الخميس، 30 يونيو، 2011

قصيدة في ذكرى اغتيال محمد بوضياف


راحوا ليه للمغرب وقنعوه
واستقبلوه بالدّقلة واللبن الصّافي
سي الطيب رمز من رموز الثورة
أكثر من عشرين سنة غريب و منفي

 جابوه لوطنه  وكسروا عليه الباب
و قالك جاء يحاسب ويغربل ويصفّي
عاد للمغرب في طائرة وليلة ظلماء وقلبوه
قتلولو مرباح ومن بعدو عينوا علي كافي

ببطولات الشعب داروا تاريخ مزوّر
  فيهم  الي كان خائن  وبالشكارة متخفّي
فعلوا المنكروالباطل  بشعبهم
 احباس وباطوارات  مفتوحة ماتكفي

 من الشرق للغرب عاموا عليها بظلمهم
شياطين  وأشباح في صورة آدمي
مصّوا الدم وزادوا معه اللحم للمواطن
يالطيف من أفعالهم  الحجر تتكسّر وتبكي

آبار البترول  في الصحراء نشفوها
لسويسرا وباريس بطونهم تفكّر وتصلّي
يخمّوا في ارواحهم ومعهم المدّاحين
يساندوا في التخريب ويحاربوا في الي يبني

من  تموشنت كانت بدايتهم للفاهم
  إختارولوا عنابة في المسرح وعدموه
من قلب الاوراس   ببلدة مسكيانة
خدروا  الضابط المبارك واستغلّوه

عندهم حساب مع التاريخ والثورة
جهاد سنين في رمشة عين ردموه
يساعدوا في النصّابين والقومية
ومن أهل الاصلاح الي عارضهم يخنقوه

من معطوب الوناس الى حشاني عبد القادر 
ومن الشمال للجنوب الي يتحرك يعتقلوه
بيوت الله كانت عامرة فرغوها
الناس تدرّس في العلم وهم العالم يجهلوه

الامين في حكمهم أصبح خائن
والفاسق والفاجر إمام يشاوروه
المجرم والجلاّد في محكمتهم قاضي
والضحية المسكين جاني يحاكموه


نورالدين خبابه
29 جوان 2011

الأربعاء، 29 يونيو، 2011

من هو أنور مالك؟


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا لم تستح فاصنع ما شئت"
من حق كل من تــــابع الزوبعة الإعلامية التي أثارتها جهات مغرضة تحت غطاء منظمة ترييال Track Impunity Always)). زاعمة أنها استندت إلى شكوى رفعها المدعو أنور مالك يزعم فيها أنه تعرض للتعذيب يوم01جويلية2005 بثكنة شاطو نوف(château .N.) بالجزائر العاصمة بحضور أبوجرة سلطاني، نقول: من حق كل متابع لهذه الزوبعة الإعلامية المغرضة أن يعرف من هو هذا المدعو أنور مالك؟ ليعرف من هي الجهات التي تحركه منذ سنة 2001، وكيف وصل إلى منظمة ترييال ومن يقف وراء تهريجاته وأكاذيبه ليدرك حفايا هذه المسرحية المكشوفة ويعرف - بعد ذلك - أن العالم بأسره بدأ ينهار أخلاقيا عندما يصدق المهرجين، وأن سويسرا الآمنة– بعد حادثة القبض على نجل الزعيم الليبي معمر القذافي وتداعيات ذلك على سمعتها – بدأت بعض الجمعيات والمنظمات القاطنة على أرضها تتسبب في تشويه سمعتها مع أصدقائها الذين تحرض بعض هذه المنظمات أطفالها ومراهقيها ومهرجيها على أن يرشقوا بعض الناس بالحجارة وتنسى هذه الجهات واجب احترام الضيافة، وقد تصبح سويسرا الآمنة عرضة للإزعاج وأن بعض المنظمات المعتمدة لديها قد تتسبب في جرها إلى ما لا يحمد عقباه، والمدعو أنور مالك قد أصبح واحداً من هذه النماذج المزعجة التي قد تجر وراءها سلسلة من العفونات القذرة.1. من هو أنور مالك: اسمه الحقيقي نوار عبد المالك من مواليد 17/07/1972 بالشريعة/ ولاية تبسة، أعزب، مسرّح من مؤسسة الجيش الوطني الشعبي برتبة ملازم بعد فضيحة قام بها أساءت إلى رتبته العسكرية وإلى المؤسسة التي ينتمي إليها، وسبق الحكم عليه بالسجن عدة مرات في قضايا نصب واحتيال، وقد قام بعدة مخالفات تتنافى مع الانضباط العسكري، يعرف كل من له صلة به – من سيرته الشخصية ومن سوابقه العدلية - أنه مسبوق قضائيا بالعوْد أربع(04) مرات متتالية ودخوله السجن في قضايا نصب واحتيال، لاسيما منذ2001إلى2006 حيث فر من الجزائر مدعيا أنه ضحية ممارسات سياسية وتعذيب وركب موجة المعارضة، واستفاد من حق اللجوء السياسي بدولة أجنبية بعد سنة2006، أي بعد صدور ميثاق السلم والمصالحة الوطنية حيث بدأ أبناء الجزائر يعودون إلى وطنهم  وذويهم، في هذا الوقت فرَّ هو من وطنه وذويه متهما النظام الجزائري ورجال الدولة بالضلوع في تعذيبه في مركز شاطو نوف يوم 01/07/2005، ومن انحرافاته المسجلة في سجل سوابقه العدلية ما يلي:
- تزوير جواز سفر باسم أحد أقاربه المتوفى
- سرقة أموال لأحد زملائه في الجيش
- انتحال الصفة والتزوير واستعمال المزور
- التبليغ عن جنايات كاذبة
- طبع وحيازة محررات تشيد بأعمال إرهابية
- بيان صادر عن جبهة القسطاس المستقيم للمجلس الثوري للإمارات الفرعية الثالثة بالجزائر.
- حيازة المخدرات والنصب والاحتيال وخيانة الأمانة
- التزوير في محررات رسمية.
- الإشادة بالإرهاب والتحريض عليه.
       والذي يطلع على سجله مع المحاكم وعلى ملفات المتابعات الجزائية والجنح تستوقفه فظاعة ما قام به هذا الرجل من حماقات واحتيالات ونصب.. تجرده من كل مصداقية صحفية أو سياسية.. ناهيك عن قبول أكاذيبه وخيالاته وأوهامه.. التي ينسفها ماضيه الحافل بالانحرافات.
       وعلى سبيل المثال، نستعرض مشمولاته في آخر قضية له، قبل فراره من الجزائر، في اعترافات وقّع عليها بيده وأقرَّها بلسانه، والتي تحمل رقم133/2005تحت عنوان: النصب والاحتيال والتزوير واستعمال المزور والتبليغ بجريمة وهمية وحيازة المخدرات.
       فقد تم القبض على المعني نهاية شهر جوان2005 - باعترافه هو - وبدأ التحقيق معه يوم 02جويلية2005،ودونت اعترافاته بتاريخ 03جويلية2005 ، وعند تفتيش مسكنه الكائن بحي ميموزة بسطاوالي(الجزائر) يوم30جوان2005 عثر على أدلة إثبات من أبرزها:
- محرر خطي موجه إلى الأخ أبو إسلام يحمل ختم شخصي لأسامة بن لادن.
- ختم خاص بالجماعة السلفية للدعوة والقتال.
- منشورات تشيد بالإرهاب وتحرض على الأعمال الإرهابية.
- ختم شخصي باسم أسامة بن لادن.
- وثائق ومحررات وبطاقات هوية وصكوك..باسم مواطنين ومواطنات من ضحاياه وعدهم بتسوية وضعياتهم واحتال عليهم بانتحال الصفة...
- محرر خطي مكتوب بتاريخ 20/08/2002 موجه إلى سعادة السفير الأمريكي لدى الجزائر يعلمه فيه عن وجود مشروع جديد يستهدف واشنطن ونيويورك وبعض السفارات الأمريكية، ويؤكد فيه المدعو أنور مالك، أن لديه معلومات هامة حول الأعمال السالفة الذكر، وأنه مستعد للتعاون مع مصالح الولايات المتحدة الأمريكية.
- ....إلخ.
        وقد اعترف المدعو أنور مالك بالأفعال المنسوبة إليه وأكد، بزعمه وبعظمة لسانه، أنه مجنّد من طرف أشخاص  - من داخل حركة مجتمع السلم وخارجها- للتشويش على رئيس الحركة وكوادرها عشية التحضير لعقد دورة مجلس الشورى الوطني المقررة أيام25-27ماي2005
        وبعد التحريات والتحقيق على مستوى مجلس قضاء الجزائر حكم عليه بسنة سجن نافذة قضاها بسجن الحراش.
2.أكاذيب أنور مالك: بالعودة إلى تسلسل الأحداث نكتشف أن المدعو أنور مالك قد وقع في فضح نفسه عندما زعم أنه تعرض للتعذيب يوم 01جويلية2005 بشاطو نوف، فوفقا لاعترافاته هو شخصيا نجده يكذب نفسه ويفضح المخطط الخيالي الذي نسجه ليفتري على الناس الكذب، وذلك وفقا للتسلسل الزمني التالي:
- 30/06/2005 على الساعة السابعة صباحا ضبط المدعو أنور مالك داخل مسكنه بشكل مباغت، وتم تفتيش محتويات البيت والعثور على كثير من الأدلة التي تدينه في عدة جرائم وجنح من أخطرها التخابر مع جهات أجنبية وامتلاكه لأختام ومحررات باسم أسامة بن لادن وإشادته بالأعمال الإرهابية..إلخ.
- 01/07/2005 كان يوم عطلة (يوم جمعة)في الجزائر، كان موقوفا على ذمة التحقيق.
- 02/07/2005 صباحا(يوم السبت بداية الأسبوع) بدأ التحقيق معه، وتمت مواجهة المدعو أنور مالك بالأدلة واستجوابه في كل التهم المنسوبة إليه، وقد اعترف بها، وتمت صياغتها في تقرير قضائي وتمت قراءة التقرير أمام المدعو أنور مالك بكل ما صرح به وأكد أن ما جاء في التقرير صحيح وليس لديه ما يغير فيه أو يضيف عليه أو يحذف منه.
- 03/05/2005 حرر إشعار بالتوقيف رقم 05 خاص بالمسمى عبد المالك نوار المدعو أنور مالك، وحجز كل الأشياء التي وجدت بمسكنه وختمها.
ولأن يوم 01/07/2005 الذي يزعم المدعو أنور مالك هو اليوم الذي تم فيه تعذيبه بشاطو نوف يصادف يوم الجمعة، وهو يوم عطلة مقدسة في الجزائر، فإن كل مزاعمه تتساقط كونه كان موقوفا على ذمة التحقيق، وهو ما يدعونا إلى طرح التساؤلات التالية:
- إذا كان المدعو أنور مالك قد تم إيقافه يوم الخميس 30جوان2005 بسطاوالي (داخل بيته حيث تم تفتيشه والعثور على أدلة الاتهام) ولم يشرع في استجوابه إلا يوم السبت 02/07/2005، فكيف يزعم أنه تعرض للتعذيب يوم الجمعة 01جويلية في شاطو نوف بحضور الشيخ أبوجرة سلطاني الذي لم يكن يومها موجودا بالجزائر أصلا.
- هل يعقل أن يتعرض مواطن للتعذيب يوم الجمعة، وله محامي يرافع عنه منذ تورطه في الأعمال المنسوبة إليه وإلى يوم مغادرته السجن؟ فهل اخبر هذا المدعي محاميه بما تعرض له من تعذيب أم جاءته شهوة الإعتراف والكذب لما هرب من الجزائر والتقى بالحاقدين عليها؟ إن محامي المدعو أنور مالك مازال على قيد الحياة ويملك أن يقدم شهادته لتنوير الرأي العام كما يملك كل المساجين الذين كانوا معه في الحراش أن يدلوا بشهاداتهم في نفس السياق (كما فعل السيد ملوكة).
- وأخيرا، هل بقي في الجزائر حديث عن التعذيب سنة2005 حتى يزعم المدعو أنور عبد المالك أنه تعرض له ناهيك عن زعمه أنه حدث بشاطو نوف يوم الجمعة 01جويلية2005؟ ثم ما علاقة أبوجرة بهذه المسائل من أساسها سواء بوصفه رئيس حركة إسلامية أو وزيرا للدولة وهو المعروف بوقوفه مع القضايا العادلة ودفاعه عن الحريات وحقوق الإنسان وكرامة بني آدم؟
ولأن كل سجين يخضع وجوبا يوم خروجه من السجن إلى فحص طبي شامل وتسلم له شهادة على هذا الأساس، فهل يوم خروج المدعو أنور مالك من السجن كان سليما 100% ثم أصابته إعاقة 70% كما يزعم أم أن افتراءاته حولته من رجل سليم إلى إنسان معوق أم أن ما به ناجم عن حادث سابق رواه هو لأصحابه كونه يعاني من عرْج في قدمه كما أكد ذلك أقاربه؟

