الأحد، 4 ديسمبر، 2011

النـُّخَبُ الجزائرية.. من التمزق الثـقـافي إلى الصراع الإيديولوجي




2011.11.27
علي بن محمد

في بيان أول نوفمبر1954، أعلن الشبان الذين مَلـُّوا الصراعات الجوفاء حول الاعتبارات الذاتية، وقيم الزعامة الشخصية... أعلنوا لمواطنيهم، وللمناضلين في حزبهم، وللعالم أجمع، عن ميلاد "جبهة التحرير الوطني"؛ وانطلاق الشرارة الأولى لحرب التحرير. وقد حدّدوا في ذلك البيان ما سمّوه "الخطوط العريضة لبرنامجنا السياسي" المشتمل على الأهداف الرئيسية والتكميلية للكفاح المسلح، بأبعادها الداخلية والخارجية. كما عـرَضُوا على السلطة الاستعمارية التفاوض على أساس "وثيقة مُشرّفة"، "حـقـْـنا للدماء..."، بشروط أهمُّها، "الاعتراف بالسيادة الجزائرية وَحْدة لا تـتجزأ"؛ و"إطلاق سراح جميع المعتقلين".. ويضمن البيان، مقابلَ الاستجابة لهذه الشروط، ثلاثة أمور تـتعلق بمصالح فرنسا في الجزائر، بعد الاستقلال. وقد جاء التعبير عن الأمر الأول منها، وهو الذي يعنينا الآن، في ذلك البيان التاريخي، كما يلي:"وفي المقابل، فإن المصالح الفرنسية، ثقافية كانت أو اقـتصادية، والمُتحَصّل عليها بنزاهة، ستـُحترَم..." ومن المعلوم أن هذه المصالح الثقافية، بشكل خاص، ستحتل مكانة مرموقة في ما سيُعرف بـ "اتفاقات إيفيان". وقد كـنا حللنا قدرا من جوانبها التربوية في كتابات سابقة لنا، قبل مدة من الزمان، وقد نعود إلى جوانب أخرى منها عندما تحين فرصة مواتية.
إن أول ما يستوقف الناظر المُتمَعِّن في هذا النص ذي الأهمية الاستثنائية، بعد مرور أكثر من سبع وخمسين سنة على صياغته ونشره، هو إقصاؤه التام لكـل جوانب "التحرير الثقافي"؛ وإخلاء برنامج التحرير الوطني من كل بعد من الأبعاد الفكرية المرتبطة به. ولو كان الحديث عن محتل آخر، غير المحتل الفرنسي، لجازت وُجوه كثيرة لتأويل هذا الإقصاء؛ أما وزعماء الثوار يعرفون، قبل غيرهم، مدى حرص المستعمرين، منذ اليوم الأول لاحتلال بلادنا، على تغيير الملامح الثقافية التاريخية المميزة، منذ قرون طويلة، لشعبنا؛ كما يدركون أكثر من غيرهم ما خطط له أولئك المحتلون، ونفذوه، خلال سيطرتهم على وطننا، من برامج التدمير الثقافي، والمسخ الحضاري، وتهميش الدين الإسلامي، والنشاط التنصيري للتشويش عليه، والاستئصال اللغوي... مما يكاد أن يجعل الوباء الاستعماري الفرنسي الذي أصابنا منقطع النظير في هذا المجال! بل إنه قد تميز عندنا، بشراسة في إبادة معالمنا الحضارية، وعنفٍ في محاربة قيمنا الروحية والثقافية لم نجدْ له مثلهما حتى فيما تعامل به مع هذه المجالات لدى أشقاءنا الأقربين والأبعـدين!
والذي يـزيد المتـَفحِّص للبيان المؤسس للـثورة الجزائرية دَهْـشة واستـغـرابا هو أن الذين صاغوه لم يكونوا، على الإطلاق، يجهلون خطر هذه الممارسات الاستعمارية، ولا إصرار العدوّ على تخليد ثقافته ولغته وقيمه لدينا. والدليل على ذلك أن هؤلاء الثوار، حينما أرادوا إغراء المحتل بالمقابل الذي يضمنونه له، في حال قبوله بالشروع في مفاوضات تـُفضي إلى استقلالنا، والاعتراف بالسيادة الكاملة لشعبنا على مجموع وطنه بشكل سلمي، كان أهمَّ ما لوَّحُوا به هو، كمـا سبق ذِكرُه، "احترام المصالح الفرنسية، ثقافية كانت أو اقتصادية". وربما لاحظ قارئ هذه الأسطر كيف لم يُفوِّتْ مُحَرّرُو البيان النوفمبري تسبيق المصالح الـثـقـافـية على الاقتصادية منها. فلماذا خلا البيان من كل "مرجعية ثقافية ـ حضارية" للثورة؟ هذه إشكالية جديرة ببحث الباحثين...
