاح في موريتانيا و أصبح من أعيان البلد خاصة بعد أن تزوج ببنت سيد الأزواد على إثر عملية بطولية قام بها لإنقاذ نساء و أطفال الأزواد العرب من الموت المحقق على أيدي طوارق مالي. و قد دفعني الفضول للذهاب معه في إحدى المرات و كان من بين السلاح المعروض صاروخ مضاد للطائرات من نوع (ستريلا 2) جلبه أحد الصحراويين من معسكر البوليزاريو فلم أتمالك نفسي من الضحك (و شر البلية ما يضحك). فقلت ل (ق.ر): الجزائريون كلهم مساكين، فالجيش يشتري هذا الصاروخ بعشرات الآلاف من الدولارات من خزانة الدولة و يعطيه لقيادة البوليزاريو مجانا و بعد انتهاء صلاحيته يشتريه الاسلاميون الجزائريون من البوليزاريو بعشرات الآلاف من الدولارات التي غنموها من خزانة الدولة أيضا. و هكذا تدفع الجزائر ثمن الصاروخ مضاعفا دون استعماله و يتمتع الروس و الصحراويون بذلك على حساب شعبنا. أليس هذا من البليات المضحكات. فحاول الصحراوي الاحتجاج فقاطعته: كم طائرة مغربية أسقطتم أنتم بهذه الصواريخ طوال حربكم يا رجل؟ احتفظ بهذه الخردة عندك و لا تستغفلوا عباد الله. إن لهذا الصاروخ ورشة كاملة لضبطه قبل الإطلاق و بدونها لا يساوي هذا الصاروخ شيئا...... و نصحت (ق.ر) بعدم شراء الصاروخ فأخذ بنصيحتي و كان مصيبا في ذلك.

بعد استلامي ثمن السيارة من (ق.ر) السيارة صفيت الحساب مع الدليل و اتفقت مع (ق.ر) على الانتقال من الزويرات إلى نواكشوط. و قبل سفرنا وصل أمير الجماعة الاسلامية المسلحة على منطقة الجنوب محمود أبوطالب و زارني هو و نائبه عيسى و جرى بيننا حوار بخصوص تسليم عبد الحكيم و (م.ط) اقتنع بعده بصواب رأيي في الموضوع و شكرني على نصيحتي لهم بعدم شراء الصاروخ التالف فقلت له أنا مستعد لمساعدة أي جزائري في ما يحقق المصلحة و لو أن إمارة الجماعة المسلحة كانت مخلصة في العمل بما تقتضيه المصلحة لكنت من أنصارها و هذا موقف ثابت من كل الجزائريين لن يتغير إن شاء الله. و ظهر لي أن كلامي أحرجه عندما قال: سأبلغ القيادة ما سمعته منك إن شاء الله. و لكنني تبينت الحقيقة بعد أن طلب من عيسى الانصراف لتحضير جماعتة للانطلاق إلى الجزائر. و لما اختلى بي قال: إسمع يا سي أحمد، أنا متأكد من إخلاصك في نصرة الحق و إني أخشى أن تقع في ما وقعنا فيه. إننا لا نعرف في هذه الجماعة عدونا من صديقنا و والله لو أجد لي مخرجا أعذر فيه عند الله لما بقيت تحت هذه الراية العمياء لحظة واحدة فادع الله أن يحسن لي الخاتمة. و إني أنصحك أن لا تستجيب لدعوة هذه الجماعة إن طلبوك لأنهم سيغدرون بك.......

فوجئت بكلامه الذي كان يفيض صدقا و رجاء و تساءلت مستغربا: لماذا انتظرت حتى انصرف عيسى لتقول لي ذلك؟ فقال: عيسى بن بلدي و لكنه جاهل فاحذر منه. و أنا أحضرته في بداية الجلسة لينقل إلى القيادة ما سمع و إني أريدك أن تصحبني إلى خارج الزويرات حتى تطمئن قلوب الجماعة الذين معي لأن الشيطان يجري في عروقهم مجرى الدم. قلت: إذن أذهب مسلحا. فوافق. و انطلقنا إلى حيث يرابط 12 من المسلحين و معهم أربع سيارات ميدانية من نوع تويوتا ستايشن 5 و 6 محملة بأسلحة و ذخيرة متنوعة من بينها رشاشين ثقيلين مضادين للطيران عيار 17 مم و قطعتين من مدفعية الهاون عيار 82مم و قاذفات مضادة للدبابات من نوع رب ج-7.