الخلاصة: إن الحملة الإعلامية المغرضة الموجهة ضد حركة مجتمع السلم ورئيسها وكوادرها ووزرائها..هي فصل من مؤامرة دنيئة ليس بطلها المدعو أنور مالك، بل هو مجرد بيدق فيها، أما مهندسوها فهم خصوم الحركة السياسيون في الداخل والجماعات المحركة للنعرات في الخارج، وهي معركة طويلة المدى تقودها اليوم وسائط إعلامية لها حسابات مع الحركة ومع الدولة، وتغذيها جهات داخلية وخارجية لها حسابات إيديولوجية تريد تصفيتها مع الحركة، ولذلك نحن ندرك أن المستهدف فيها ليس شخص أبوجرة سلطاني وإنما القضية أوسع من ذلك وأعمق بنص ما جاء في بيان منظمة ترييال Track Impunity Always)) الذي يؤكد على أن الدعوى التي رفعتها هذه المنظمة ليست ضد أبوجرة وإنما هي دعوى ضد التعذيب في الجزائر، وأن شخص أبوجرة سلطاني هو مجرد "كبش الفداء" قررت الجهات التي كانت تتحدث عن "من يقتل من؟" فتجمعت عن غطاء منظمات غير حكومية وحبكت سيناريو التعذيب وقررت أن يكون - رغم كل التكذيبات الرسمية الصادرة عن الحركة- تهمة موجهة للجزائر لتحريض الجهات المتخذة عن حقوق الإنسان على إعادة بعث هذا الملف مع أنه لا تعذيب في الجزائر، رغم كل ذلك تصر هذه الجهات على أن التعذيب موجود في شاطو نوف وأن أبوجرة واحد من المكلفين بالتنسيق في أعمال التعذيب، ولأننا لم نسمع من قبل بأن أبوجرة سلطاني له أي صلة بهذا الموضوع إلا على لسان المدعو أنور مالك ومنظمة ترييال فإننا بحاجة إلى مزيد من الوقت لوضع النقاط على الحروف، وبانتظار ذلك لابد من العمل قضائيا - في الجزائر وسويسرا معا- على إسقاط كل الأقنعة التي دأبت على الاختفاء وراء منظمات حقوقية لتمرير مشاريع مشبوهة.
http://www.hmsalgeria.net/ar/modules.php?name=News&file=article&sid=1195

الاثنين، 27 يونيو، 2011

كيفية اغتيال محمد بوضياف ؟

بعد الانقلاب العسكري في الجزائر يوم 11 يناير (كانون الثاني) 1992
أراد جنرالات الجيش القمعيون إيجاد وسيلة لتهدئة المواطنين الساخطين إثر إيقاف المسار الانتخابي من جهة وإبعاد الجيش من واجهة قيادة الدولة من جهة اخرى.
كانوا يدركون أن في مصلحتهم التحرك وراء حكومة يزعم أنها مدنية.

تفاديا لانتقادات الدول الغربية التي رغم ارتياحها لعدم وصول الجبهة الاسلامية للإنقاذ إلى الحكم- لا تستطيع دعم دكتاتورية عسكرية مباشرة.
وتعيّن على الجنرالات وهم:
خالد نزار وعبد المالك قنايزية ومحمد العماري ومحمد تواتي ومحمد مدين إيجاد رئيس للدولة يتمتع بمواصفات معينة وتتوفر فيه معايير محددة. وكقاعدة انطلاق فقد كان المعيار الاول مفروغا منه.

فالشخص الذي يقع عليه الاختيار يجب ان يكون من قدماء المجاهدين وله ماض لا يُعاب وان يكون -ان امكن - ضحية لنظام الشاذلي وحتى لنظام بومدين, كما يجب ان يكون بعيدا كل البعد عن كل الانقسامات السياسية.

ولم تكن هذه المعايير المحددة متوفرة لدى الكثيرين ممن يمكن ترشيحهم لمنصب رئيس دولة, ويكاد يكون من باب الصدفة ان وقع اسم محمد بوضياف على لسان الجنرال نزار, فبوضياف رجل ذو وزن ثقيل وتتوفر فيه كل الشروط المطلوبة.

لكن المشكل الكبير الذي كان مطروحا, هو هل سيقبل السيد بوضياف بمنصب محرج وقد ابتعد عن السياسة منذ زمن بعيد ليتفرغ كلية لاعماله الخاصة واسرته حينئذ, قرر الجنرالات ارسال (صديق قديم) لابلاغه بالاقتراح.. .

وكان ذلك الصديق هو علي هارون, وكانت مهمة هذا الأخير حساسة جدا. حيث حبس جميع الجنرالات الذين كانوا في الامانة العامة لوزارة الدفاع الوطني أنفاسهم في انتظار الجواب بالقبول أو الرفض من طرف بوضياف.

وفي المغرب, التقى الصديقان في بيت السي محمد (بوضياف), حيث أطلع علي هارون بوضياف على هدف زيارته بعاطفة جياشة.
فوعده بوضياف الذي تأثر بالعرض من دون ان يتفاجأ به بالتفكير في الموضوع وابلاغهم بما يقرره في اقرب الآجال.
وبعد مشاورات مع اسرته وصديق آخر له يعمل طبيبا, وافق بوضياف على الطلب ليس لعظمة المنصب, بل لأن الساعة تنذر بالخطر في الجزائر والوضع الذي اطلعه عليه علي هارون ينذر بالكارثة.

وباشر بوضياف اتصالاته الاولى من المغرب حيث اتصل باعضاء قدامى في حزب الثورة الاشتراكي واطلع الملك الحسن الثاني على الموضوع الذي اعتبره هدية السماء طامعا في ان تجد ازمة الصحراء الغربية عندئذ مخرجا لها.
وابلغ علي هارون جنرالات الجزائر (البينوشيين) الذين ظنوا انهم وجدوا حلا للازمة الدستورية التي تهدد مصالحهم الشخصية فاعلنوا الخبر للعامة وبدأوا في التحضيرات استعدادا لاستقبال منقذ الجزائر.

وتم اطلاع حكومة باريس بهذا الاختيار في نفس الليلة التي قرر فيها النظام الفرنسي الاتصال ببوضياف الذي كان معروفا لدى الفرنسيين لشغله منصب ضابط مساعد في الجيش الفرنسي سابقا وحوزه على ميدالية عسكرية وصليب الحرب الفرنسية.
اذن ليس هناك من اختيار من شأنه ان يرضي اصدقاءهم فيما وراء البحر اكثر من هذا الاختيار؟ وبالتالي تكون الثغرة قد سُدت واعيدت الشرعية للقيادة السياسية في البلد وكان نزار ساهم شخصيا في تزكية بوضياف رئيسا على رأس المؤسسة العسكري غير ان بعض الضباط السامين في الجيش الذين شجبوا هذا الخيار اعتبروا هذه الخطوة اهانة لهم.

فلم ينسوا ان هذه الشخصية الثورية (بوضياف) انحازت لجانب الملك الحسن الثاني ايام المسيرة الخضراء التي ادت الى نشوب حرب الاخوة راح ضحيتها مئات الجنود الجزائريين دون ذكر الذين اعتبروا في عداد المفقودين والمعتقلين.
لم يشك بوضياف (73 سنة) انه عائد الى الجزائر لشغل اعلى المناصب القيادية والقاضي الاول في البلاد فيها وانه سيعامل معاملة الملوك.

وكونه قضى مدة طويلة بعيدا عن الجزائر شكل له عائقا الا ان ذلك يخدم نسور وزارة الدفاع الوطني خدمة كبيرة.
بيد انه بمجرد وصوله الى قصر الرئاسة ادرك بوضياف بسرعة نسبية متطلبات حياته الجديدة. وسرعان ما بدأ يكشف اسرار دولة على وشك الخراب على كل الاصعدة.

والاخطر من ذلك انه وجد نفسه على حافة حرب اهلية مستترة وراء تقارير امنية كاذبة.
(كان يوقع على كل الاجراءات الامنية المتخذة ضد مناصري الجبهة الإسلامية للانقاذ الذين كانوا حسب تلك التقارير يعرضون مستقبل الجزائر الى خطر عموم الفوضى الشاملة).

لقد كان بوضياف مقيّدا من قبل صناع القرار في وزارة الدفاع الذين شاطرهم آراءهم في البداية على الاقل من دون اي تعليق او تعقيب.
ومع مرور الوقت شرع بوضياف في التحرر وحاول جلب المقربين منه حوله وتنصيب اصدقائه الاوفياء على كل المستويات. لكنه لم يجد صدى كبيرا لدى ضباط الجيش الذين الغوا مراسيم تنصيب العديد من الاشخاص الذين ارادهم بوضياف حوله فيما كثرت الشجارات الشفوية مع مسؤولين سامين في وزارة الدفاع لان هؤلاء كانوا يصدرون اوامر مناقضة لاوامره. كما تقلص نطاق حرية عمله تدريجيا بتدخل من الجيش.

وكانت كل اتصالات بوضياف مسجلة ومراقبة على الدوام وعن قرب واذا دعت "الضرورة" للتخلص من الشخصيات التي كان يتصل بها بوضياف, فإن قناصي الجنرال توفيق رهن الاستعداد للقيام بالمهمة.
لم يتفطّن بوضياف ان مساندة شعبية شرعية وقوية هي الوحيدة التي تمده بقوة كافية لاجراء التغييرات التي يراها ضرورية لاخراج الجزائر من ازمتها الا في نهاية المطاف.

لكن هذه التغييرات لم تُعجب القوى الغادرة في السلطة لأن لهذه القوى التي كانت تملي سيناريوهات السياسة الجزائرية في مختلف الأوقات أهداف أخرى.
وقد أوصى بعض الأوفياء في السلطة بوضياف باتخاذ الحذر كما تعرض رئيس مكتبه لمضايقات عن طريق الهاتف تارة ومبعوثي وزارة الدفاع الوطني الذين طلبوا منه تهدئة السي محمد تارة أخرى لأن هذا الأخير (بوضياف)
كان كثيرا ما يتخذ قرارات من دون الرجوع الى قادة وزارة الدفاع.

وما زاد الطين بلة قرار بوضياف ورأيه المتصلب
لاعادة محاكمة الجنرال بلوصيف (أمين عام وزارة الدفاع في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد), وبهذا يكون قد رفع تحديا جريئا في وجه بارونات الجزائر.
عزم بوضياف على المضي في ذلك ب
عد مشاورات كان أجراها مع قاصدي مرباح
(مسؤول المخابرات العسكرية سابقا).

