الجمعة، 23 ديسمبر 2011

أخبار من موريتانيا



لم أصدق لحظة ما كان الناس المضللون بوسائل الاعلام في ذلك الوقت يتداولونه من أخبار عن العمليات القتالية التي تقوم بها الجماعة الإسلامية المسلحة في الجنوب خاصة ما كان يتعلق منها بالسطو على شركات البترول في الصحراء و سرقة السيارات منها. و لكنني لم أستطع أن أقيم الدليل على عكس ذلك حتى وصلت إلى موريتانيا و رأيت تلك السيارات و سارقيها بأم عيني.

فقصة السطو على الشركات و سرقة السيارات منها و تهريبها إلى موريتانيا و بيعها باسعار زهيدة سابقة عن الأزمة السياسية و لكنها جزء من الأزمة الأم. فالقضية تتعلق بمجموعة من الشباب المهربين الذين كانوا يشتغلون بالتعاون مع أعوان الجمارك و الأمن يتقاسمون معهم أرباحهم بل إن بعضهم كانوا من الأزواد يحملون وثائق جزائرية رسمية. و فجأة استفاقت الدولة سنة 1990 و قررت شن الحرب على المهربين. و بين عشية و ضحاها وجد أولئك الشباب أنفسهم يفترشون الأرض و يلتحفون السماء و مطالبين من طرف شركائهم من مستخدمي الدولة برشوة لإطلاق سراحهم من السجن زيادة على الخسائر. و مما زادهم غيظا و حقدا أن أولئك المستخدمين الذين يعرفون عنهم كل شيء أهانوهم و عذبوهم باسم القانون الذي كانوا هم أول من داسوا عليه. و أنا لا أتكلم عن مبالغ بالملايين و إنما عن رشوة بمئات الملايين للفرد الواحد. و كما هي العادة أطلق سراحهم في النهاية. يقول زعيم هذه المجموعة لقد قررت أن أستعيد المال الذي سلبوه مني بالقوة بنفس الطريقة. و هكذا تشكلت هذه المجموعة من ستة شباب من أعرف الناس بتلك الأرض و أمهرهم في سياقة السيارات الميدانية و أجرئهم على المغامرة و بدأوا بالاستيلاء على سيارة واحدة رتبوا بها أوضاعهم ثم أصبحوا يدخلون من موريتانيا بسيارة واحدة و يخرجون من الجزائر بستة سيارات من نوع كروزر بينما أجهزة الأمن و الجمارك و مراقبة الحدود تعلق فشلها و خيبتها على شماعة الإسلاميين.
أما بيع مسروقاتهم فيتكفل به قريب الرئيس الموريتاني معاوية ولد الطايع الحاكم الفعلي في الزويرات. فلديه حظيرة شاسعة تستقبل السيارات و تضبط لها أوراقها ثم تعيد بيعها للشخصيات الفاسدة التي تعج بها دول إفريقيا. هكذا كانت البداية إلى أن تنبه لها أمير جماعة المنيعة سنة 1995. فأصبحت الجماعة تستولي على السيارات و الناقلات و تقايضها بالسلاح في موريتانيا بعد أن كانت تشتري السلاح بدفع الثمن نقدا لضباط الجيش في النيجر و مالي و مقاتلي التوارق و مقاتلي البوليزاريو.
بعد وصولنا كان لابد لنا من ضبط وضعيتنا الإدارية حتى نتمكن من التحرك. فقابلت الحاكم الفعلي و تحدثت معه عن رغبتنا في الحصول وثائق مدنية فقال لي أنتم في ضيافتي و لن تحتاجوا للوثائق فعلمت أننا طرقنا الباب الخطأ خاصة عندما قال لي بأنه سيشتري السيارة التي معنا بسعر لا يساوي ثمن عجلاتها فطلبت منه إمهالي حتى أستشير رفاقي. و بعد ما خرجت من عنده طلبت من الدليل ان يجد لنا طريقة للخروج من الزويرات و لكنه لم يستطع فعل شيء حتى جاءنا الفرج بعد أيام من حيث لا نحتسب.
عندما وصلنا مباشرة كان الخبر قد وصل إلى زعيم مجموعة المهربين المذكورة (ق.ر) الذي كان موجودا في نواكشوط. فظن أننا من المهربين الذين يريدون أن يفسدوا عليه السوق فجاء فورا و تكلم مع الدليل عمي عبدالرحمان الذي يعرفه جيدا و علم منه كل شيء قبل أن يأتي لمقابلتي. و من تيسير الله لنا أن الرجل كان في مثل سني و كنت أعرف عائلته جيدا و كان يسمع عني. و لما أخبرته عن اللقاء الذي دار بيني و بين قريب الرئيس الموريتاني ثارت فيه حمية الجزائريين و أقسم أن يأخذ منه نفس الثمن المعتاد. و قد تأثر كثيرا لما علم أنني أصطحب معي نساء مهاجرات بدينهن و قدم لنا يد العون في تلك الظروف الصعبة فجزاه الله خيرا و هداه.