وكيفما كانت التفسيرات والمُسَوِّغات المحتملة، وهي دون شك كثيرة ومتنوعة.. فليس هُنا المكان الملائم لفحْص عوامل كل ذلك، ونتائجه في مسارات الثورة نفسها... وقد كانت الأولوية المطلقة التي لا مجال للتشكيك في صحتها، أثناء الحرب، هي أنه كان لا بدّ للثورة، لتستطيع إنجاز النصر، من تجميـع عريض لكل الفئات والتنظيمات والتيارات المؤمنة بحتمية الاستقلال الوطني، الساعية إلى طرد العـدو المحتل بكل الوسائل المتاحة. ولكنْ، ما إن تحقق، بطـَرْده المشهود، أعزُّ مَطالب الأمة، ورحَلَ الظاهرُ من وجوده الماديّ المُجَسّد، وأطـْفِـئتْ أنوارُ الاحتفالات المبتهجة بذلك النصر المُؤَزَّر، حتى أطلَّ الواقع المُهْمَل، طوال سنوات الكفاح المسلح، وربما قبله أيضا، بملامحه المُوحِشة، وقسماته المُخيفة. وأدرك ذوُو الوعْي المبَكـِّر أن إطارات البلاد الذين ستقع على كواهلهم أعباء تشييد الوطن المهدّم، وتعمير ما أحدثتْ فيه الحرب الضَّرُوس من خراب، ومُداواة ما ترك فيه العدوان من جراح غائرة... أن هؤلاء الإطارات لا يَغـْرِفون من نهر واحد، ولا يَصدُرون عن مرجعية وطنية واحدة، ولا يـَأوُون إلى عاصم مشترك، ولا يكادون يتفقون على لسان يـتـناقشون به... فكيف يمكن حينئذ أن يهتدوا إلى مستقبل جامع لهم، يُبنى على قواسم مشتركة بينهم، بحيث يُجَـنِبُ الأجيال الناشئة من أبنائهم وأحفادهم الوقوعَ في المتاهات التي أحكم الاستعمارُ هندستها، وأتقن زرع بذورها، والتي لم يكن لها من آفاق منظورة، منذ ذلك الوقت، إلا الضياع في ضروب من الشقاق، وفنون من الصراع، لا تستثني حتى أقدس القلاع والحصون التي حَمَتْ كيان الأمة، وحفظت سلامة البلاد؛ وقد بدأ الأذى يأتيها من بعض أهلها المتعلمين، المتنوِّرين، إما بالتنكر لها، والتطرف في إقصائها؛ وإما بالغُـلوّ في إبرازها، وفـَرْز الصفوف على أساسها وحْدَها، دون اعتبار لأية معايير أخرى..ومن هنا بدأ التمزق في النسيج الثقافي للأمة. وبدأ "الاصْطِفاف" على أساسه...
كان أول ما لفت الانتباه في هذا الاصطفاف أنه لم يكن في الأصل بعيدا عن النفعِـيّـة و المَصْلحِـيّة في شكلهما البسيط، الخام.. وكان مَدارُه الأساسي على اللغة. فريق تـَغـْلِبُ عليه اللغة الفرنسية، فهي وسيلة التعبير لديه، بشكل عام، وهي أداة العمل الذي يضمن له العيش. وفريق مقابل، أقلَُّ عددا، وأدنى قوة، وأضعفُ صلة بدوائر القرار؛ تعلم، وربما عمل أيضا، باللغة العربية، فهي أداة عمله، وهي وسيلته الوحيدة لتدبير معاشه. وكان التنافس في أبسط صوره يصطبغ بناموس التدافع وغريزة البقاء. فهذا الفريق يخشى أن تـتغلب العربية في ميدان العمل، فيطرأ عليه ما يهدد مستقبل العاملين فيه باللغة الفرنسية... وذاك الفريق يسكنه هاجس الخوف من دوام العمل باللغة الفرنسية، واستمرار انتشارها فيه، وبالتالي هيمنتها عليه، فيؤدي ذلك إلى حرمان الإطارات التي تعمل بالعربية من فـُرَص الترقية، وتـَـبَـوُّؤ مناصب القيادة، ومراكز المسؤولية التي ستبقى حِكـْرا على عناصر الفريق الأول. دون أن يعني ذلك خلوَّ هذا الفريق وذاك من أية خلفية سياسية. وكان الذي يُلـْهب المشاعر، ويقوّي عوامل النزاع هو أن الخطاب الرسمي كان يبالغ في الاستخدام السياسي للـقضية اللغـوية؛ فهو مـن ناحية دائمُ التصعـيـد لنـَبَرَات الخُطب الحماسية التي تبَشـِّرُ بزمن أخضر للغة العربية، تحتل فيه، "مكانتها الطبيعية" كأداة للعمل والتعامل في جميع مجالات النشاط الوطني... ولكن، من الناحية العملية، كان الفرق شاسعا بين الأقوال والأفعال. فباستثناء القرارات التي اتـُّخِذت وطـُبقت في قطاعات التربية، والعدالة، ومصالح الحالة المدنية في البلديات، لم يتحقق للعربية شيء يُذكر. بل إنه بدأ يتضح أن الفرنسية يحقق لها الاستقلال من أسباب التغلغل والانتشار، عبر المدرسة، أكثر مما قد تحقق لها بعد مائة واثنتين وثلاثين سنة من الاستعمار!