وتجدر الاشارة الى أن هذين الرجلين كانا يعرفان بعضهما البعض جيدا ومن نفس التيار السياسي.
ولهذا السبب, تعهد مربا ح بمساندة هذا الرجل الذي كان يكن له الاحترام نفسه الذي كان يكنه للسيد عبد الحفيظ بوصوف.
وشكلت مساندة قاصدي مرباح نصرا كبيرا لبوضياف خاصة وأن هذا الأخير يعد من دون شك من القلائل المطلعين على الحقيقة الجزائرية.

كما يعرف من هم الأعداء اللدودين في السلطة ولمحاربتهم كان بحاجة الى رئيس مثل بوضياف لدعمه.
وكانت اتصالات مرباح واسعة ومهمة بما فيها توفيق الذي كان يشغل رتبة ملازم ثان ضمن الجيش (SA) عندما كان مرباح يشغل منصب قائد الأمن العسكري (SM).

فقد استطاع أن يحصل على وعد بالمساعدة تمثل في ضمان نزاهة ضباط الأمن بخصوص التغييرات التي كان الرئيس بوضياف ينوي ادخالها لاخراج البلاد من أزمتها.
وبات قيام توفيق بدور مزدوج في لعبة واحدة أمراً ضروريا.
ويذكر أن منصبه حينئذ, كان غنيمة تكالب عليها حساد آخرون كانوا خطيرين هذا وزادته معرفته لحقائق وتصرفات بوضياف مزايا عن غيره.

لما حان وقت محاكمة الجنرال مــصطفى بلوصيف مجددا قام الجنرال توفيق بنشر تفاصيل قضية حاج بتو (حيث كان ضباط الأمن على علم بصفقاته غير القانونية مع بلدان الصحراء منذ مدة طويلة) في الصحافة الوطنية بهدف صرف الأنظار عن المحاكمة.
لكن في الحقيقة, لم يكن الحاج بتو سوى واحد من مجموعة كبيرة وصلت الى غاية الجنرال العربي بلخير.

وكان من شأن قضية بلوصيف المعاد النظر فيها بكل امتداداتها ان تجر معها كلا من الرئيس الشاذلي بن جديد والعربي بلخير وآخرين عديدين كانوا مذنبين اكثر من بلوصيف نفسه. وان تمت محاكمة بلوصيف بتهمة تهريب مبلغ مالي بسيط نسبيا, بالمقارنة مع المبالغ التي هربها الآخرون فسوف يؤدي ذلك الى محاكمة الشاذلي وخاصة العربي بلخي (الذي كان مدير ديوان الرئيس) بتهمة الخيانة العظمى بناء على طبيعة الحقائق المتصلة بهذه القضية.

بدأت القصة بمشروع اقامة تغطية كل التراب الجزائري عن طريق اجهزة الرادار, تقدم به العربي بلخير للسلطة لحساب الحكومة الفرنسية.

لكن رفض الجنرال مصطفى بلوصيف الذي يشغل منصب الامين العام لوزارة الدفاع الوطني المشروع, وكذلك رَفَِِضَه العديد من الضباط العسكريين الكبار بسبب تكلفته الخيالية اذ كانت قيمة المشروع الاجمالية آنذاك تتجاوز الاربع مليارات فرنك فرنسي جديد كانت نتائج هذا المشروع, لو تم انجازه ستكون وخيمة على اقتصاد البلاد كما كان سيضع نظام الدفاع الجوي الجزائري برمته تحت سيطرة فرنسا وهذا هو السبب الذي جعل بلوصيف يرفض تبني المشروع برغم الضغوط التي مارسها عليه العربي بلخير والشاذلي للتوقيع عليه.

(وشاء القدر أن يمضي لواء قوات الجيش محمد العماري على مشروع مماثل عام 1995 مع الحكومة الفرنسية ــ بطبيعة الحال ــ وهذه المرة كانت التكلفة اكبر بكثير).

وعقابا بلوصيف على رفضه للمشروع اتهمه الشاذلي رسميا بالفساد وسوء الادارة مستعينا بأدلة قدمها له العربي بلخير كان حصل عليها من اصدقائه الفرنسيين (تفاصيل حساب بنكي في باريس باسم بلوصيف وشرائط مرئية تجلب الشبهات, يشاهد فيها برفقة عميلات في الاستخبارات الفرنسية من اصل لبناني, وكذلك تفاصيل متعلقة لعيادة خاصة شهيرة بمدينة نويي الفرنسية كان يستلم منها ارباحا كبيرة).

وامام هذه السياسة المفروضة لم يستطع بلوصيف الدفاع عن نفسه وأرغم على دفع ثمن غلطته من دون احتجاج.
وفي الواقع, فإن الذين اسقطوا بلوصيف هم عملاء استخبارات فرنسيون لان باريس استاءت لتلك المحاكمة التي كانت ستؤول دون شك الى كشف العلاقات الجارية بين العربي بلخير والسلطات الفرنسية عندما كان يقوم بمهام رئيس مكتب الرئيس الشاذلي بن جديد (كانت اتصالات بلخير المباشرة مع فرنسا ومرشده في مجال السياسة الفرنسية في الجزائر تتم عن طريق جاك اتالي, صديق حميم للرئيس الفرنسي آنذاك فرانسوا ميتران).

ولا شك ان بوضياف ارتكب اخطاء, لكن لم يكن له خيار في اغلبها كان شعاره ومبدؤه: الجزائر قبل كل شيء.
لكن هذا لم يكن هدف صناع القرار في الجزائر بالتأكيد وكان الشارع الجزائري يطالب بمحاسبة المجرمين وينادي بالانصاف في حق ضحايا احداث اكتوبر 88
وكان بوضياف يدرك ذلك
واتضح له ان تحقيق تلك العدالة من اصعب الاهداف التي يمكن نيلها.
لكن بوضياف لم يستسلم فقد كلف مقربين منه كانوا يشاطرونه الرأي بمهمة "مستحيلة" تمثلت في وضع خطة لتطهير السلطة من كل الشخصيات المتورطة في الفساد
ومحاكمة المذنبين علنا.
ومرة اخرى يرجع الفضل الى السيد قاصدي مرباح الذي قدم لبوضياف ملفا مرعبا يتكون من ثلاثمائة صفحة تناولتها نشاطات بعض العناصر في السلطة.

وهكذا تمكن بوضياف من اختيار ضابط كبير من ضباط مديرية المخابرات السرية رئيسا لبعثة خاصة (هو من اقارب مرباح وصديق شخصي للجنرال السعيدي فوضيل وواحد من الثوار الاوائل) وهو العقيد مراد المعروف لدى مديرية المخابرات السرية بمعالجة العمليات الاكثر حساسية.

قدم العقيد مراد تقريرا مبدئيا تناول ملخصا للخسائر الناجمة عن الفساد ونفوذ المافيا السياسية والمالية في الجزائر وتكملة لملف المعلومات الذي كان قدمه قاصدي مرباح وكذلك خطة عمل مفصلة اضافة الى الادلة التي جمعها مرباح خلال خدمة التي دامت ثماني عشرة سنة في الحكومة.

وبهذا حصل بوضياف على الادلة وكان يعلم علم اليقين انه لا نجاة للجزائر من ازمتها الا اذا اشار باصابع الاتهام لمقترفي الجرائم في الجزائر من اجل استعادة الثقة المفقودة بين الشرعية الجزائرية ودعاتها.
لكن يجب ان يتم ذلك قانونيا اي حسب الوسائل التي يخولها له القانون والدستور فكان مصرا على عدم اللجوء الى الوسائل المنحطة.
يذكر ان الاشخاص المتهمين كانوا يملكون حسابات بنكية في الخارج خاصة في سويسرا وفرنسا حيث كانت الاموال تذهب على حلقات يتم فيها تبييض هذه الاموال وتحويلها اساسا الى املاك عقارية.

كان المبلغ الاجمالي التقريبي باهظاً جداً (حوالى 65 مليار دولار تبخرت في فترة 12 عاما بما في ذلك القروض البنكية).
وكلف بوضياف العقيد مراد بالتحقيق في تلك التهريبات المالية ومحاولة استرجاع جزء منها على الاقل ولم يتردد الرئيس بوضياف في الاتصال مباشرة بالوزير الاول الفرنسي انذاك بيار بيروغوفوا والطلب منه شخصيا دعمه لالقاء الضوء على نشاطات بعض المسؤولين الجزائريين في فرنسا.

وتعهد له بيروغوفوا الذي كان يتمتع في الاوساط السياسية الفرنسية بسمعة جيدة بالنظر في الموضوع.
بعد بضعة ايام عقب قبول خالد نزار بتردد (وزير الدفاع آنذاك) التوقيع على اوامر بمهمة الى الخارج توجه العقيد مراد وثلاثة من مساعديه الى باريس حيث استقبلهم نظراؤهم في قصر ماتينون.

كان هدف زيارتهم الحصول على تفاصيل حسابات بنكية لبعض الموظفين السامين الجزائريين العربي بلخير ونور الدين بن قرطبي ومحمد عطايلية والشريف وزاني وخالد نزار ومصطفى بلوصيف وغيرهم.
ولا داعي للذكر ان رجالا ذوي مناصب عالية على كلا جانبي حوض البحر الابيض المتوسط قرعوا اجراس الخطر حينئذ.
ففي الجزائر العاصمة عندما علم العربي بلخير واخرون من الذين تتهمهم اجراءات بوضياف بانطلاق عملية التطهير قرروا اللجوء الى الحل الراديكالي.

لم تسفر سفرية "العقيد مراد" ومساعديه عن نتائج ايجابية بطبيعة الحال لرفض العدالة الفرنسية اصدار امر رفع السرية للكشف عن حسابات بنكية للمتهمين رفضا لا عدول عنه, ولهذا عثر على جثة العقيد مراد بعد اسبوع من عودته من فرنسا اثر اغتياله رميا بالرصاص في عنقه بمنطقة باش جراح.

كان ذلك حسب التصريح الرسمي من فعل الارهابيين بطبيعة الحال ومن الضباط الثلاثة الذين رافقوه الى باريس (نقيب وملازمان اولان) لم يبق احد منهم على قيد الحياة:
فقد اغتيلوا على ايدي ارهابيين في الاسبوعين التاليين وقد غضب بوضياف لعلمه باغتيال العقيد مراد غضبا شديدا.
ادرك بوضياف ما هو صنف الاشخاص الذين يحاربهم ثم قرر مغادرة منصبه المنحوس والعودة الى بيته بالمغرب من دون ان يبلغ بذلك احدا.

كانت تلك هي المرة الاولى التي يتخلى فيها رئيس جزائري عن مهامه في ظلمات الليل.
قبل اغتيال الرئيس بليال قليلة كانت امانة وزارة الدفاع الوطني تعيش حالة غليان, كما تكثفت الاتصالات فيما بين مختلف المسؤولين حيث لم يفترق نزار وتوفيق عن بعضهم البعض. وما زاد النار اشتعالا هو توقيع نزار لاوامر بمهمة للعقيد مراد للتوجه الى باريس. وكانت ضربات بوضياف في وجه المافيا الجزائرية تتزايد, وأن هناك رؤوسا قد اينعت وستقطف لا محالة ان لم يوضع حد للاجراءات التي اتخذها بوضياف.