و قبل الافتراق قلت لمحمود و (ق.ر): هل أنتم فعلا من يقوم بقتال الجيش الجزائري؟ أم أن هناك مقاتلون آخرون يتسببون له في الخسائر التي نسمعها؟ فقال محمود: ماذا تعني يا سي احمد؟ قلت: لو كنت أنقل تمرا لما نقلته بهذه الطريقة. فكيف تكدسون عدة قتالية لتجهيز كتيبة ثقيلة في أربع سيارات و تتنقلون بها كقافلة تجارية ؟ لو وقعتم في كمين ستدافعون عن الرشاشات الثقيلة و المدافع المحزومة بمسدسات رشاشة. فهل هذا معقول عندكم؟ صدق فيكم قول الشاعر: كالعيس في البيداء يقتلها الظما _ و الماء فوق ظهورها محمول. فقال: سأفكر في الأمر عندما نصل إلى منطقة تجمعنا داخل الجزائر. ثم ودعني و انصرف.

بلغني بعد ذلك أن محمود اقترح على قيادته عدم نقل هذه الكمية الضخمة من الأسلحة و الذخيرة إلى الشمال دفعة واحدة و إرسالها على دفعات تفاديا للمفاجآت. و قد كلفه هذا الاقتراح استدعاءه من طرف الإمارة الجهوية بالاغواط و التي قد كان يسيطر عليها جماعة من الأفغان الجزائريين ظنا منهم أنه يخطط للانفصال عنهم. فعينوا صديقهم مختار بلمختار خلفا لمحمود للتكفل بشحنة السلاح و أصبح عيسى الذراع الأيمن لمختار بلمختار المدعو خالد إلى أن انفصل عنه بعد افتضاح أمر زيتوني و تفكك الجماعة سنة 1997 لينتهي به المطاف بالاستفادة من ميثاق السلم و المصالحة سنة 2005.

أما محمود فقد طاردته قوات الأمن و هو في طريقه إلى لقاء القيادة في الأغواط حتى حاصرته بين القرارة و بريان مع مجموعة قليلة من مرافقيه و قتلتهم جميعا. و أما شحنة السلاح فقد حاول المير الجديد نقلها إلى العاصمة و لكن قوات الأمن اكتشفت امرها بعد إلقاء القبض على أحد عناصر الجماعة و استنطاقه فطوقت المنطقة و قصفت السيارات بالطيران فتفرقت حراستها في الصحراء و انسحب بعضهم إلى المنيعة حيث لاحقتهم أجهزة الأمن و الجيش و قتلت بعضهم فيما انسحب خالد بمن بقي من جماعته إلى المنطقة الجبلية شرق عين صالح و بدأ عملية جديدة.

أما العنصر المقبوض عليه فكان من سكان أدرار و من الذين ساهموا في جمع الأسلحة و نقلها و لذلك فقد أخبر عن مكان تواجد (ق.ر) و جماعته فطالبت الجزائر موريتانبا بالقبض عليهم و زودتها بكل المعلومات و المخبرين. و قد قامت أجهزة الأمن الموريتانية فعلا بحملة مداهمة لبيوت المجموعة و لكن بعد أن غادرها أهلها الذين وصلهم الخبر قبل أن تصل التعليمات إلى الشرطة.