ثم بدأت ديمقراطية التعليم تؤتي أُكـُلـَها. وقد أتاحت للآلاف من أبناء الشعب أن يلتحقوا بالجامعات. وبدأت الجامعات تخرِّج المئات، ثم الآلاف منهم كلَّ سنة. ولئن كان أغلبُهم قد درسوا اختصاصاتهم الجامعية باللغة الفرنسية، ونالوا بها شهادات تخرُّجهم، فإن الأصول الريفية ـ الفلاحية لأكثرهم، كانت تقرّبهم من مشاعر المدافعين عن اللغة العربية، وتدفعهم إلى الانضمام عاطفيا إلى صفوفهم، وإن كانوا في ميادينهم يعملون باللغة الفرنسية. فبدأ مشهد الخصام اللغوي يتطور، ويكتسي ملامح إضافية لم تـُعهد له من قبل بهذا الوضوح وهذا التمايز. وكان الذي سَرّعَ وتيرة التعقيد في إشكالية اللغة في البلاد اِقتِحامُ ثلاثة عوامل طارئة لها، وإن لم يكن أيٌّ منها مُنعَدِم الوجود في محيط تلك الإشكالية منذ البداية، أي منذ الاستقلال، وكان بعضها حاضرا في المشهد الثقافي ـ وإن اجتهد أصحابه في إخفائه ـ حتى منذ ما قبل البداية. هذه العوامل هي التي، بتفاعلاتها فيما بينها، وبتجاذباتها المستمرة مع العناصر الناشطة لدى الفريقين، وبالتحالفات التي ستـُبْرَم بين البعض منها... ستنقل مشهد الخصام حول اللغة من تمزق ثقافي، أبطأت السلطات المراوغة في علاجه، إلى صراع إيديولوجي خطير على الهوية الجماعية. وسيؤدي إلى شرخ عميق في جدار الكيان الوطني .. وهذه العوامل هي، من غير ترتيب:
1 ــ تصاعـد "المطالب الأمازيغية" التي لوحظ أنها كثيرا ما تحْـتـَدُّ كلما اتـُّخِذ إجراءٌ ما لفائدة اللغة العربية، أو لزحزحة اللغة الفرنسية عن موقع لها كيفما كان حجمه وتأثيره. كما أن منشطي تيارات هذه المطالب، لم يستطيعوا، إجمالا، التفريق في كثير من تظاهراتهم، بين الموقف السياسي الحزبي من النظام الحاكم الذي يريدون تغييره، وهم ليسوا وحدَهم الراغبين في ذلك.. وبين الثقافة الجزائرية العربية ـ الإسلامية التي هي تراث حضاري مشترك، ظل مَحلَّ إجماع تامّ بين سكان الجزائر كلِهم بلا تمييز، ولا استثناء، منذ قرون طويلة؛ وأن التنصل منه، فضلا عن مناصبته العداء، أمرٌ لم يَحْصُلْ ما يماثله أو يدانيه في أية حقبة من التاريخ الوطني. وهو لذلك غير مقبول، وغير مبرّر حتى لو صح، بصفة جزئية أو كلية، ما تحتسبه تلك التيارات من أخطاء صادرة عن العناصر المنتسبة لتيارات العروبة والإسلام.. ثم إن الذي يطالب بشيءٍ ما، ليس مُجْبرا على أن يكون عدوّا لشيء آخر لم يسبق للأمة أن اختلفت عليه. بل كانت كل التنظيمات الوطنية، ذات التمثيل الصادق للشعب الجزائري تعتبره الإسمنت الرابط بين الجميع، والضامن الأكبر لوحدتهم!