في اوائل شهر حزيران (يونيو) عام 1992 في اجتماع ليلي للجنرالات ضم خالد نزار وتوفيق والعربي بلخير في منطقة سيدي فرج (مركز تقطنه اسر لعسكريين) طرحت تصفية الرئيس باعتبارها الحل الوحيد لمشكلة بوضياف خصوصا وان هذا الاخير راجع لتوه من المغرب بعد مغادرة منصبه ولم يقبل بمواصلة مهامه كرئيس الا بعد سفر عدد من المسؤولين (بما فيهم الجنرال محمد تواتي) لاقناعه بالعودة لخدمة بلاده.

وقبيل اغتياله باسبوع سرقت كل الملفات التي جمعها بوضياف من مكتب الرئاسة في احدى الليالي. عندئذ ادرك بوضياف ان الاشخاص الذين كان ينوي فصلهم سيفعلون المستحيل للنجاة من العدالة مرة اخرى. وفي اليوم الذي توجه فيه بوضياف الى مدينة عنابة (شرق البلاد) في زيارته الاخيرة اقتحم العربي بلخير بصحبة اخيه عبد القادر مكتب الرئاسة واخذ بحوزته مجموعة وثائق.
كان الخطر محدقا والوقت ضيقا وبات من الضروري بذل كل الجهود لايقاف بوضياف الذي ينوي مفاجأة المعسكر المنافس. وبمساعدة الجنرال العماري
(عقيد آنذاك)
ونائب مدير المخابرات السرية ورئيس الامن الداخلي وضع توفيق الخطوط العريضة لتصفية الرئيس. ولم يعتمد على السيناريو الاسلامي لاسباب السرية
وبالفعل لن يضمن سرية مطلقة للعملية تكليف عملاء اسلاميين ومن الارجح ان تكون نتائجهم اقل فعالية في وجه عناصر مصالح الامن الرئاسي وفرق التدخل الخاصة. أما الطريقة الوحيدة التي تكون نتائجها مضمونة هي التخطيط من الداخل:
بانتقاء قناص يلبي اوامر مسؤوله الخاص (لسبب او لاخر) اذ يمكن الجنرالات القول بعد تنفيذ العملية ان الجاني مختل العقل, وبالتالي يُغلق ملف القضية من دون ان يشكل ذلك خطرا كبيرا ويضمن بالمقابل نجاحا تاما للعملية.

وقد بارك كل من خالد نزار والعربي بلخير سيناريو العملية
الذي عرضه عليهم اسماعيل العماري
وكانت فرقة الموت (خلية الشبح التي انشأها بلخير وتوفيق وسيرها اسماعيل تضم عناصر من مصلحة العمليات الخاصة تم انتقاؤهم بسرية تامة)
تقوم بالمهمة السهلة التي تتمثل في تصفية كل الشهود والعناصر المزعجة ضمن شبكة بوضياف.
لقد وجد اسماعيل لذة شيطانية في تصفية الخصوم وكل الاشخاص الذين لديهم علم بالقضية من دون ان يفلت منهم احد.
لم تعرف تفاصيل عملية اغتيال بوضياف الا بعد تنفيذها, وذلك من خلال اعضاء مصالح الامن القلائل الذين اختلطوا ببومعرافي مبارك خلال الايام القليلة التي تلت المأساة. وكان بومعرافي جد قلق وخائف لكشف سره اللعين لأي كان.
فوقوع اختيار اسماعيل العماري على الملازم الثاني مبارك بومعرافي لم يكن من باب الصدفة.
فقد كان اسماعيل فد لاحظ في شخصيته برودة الدم إضافة إلى سريته من خلال عمليات سابقة. وكان العقيد اسماعيل الذي شغل منصب رئيس العمليات الخاصة آنذاك مؤهلا بحكم منصبه هذا لمعرفة من هو اهل لهذه المهمة.
وفي مركز عنتر للعمليات الخاصة اطلع اسماعيل بومعرافي على التعليمات الاولى للعملية من دون ذكر اسم المستهدف, حاثا اياه على الالتحاق بجماعة الموت لتطهير حزب الخونة الذين ارادوا هدم وخراب البلاد ولا داعي لذكر الوعود المغرية بالترقية ضمن الجيش التي وجدت صدى لها عند بومعرافي.
لانه ضروري جدا ان يكون لاي احد يرغب في الارتقاء ضمن الجيش من يدعمه ويسانده في ذلك. وهذا ما كان يصبو اليه بومعرافي. وبعد عدة اجتماعات جمعت بينهما استعد بومعرافي لليوم العظيم.
وقد كشف لبعض رفقائه بعد العملية انه لما علم بالشخصية المستهدف تصفيتها لم يكن بوسعه مغادرة مكتب الرائد اسماعيل حيا في حالة ما رفض المضي في تنفيذ العملية.
وطرأ في الاونة الاخيرة عشية الاغتيال مشكل كاد ان يتلف كل التدبير.
فالرائد حمو قائد فرق التدخل الخاصة لم يعين الملازم الثاني بومعرافي لارساله الى عنابة لانه كان يحمله مسؤولية قتل صديقه والقائد الاسبق لفرق التدخل الخاصة الرائد عبد الرحمن خلال عملية مهاجمة ارهابيين بمنطقة تيليملي وسط الجزائر العاصمة
حيث لقي الرائد عبد الرحمن والملازم الثاني طارق من فرق التدخل الخاصة مصرعهما في عين المكان اثر محاولتهم اقتحام مبنى سكني
وكان من المفروض ان يقوم بتغطية حمايتهما بومعرافي لكنه اخفق في ذلك, ونزلت على الضابطين رشقة من ضربات الكلاشنكوف لم تفدهم حتى الصدريات الوقائية المضادة للرصاص التي كانا يرتديانها.
وعندما علم العقيد اسماعيل بالعناصر التي قرر حمو ارسالها الى عنابة اتصل به وامره باصدار امر بمهمة فردية لبومعرافي للانضمام الى بعثة المكلفين بامن الرئيس هناك فابلغه حمو بتحفظاته فيما يخص كفاءة هذا العنصر, لكنه رضخ في نهاية المطاف امام اصرار مسؤوله.
وتوجهت فرق التدخل الخاصة التي يتمثل واجبها في مساعدة مصالح الامن الرئاسي الى عنابة برا عشية زيارة الرئيس للتأكد من اجراءات الامن هناك. ويوم وصول الرئيس الى عنابة تم دمج عناصر فرق التدخل الخاصة بعناصر مصالح الامن الرئاسي, يعني انه لم تكن اي تعقيدات بخصوص المساحات التي يجب على كل من العناصر المصلحتين امنها. من الناحية المهنية كان السبب في ذلك جد بسيط:
عناصر كلتا المصلحتين مدربون تدريبا جيدا خاصة منهم عناصر فرق التدخل الخاصة, فكانوا يعرفون بعضهم البعض جيدا وينتقلون من مصلحة الى اخرى
حسب اوامر مسؤوليهم.
وبهذا تكون خلاصة الدمج عدم شك اي من عناصر المصلحة في نزاهة اي عنصر من المصلحة الاخرى في فرق الحماية.
وبوصول الرئيس الى قصر الثقافة التي كان من المقرر ان يدشنها, كان بعض عناصر فرق التدخل الخاصة وراء ستار القاعة وجزء منهم في خارجها لضمان امن جبهة القاعة الخلفية والمطلة على حي سكني على مقربة من قصر الثقافة.
كان بومعرافي يرتدي بدلة مثل بدلات فرق التدخل الخاصة التي كانوا قد حصلوا عليها منذ فترة قصيرة (بدلة مؤثرة زرقاء قاتمة).
وقبل وصول الرئيس توجه بومعرافي الى فناء قصر الثقافة الخلفي لكنه بقي يدخل ويخرج من القاعة حيث كان الطقس جميلا في تلك الصبيحة من ذلك اليوم من اواخر شهر يونيو (جوان) 1992
كانت الامور تجري وفقا لما خطط لها, وكان الرئيس يلقي خطابا مهما يهدف الى تعبئة الجماهير في الشرق الجزائري وترقية حركته التي تبنت شعار (الجزائر قبل كل شيء).
وكان ذلك المشهد منقولا على الهواء مباشرة بطبيعة الحال
الى جميع انحاء الوطن.
ووراء الستار كانت عناصر حماية الرئيس وعناصر فرق التدخل الخاصة يتحدثون بصوت منخفض في الوقت الذي كان فيه قائد مصالح الامن الرئاسي الرائد هجرس يتحدث متجرعا سجارته مع الرائد حمو والنقيب زايدي
(نائب مدير فرق التدخل الخاصة).
والنقيب صادق مسؤول تكوين فرق التدخل الخاصة والملازم تركي رئيس بعثة فرق التدخل الخاصة.
وامام المدخل الخلفي كان يوجد الملازم ياسين المعاون الاول لبعثة فرق التدخل الخاصة. وفي الفناء الخلفي كان متواجدا الملازم الثاني مبارك بومعرافي مكلف الامن.

في لحظة كان فيها اهتمام الجمهور منصبا على خطاب القائد الثوري محمد بوضياف سمع صوت انفجار بسيط اول في القاعة سبقه صوت دحرجة, حيث رمى بومعرافي قنبلة يدوية مفتوحة تدحرجت من تحت الستار, ثم برز من وراء الستار في الوقت نفسه ليطلق رشقة طلقات لالهاء عناصر مصالح الحماية, فظن هؤلاء انه هجوم من الخارج لما شاهدوا بومعرافي يضرب بالنار, غير ان هذا الاخير نصب رشاشة (من نوع باريتا 9 مليمتر ومن طراز بارابيلوم اي سلاح جد خطير) في اتجاه رأس بوضياف مرسلا رشقة طلقات اخرى طويلة. وفجأة ساد جو من الفزع والرعب وبدأ عناصر الامن الرئاسي يطلقون النار صوب الستار مما اسفر عن جرحى في عداد فرقة الحماية نفسها.
والصورة الوحيدة التي بقيت في اذهان الجميع هي مشاهدة بومعرافي وهو يفر من الباب الخلفي حيث كان الملازم ياسين موجودا دون ان يعلم ما في الامر.
هكذا شاهد الشعب الجزائري احداث مأساة اغتيال رئيسهم مباشرة على الهواء. وقد كان مؤلما للغاية ان ذلك يحدث في الجزائر.
أما بومعرافي فببلوغه الفناء الخلفي تسلق جدارا يبلغ طوله حوالى مترين بسرعة فائقة, ولم يشاهد هذا اللقطة سوى بضعة من رجال الشرطة والمارة كانوا على مقربة من مكان الحادث.
توجه بومعرافي نحو اقرب مبنى سكني, وفي الطابق الارضي, طرق على باب اول شقة وجدها. حيث فتحت له امرأة الباب عندما شاهدت البدلة الخاصة والسلاح في يده معتقدة انه من رجال الشرطة. لم يطلب منها بومعرافي سوى الاتصال بالشرطة وابلاغهم ان قاتل الرئيس بوضياف يريد ان يسلم نفسه.
وصلت الشرطة بسرعة الى عين المكان فيما ابلغ مسؤول امن الولاية (عنابة) الضباط المسؤولين عن فرق التدخل الخاصة وكذلك مصالح الامن الرئاسي باعتقال بومعرافي الذي سلم نفسه دون مقاومة.
وفي نفس الوقت وفي اجراء غامض نقل الرئيس على متن سيارة اسعاف تفتقر الى |أدنى الاجهزة الضرورية ودون طبيب الى مستشفى لم يعثر عليه.
لكن الرئيس الذي اصيب بجروح بالغة, توفي على الفور:
حيث اصيب بنزيف حاد من جراء وابل الرصاص الذي أصابه.
وفي الجزائر العاصمة, تابع العقيد اسماعيل مجرى العملية مباشرة على التلفزة ومنذ اللحظات الاولى للاغتيال.
اتصل اسماعيل بالمجموعة الوزارية للربط الجوي (GLAM) لتجهيز طائرة له, ثم اتصل بمحمد واضح (مسؤول الامن الوطني) ليطلب منه الالتحاق به, اضافة الى فرقة من مركز (عنتر) للعمليات الخاصة.
وعمَّ آنذاك انهيار معنويات مسؤولي فرق الحماية الرئاسية (فرق التدخل الخاصة ومصالح الامن الرئاسي) وغمرهم شعور مقلق, لكن باعلان وفاة الرئيس, اصيب الكثيرون بصدمة عنيفة. فلم يستطيعوا فهم كيف او لماذا حدث هذا.
وفي نفس القاعة التي جرى فيها الاغتيال, اجتمعت الفرق التي التحق بها العقيد اسماعيل ومحمد واضح وعدد من الوجوه المعروفة لاحقا, ثم تحادث العقيد اسماعيل مع ضباط من فرق التدخل الخاصة ومصالح الامن الرئاسي, وتوجه بعدها نحو عناصر الفرقتين لمعرفة اخبارهم وطمأنهم بهذه الكلمات:
لا تقلقوا, على كل الاحوال لم يكن بوسعكم فعل اي شيء امام هذا المجنون, كما ان اغتيال رئيس حصل حتى للامريكان<.
ثم امرهم بالعودة الى الجزائر العاصمة.
وانتقل بعدها اسماعيل برفقة هجرس وحمو و واضح الى الامن الولائي (لمدينة عنابة), حيث يحتجز بومعرافي. وبمجرد أن شاهد هذا الاخير العقيد اسماعيل العماري قادما, قفز من كرسيه وراح يصعق في وجهه:
>أتيت يا ملعون, هل انت سعيد الآن<؟
كان الجو السائد معتماً ثم امر اسماعيل العناصر المرافقة له بتحويله الى الطائرة.
وفي الوقت نفسه, نقل الرئيس الى مستشفى عين النعجة (HCA) بالجزائر العاصمة حيث اعلن الطبيب العقيد بريكسي مسؤول مصلحة الطب الشرعي من خلال تقريره الرسمي الخاص وفاة الرئيس.
وفي نفس الوقت تقريبا, رافق العقيد اسماعيل بومعرافي الى قسم الاستعجالات بالمستشفى العسكري, حيث فحص الدكتور كوتوشكالي رئيس قسم الامراض العقلية بومعرافي ثم اعطاه حقنة مهدئات.
لكن بومعرافي الذي قاوم ذلك انطلق يصرخ بأعلى صوته:
انتم تريدون قتلي, تريدون اسكاتي... فيما نزل على العقيد اسماعيل بالشتائم. وعندما بدأ بومعرافي يفقد وعيه بفعل التنويم, نقل الى قيادة الاركان ليمضي اولى لياليه في السجن.