حصل هذا أثناء أربعة شهور تقريبا كنت خلالها قد رتبت نقل عبد الحكيم و عائلته و مرافقيه إلى غامبيا عبر نهر السينغال بعد أن حصولهم على وثائق موريتانية رسمية. ثم استأجرت لهم بيتا في العاصمة بانجول بمساعدة إخوة موريتانيين حق لموريتانيا أن تفتخر برجولتهم و نخوتهم. و و الله لولا ما وجدت في أولئك الإخوة من الشهامة و الصلاح و اللطف ما بقي في ذاكرتي عن موريتانيا ما يستحق الذكر. لقد كانوا أعوانا أقوياء على كل خير و آثرونا على أنفسهم بما يملكون من جاه و مال و نفس رغم حاجتهم و خصاصتهم فقط لأنهم علموا من مصدر موثوق أن تلك العائلة الجزائرية المنكوبة مهاجرة بدينها. و قد زارنا شيخهم و هو شاب فاضل يطفح علما وذكاء و رجولة و طلب من كل الإخوة أن يجتمعوا بعائلاتهم في البيت الذي استأجرناه إكراما للأخوات و مواساة لهن بعد رحلتهن المضنية و وعظهن من وراء حجاب قائلا: إن الهجرة في سبيل الله مقام يطمح إليه حتى الانبياء فلا تغرنكن غربة الأخوات الجزائريات و تواضعهن فقد سبقنكن بهذا الفضل فاعرفوا لهن قدرهن. فجزى الله الجميع عني خيرا و أثابهم على معروفهم بما هو أهل إنه غني كريم.
بعد اطمئناني على تلك العائلة جددت الاتصال بأخي و ابن عمي الدكتور عثمان الذي كان له الفضل في الوصول إلى الشيخ المشار إليه سابقا و تلاميذه و تواصلت عن طريقه بعمي الشيخ محمد الأخضر رحمه الله الذي كان في ذلك الوقت مستقرا في " أكرا " عاصمة  "غانا " و مسؤولا عن نشاطات الدعوة و الإغاثة التي يشرف عليها المنتدى الاسلامي في غرب إفريقيا.

التفكير في تكوين تنظيم مسلح جديد
عندما وصلت إلى غانا كنت في وضع لا أحسد عليه من التعب و الإرهاق إلى درجة أن عمي لم يعرفني في المطار إلا بعد أن قدمت نفسي له. فأكرم وفادتي و هيأ لي من أسباب الراحة ما ساعدني على استعادة حيويتي، فقضيت أسابيع طويلة في شبه خلوة تامة في جمع شتات أفكاري و مراجعة ما مر بي من الأحداث و إعادة ترتيبها ثم تناولتها بالدراسة من جميع الجوانب و ناقشت ما أشكل علي منها مع عمي  رحمه الله و استعنت فيما له علاقة بالشرع بابن عمي و أخي عثمان و تابعت ما استجد من الاحداث من مصادر موثوقة.
و بعد استنفاذ الجهد في النظر و المهلة في الوقت انتهيت إلى أن الحق في هذا الأمر لا يخرج عن خيارين. أولهما و أولاهما هو تشكيل جبهة مسلحة جديدة تحمل مشروعا مستقلا للإصلاح وتتعاون مع كل الخيرين من أبناء الجزائر لرد الأمور إلى نصابها. تنطلق من الجنوب و تقدم السلم على الحرب. و آخرهما هو الاعتزال و الاكتفاء بالنصح إلى أن تتهيأ الظروف المناسبة للمساهمة في أي مسعى جاد لإنهاء الأزمة . و شرعت فعلا في العمل بالخيار الأول و قطعت فيه شوطا تجاوز الجانب النظري. حيث قمت بتحريات و اتصالات نتج عنها اقتناع بعض الجماعات المسلحة النشطة في الداخل بالفكرة و تم التفاهم مع بعض الإخوة على مساعدتي ماديا في إطلاق المشروع و لكنني فوجئت لحظة الوفاء بالوعد أن البقية الباقية من المسلحين الاسلاميين لا صبر لهم على التخلاط و السلوك الملتوي. و أصبح واضحا عندي أن بداية هذا الخيار يجب أن تمر على تأمينه من الداخل مما يعني أن علي أن أخوض معارك طاحنة لتطهير صفوف الجماعات المسلحة من خلايا التدمير الذاتي التي تنخر جسدها. و قد كان هذا الأمر مستحيلا في ذلك الوقت لأن الشعب الجزائري كان ذاهلا عما يجري حوله و خاصة أنصار التيار الاسلامي الذين كانوا يعلقون آمالا عريضة على الصخب الذي كانت تثيره بعض المنابر الإعلامية من الخارج. و لذلك قررت إسقاط هذا الخيار من برنامجي و تفرغت للعمل بالخيار الثاني.

