الأربعاء، 14 ديسمبر، 2011

رحلة الخروج


إستحسن عمي فكرة مغادرتي الجزائر و لكنه طلب مني التريث نظرا لخطورة الرحلة التي عادة ما تكون مع مهربين من المحتمل أن يقعوا في كمائن دوريات الدرك و الجمارك أو حتى قطاع الطرق من الطوارق و الأزواد المنتشرين على الحدود الجنوبية للجزائر. و لكنني لم أكن استطيع التأجيل بعد ما حصل بيني و بين مديرية امن الجيش فقررت أخذ المبادرة بنفسي.
كان واضحا للجميع أن وضعي خاص جدا. فأما الاسلاميون فكانوا واثقين بأنني من أهل الحق و لا يمكن أن أنحاز إلى الباطل مهما كان الثمن. و لذلك فقد بقيت علاقتهم بي على حالها و لم تتغير بل ازدادوا مني قربا لأنهم استانسوا بإطلاق سراحي و رد الاعتبار لي كما بدا لهم. أما أتباع السلطة فقد وقعوا في حيرة عندما رأوني آكل الطعام و أمشي في الاسواق بعد كل ما حدث. و زاد من حيرتهم ما لا حظوه من تهيب أجهزة الأمن من الاقتراب من بيت عمي الذي قضيت فيه مدة غير قصيرة.

في هذه المرحلة لجأت إلى بيتنا عائلة من أم و ثلاث بنات و صبي. هذه الأم اعتقل ابنها الأكبر و هو معيلها الوحيد بتهمة الانتماء إلى جماعة مسلحة سنة 1992 و سجن في السجن العسكري بالمرسى الكبير و فر منه سنة 1993 ليجد نفسه في حضن الجماعة الاسلامية المسلحة بقيادة عبد الرحيم في غرب الجزائر. و منذ ذلك الحين اعتقلت الشرطة أخاه الثاني و فرضت على العائلة المحافظة المسكينة حصارا مشددا لتبقى الأم و بناتها التي بلغن سن الشباب عرضة لفضول حراس الجمهورية الأشاوس الذين لا يحلو لهم ترويع الغلابى إلا بعد منتصف الليل. و لما وصل عبد الحكيم إلى المنيعة و علم بما تتعرض له عائلته من طرف الشرطة التحق بالجماعة المسلحة هناك و طلب منهم مساعدته في تهريب عائلته خارج الجزائر فوعدوه بذلك. و لكن النافذين في الجماعة نقضوا العهد و ساوموه على الزواج من أخواته الثلاث فرفض، و لما حاولوا إرغامه تمرد عن الجماعة و انفصل عنها. و منذ ذلك الحين أصبحت الأم و بناتها بين مطرقة السلطة و سندان الجماعة فلجأت المكسينة و بناتها إلى بيت عمي فرارا بدينها و عرضها.
و قد كانت هذه العائلة المنكوبة عقبة في طريق خروجي لأن بقاءها في البيت بعد ذلك سيعقد الأمور على الجميع و لذلك كان التفكير في مصيرها جزء من مشروع الهجرة.
أول خطوة قمت بها كانت دراسة منطقة العبور على الخريطة ثم استئجار دليل موثوق عارف بطرق دوريات الحراسة و مراقبة الحدود. و قد تمكنت بمساعدة بعض الأقارب بالوصول إلى أقدم خريت في الصحراء الكبرى قضى أكثر من ستين عاما بين شعابها اسمه عبد الرحمان و يسميه سكان المنطقة بالضب. كان في وضع حرج بعد أن صادرت مصلحة الجمارك كل ممتلكاته التي جمعها خلال ستة عقود من التجارة الشرعية و غير الشرعية. فاتفقت معه على تأمين كل شيء متعلق بالرحلة مقابل أربعين مليون سنتيم ادفع له منها عشرة ملايين مقدما لتجهيز نفسه. و كان هذا المال ثاني عائق أمامي لأنني لم أكن أملك سنتيما واحدا فاضطررت إلى استلاف المبلغ كاملا بمساعدة أخي الدكتور محمد الطاهر.

أما بالنسبة لتلك العائلة فقد التقيت بولي أمرها عبد الحكيم و كان مسلحا بمسدس رشاش من نوع كلاشنكوف و بحوزته حوالي 400 طلقة متنوعة و قنبلة يدوية. و روى لي قصته كاملة و طلب مني مساعدته على إخراج أهله من الجزائر فاقترحت عليه أن يصحبني في رحلتي شريطة أن يوفر وسيلة نقل لسفر عائلته فاستشارني في كيفية الحصول عليها فنصحته أن يحصل عليها بالمعروف فإن تعذر عليه ذلك فليتجنب الإعتداء على مال أو عرض أو دم أي مواطن فإن مأساة أهله لا يجوز حلها على حساب الآخرين. و فعلا استطاع بالتعاون مع اثنين من الشباب أن يستولي على سيارة ميدانية من نوع تويوتا ستايشن تابعة للدولة دون إراقة دماء.
و هكذا أصبح المعنيون بهذه الرحلة مجموعتين مسلحتين تتكون الأولى من عبد الحكيم و أمه و أخواته الثلاث و أخوه الأصغر و الشابين الذين ساعداه في الاستيلاء على السيارة و معهم سلاح عبد الحكيم أما الثانية فتكونت زيادة عني أنا من الدليل و سائقه مزودين بسلاح رشاش آخر وفره الدليل لتأمين الرحلة.