المستشفى العسكري
أنشأ المجلس الاعلى للدولة لجنة تحقيق وطنية يوم 1992/07/04 ضمت شخصيات انتقاها الجنرالات المعنيون.
وتشكلت هذه اللجنة من بلحوسين مبروك واحمد بوشعيب ومحمد فرحات ويوسف فتح الله وكمال رزاق بارة وعلال الثعالبي.
وفي اول اجتماع عقدته هذه اللجنة عين احمد بوشعيب وهو صديق حميم لبوضياف وأحد اعضاء مجموعة تدعى بمجموعة الاثنى والعشرين الذين فجروا ثورة 1954 رئيسا للجنة وكمال رزاق بارة مقررا لها.

لم يكن لهذه اللجنة اي سلطة لكن بحكم الشفافية >الخيالية< والنزاهة في التحقيق, انتهى عملها بعد عدة اجتماعات مع مختلف المشاركين في اغتيال الرئيس بوضياف, بتقديم تقرير للمجلس الاعلى للدولة, ولم يكن لهذا التقرير اي اهمية بناء على انه لم يشكل تحقيقا قضائيا ولا رأي خبراء (بحكم عدم اهلية هؤلاء الاعضاء) حول اغتيال الرئيس.
وكان الهدف الوحيد وراء تأسيس هذه اللجنة, الصاق تهمة تدبير الاغتيال بمن ارادهم مقترفوا الجريمة الحقيقيون.
ولعب عامل الوقت دورا كبيرا لصالح المتعاونين على الجريمة. كما أن من أهداف تنصيب هذه اللجنة هو تهدئة العقول المصدومة من جراء هذه التصفية المباشرة.

ومنذ الساعات الاولى مارس كل من اسماعيل العماري والعربي بلخير ضغوطا على اللجنة لتعيين رزاق بارة الذي كان عميلاً وفياً
في خدمة ادارة المخابرات السرية, مقررا للجنة.
وعلى هذا الاساس تمت مراقبة عمل اللجنة عن بعد منذ البداية بدفعها الى التركيز على بعض النقاط دون غيرها, على سبيل المثال:
الرسالة المزورة التي وجدت بحوزة بومعرافي وعلاقته بالتيار الاسلامي وتحميل عناصر فرق التدخل الخاصة التي ارسلها توفيق لدعم عناصر الامن الرئاسي.

وتجدر الاشارة إلى ان عناصر نخبة الحماية الرئاسية ارسلت لضمان الحماية الخاصة للجنرالات القمعيين. لكن اللجنة ابعدت التهمة عن توفيق واسماعيل العماري وكذلك العربي بلخير بدراية منها بالقضية رغم انهم نظريا, هم المسؤولون الاوائل لما حدث للرئيس.
نشبت داخل اللجنة اختلافات عميقة وكثيرة بخصوص تحديد الجناة الحقيقيين. فقد رضخ اعضاء اللجنة كلهم لضغوط ومضايقات الجنرالات, ما عدا يوسف فتح الله الذي رفض التوقيع على التقرير النهائي الى اللحظة الاخيرة, لانه كان يريد ذكر مسؤولية قادة اجهزة الامن وأقل شيء مطالبتهم بالاستقالة من مناصبهم كجزاء على المأساة.

كان كمال رزاق بارة ــ بطبيعة الحال ــ ينقل التفاصيل, كلمة بكلمة, الى رؤسائه في ادارة المخابرات السرية, كما كانت له يد في اغتيال يوسف فتح الله (رئيس اللجنة الجزائرية لحقوق الانسان) في مكتبه الواقع بساحة الامير عبد القادر بالجزائر العاصمة, بعد سنة ونصف السنة من ذلك الوقت, عندما شرع يوسف فتح الله في كتابة تقريره الشخصي حول قضية بوضياف بهدف نشره.
طرح بعد هذه القضية مشكل قضائي, اذ اعلن قاضي محكمة عنابة عدم كفاءة القضاء المدني للتحقيق في هذا الملف الذي كان النظر فيه من مهام القضاء العسكري.

لكن المدير المركزي للعدالة العسكرية آنذاك, محمد العالم, بعد أن تسلم اوامر من عند الجنرال خالد نزار صرح في الصحافة ان القضية بطبيعتها مدنية وليست عسكرية.
وبعد حوالي شهر من اغتيال الرئيس, قررت غرفة الاتهام بمحكمة عنابة بأن (محكمة عنابة) تتمتع بالصلاحية الاقليمية للنظر في القضية, حسب المادة 40 من قانون العقوبات.

لقد ادرك الجنرالات الذين خططوا لعملية الاغتيال, ضرورة تكفل العدالة المدنية بهذه القضية مهما كلف الامر, لتكون قد لبت مبدأ الشفافية ازاء الشعب الذي شعر ان في الامر مؤامرة من جهتها, وازاء المحاكم الدولية من جهة اخرى.
وبدأت آنذاك اصوات تتعالى في الشارع الجزائري متهمة الجنرال العربي بلخير بصفته الجاني الاول, مما دفع هذا الاخير الذي كان يشغل منصب وزير الداخلية آنذاك, الاعلان في الصحافة الوطنية انه:

لا يمكن الصاق التهم بوزارة الداخلية ولا بوزير ما بأنه وراء الاحداث المأساوية التي جرت بعنابة والتي راح ضحيتها الرئيس<. وبذلك انطلق سباق حقيقي مع الزمن في وجه الجزائريين الذين نددوا بمؤامرة المافيا السياسية والمالية ضد رموز الثورة وضد آمال شعب في طريق الضياع بكل بساطة.
وامر وكيل الجمهورية لمنطقة عنابة محمد تيغرامت, المكلف رسميا بالتحقيق في هذه القضية, مواصلة التحقيق من قبل ضباط من رجال الامن القضائي التابعين للدرك الوطني وقرر اعادة اجراء الوقائع في الاسبوع الاول من شهر أوت (اغسطس) 1992, حيث توجهت فرقتا الامن الرئاسي والتدخل الخاصة صبيحة يوم السبت من الاسبوع الاول من شهر أوت (اغسطس), فيما نقل بومعرافي قبل ذلك بايام الى عين المكان جوا

وتمت اعادة الوقائع بحضور ضباط من الدرك الوطني, الى جانب شخصيات اخرى من بينهم قاضي المحكمة.
وفوجىء الجميع, عندما امر القاضي - في نهاية الوقائع التي دامت اعادتها اكثر من خمس ساعات-بالقبض على عناصر الفرقتين.
كانت المفاجأة كبيرة جدا ورفض عناصر الفرقتين تسليم اسلحتهم لرجال الدرك, إذ وجه عضو من فرقة التدخل الخاصة سلاحه نحو رجال الدرك لما حاولوا نزع السلاح من الرائد حمو, رئيس فرق التدخل الخاصة, الذي اشتد سخطه بعد سماع حكم القاضي.
طالب الرائد هجرس بعدها مباشرة بالاتصال بادارة مديرية المخابرات السرية
حيث نزل عليه الجنرال توفيق بالشتائم وامره بالرضوخ للقانون.
لقد كانت تلك اللهجة جديدة لم يعهدها رائد الامن الرئاسي من قبل.

وبأمر ملح من طرف الرائدين هجرس وحمو, سلم الضباط وضباط الصف المرافقون للرائدين اسلحتهم لرجال الدرك الذين نقلوهم مغلولي الايدي الى مركز الدرك الوطني, حيث قضوا اكثر من اسبوع وتم الزج بالضباط كلهم في الزنزانة ذاتها.
واندلع شجار بين عناصر مديرية المخابرات السرية ورجال الدرك الذين اخذوا بثأرهم من عناصر المخابرات, خاصة بعدما حازوا على دعم الجنرال غزيل رئيس الدرك الوطني بعدما ابعد عن القمة التي كانت تتخذ القرارات.
كان من المفروض أن يُتَهم في قضية القتل ضباط كبار منهم الرائد هجرس (رئيس الامن الرئاسي) والرائد حمو (رئيس فرق التدخل الخاصة) وثلاثة ضباط هم:
النقيب زايدي (مساعد رئىس الامن الرئاسي)
والملازم تركي (رئيس الفرقة المعينة)
والملازم ياسين (مساعد رئيس الفرقة)
بالاضافة الى ثمانية عشر ضابط صف
إلى جانب الجاني الرئيسي بومعرافي
زيادة على ادانة مسؤولين آخرين بتهم تستحق عقوبة الاعدام. وفي كواليس وزارة الدفاع, عقب التهديدات التي تفوه بها الجنرال العربي بلخير, اوشك الجنرالان, خالد نزار وتوفيق (محمد مدين) والعقيد اسماعيل العماري على اتخاذ قرار قد تكون نتائجه وخيمة, ومن شائه هز كيان الطبقات العسكرية المختلفة, ومصالح الامن على وجه الخصوص, كانوا سيضحون باعضاء مصالح الامن الذين ارسلوا الى عنابة.
عندما كان الجنرال توفيق يقابل اسر الضباط المعتقلين لمعرفة اخبارهم, كانت إجابته غامضة عن الاسئلة المطروحة عليه, فعلى سبيل المثال, كان يقول لهم:

هذا (الاعتقال) يأتي مع طبيعة الشغل, على كل حال سيستمرون في تقاضي مرتباتهم كالعادة. اما التصريح العجيب, في هذا الاطار, فجاء على لسان العقيد اسماعيل الذي قال ساخرا للضباط الذين كانوا قلقين على مصير زملائهم: عليكم بالخيار, اما هم او مسؤوليكم. وطال أمد النظر في القضية في عنابة عمدا, فيما قرر الجنرالات تحويل الملف الى الجزائر العاصمة بهدف تمييعه.
واغضب هذا القرار القاضي المكلف بالقضية بعنابة فقدم استقالته, ولكنه ارغم على العدول عن قراره اتقاء الانتقام منه. ولم يكن امامه اي خيار بديل للنجاة بحياته سوى اصدار تكذيب تقديم استقالته التي اعلن عنها في الصحف والتلفزة في وقت سابق.
وفي الجزائر العاصمة, كلف النائب العام لمحكمة الجزائر العاصمة عبد المالك السايح بالقضية. وكان هذا الاخير احد عناصر المخابرات السابقين تحت التصرف التام لاسماعيل العماري الذي جنده منذ سنين حيث كان يدرس بمعهد القضاة ثم قاضي محكمة امن الدولة بالمدية.