تواطؤ الجماعة الاسلامية على اغتيالي
كان قراري بمغادرة الجزائر قائما على خيار مسؤول تبنيته بقوة. و كان هذا الخيار قائما على تجنب التورط في سفك دماء الأبرياء بغير حق أو قتل الناس بناء على الشبهة سواء كان ذلك باسم القانون أو باسم الإسلام. و لكنني مع ذلك لم أكن لأمتع المجرمين في الطرفين بالتقرب بذبحي إلى طواغيتهم. فخرجت من الجزائر و أنا على أتم الاستعداد لتحديهم في نزال شريف أذيقهم فيه الموت قبل أن أقتل و بقيت على حذر شديد إلى أن بلغني الله مأمني و كفاني شرهم فله الحمد و الشكر.

و من عناية الله بي أنه قيض لي جنودا من داخل صف الجماعة المسلحة لم تكن لي بهم صلة أبدا. فقد جاءت تعليمات جمال زيتوني أمير الجماعة الاسلامية لعامله الجديد على الصحراء مختار بلمختار بتدبير عملية اغتيالي. و صدرت التعليمات لعناصر الجماعة المنتشرين في موريتانيا و مالي و النيجر و بركينافاسو باستدراجي لتنفيذ حكم الإمارة. و بدلا من فعل ذلك تم الاتصال بي لتحذيري من التعليمات الجديدة و أسماء المتحمسين إليها من العناصر المتواجدة في المنطقة. فقد اتصل الأخ (م) في اللحظة التي صدرت فيها التعليمات بكل من يثق فيه من معارفي لتحذيري كما بعث لي الشيخ حسن رحمه الله رسولا (ح.ب.ب) يحذرني من القدوم إليه بعد أن كنا متفقين على اللقاء في النيجر للنظر في تطورات الوضع بصفته أعلم الجزائريين يتاريخ العمل المسلح في المنطقة. كما اعترض الأخ (ط.ب.ع) و كان الضابط الشرعي للجماعة في عهد محمود بوطالب على الانحراف الذي وقع في عمل الجماعة  و كاد يتعرض للعقوبة لولا فراره و لجوؤه إلينا في غانا ليؤكد لنا تفاصيل ما حدث و يحذرنا مما تدبره إمارته.

و في إطارالتقصي على حقيقة ما يحدث سافرت إلى بركينافاسو حيث استقر (ق.ر) و جماعته بعد اكتشاف أمرهم في موريتانيا و علمت منه أن أحوال الجماعة تغيرت تماما منذ تعيين مختار بلمختار على رأسها و أنه أصبح حذرا في التعامل معهم. و بينما كنت ضيفا عنده وفد عليه أمين خزينة الجماعة (ب.ل) و أخبره بأن عيسى متجه إليه مع 4 من عناصر الجماعة ليطالبوه بتسليمي لهم و إلا قتلونا جميعا لأنهم يعتبرونه قاطع طريق يجب قتله و لكنهم يريدون الاستفادة من خدماته إلى حين فقط. و بعد الحديث معه علمنا أن عددا كبيرا من عناصر الجماعة متذمرون و ينوون التمرد على الجماعة.