و قد فشلت أول محاولة للخروج عندما تأخر الدليل عن الموعد المحدد نتيجة للحصار المضروب على المنطقة. و قد كانت تجربة قاسية لأننا تواعدنا على اللقاء 80 كلمترا في عمق الصحراء في منتصف الليل. و كانت مخارج المنيعة كلها مغلقة و نظام منع التجول ساري المفعول. و رغم أن خروجنا كان سهلا بعض الشيء لأننا رتبنا كل شيء مسبقا إلا أن اقترابنا من المدينة عند العودة مع اقتراب الفجر و دخولنا إليها كان عملا في منتهى الصعوبة و الخطورة خاصة و أن معنا نساء لم يتعودن أبدا على مثل هذه المواقف. و لكن هذه التجربة الميدانية كانت مساعدة لنا جدا في محاولتنا الثانية التي كانت موفقة بعون الله.
اخترقنا المنطقة الصخرية بين طريق عين صالح و طريق أدرار بحذر شديد و نحن في وضعية قتال لأن أي تماس بيننا و بين أي دورية لم يكن يعني سوى شيئا واحدا هو القتال حتى الموت و قد تعاهدنا على ذلك قبل الانطلاق ليكون الجميع على بينة من الأمر. حتى النساء فضلن الموت على البقاء في الجزائر عرضة للابتزاز و المساومة على شرفهن. و رغم ذلك لم تخل رحلتنا من الفكاهة لأن الدليل كان قد جاوز السبعين و كاد يفقد بصره تماما و كنت أصف له وضع النجوم و تضاريس الأرض لتحديد وجهته و لكنه كان أحيانا يختلط . و من ذلك أنه تأمل تجمعا للنجوم مرة و ظنه " الدب الأكبر " الذي يسميه الناس عندنا " الناقة " فقال لي : هذه هي الناقة و لذلك فإن علينا الاتجاه من هنا. فقلت: يا عمي عبد الرحمان الظاهر أن ناقتك طايرة لإنني لا أرى لها أرجلا و إنما أجنحة.... و قد اصطحبت معي خريطة و بوصلة ساعداني على التحرك بثقة كاملة و الحمد لله.
بعد يومين وصلنا إلى منطقة جبلية مظلمة اسمها " آهنت" تمتد شرقا إلى عمق التراب الليبي و جنوبا إلى حدود تشاد و لكنها لم تكن وجهتنا، فخيمنا فيها أسبوعا كاملا تم خلاله استطلاع المنطقة الحدودية المحاذية لدولة مالي و استحدثنا نقاط للتزود بالوقود و الماء.
في هذه المنطقة يمكن لجيش كامل أن يتمركز دون أن تتمكن أية قوة في الأرض أن تقضي عليه إلا بالانتشار داخل شعابه و احتلاله بعد دفع خسائر بشرية و مادية لا تقل عن عشرة أضعافه. و لذلك فإن المراهنة على القوة لاستتباب الأمن في الجزائر سواء في الصحراء أو في الشمال وهم يملأ رؤوس الحمقى وحدهم.

بعد ذلك قمنا بعملية اختراق طويل لمفازة " تانزروفت" الممتدة غربا أكثر من 500 كلمتر بين " جبال آهنت " و "عرق الشاش الكبير" ثم اقتحمنا عرق الشاش جنوبا في اتجاه " الحنك" من تراب مالي الذي هو عبارة عن صفائح قاطعة من الصخور البركانية تمتد عشرات الكيلمترات في اتجاه الصحراء الغربية. ثم انحدرنا من الصحراء الغربية في اتجاه الجنوب نحو منطقة الزويرات الموريتانية. و قد دامت المرحلة الأخيرة من رحلتنا أسبوعا كاملا من المغامرة بلياليه تفادينا أثناءها التماس مع دوريات الحراسة الجزائرية و المالية و نقاط المراقبة الموريتانية كما قدمنا المساعدة لبعض المتخلفين من المشاركين في رالي دكار و السواح العرب المتوغلين للصيد في شمال مالي.
خيمنا على مشارف الزويرات ثلاثة أيام قام خلالها الدليل بترتيب دخولنا بعد أن استأذن المعنيين بالأمر وفق الأصول المعمول بها واستأجر لنا بيتا هناك

النقيب أحمد شوشان
يتبع

5 التعليقات:

  • لا ادري هل تريد تروي لنا مغامرة في الحصراء ام تريد تضحك علينا. ام انك لم تكن تدري الطريق الذي كان يمر به الدليل؟ احسن تقول هربوني الرجال وتسكت. وحتى الرجل الذي هربك اصبحت تضحك عليه وتقول بصره صعيف وانت الذي كنت تساعده. هكذا تنكرون الخير. اما الخرفات الت كنت تخلط فيها مثل من المنيعة الى الحدود الليبية جنوب شرق الجزائر ثم فجاة في الغرب في الحدود المرتانيا المالية؟ ماهذا الخلط؟ كما ان الخروج من المنيعة ليس بهذه الخطورة التي تصفها بل يمكن ان تخرج منها من اي جهة ولا تحطها الرمال الى من الناحية الغربية ولا مراقبة الا على الطريق الوطني الرئسي.

    اختصر القول ولا تنكر العشير وقل هربوني رجال بارك الله فيك واترك مواصفة الطريق للخبراء. الحمد لله لم تعرف الطريق وسيبقى لاجيال بعدك ينتفون منه.

    5 فبراير، 2012 9:46 ص

  • الرجال لا بتكلمون من وراء حجاب بل ان الحرائر لا يتنكرن عندما يردن التعبير عن رأيهن او الصدع بالحق و لكنك احقر من ان تكشف عن وجهك امام الرجال. اما انا فالمعنيون بشهادتي ما زالوا كلهم احياء يرزقون و يتواصلون معي و لم يشهد احد منهم بخلاف ما قلته. فما الذي لكزك حتى علا ضراطك و حشرت نفسك فيما لا يعنيك. أما الخير فأنا منه منبع و لست إناء يصب فيه و انا من قوم شرفاء لا يقتاتون من الصدقة و لذلك فان خيرك انت و من ادعى ذلك مردود عليكم اذا لم تفصحوا عنه و تتقاضوا اجركم عليه و بجون منة علينا و لا على الله فنحن لا نسأل غير الله شيئا. و اعلم ان الدليل الذي صحبني تقاضى حقه 40 مليون سنتيما ينطح سنتيما و لم اسدد العشر الملايين الباقية في ذمتي دينا عند اخي الاكبر الدكتور محمد الطاهرالا بعد ان اشتغلت الليالي الطوال في بلاد الغربة شهورا كاملة. اما عن الطربق فانا لم ابدا المسير في البراري و الجبال من رحلة خروجي من الجزائر و لم اخرج في سياحة و انما خرجت في وصعية قتال و كانت تلك الرحلة سفرا قريبا بين مشواري الطويل مع المسير في ادغال افريقيا لاحقا و الحدود الجزائرية المغربية التي استطلعتها سنة 1982 و جبال الاطلس التلي و الصحراوي الداخلية و جبال اكس شرقا و الشريعة و الخميس شمالا و صحراء حاسي مسعود اثناء خدمتي في الجيش و لم اكن في حاجة الى دليل ايها المغفل المتطفل بل كنت انا قائدا لجنودي و طلبتي اكثر من عقد من الزمن. و لذلك فالرجال انا من صانعيهم و اقرانهم و لست من المتمسحين بهم اما انت فيمكنك ان تبحث عن رجل يعوضك عن قصورك بقوامته. هذا حظك من الرد على خساستك اما اذا كنت تعتقد انك على حق فاكشف عن وحهك و هات ما عندك و ساثبت لك انك ضحية لدعاية كاذبة

    11 أبريل، 2012 2:19 ص

  • تحيا الجزائر حرة مستقلة

    17 أبريل، 2012 11:57 م

  • أود منك أن تجيبني و لو بإختصار يا أحمد عن سؤالي الذي حيرني كثيرا و هو كما يعلم بعض الناس أن هؤلاء الجنرالات هم أسباب الى ما وصلت إليه جزائرتنا الحبيبة و أندسوا في الجيش الوطني و و و......الأن هل يا ترى ومند الإستقلال و لا أحد من الشرفاء في الجيش يعلم بهذه المؤامرة ؟ أم غضوا البصر وإذا كان كذلك فهم سواسية ؟ كيف ذابت شجاعة الثوار بعد الإستقلال و تركوا هؤلاء ينفردون بالسلطة؟ وكما قلت أنت أن مصار دور الجيش أنحرف في العشرية هل يسمح الضباط السامين المتخرجين من جميع أنحاء الوطن الذين عاهدوا الشهداء أن تصبح ألة الجيش في حصد أبناء وطنه؟ و أخيرا كيف يسمح إنسان مثل هواري بومدين أن يعين هؤلاء على رأس الجيش أم هي جزء من المؤامرة؟

    19 أبريل، 2012 1:17 م

  • تحياتي اخي شوشان

    اتمنى ان تنشئ تكتلا للاحرا حتى تنقذو الجزائر من هذه العصابة التافهة وشكرا

    29 أبريل، 2012 7:00 م

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))