كما عين محمد سعادة, وهو قاض من الدرجة الثانية, لكنه معروف بانصافه, لمساعدة السايح في سد فجوة الكفاءة التي تعوز السايح.
لقد أنقذ السايح عبد المالك وكمال رزاق بارة حياة ضباطهم الذين طبخوا العملية. وبالتالي نالوا المكافاة.
تم ترحيل المتهمين من الضباط وضباط الصف المعتقلين في عنابة وكذا ملفاتهم الى الجزائر العاصمة. وبوصولهم الى المطار العسكري ببوفاريك, وسط اجراءات امنية مشددة من رجال الدرك الوطني, تم انزالهم من الطائرة التي كانوا يستقلونها مغلولي الايدي والاقدام.
وتأثر عمال المطار لحالتهم التي يرثى لها.
ثم نقلوا بما فيهم بومعرافي, الى سجن سركاجي >برباروس سابقا<. أما بومعرافي فقد زُج به في زنزانة منفصلة لوحده تحت الملاحظة الدائمة عن طريق كاميرة الفيديو.

وشاء القدر ان يلتقي الرائد حمو بعد القادر حشاني احد قادة الجبهة الإسلامية للانقاذ الذي كان قد اعتقله منذ مدة.
ذهب خمسة ضباط (اثنان منهم من الرتب العالية) وثمانية عشر ضابط صف, بما فيهم من قضى ما يزيد عن عشرين سنة خدمة في الجيش, ضحية متطلبات سيناريو الشفافية اعده المذنبون الحقيقيون. فلجأت اسر المتهمين لتوكيل محامين للدفاع عنهم بعد سكوت المسؤولين الذين لم يعودوا يستقبلونهم على الاطلاق, وكذا جو الخيانة الذي شعروا به.

ولما علم قاصدي مرباح عدم استطاعة ضباط الصف توكيل محام للدفاع عنهم, وكّل عنهم محاميه الخاص ومحامي حزبه >مجد<, لكن توفيق لم يستبشر بهذا النبأ, وقرر عندئذ اخفاء شريط الفيديو الذي صور فيها بومعرافي في ظروف جد قاسية لأن هذا الأخير رفض التعاون مع توفيق, وتعقيبه المستمر على ظروف اعتقاله وعلى مخاوفه من تصفيته لاسكاته.
إذ لم ينتقل بومعرافي الى قاعة التسجيل الا بعد ما اجبروه على اخذ حقنة مهدئات.

كان المشهد شبيها بالكارثة, لم تكن لاجابات بومعرافي عن الاسئلة الموجهة اليه من طرف ضابط خلف الكاميرا اي معنى على الاطلاق. كانت جل اقواله عبارة عن سب وشتائم في حق المذنبين الحقيقيين وتعليقات حول الوضع في البلاد.
وردا على سؤال وجه له حول ما اذا كانت له علاقات باسلاميي الجبهة الإسلامية للانقاذ اجاب: لا يجرأ ذوو اللحيى والجلبات (الثوب الرجالي الطويل) على فعل ما فعلته.

لقد جرى التحقيق في قضية بوضياف بطريقة سيئة جدا, وبذل العميل السايح عبد المالك -الذي نال مكافأة ولائه بتنصيبه قنصلا في تونس- كل جهوده لتبديد حقائق تمثلت في اشارات كانت ستصل إلى حد اتهام الجنرالات المجرمين.
ولم يحظ اي من عناصر المخابرات بمثل هذه السلطة وتلك الصلاحيات ابدا, فزيادة عن الحراس الشخصين الذين خصصوا لحمايته من مركز العمليات الخاصة, ومسكن خاص بنادي الصنوبر
(المركب السياحي الذي حول الى حي سكني للعسكريين)

كان السايح احد المدنيين القلائل الذين حازوا على سيارة مدرعة كلفت المشاركين في الجريمة اموالا باهظة.
وعندما تقدم احد اقارب الضباط المتورطين بشكوى موضحا فيها تجاوزات السياح, الى صديقه وزير العدل آنذاك, الماحي الباهي, قدم له هذا الاخير ضمانات شخصية لتحويل الملف الى قاض آخر. فوفى الماحي الباهي بوعده, حيث استدعى السايح الى مكتبه, ولما اخبره وزير العدل بنيته في أخذ الملف منه وانه من المفروض ان يكلف بالقضية اكثر من قاض واحد, نزل السايح على الماحي بالشتم ولم يضيع وقته معه, بل اتجه مباشرة الى ثكنة غرمول حيث تتخذ مديرية مراقبة التجسس مقرا لها وكذلك مكتب العقيد اسماعيل العماري. وضمنت مكالمة واحدة من قبل اسماعيل حل المشكلة.
وفي نفس اليوم, اعلن عن استقالة وزير العدل, الذي فوجئ بهذا الاعلان في وسائل الاعلام.
وكان لجنة التحقيق قد وجهت لبومعرافي سؤالا ولم يجد له جوابا:

لماذا لم تمكث في مكان الجريمة بعد فعلتك؟ ولم يكن بومعرافي هو الذي وجد ردا لهذا السؤال, بل زميل له من فرق التدخل الخاصة
(الرقيب الاول كمال عيدون)
الذي كان من الاوائل الملتحقين بفرق التدخل الخاصة, وشارك في بعثة حماية الرئيس الى عنابة.
فقد فرّ عيدون من ثكنة فرق التدخل الخاصة في نهاية سنة 1993 لاسباب مبررة مفادها ان اسماعيل العماري كان يريد التخلص منه كما فعل قبل بضعة اشهر, اذ تخلص من ضابط صف لسبب بسيط هو ان كمال عيدون لم يقم بالمهمة التي كلفه بها العماري شخصيا قبل اسبوع من حدوث المأساة.
فقد قال له:

>تبعا للشكوك التي تخيم على ولاء بومعرافي, افوض لك الصلاحية المطلقة لتصفية بومعرافي لادنى خطأ قد يرتكبه.
لم يستدرك كمال عيدون اسباب شعوره بالقلق بخصوص اوامر اسماعيل الا بعد اغتيال بوضياف. لكن الاخطر من ذلك, انه لم يلب اوامر اسماعيل.

ومن اجل ضمان تنفيذ تصفية بومعرافي, امر اسماعيل ضابط صف آخر بقتل بومعرافي, الا ان هذا العنصر, (اصله من الجزائر العاصمة) كشف سره لاخيه بعد ايام قليلة من المأساة قائلا له:
الان عرفت لماذا طلب مني ذلك الذئب العجوز (تلك هي الصفة التي ينعت بها اسماعيل ضمن مصلحة الامن) تصفية بومعرافي في عنابة.
ولذلك السبب اعتقل هذا الضابط (الرائد فريد) قائد مركز >عنتر< في ذلك الوقت, وتعرض للتعذيب بتهمة علاقة >خيالية< بمجموعة ارهابية.

كما واجه اخوه نفس المصير في وقت لاحق, لكن لم تكن لذلك اي فائدة لان السر كان قد تسرب.
ولهذا فر كمال عيدون بعدما اطلع اقرباءه على التعليمات التي اعطيت له, لكنه رفض قتل زميل له.

ولم يدم فراره طويلا لان اسماعيل عبأ كل القوى الخاصة للبحث عن هذا الاختصاصي في المتفجرات الذي تمرد على الجيش.
واغتالته عناصر فرق التدخل الخاصة التابعة للامن الوطني, فيما اعيد مسدسه مملوءا لمصلحة فرق التدخل الخاصة.
وكان بومعرافي على حق في تحرزه من اسماعيل. وبناء على ذلك, فضل تسليم نفسه لشرطة عنابة عوض زملائه.
كانت حصيلة قضية بوضياف البشرية كبيرة جدا. فقد قتل حوالي عشرين شخصا بأوامر صدرت اما من اسماعيل او توفيق حتى لا ينكشف السر الكبير, من دون نسيان اغتيال قاصدي مرباح الذي قرر نشر اسباب اغتيال الرئيس في الصحف.
وحتى زروال, الذي كان يشغل منصب وزير الدفاع حينئذ, لم ينجح في تهدئة قاصدي مرباح واقناعه بارجاع ملفات خطيرة كانت بحوزته قبل اسبوعين من اغتياله. وكان ضابط مكتب الامن بالسفارة الجزائرية لدى سويسرا الرائد سمير, هو الذي استرجع الملفات المعنية التي سلمها احد اقارب المرحوم مرباح الى مديرية المخابرات السرية.
ويجدر بالذكر هنا ايضا المذبحة التي جرت بسجن سركاجي, والتي راح ضحيتها حوالي مائتي شخص في آخر محاولة للقضاء على آخر الادلة (بومعرافي) على التورط الواضح لنزار وبلخير وتوفيق واسماعيل في جريمة قتل أحد رموز الثورة الجزائرية.
ولازال مبارك بومعرافي في السجن العسكري بالبليدة حيث حكم عليه بالاعدام الذي علق تنفيذه في الوقت الحاضر.

نتقدم بعزائنا لأسر كل ضحايا هذه المأساة التي تبقى أحلك مأساة عرفها تاريخ مصالح الامن الجزائري, في حين ما يزال مقترفو جريمة اغتيال بوضياف وهم: خالد نزار والعربي بلخير ومحمد مدين (توفيق) واسماعيل العماري ومحمد العماري مستمرين في إبادة الشعب الجزائري.

موقع حركة الضباط الاحرار

السلام عليك ياعيسى ، السلام عليك يامحمد

السلام عليك ياخير خلق الله يامحمد،والسلام عليك يامن تبرئ الأكمه والأبرص ياعيسى ، السلام على الإنسانية جميعا.

الموضوع أيها السادة الأطهار في كلّ بقاع الدنيا ليس دينيا ،وإنّما في إطار حقوق الإنسان ،التي أصبحت سجلا تجاريا تبيع وتشتري به الحكومات، والمنظمات التي تُسمّى غير حكومية وهي واسطة ليس إلاّ، تُعقد بها الصفقات.
عنونت مقالي بمحمد، وعيسى، وهما من أبناء منطقتي وليسا رسولين كما قد يفهم الإخوة، ورأيت من الأدب أن أسلّم على الرسولين الكريمين فصاحبيّا لقبا تبرّكا بهما، وأن عيد الأضحى قد مرّ علينا منذ أيام، ونحن على أبواب احتفال المسيحيين بعيدهم، وارتأيت أن أشرح هذا حتى لاأخدش شعور القراء الأكارم أو أضيع من أوقاتهم، فأعيد السلام هذه المرة عليكم أيها القراء الأوفياء ،وعلى صديقي عيسى ومحمد، وأسأل الله لهما الرحمة في الدنيا وأن يجمعني الله بهما وكل الشرفاء في جنّات الخلد .