حاول (ق.ر) أن يقنعني بمغادرة بوركينا فاسو تفاديا للاغتيال و وعدني بالاتصال مجددا بعد أن يستوفي حقوقه على الجماعة و التي تقدربمئات الآلاف من الدولارات التي اشترى بها أسلحة و ذخيرة للجماعة. و أمام إصراري على البقاء توافقنا على أخذ جميع الاحتياطات الأمنية قبل وصول عيسى و من معه. و جاء عيسى و جماعته و اندهش عندما وجدني جالسا في الغرفة الفسيحة. و قبل أن يستعيد وعيه بادره (ق.ر) قائلا: إسمع يا سي عيسى، الجماعة هنا ضيوف لدي و كلهم مسلحين و إذا تكلم الرصاص فلن يخرج أحد من هذه الغرفة حيا. فخلي جماعتك يقعدوا ترانكيل و إذا عندكم كلام قولوه بأفواهكم. فاضطرب عيسى و رد عليه قائلا: نحن جئنا لنتكلم معك. قال (ق.ر): جماعة من عندكم موجودين خارج الغرفة و سي أحمد ها هو أمامك و جماعتي يحيطون بالبيت و نحن على علم بكل ما حصل و ما ينفع غير الصح فاتركوا السلحة جانبا و تحدثوا. فوضع كل واحد سلاحه قريبا منه و جلسوا. و قبل ان يبادرني عيسى بالكلام قلت له: إسمع يا عيسى! أنا لن أتحدث عن خالدا و انصياعه لأمرائه لأنه لا يعرفهم و لا يعرف حتى ضحاياه، و لذلك فهو يتصرف كالآلة. أما أنت فما هو عذرك؟ ألا تعرفني؟ ألا تعرف السائق المنيعي المسكين الذي كان يشتغل في سونطراك قبل أن تولد أنت و خالد؟ ألا تعرف أنه كان لا يخطئ صلاة الجماعة في المسجد في الهواجر بينما كنت أنت تسطو على بساتين المشماش و لا تعرف للقبلة وجهة؟ بماذا تلقى الله بعد أن يتمت أولاده؟ كيف تخدع محمود و الطالب وأنت تعرف أنهم أهل دين و جاه في قومك و تثق في خالد و زيتوني الذين لا يعرف عنهما أحد شيئا. ألا تستحي أن تتآمر مع أميرك على اغتيالي أنا يا ولد (ح)؟ قل لخالد الذي عجز الجيش الجزائري أن يلتقط له صورة بإن ولد الشرفاء قادر على قتله دون عناء السفر إليه و مع ذلك لن أشرفه بذلك.

قاطعني عيسى عدة مرات محاولا إقناعي بأن ما وقع سوء تفاهم و أن القضية تتجاوزهم و لكنني تجاهلت تعليقاته المحتشمة و أنهيت كلامي إلى آخره ثم قلت له: أتريد أن أدخل عليك من يشهد عليك في وجهك؟ قال: من؟ قلت: (ب.ل). عندها غضب غضبا شديدا و قال: إذا دخل علي ذلك الخائن سأقتله. و ليكن ما يكون...قلت: ألم تدع أن ذلك سوء تفاهم؟ قال: أقصد أن سوء التفاهم وقع على مستوى القيادة. و أرجو أن تعتبر ما سمعته بشأن التآمر عليك يا سي أحمد غلطة و الدنيا راها مخلطة علينا من كل جهة. قلت: بل أنا أخبرك بأن إمارتكم تنفذ مخططا دقيقا وضعته المخابرات الجزائرية و لم يبق من المحكوم عليهم بالتصفية غيري. قال: هذا غير معقول يا سي احمد و على كل حال  نحن لا دخل لنا في كل هذا. و سامحني لأنني أريد الحديث مع (ق.ر) و العودة إلى جماعتي لأنهم ينتظرون خارج "واقادوقو". و انتهى حديثي معه عند هذا الحد لأنني اغتنمت فرصة حديثه مع (ق.ر) و انطلقت عائدا إلى غانا.
و لم يطل يطل بي المقام في غانا حتى وصلني خبر اغتيال جمال زيتوني بعد افتضاح أمره و انضمام خالد إلى عنتر زوابري و تشرذم جماعته. و كان من بين من تمرد عليه عيسى الذي هرب بسيارة ميدانية من نوع تويوتا كروزر و لكنه اعتقل من طرف الدرك في طريقه إلى واقادوقو و لم يجد من ينقذه غير (ق.ر) الذي تواطأ مع خالد على مصادرة أمواله باعتباره قاطع طريق.

و الأطرف من هذا أن مختار بلمختار اتصل بي بعد أن غادرت إفريقيا ليقول لي: أنا و جماعتي تحت تصرفك أنت تأمر و نحن ننفذ. و كان جوابي: أنا رجل منتصر للحق و متأكد بأن طريقي غير طريقكم. فإن عدتم إلى الحق فسنلتقي حتما عند نقطة الوصول و إن كنتم غير ذلك فلا شأن لكم بي.
و أنا أشرت إلى الأسماء بحروف منها تحفظا. و لكن من حق أصحابها أن يفصحوا عن أنفسهم إن أرادوا لأنهم مازالوا أحياء يرزقون و بالحرية ينعمون و بين أجهزة الأمن يتجولون باستثناء مختار بلمختار الذي مازال أهل الخبر و الشروق معه يتفاوضون.