2ــ تزايـد تطلعات "الصَّْحْوَة الإسلامية" التي لم تـُخـْفِ يوما تياراتها الرئيسية أنها حركات ذات طبيعة سياسية، تريد الوصول إلى استلام مقاليد السلطة في البلد، لإقامة "الدولة الإسلامية". فهي بالتالي، منطقيا، مختلفة شكلا ومضمونا عن جمعيات الوعظ والإرشاد التقليدية التي كان برنامجها الأساسي يدور على معاني "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". ومع ذلك، فإن أشهر تياراتها لم تستطع أن تجعل خطابها السياسي، مع احتفاظه بالمرجعية الإسلامية، متميزا عن الخطاب الديني، ولا عرفت كيف ترتب سلم أولوياتها (اللحية، الحجاب..) لتسبيق الأصلي على الفرعي، والرئيسي على الثانوي... وهي، بكل تأكيد، تلتقي مع أصحاب الاتجاه السابق، (دعاة الأمازيغية)، على الأقل، في كون كل واحد منهما يطالب بتغيير النظام. ولكنه كان بينهما من وجوه الاختلاف، والتنافر، ما منعهما من اللقاء حتى في رحاب هذا المطلب الذي انتصر به المتنافـرون تحت آفاق أخرى، قريبة منا...
3 ــ تفاقم "ضـغوط الدولية الفرنكوفونية". مازال عندنا كثير من الناس لا يفرِّقون بين "الفونية الفرنسية" التي هي الحديث بالفرنسية، أو اتخاذ هذه اللغة أداة للعمل...وبين "المنظمة الدولية الفرنكوفونية" التي هي تنظيم استراتيجي في يد الدولة الفرنسية، ترعاه وتموِّله وزارة الخارجية فيها، يتخذ من اللغة وسيلة لإبقاء الهيمنة الفرنسية على مُقــَدَّرات مستعمراتها السابقة، الاقتصادية منها والثقافية والفكرية والحضارية، واتخاذها توابع لها في حقول علاقاتها الدولية. ويتم لها ذلك عبر الإطارات المحلية الذين يسيّرون هذه القطاعات، وهم في معظمهم فرنسيو التكوين والهوى، سواء درسوا في المؤسسات الجامعية والتربوية الفرنسية أو في مؤسسات بلدانهم باللغة الفرنسية، فقد أعِـدَّ مُعظمُهم لتقلـُّد هذه المهمات... وهم عادة حُرّاس المعبد الأشداء الذين لا يتركون ثغرة واحدة فيه يمكن أن تتسرب منها أية لغة أخرى تنافس الفرنسية، ولا سيما اللغة الإنجليزية! وقد ظلت فرنسا تضغط على مستعمراتها القديمة بواسطة العناصر الموالية للغتها في جميع الميادين.
هذه عوامل رئيسية ثلاث وهناك غيرها.. تضاف إليها تحالفات معلنة، أو غير معلنة، ولكنها كثيرا ما تظهر في الميدان، كالتحالف الموضوعي الذي يتم في العادة بين التيارات المدافعة عن مكانة اللغة العربية، المرتبطة بخلفية وطنية، أو/ وقومية؛ وتيارات "الصحوة الإسلامية"، أو ما يسمى اختصارا "الإسلاميين". ومن هذا القبيل أيضا التحالف القويّ، ذي الفعالية المشهود لها في الميدان لما حققته من النتائج الحاسمة، في نحو عشريتين من السنين أو أكثر قليلا. ونعني التحالف الذي يجمع، في كثير من الحالات، بين منشطي تيار "المطالب الأمازيغية" و"دعاة الفرنكوفونية"، والتنظيمات الحزبية ذات المرجعيات الشيوعية على اختلافها. وقد صارت تجْمَعُهم، أخيرا، تسمية "الديمقراطيين" التي اختاروها لأنفسهم.. ولكن النتيجة الوحيدة من كل هذا الحَراك في الفراغ هو أن الكيان الوطني يتسعُ صَدْعُـه، والمعارضة تـتفزَّم، والانتهازية تزدهر، والاستبداد مُطمَئنُّ البال!ذ
 الشروق

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))