عيسى بتيش سائق أجرة تاكسي وابن شهيد اختطف في مدينة برج الغدير التابعة لولاية برج يوعرريج ومحمد خيتاتي جُزّ رأسه في ظروف غامضة وكلاهما قصّا علي مصيرهما المرتقب. عيسى بتيش رحمه الله التقيته عشية اختطافه وكنت في أشدّ غضبي بعدما تم توقيفي من العمل سنة 1994 من ثانوية برج الغدير التي لقبت فيما بعد بثانوية مالك بن نبي، ومحمد خيتاتي الحلاق الخلوق ببرج الغدير الذي أديت معه الخدمة العسكرية في 1985 في البحرية، كان آخر لقائي به سنة 1996يوم خميس قبل اغتياله بأسبوع في محله المحاذي للسوق القديم بنفس المدينة .

التيقت بعيسى بتيش أمام مكان توقف سيارات الأجرة وأنا عائد من الثانوية فسلّمت عليه كالمعتاد وكنت أناديه واش ياعمي عيسى واش الأخبار، فنظر إلي محدّقا وقال لي مابك ياسي نورالدين أرى وجهك متغيرا ولست بشوشا كما كنت أراك وكأنك كنت في معركة، وكان كل منا ينتظر ساعته في تلك المرحلة، فقلت له نعم ياعمي عيسى كنت مع المدير رزيق في تلاسن كلامي بعد توقيفي من العمل من مديرية التربية وقد هددني بالدرك بعد احتجاجي على القرار التعسفي الذي صدر في حقي، وها أنا ذا عائد إلى البيت ولست أدري مالعمل، فقال لي لاتغضب هذه هي الضريبة فلست وحدك، لقد خرجت للتو من فرقة الدرك الوطني،التي كان يرأسها مختار أو مختاري وهو من ضواحي قسنطينة.

لقد حذرني هذا الأخير من التنقل خارج البلدية وهدّدني، وللتذكير كان في تلك المرحلة عيسى بتيش يمضى وثيقة كل يوم لأنه كان من بين المعتقلين في ورقلة رفقة لحسن خبابه وعيسى مروش وآخرين، فقلت مالأمر؟ فقال لي: لقد أخذوا صهري الساكن برأس الوادي وعذبته فرقة درك غيلاسة عذابا شديدا، ووضعوه مُعصّب العينين وأرخوا له قليلا من المنديل، وطلبوا منه أن لايتحرك لمدّة ساعة على حافة الطريق وكانوا يظنون أنه لايعرف المنطقة، ففك على نفسه القيد وجاء لي إلى برج الغدير في حالة هستيرية.

وممّا قاله لي أن رئيس فرقة الدرك استجوبه بخصوص سيارة 404 كانت تنقل بعض المسلحين وفلتت من حاجز مزيف وقد إتهموني من أنني من ساعدهم على الفرار في قرية أولاد حناش التابعة لبلدية تقلعيت دائرة برج الغدير، وقال لي من أن مختار قال لي ستدفع الضريبة غاليا، وقال لي عيسى بتيش بالحرف الواحد أنني لاأعرف ما أفعل ياسي نورالدين وأحسّ بأن أجلي اقترب، وذهبنا لارتشاف قهوة وافترقنا على أمل اللقاء في الدنيا أو في الآخرة.

بعد أيام قلائل سمعت الخبر من أحد الإخوة من أن عيسى تم اختطافه وأخذوا معه سيارته 505 طويلة الحجم بيضاء اللون، وقد سُلّمت سيارته فيما بعد إلى الوكالة العقارية التي كان يرأسها خضور مبارك ثم أخذها الجيش الذي كان يتمركز في طريق غيلاسة، وهو مايؤكد من أنهم هم من أخذوه، ومن ذلك اليوم لم يظهر عيسى بتيش، ذلك الرجل الذي أحببته من أول يوم عرفته لمزاحه وكرمه، كم كان يمازحني وكم كان يحبني رحمة الله عليه في الدنيا وفي الآخرة.

تم استدعائي من الشرطة في برج بوعريريج في تلك المرحلة على خلفية اشتباك حصل بين فرقة الدرك ومجموعة عابرة بقرب من حي الماجن طريق غيلاسة بلدية برج الغدير وقد رأيت بأم عيني السيارة 504 بيضاء اللون وهي مكسرة والدم في جوانب السيارة، وأنا ذاهب إلى العمل، أبلغني شخص اسمه السعيد من مدينة غيلاسة رئيس مطبخ بمتوسطة عبد الكريم العقون من أنه هو من سلّم مسدسا للدرك عثر عليه بعد العملية إلى جانب السيارة، وكان أن جاء الجيش بكامل قواه وحاصروا بيت جمال زياني عضو المكتب الولائي للجبهة الإسلامية للإنقاذ، وأخوه نورالدين وهما ابني أمين منظمة المجاهدين في برج الغدير سابقا رحمه الله، واللذان هربا إلى الخارج وقتها، للعلم أن جمال زياني كان أستاذا وأخوه كان ضابط شرطة، وأذكر أنه لما دخل الجيش بوحشية إلى البيت وقعت ملاسنة كلامية بينهم وبين والدة جمال وأعطتهم درسا في الوطنية فهي مجاهدة.

قام باستجوابي أحد الضباط يقال له سليم في مديرية الشرطة بالولاية، ووصل به الأمر لوضع المسدس على رأسي وقال لي بالحرف الواحد تسكت أو تموت، وكان من بين الواشين بي أعضاء مايسمون بمنظمة أبناء الشهداء وأبناء المجاهدين في المنطقة من أنني أترأس مجموعة إرهابية في برج الغدير وأقوم بالدعم المعنوي للعمل المسلح وطلبوا مني أن أعطيهم المعلومات التي أكدت اقالة رئيس الحكومة، وقد استطعت بفضل من الله أن أعرف من وشوا بي من خلال إنكار شيء واحد دفع الضابط لأن يعطيني رأس الخبر و من وشى بي هو عبد الحميد دهيمات .

بعد ثلاث سنوات من الحادثة ظللت أبحث عن العمل وكنت أفكر في الهجرة لأنني وضعت بين خيارين أحلاهما مر، وهما: إمّا السكوت أو الصعود إلى الجبل فاخترت الهجرة ليس هربا من الموت والنجاة بنفسي وإنّما خوفا من أن تتلطخ يدي بدم إخواني، وكانت وجهتي في البداية بريطانيا أو سويسرا، ذهبت مرتين إلى تونس ومرتين الى سوريا بغرض ايجاد طريق لصعوبة التأشيرة، للعلم أنني كنت أعمل في شركة للنقل البحري سنة 1990 وكان بإمكاني الخروج بسهولة ولم أفعل، فتحت محلا تجاريا لأنني كنت ممنوعا من العمل في القطاع العام.

في أحد الأيام دخل طفل بالي الثياب وعيناه ذابلتين، يظهر عليه التسوّل وكنت حازما في تلك المرحلة في عملي وأعرف مخططات المخابرين، وكنت أوهمهم في بعض المرّات حتى يخف عني التضييق، وكل من يعرفني يشهد بذلك فكان حتى رجال الشرطة والدرك عندما يدخلون محلي لايستطيعون إشعال السجائر.

دخل ذلك الطفل الشاحب لإجراء مكالمة ومن ثم جاء ليقوم بتخليصها فقلت له من أنت ومن أين؟ فقال بصوت مخنوق أنا ابن عيسى فقلت من عيسى؟ قال بتيش سقطت دمعتي وأحسست بشيئ رهيب يهز كياني ربما هو التقصير في حق عمي عيسى، قلت له إذهب ومن اليوم فصاعدا عندما تأتي، أدخل مباشرة إلى غرفة الهاتف وكلّم من شئت ولاتقوم بالتخليص حتى يظهر مصير عمي عيسى، وقطعت على نفسي أن لاأسكت حتى تظهر حقيقة عيسى وغيره من المختطفين.
غاب عيسى وترك زوجتين و أولاد ومابلغني ،أن زوجته توفيت بمرض وبقي الأولاد في حالة لايعلمها إلاّ الله
فرحماك ربي بهم

محمد خيتاتي هو الآخر قصّ علي نهايته قبل أن يُقطع رأسه في أحد الغابات المتاخمة لبلدية المعاضيد التابعة لولاية المسيلة ، وقبل ذلك ،تعرفت عليه أثناء الخدمة الوطنية نهاية 1984 وبداية1985 في مدينة أرزيو بوهران ،حيث قضينا فترة التدريب مع بعض ،وبعد الإنتهاء من الخدمة الوطنية طلب مني أن نوثق صداقتنا ،ومع أنه إبن المنطقة إلاّ أنني لم أكن أعرفه ،لأنه كان يعيش خارجها ،طلب مني يوما أن أساعده في فتح محلّ للحلاقة ،وأن أعرّفه بأحد معارفي أو أصدقائي العاطلين عن العمل، حتى يضمن له منصب شغل و يتعلم معه ،ويستطيع فيما بعد تسيير المحل ّوكان له ذلك .

تقدّمت له بأحد أبناء منطقتي واسمه عبد الحق زواوي ،وتعلّم منه وأصبح فيما بعد حلاّقا ماهرا، وظلّت علاقة الأخوة والصداقة بيننا، وفي أحد أيام رمضان ،صلّينا التراويح مع بعض في مسجد عمر بن عبد العزيز وسط مدينة برج الغدير ،وبعد الصلاة ،عزمني على شرب شاي أو قهوة ،وأثناء الحديث معه أحسست من أنه يعاني بشيئ ،وكنت أعلم في ذلك الوقت أن أخاه من أمه" كمال "كان من بين الذين يحملون السلاح إلى جانب النظام المنقلب على الإرادة الشعبية "وكان يقود مليشيا "فقلت له أخي محمد مابك لعلّ كمال هو من يحيرك ؟قال صحيح أن هذا جزء مماّ تقول ولكن أخي نورالدين أحسّ أن قلبي يريد التوقف، فقلت له هل يمكن لي أن أساعدك؟ قال لا ،الأمر يتعدّاك ،قلت له سأحاول ،قال لاتستطيع ،قلت له هل الأمر معقد بهذا الشكل؟ قال نعم ،قلت ومالحل ؟قال لي لاأستطيع أن أناقشك في هذه المسألة، قلت له وما معنى صداقتنا إذن ؟من اليوم لاتقل لي صديقي.