و بينما كنا ننتظر صدور الوثائق وفد على الزويرات فوج من الجماعة الاسلامية المسلحة يقوده نائب الأمير المدعو عيسى (ج.ح) و هو من المنيعة فتعرف على أحد الشابين الذين سافرا معي (م.ط) فتتبعه حتى حدد مكان سكننا و علم بوجودي مع المجموعة فظن في البداية أنني جئت لأتجسس على نشاطهم في موريتانيا و لكنه بعد أن التقى ب (م.ط) في السوق استطلع منه الأمر. و لما بلغني الخبر أرسلت في طلبه و تحدثت معه. و كان مما أخبرني به هو أن عبد الحكيم و (م.ط) مطلوبان من طرف إمارة الجماعة و من واجبه أن يعيدهما ليمثلا أمام قاضي الجماعة. فقلت أترى بأنك أنت و إمارة الجماعة أولى بصحبة عبد الحكيم من أمه و أخواته المشردات في هذه الظروف؟ قال: أنا ليس لي رأي و لكنني أطبق تعليمات الأمارة. قلت: إذا أردت الكلام معي بمنطق الشرع فهات ما عندك و سأنوب بنفسي عن إمارتك في تطبيق الشرع. أما التعليمات فإنها غير نافذة على أحد ممن معي. و إني أحذركم من مغبة التعرض لأي واحد منهم بسوء. و قد خرجت من الجزائر تجنبا لإراقة دم الجزائريين فلا ترغموني على فعل ذلك خارج الجزائر. و كان ( ق.ر) حاضرا فقال: أنا مع سي احمد فيما قال و إذا حصل أي شيء فلا تفتربوا من ساحتي أبدا.
و قد عرفت بعد ذلك أن (ق.ر) لم يعد في حاجة إلى الدخول إلى الجزائر بعد أن أدرجت الجماعة السطو في عملياتها و اكتفى بتسويق بضاعتها و مقايضتها مقابل السلاح في موريتانيا و أصبح من أعيان البلد خاصة بعد أن تزوج ببنت سيد الأزواد على إثر عملية بطولية قام بها لإنقاذ نساء و أطفال الأزواد العرب من الموت المحقق على أيدي طوارق مالي. و قد دفعني الفضول للذهاب معه في إحدى المرات و كان من بين السلاح المعروض صاروخ مضاد للطائرات من نوع (ستريلا 2) جلبه أحد الصحراويين من معسكر البوليزاريو فلم أتمالك نفسي من الضحك (و شر البلية ما يضحك). فقلت ل (ق.ر): الجزائريون كلهم مساكين، فالجيش يشتري هذا الصاروخ بعشرات الآلاف من الدولارات من خزانة الدولة و يعطيه لقيادة البوليزاريو مجانا و بعد انتهاء صلاحيته يشتريه الاسلاميون الجزائريون من البوليزاريو بعشرات الآلاف من الدولارات التي غنموها من خزانة الدولة أيضا. و هكذا تدفع الجزائر ثمن الصاروخ مضاعفا دون استعماله و يتمتع الروس و الصحراويون بذلك على حساب شعبنا. أليس هذا من البليات المضحكات. فحاول الصحراوي الاحتجاج فقاطعته: كم طائرة مغربية أسقطتم أنتم بهذه الصواريخ طوال حربكم يا رجل؟ احتفظ بهذه الخردة عندك و لا تستغفلوا عباد الله. إن لهذا الصاروخ ورشة كاملة لضبطه قبل الإطلاق و بدونها لا يساوي هذا الصاروخ شيئا...... و نصحت (ق.ر) بعدم شراء الصاروخ فأخذ بنصيحتي و كان مصيبا في ذلك.

