الأربعاء، 9 نوفمبر، 2011

محمد الصالح يحياوي يرد:على الزبيري الاعتراف أن حركته دمّرت الجميع


2011.10.24
 بقلم: العـقيد محمد الصالح يحياوي


الزبيري خسر معركته يوم غادر ثكنة الليدو وقد أقر بذلك
كيف يأتي المدد من وحدات تـبْعُـد بـألـفـَيْ كـيلومتر عن العاصمة؟
يقول سي الطاهر الزبيري في مذكراته: كنت أنتظر المدد من يحياوي ونزار. ومرات أخرى من عباس، وبن سالم، والسعيد عبيد.. كيف ينتظر المدد من يحياوي الذي سمع منه مثل ذلك الكلام بمنتهى الصراحة؟ بالاضافة إلى أن وحداته العسكرية تبعد عن العاصمة بألفي كيلومتر. (2000 كم!)
 ثم يتهمنا سي الطاهر نحن الأربعة بالحياد تارة، وبالخوف تارة أخرى، والكل يعلم مَـن هم هؤلاء الأربعة الذين يـقال عنهم إنهم خافوا، وأخلفوا ما وعـدوا به... سامحه الله.
 لقد حاول الرائد ملاح، طيلة أيام الأزمة، الاتصال بي فامتنعت. وكنت أعرف أنه حول منزله طيلة أيام الأزمة إلى وكر يلتقي به كل ما هب ودب.. وكان مخترقا بالتأكيد من أعوان الأمن المندسين بين زواره.

ليلة اختفاء العقيد زبيري
    في يوم 12 ديسمبر، رتبنا نحن الأربعة موعـدا مع الرئيس بومدين، للفصل في قضايا ثلاث:
   أولا - الاتفاق على فترة زمنية نسلم فيها الحكم لسلطة مدنية، عن طريق انتخابات حرة، أو مؤتمر للحزب.
   ثانيا - استئناف مجلس الثورة لاجتماعاته في هذه الفترة.
   ثالثا - تسوية وضعية سي الطاهر الزبيري.
 في ذلك اليوم دعانا الرائد السعيد عْبيد لتناول الإفطار الرمضاني في منزله القريب من منزل سي الطاهر. وكـنـا، حول مائدة الطعام، نحن الأربعة، ومعنا قائد احمد. وسي الطاهر. وضعنا سي الطاهر في الصورة، مما كنا ننوي القيام به أثناء اجتماعنا مع بومدين في تلك الليلة. قلنا لي سي الطاهر، نحن الأربعة إما أن نصل إلى حل بالنسبة لهذه القضايا الثلاث، أو نقدم استقالاتنا، وهو أقصى ما كنا فاعلين. واتفقنا مع سي طاهر على أن نلقاه، في تلك الليلة، بعد لقائنا مع بومدين .
 دام اجتماعنا مع بومدين حوالي خمس ساعات. كان اللقاء صريحا وعاصفا. واتفقنا معه في النهاية على فترة ستة أشهر كمدة للخروج من المؤقت، وإجراء انتخابات حرة بعدها. وأثناء هذه الفترة يواصل مجلس الثورة اجتماعاته وهو -أي المجلس- الذي يشرف على هذه العملية وبحضور سي الطاهر دون عودته لقيادة الأركان.
 بعد خروجنا من منزل بومدين ذهبنا مباشرة إلى منزل الزبيري، كما اتفقنا، قرعنا بابه، فخرج لنا كاتبه الخاص الشريف مهدي الذي قال لنا سي الطاهر نائم وأوصى أن لا يوقظه أحد. تساءلنا أيعقل أن ينام وقد اتفقنا على اللقاء؟
 انصرفنا، واتفقنا على اللقاء بعد 5 أو 6 ساعات، أي بعد طلوع شمس ذلك الليل الطويل. وفعلا، التقينا نحن الأربعة على الساعة الثامنة صباحا، وحاولنا الاتصال بسي الطاهر عن طريق الهاتف، ولكن دون جدوى. فتأكدنا حينئذ أن في الأمر"إن"، كما يقال، فقررنا أن نفترق ويذهب كل منا إلى عمله.
 سافرتُ، في ذلك اليوم، برا إلى بشار. لم استطع الوصول إلى مدينة البيض إلا بعد منتصف الليل. كانت الثلوج كثيفة في طريقنا، ودخلنا مدينة البيض فوجدناها شبه ميتة، لا كهرباء، ولا ماء، ولا حركة، ولا خبز... كان بها فندق صغير مغلق، فتوجهنا نحو مخبرة المدينة لننام ما تبقى من الليل بالقرب من الفرن لشدة البرد. وقد وصلت كثافة الثلوج إلى نحو أربعين سنتيمترا أو أكثر..
 عشت يوم 14 ديسمبر بمدينة البيض معزولا عن الدنيا، لا أعلم شيئا عما دار بمنطقة العـفـرون. وقد جاءني قائد الدرك، بعد منتصف النهار،وأكد لي أن الطريق غير سالك حتى عين الصفراء تقريبا. ونصحني بالتوجه إلى وهران لأخذ طائرة عمودية من هناك. فلم يكن أمامي فعلا إلا التوجه إلى وهران، وأذكر أن الطريق قد فتحت لي بواسطة ناقلة جند، استعملت كاسحة ثلج، حتى تجاوزتُ منحدرات معسكر.