خيار اللجوء إلى بريطانيا

بعد أن استقر الرأي عندي على اعتزال الصراع الدموي في الجزائر حددت وجهتي بعد دراسة و استشارة معمقتين، و وقع اختياري لدار الهجرة على بريطانيا. كان يمكن أن تكون فرنسا لولا اعتقادي الراسخ بأن فرنسا هي مصدر الداء في كل ما يحصل في الجزائر. و لكنني غير مقتنع بجدوى اللجوء إلى أي دولة أخرى غير هتين الدولتين دون حمل السلاح ؛ و هو ما هاجرت من بلادي لتجنبه أصلا. و لذلك استصدرت جواز سفر أصلي بناء على جنسيتي المالية و طلبت تأشيرة عمرة من السفارة السعودية بغانا و حجزت تذكرة ذهاب إلى جدة عبر اثيوبيا في شهر اكتوبر 1997 و تذكرة عودة إلى باماكو عبر لندن. و بعد أن تمتعت بأول عمرة في حياتي و قضيت أياما لا تنسى في مدينة الرسول صلى الله عليه و سلم مع إخوتي و أبناء عمي و بعض الرجال المحبين الجزائريين و السعوديين أحسن الله إليهم جميعا، سافرت إلى لندن ليلة 27 ديسمبر 1997 و بدلا من إكمال الرحلة خبأت جواز السفر في سقف احد المراحيض و طلبت اللجوء في بريطانيا.

كان طلب اللجوء امتحانا عسيرا علي. و كنت أقوم به و كأنني آكل جيفة يشهد الله. و كنت عصبيا مع ضابط الهجرة الذي استجوبني لأنني ما زلت أستصحب مشاعر المواطن الجزائري المشحون ضد كل ما هو أجنبي خاصة و أنني لم أغادر الجزائر طوال حياتي. فكان أول ما بادرت به المترجم قبل ان يسألني الضابط هو: قل لهذه الضابطة بأنني أطلب اللجوء في إطار قانون الأمم المتحدة تجنبا لإراقة الدماء في بلدي و لا أقبل أي مساومة خارج هذا الإطار. فإذا كانوا يريدون ابتزازي كضابط في الجيش فلا يتعبوا أنفسهم معي و لا اطلب منهم سوى إرجاعي من حيث أتيت. و كان جواب الضابطة كالماء البارد على نفسي عندما قالت: أنت لست مجبرا على الإجابة على أسئلتي و لكن القانون يلزمني أن أطرح عليك الأسئلة و أكتب إجابتك كما هي و سأقرأها عليك قبل أن تصادق عليها فإن أحسست بالحرج من التوقيع على المحضر فلست مرغما على فعل ذلك. و كل ما أنت مطالب به هو المصادقة على أنك فهمت ما شرحته لك الآن قبل بدء الاستجواب.

كانت هذه البداية كافية لاقتناعي بأن الفرق الحقيقي بيننا و بين القوم ليس في الصناعة و التكنولوجيا و إنما في التربية المدنية لمستخدمي الدولة أولا و قبل كل شيء و كنت مقتنعا بأنني سأحصل على اللجوء دون الحاجة إلى اللف و الدوران و كان العائق الوحيد الذي تسبب في تأخر ذلك هو إثبات شخصيتي حيث لم تكن لدي أي وثيقة رسمية تثبت هويتي الحقيقية التي تكلمت عنها لأن كل وثائقي العسكرية صودرت من طرف المخابرات كما أن وثائقي المدنية بما فيها شهاداتي محفوظة في وزارة الدفاع منذ التحاقي بالجيش سنة 1978. و لذلك ما أن تمكنت من إثبات هويتي حتى حصلت على اللجوء السياسي الكامل و استفدت من حقي في جمع شمل العائلة الذي يكفله القانون لي. و هنا حصل ما يستحق الذكر للاعتبار أيضا.