بعد استلامي ثمن السيارة من (ق.ر) السيارة صفيت الحساب مع الدليل و اتفقت مع (ق.ر) على الانتقال من الزويرات إلى نواكشوط. و قبل سفرنا وصل أمير الجماعة الاسلامية المسلحة على منطقة الجنوب محمود أبوطالب و زارني هو و نائبه عيسى و جرى بيننا حوار بخصوص تسليم عبد الحكيم و (م.ط) اقتنع بعده بصواب رأيي في الموضوع و شكرني على نصيحتي لهم بعدم شراء الصاروخ التالف فقلت له أنا مستعد لمساعدة أي جزائري في ما يحقق المصلحة و لو أن إمارة الجماعة المسلحة كانت مخلصة في العمل بما تقتضيه المصلحة لكنت من أنصارها و هذا موقف ثابت من كل الجزائريين لن يتغير إن شاء الله. و ظهر لي أن كلامي أحرجه عندما قال: سأبلغ القيادة ما سمعته منك إن شاء الله. و لكنني تبينت الحقيقة بعد أن طلب من عيسى الانصراف لتحضير جماعتة للانطلاق إلى الجزائر. و لما اختلى بي قال: إسمع يا سي أحمد، أنا متأكد من إخلاصك في نصرة الحق و إني أخشى أن تقع في ما وقعنا فيه. إننا لا نعرف في هذه الجماعة عدونا من صديقنا و والله لو أجد لي مخرجا أعذر فيه عند الله لما بقيت تحت هذه الراية العمياء لحظة واحدة فادع الله أن يحسن لي الخاتمة. و إني أنصحك أن لا تستجيب لدعوة هذه الجماعة إن طلبوك لأنهم سيغدرون بك.......فوجئت بكلامه الذي كان يفيض صدقا و رجاء و تساءلت مستغربا: لماذا انتظرت حتى انصرف عيسى لتقول لي ذلك؟ فقال: عيسى بن بلدي و لكنه جاهل فاحذر منه. و أنا أحضرته في بداية الجلسة لينقل إلى القيادة ما سمع و إني أريدك أن تصحبني إلى خارج الزويرات حتى تطمئن قلوب الجماعة الذين معي لأن الشيطان يجري في عروقهم مجرى الدم. قلت: إذن أذهب مسلحا. فوافق. و انطلقنا إلى حيث يرابط 12 من المسلحين و معهم أربع سيارات ميدانية من نوع تويوتا ستايشن 5 و 6 محملة بأسلحة و ذخيرة متنوعة من بينها رشاشين ثقيلين مضادين للطيران عيار 17 مم و قطعتين من مدفعية الهاون عيار 82مم و قاذفات مضادة للدبابات من نوع رب ج-7.

و قبل الافتراق قلت لمحمود و (ق.ر): هل أنتم فعلا من يقوم بقتال الجيش الجزائري؟ أم أن هناك مقاتلون آخرون يتسببون له في الخسائر التي نسمعها؟ فقال محمود: ماذا تعني يا سي احمد؟ قلت: لو كنت أنقل تمرا لما نقلته بهذه الطريقة. فكيف تكدسون عدة قتالية لتجهيز كتيبة ثقيلة في أربع سيارات و تتنقلون بها كقافلة تجارية ؟ لو وقعتم في كمين ستدافعون عن الرشاشات الثقيلة و المدافع المحزومة بمسدسات رشاشة. فهل هذا معقول عندكم؟ صدق فيكم قول الشاعر: كالعيس في البيداء يقتلها الظما _ و الماء فوق ظهورها محمول. فقال: سأفكر في الأمر عندما نصل إلى منطقة تجمعنا داخل الجزائر. ثم ودعني و انصرف.
بلغني بعد ذلك أن محمود اقترح على قيادته عدم نقل هذه الكمية الضخمة من الأسلحة و الذخيرة إلى الشمال دفعة واحدة و إرسالها على دفعات تفاديا للمفاجآت. و قد كلفه هذا الاقتراح استدعاءه من طرف الإمارة الجهوية بالاغواط و التي قد كان يسيطر عليها جماعة من الأفغان الجزائريين ظنا منهم أنه يخطط للانفصال عنهم. فعينوا صديقهم مختار بلمختار خلفا لمحمود للتكفل بشحنة السلاح و أصبح عيسى الذراع الأيمن لمختار بلمختار المدعو خالد إلى أن انفصل عنه بعد افتضاح أمر زيتوني و تفكك الجماعة سنة 1997 لينتهي به المطاف بالاستفادة من ميثاق السلم و المصالحة سنة 2005.