 وصلت إلى مقر الناحية بعد العشاء. وذهبت مباشرة إلى مكتب قائد الناحية الرائد الشاذلي بن جديد، فوجدته في حالة سيئة للغاية.. وكان أول من أخبرني بحادثة العـفرون. وبانتحار الرائد السعيد عبيد قائد الناحية الأولى...
 نمت تلك الليلة بوهران، وفي صبيحة اليوم التالي، 15 ديسمبر1967، ركبت طائرة عمودية وتوجهت إلى بشار. وكان كل شيء قد انتهى.

 لقد اعترف العقيد الزبيري أنه غادر منزله ليلة 12، بعد لقائنا معا في بيت الرائد عـْبيد، وانه أعطى الأوامر للرائد ملاح بالتحرك في اتجاه البليدة، في تلك الليلة، ولم يلتزم بما اتفقنا عليه.. واتضح فيما بعد أنه كان يخطط ويدبر مع الآخرين، للأسف الشديد.
 وقد فاته أنه خسر المعركة في اليوم الذي ذهب فيه إلى ثـُكنة الليدو وعاد منها إلى منزله. واعترف بهذا عندما وافق على نقل الفيلق المدرع إلى مكان بعيد.

 كان متناقضا في سرده للأحداث، حتى ملاح، وهو ذراعه الأيمن، كما يقول، فاجأه بأمر التحرك في اتجاه البليدة. فهل يعقل أن نقوم بعملية بهذا الحجم والخطورة والتعقيد.. دون دراسة وافية وكافية لكل جوانبها؟؟.

 ملاح يعترف أن الوحدات المعَـوَّل عليها لم تكن جاهزة للقيام بهذه المغامرة، وطالب بالمزيد من الوقت، ولكن سي الطاهر كان يرفض ذلك. وأنا هنا أؤكد، مرة أخرى، أن القادة الأربعة الذين ذهبوا للقاء بومدين في تلك الليلة، بعد لقائهم مع الزبيري، لم يكونوا أبدا يعـلمون، أو يـفكرون، فيما فكر فيه، وخطط له
 وخطط له الطاهر الزبيري. وأنه لم يكن صريحا معنا، وأن ما قام به ليلة اجتماعنا بالرئيس بومدين دليل على ذلك.

 لقد تكلم عن الوحدات الثلاث أو الأربع الموالية له. ولم يتكلم أو عن الوحدات التي كانت وغير موالية. ولم يفكر في كيفية التعامل معها. وهل يصح أن نختصر الجيش الوطني الشعبي كله في ثلاث وحدات أوأربع؟ وبعضها كان مترددا حتى اللحظة الأخيرة.. والأخ سي الطاهر يعلم، ويدرك، أن الشجاعة العسكرية والسياسية لم تكن تنقصني في أي مكان وزمان. لقد كان الرئيس بومدين يسميني الغراب الأسود، لأنني لم أتملق له في يوم من الأيام...

 لقد كنت أتعامل معه، دائما، بقاعدة أن الصديق هو مَن صَـدَق، وليس من "صدّق".. وقلت له مرة، في اجتماع لمجلس الثورة، حضره من أعضاء هذا المجلس الأحياء، السادة: بوتفليقة، وبن جديد، وبن شريف. وكنا بصدد الإعداد لانتخابات المجلس الوطني وقتها. قلت له لقد اشتغلنا معك طيلة هذه السنوات، وتحت قيادتك بالموافقة لا المشاركة. وافقناك، ولم نشاركك في الكثير من القرارات والمواقف. ربما كان هذا لثقتنا فيك، أو لخوفنا منك، وقد حان الوقت للعمل معا بالمشاركة، إذا كان لا بد من الاستمرار معا.
 كنت دائما أحاول التحدث مع بومدين عندما تكون الفرص سانحة في موضوع سي الطاهر، حتى جاء اليوم الذي طلب فيه مني أن لا أتكلم معه في هذا الموضوع. وكنت على صلة بأخيه الحاج بلقاسم الزبيري، رحمه الله، وكان يزورني في شرشال، وخاصة عندما ينوي السفر للخارج.

 وكان الأخ دراية، رحمه الله، عضو مجلس الثورة، والمدير العام للأمن الوطني في ذلك الوقت، على علم بـهذا، وكان يساعـد دائما في عملية الخروج بتدخل مني...

 ولقد مر الآن قرابة نصف قرن على الأحداث المأساوية لحركة 14 ديسمبر 1967، وغاب عنا وعن الساحة الكثير من الإخوة الرفاق الذين عايشوا وعاشوا هذه الأحداث بكل مرارتها...الآن يجب أن يُـقـرّ ويعـترف الأخ سي الطاهر، الذي أكن له دائما كل التقدير، بأن حركـته دمرت الجميع، وأنه انفرد بـقـراراته، كما انفرد زميله بومدين. وأن هذه العملية تسببت في تصفية عدد من إطارات الجيش الشابة التي كانت نعم الذخر لمستقبل الوطن.
 وللحديث بقية. ليس الآن، ولكن في فرصة أخرى...
الشروق

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))