 كان لا بد من الاحتيال على منقذي الجمهورية الجزائرية حتى يتمكن أولادي الأبرياء الذين رفع الله عليهم القلم من مغادرة الجزائر. فحصلوا على جوازات سفر من غير دائرة سكنهم بمساعدة مومن من آل فرعون و على تأشيرة عمرة بتوصية من سيد سعودي صاحب نخوة و تم تمريرهم عبر حاجز شرطة المطار بتوصية من طرف طيار من أهل المروءة. كل ذلك حتى لا يعلم حراس دولة العزة و الكرامة بأن هناك 3 أطفال جزائريين لم يتجاوزوا العاشرة مع أمهم الجزائرية متوجهون إلى لندن للقاء أبيهم الجزائري.
و وصلوا إلى السعودية و تقدموا لطلب التأشيرة من السفارة  البريطانية  فرحبت بهم و لكن اعترضها إشكال قانوني لأن عائلتي غير مقيمة في السعودية و لا يمكن استصدار تأشيرة منها لغير المقيمين. فهل اعتبر القنصل أن واجبه ينتهى عند رفض التأشيرة ما دام طالبوها لم يستوفوا الشروط؟ كان يمكنه فعل ذلك بحجة احترام القانون البريطاني و ما أدراك ما القانون البريطاني.

 و لكنه لم يفعل ذلك يا سعادة السفراء و القناصلة العرب بل دفعته إنسانيته لما اطلع على وضع العائلة إلى الاتصال بالسفير البريطاني الذي اهتم بالموضوع و تابعه خارج وقت عمله و وظف كل التفاصيل في القانون البريطاني و أجرى اتصالات مع سفراء و قناصل آخرين إلى أن وجدوا الصيغة القانونية المناسبة التي تحافظ على هيبة القانون و قداسته و تحل المشكلة التي يعاني منها أطفال لا ناقة لهم و لا جمل في شؤون الأمن و السياسة. لقد استعان في معالجة الموضوع بسفراء و قناصل و محامين حتى خارج وقت العمل لأن أولادي الجزائريين و ليس البريطانيين محاصرين بتأشيرة العمرة التي لو انتهى أجلها لتم ترحيلهم من بلاد الحرمين دون رحمة و لا مراعاة لمعاناتهم. إنني لم أكن مسؤولا بريطانيا و لا صاحب مال و لا جاه في بريطانيا بل كنت لاجئا لم أحصل بعد على عمل و لكنني مع ذلك لم أكن في حاجة إلى رشوة أحد أو التوسل إليه كما أن أولئك المسؤولين لم يتذرعوا بإنسانية القضية لخرق القانون و لكنهم اجتهدوا كمسؤولين و بذلوا الجهد المطلوب في إطار القانون الذي يجعل من القانون نفسه وسيلة لتحقيق المصالح و دفع المفاسد و ليس عائقا للمصلحة و ذريعة للمفاسد كما هو الحال في جمهورية نزار خالد.

النقيب أحمد شوشان

3 التعليقات:

  • السلام عليكم اخي احمد لقد عرفتك من خلال رسالاتك ونصائحك لشباب الجزائري اتمنا ان يعملو بما تقول انت لا تعرفني انا سمير رداوي ابن رداوي علي الدي توفى مند ثلاثة اشهر لقد تشرفة بمعرفة الحاج المجاهد الحاج شوشان والجاجة والاخ حمادة الطاهر ....نحن معك تحيا الجزائر

    16 ديسمبر 2011 11:54 ص

  • ها انا ارد عليك الان عام 2015 وقد تغيرت الامور كثير بشهادة النقيب شوشان
    مدراء سوناطراك و بنك الخليفة و مدراء كبار كلهم في السجن بسبب قضايا فساد
    شكيب خليل هرب
    الجنرال توفيق اقيل منذ ايام.
    وهناك ثورة صناعية و علمية عملاقة في الجزائر
    انا متابع جيدا للوضع
    بالمختصر الله استجاب لدعاء المخلصين

    26 سبتمبر 2015 1:43 ص

  • ها انا ارد عليك الان عام 2015 وقد تغيرت الامور كثير بشهادة النقيب شوشان
    مدراء سوناطراك و بنك الخليفة و مدراء كبار كلهم في السجن بسبب قضايا فساد
    شكيب خليل هرب
    الجنرال توفيق اقيل منذ ايام.
    وهناك ثورة صناعية و علمية عملاقة في الجزائر
    انا متابع جيدا للوضع
    بالمختصر الله استجاب لدعاء المخلصين

    26 سبتمبر 2015 1:44 ص

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))