أما محمود فقد طاردته قوات الأمن و هو في طريقه إلى لقاء القيادة في الأغواط حتى حاصرته بين القرارة و بريان مع مجموعة قليلة من مرافقيه و قتلتهم جميعا. و أما شحنة السلاح فقد حاول المير الجديد نقلها إلى العاصمة و لكن قوات الأمن اكتشفت امرها بعد إلقاء القبض على أحد عناصر الجماعة و استنطاقه فطوقت المنطقة و قصفت السيارات بالطيران فتفرقت حراستها في الصحراء و انسحب بعضهم إلى المنيعة حيث لاحقتهم أجهزة الأمن و الجيش و قتلت بعضهم فيما انسحب خالد بمن بقي من جماعته إلى المنطقة الجبلية شرق عين صالح و بدأ عملية جديدة.

أما العنصر المقبوض عليه فكان من سكان أدرار و من الذين ساهموا في جمع الأسلحة و نقلها و لذلك فقد أخبر عن مكان تواجد (ق.ر) و جماعته فطالبت الجزائر موريتانبا بالقبض عليهم و زودتها بكل المعلومات و المخبرين. و قد قامت أجهزة الأمن الموريتانية فعلا بحملة مداهمة لبيوت المجموعة و لكن بعد أن غادرها أهلها الذين وصلهم الخبر قبل أن تصل التعليمات إلى الشرطة.
حصل هذا أثناء أربعة شهور تقريبا كنت خلالها قد رتبت نقل عبد الحكيم و عائلته و مرافقيه إلى غامبيا عبر نهر السينغال بعد أن حصولهم على وثائق موريتانية رسمية. ثم استأجرت لهم بيتا في العاصمة بانجول بمساعدة إخوة موريتانيين حق لموريتانيا أن تفتخر برجولتهم و نخوتهم. و و الله لولا ما وجدت في أولئك الإخوة من الشهامة و الصلاح و اللطف ما بقي في ذاكرتي عن موريتانيا ما يستحق الذكر. لقد كانوا أعوانا أقوياء على كل خير و آثرونا على أنفسهم بما يملكون من جاه و مال و نفس رغم حاجتهم و خصاصتهم فقط لأنهم علموا من مصدر موثوق أن تلك العائلة الجزائرية المنكوبة مهاجرة بدينها. و قد زارنا شيخهم و هو شاب فاضل يطفح علما وذكاء و رجولة و طلب من كل الإخوة أن يجتمعوا بعائلاتهم في البيت الذي استأجرناه إكراما للأخوات و مواساة لهن بعد رحلتهن المضنية و وعظهن من وراء حجاب قائلا:

 إن الهجرة في سبيل الله مقام يطمح إليه حتى الانبياء فلا تغرنكن غربة الأخوات الجزائريات و تواضعهن فقد سبقنكن بهذا الفضل فاعرفوا لهن قدرهن. فجزى الله الجميع عني خيرا و أثابهم على معروفهم بما هو أهل إنه غني كريم.
بعد اطمئناني على تلك العائلة جددت الاتصال بأخي و ابن عمي الدكتور عثمان الذي كان له الفضل في الوصول إلى الشيخ المشار إليه سابقا و تلاميذه و تواصلت عن طريقه بعمي الشيخ محمد الأخضر رحمه الله الذي كان في ذلك الوقت مستقرا في " أكرا " عاصمة "غانا " و مسؤولا عن نشاطات الدعوة و الإغاثة التي يشرف عليها المنتدى الاسلامي في غرب إفريقيا.
النقيب أحمد شوشان

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))