قال لي أخي نورالدين انتظرني، أعرف بأنك أخي، ولكن الحياء جعلني أن لاأفاتحك في هذا الموضوع ،قلت مالأمر ياأخي ؟قال لي ،عدني أن لاتتحدث بهذا السرّ إلاّ بعد وفاتي ،قلت سأعدك مالأمر؟ قال كنت في محلّ الحلاقة ،فوقفتُ أمام عتبة الباب وأدرت رأسي، فوقعت عيناي على فتاة" أتحفظ على ذكر إسمها " فكاد أن يُغمى علي ،ومن ذلك اليوم دخلت هذه الفتاة لحمي ودمي وأصبحت شيئا من كياني، فهي حاضرة معي في الصلاة وفي الصوم وفي النوم وفي هوائي ،فُتنت بها ،فقلت له هل التقيها ؟قال لا ،هل تتحدث معها ؟قال لا ،هل تريد أن تتزوجها ؟سكت قليلا واغرورقت عيناه وقال لي أكاد أموت أكاد أختنق أخي نورالدين ،ألم أقل لك أن الأمر صعب ولاتستطيع أن تساعدني ، فضحكت إلى حدّ القهقهة وقلت له يا أخي محمد ،لم أكن يوما أعتقد أنّك ساذج إلى هذه الدرجة وبتعبيرنا "جايح "وبدأتُ أقصّ عليه تجربة تشبه تجربته حتى أخفّف عليه من وطئ الصّدمة،ومن ثم أصبح يضحك حتى أصبح يلتفت إلينا من حولنا ، لكن سرعان مايعود إلى تلك الكآبة ،فعرفت بأن الأمر خطير للغاية، وأدركت بأنه لايستطيع أن يجد حلاّ لمعضلته لوحده فقلت له، إذا كنت تريد الزواج منها، فأنا على أتم الإستعداد أن أقوم بمساعدتك ،قال ،قلت لك لاتستطيع، ومن ثم بدأ يقصّ علي خاتمته المشئومة وأنا لاأدري.


قال لي أخي نورالدين ليست الفتاة كما تتخيل هي من يشغلني، ولكنها رؤيا ،فقلت أمرك غريب أخي محمد هذه ثانية وماهي ؟ قال ذهبت إلى الحجّ كما تعلم، وعند صلاتي وطوافي كانت تلك الفتاة حاضرة معي لاتغادرني ،وكلّما كنت أصليّ أدعوا الله أن يجمعني بها في خير أو يبعدني من شرها حتى لاأراها ويحدث لي ذلك البركان ، قال ،وفي أحد الأيام وقبل صلاة الفجر في مكة المكرمة، بقليل ،صلّيت ودعوت الله باكيا ،وبعد انتهائي من الصلاة أتتني سنة من نوم ،ورأيت الفتاة تلك، مُلتفتة وأنا لاأرى وجهها، فناديتها ،يافلانة ،هل هذا هو جزائي؟ فقالت أبي هو من رفض، فاستيقظت وعلمت أنها تزوجت ،قال ،ثم قمت فتوضأت وصلّيت ودعوت الله ثم نمت، فجائتني حورية من حوريات الجنة تلبس فستان الزواج ومعها مجموعة من الفتيات في بستان لم أره ولم أتخيله في حياتي ولاأستطيع وصفه لك، تفرح وتهرول، وتريد أن تأخذني معها ،فقلت لها من أنت وماذا تريدين مني ؟فقالت لي ،جئت لآخذك معي ،ماذا تريد ؟ أتيت إلى الحج وحججت، وأديت فريضتك فقلت نعم ،فقالت وماذا تريد؟ قلنا لك أن الفتاة تزوجت ،فقلت لها نعم علمت ، قالت، وماذا تريد ؟فقلت لها أريد أن أنساها ،فقالت لي، هذا شيء سهل ،عند عودتك إذهب إلى مكان يسمى أولاد سيدي منصور وهناك طالب "معلم قرآن "يقوم بالرقية فخذ معك مبلغا من المال وقطعة قماش بيضاء وساعة واعطها له ،وبعد ذلك اليوم ستنساها إلى الأبد.

قال لي، هذا مايحيرني أخي نورالدين ،الفتاة الآن أصبحت في حكم الماضي بعدما تزوجت ،وقد أديت الحجّ على أكمل وجه وارتحت بأن حجي مقبول ،وأنا أعمل الآن في محلي ولاأحتاج إلى غيري ،بقي هذا الأمر الذي هو النسيان وحورية الجنة هما من يشغلاني ،فقلت له أنصحك أخي محمد بأحد المتفقهين في المنطقة واسمه الشيخ الزروق رحمه الله ، فاروي له الرؤيا علّه يفسرها لك ويريحك ،وبقينا على اتصال ونصحته وحذرته من فتنة الشيطان بعد الحجّ، وفي أحد الأيام ذهبت مع إبني وبنتي عشية يوم الخميس في خريف 1996 فوجدته يقوم بالحلاقة ويستمع إلى أغنية أم كلثوم ،فأطفأ الجهاز احتراما لي، ثم طلبت منه أن يحُلّق لإبني ففعل و طلبت منه أن يقوم بتنخفيف الشعر لابنتي فرفض، وكان عمرها ثلاث سنوات ،فقلت مالأمر قال لي لاأستطيع ،لقد أقسمت أن لاأضع يدي على رأس فتاة لاتحل لي،قلت له إنها صبية ياأخي وأنا بجانبك .

حدثني من أن مجموعة من الدرك يأتون للحلاقة عنده ويتحرّج منهم ،خاصة عندما يأتون بسيارتهم العسكرية ،لأن تلك المرحلة كانت جد حرجة، وكانت آنذاك صور تملأ الجدران لبعض المشتبه فيهم ومنهم جمال زياني حفظه الله من كل سوء ، وماأ ذكره أن محمد كان يصوم الإثنين والخميس ،وعُرض عليه أن ينظم إلى حركة حمس كما قال لي بنفسه وحركة النهضة ورفض ،كان حياديا لاينتمي إلى أي حزب، ربما ذنبه الوحيد أنه صوت يوما للجبهة الإسلامية للإنقاذ ، رجعتُ إلى بيتي وقد اشتريت كيلو غرامين من العنب من عند براكتة مصطفى الذي قُتل معه ، نزلت برج الغدير فوجدتُ المدينة كلها تسأل عن محمد، ياالله ماذا جرى؟

فقالوا لي لقد ذهب محمد رفقة براكتة مصطفى إلى قرية أولاد سيدي منصور، التي ينحدر منها "عبد الحق لعيايدة" أمير الجماعة الإسلامية المسلحة ،وكان مصطفى يبيع بعض الخضروات "عنب، وتين، ورمان... "من دون وثائق ، وذهابه مع محمد لأن مصطفى ينحدر من تلك القرية وذهب لجلب بعض الخضروات ،وعند عودتهما وقعا في حاجز مزيف، فأخذت المجموعة المسلحة براكتة مصطفى وقالوا له أنت لاحديث معك ،وأمروا محمد بالإنصراف ، فلم تطاوعه نفسه أن يرجع لوحده ويترك مصطفى ،فهدّدوه، لكن محمد أصرّ أن لايعود إلاّ ومعه مصطفى ،فأخذوهما معاً وبعد أسبوع من البحث وُجدا محمد ومصطفى مقطوعي الرأس
رحمهما الله ،في أحد الغابات التي سبق لي وأن ذكرتها في بداية حديثي ،كان يومها صائماً كما أبلغني أحد أفراد عائلته،وكان برفقتهما
السعيد القهوي في سيارة 504 مغطاة لونها حليبي، وعبد الله لعيايدة، الذي يعمل في فرع للفلاحة وكان بالعاصمة، وعاد إلى برج الغدير خوفا على مصيره ،وهو أحد اقرباء عبد الحق لعيايدة .

كان ذهاب محمد خيتاتي إلى تلك المنطقة بغرض الذهاب إلى ذلك الشيخ ،الذي أوصته الحورية في الرؤيا أن يتوجه إليه ،لينسى تلك الفتاة أبديا،قتل محمد خيتاتي وهو في بداية الثلاثينات من العمر أعزبا.
يُقال أنه عند العثور على رأسه وُجد على جبينه مصباح حتى يُرى ، وشارة الجماعة الإسلامية المسلحةGia .
رحمك الله ياأخي محمد خيتاتي، ويامصطفى براكتة ،وكل أبناء المنطقة الذين قتلوا غدرا ،ورحمك الله ميتا أو حيّا ياعيسى بتيش، ووعد على أمام الله ،أنني سأبقى أناضل لكشف اختطافك وحقيقة مقتلكما يامصطفى، ويا محمد خيتاتي، وغيركم ماحييت .

نورالدين خبابه

الأحد، 26 يونيو، 2011

في مركز استنطاق الإسلاميين ببن عكنون :الفصل الثاني

في مركز استنطاق الإسلاميين ببن عكنون
كنت معصوب العينين عندما توقفت بنا السيارة المصفحة وعلى بعد خطوات منها فك الضابط المرافق القيد من يدي وانصرف. في نفس الوقت بدأ الصياح و الكلام البذيء من حولي، فنزعت العصابة لأجد نفسي في مكان شديد الظلام لم أتمكن من تحديد وجهتي فيه. فتساءلت مستغربا: ما هذا؟ أأنا حقا في مؤسسة رسمية؟ وهنا صاح أحد الزبانية المرتزقين (يدعى العنابي): إغلق فمك وإنزع السروال وإلا نزعته لك بنفسي (بلع فمك ونحي السروال والا انجي انهبطهولك)!
لا بد أن أتوقف عند هذه اللحظة من المأساة لأنها ذات أهمية قصوى في فهم ما يجري في الجزائر. فما سمعته من الجندي المرتزق لم يكن معبرا عن رأيه الشخصي وإنما كان ترجمة

واضحة لسلوك مؤسسة وطنية يفترض أن تكون أشد المؤسسات تحريا وحرصا على كرامة الشخصية الوطنية. وعندما يعطى الأمر لمستخدم حقير من جهاز المخابرات بإهانة نقيب محترم من نخبة الجيش الوطني الشعبي اعتقل بناء على شبهة في وضع اشتثنائي، فإن المقصود بالإهانة والاحتقار ليس الشخص نفسه وإنما هيبة المؤسسة التي ينتمي إليها. فجهاز المخابرات في الجزائر رغم خضوعه تنظيميا ورسميا لسلطة وزير الدفاع الوطني إلا أنه عمليا وواقعيا صارجهازا مستقلا تماما ولا يعترف بالسيادة لأي مؤسسة دستورية خارج إطار التوافق أو التحالف أو القوة، ولذلك فإنه لم يعر أي اعتبارا لكرامة رئيس دولة يمثل سيادة الشعب كالشاذلي بن جديد ولا لوزير دفاع وطني ومجاهد كمصطفى بلوصيف عندما تحالفت قيادته مع اللواء نزار خالد وجماعته، فكيف ينتظرعاقل أن يكون لكرمة المواطن البسيط أو المعارض السياسي اعتبار عند عناصر هذا الجهاز.

إن مأساة الجزائر بدأت من هنا ولن تنتهي إلا بمعالجة الداء في موضعه. فأنا كنت ضابطا مرؤوسا ولكنني كنت صاحب مبادرة في ترقية القدرات القتالية للجيش الوطني الشعبي ولم أكن أتحفظ في الصدع بما أراه حقا دون خوف من بشر ولا تردد لأنني كنت أؤمن بأن لكل مؤسسة وظيفتها التي تساهم بها في صنع النجاح الوطني، وأن الوقوع في الخطإ ليس عيبا والاعتراض عليه أو التصدي للتمادي فيه من صميم المواطنة الحقة. ولكن أن يقيم جهاز سلطته المطلقة على أنقاض كرامة شعب بأكمله ويوهم عناصره بتفردهم بالوطنية فهذا وضع شاذ لن ينعم فيه بالطمأنينة لا رئيس ولا مرؤوس، ومن ثم فإن التبرير له لن يخرج من دائرة التواطئ على الخيانة والفساد.

إن إدراكي لهذه الحقيقة هو الذي جعلني أجيب العنابي الذي لم أكن أراه في الظلام بل كان في وعيي يمثل جهاز المخابرات: الآن تأكد لي أنني مختطف من طرف عصابة من المافيا وسأتعامل معكم على هذا الأساس. وإذا لم تعرفوا النقيب شوشان من قبل، فهذه فرصتكم لفعل ذلك.

وفي هذه اللحظة انبعث الضوء من كاشف قوي خطف بصري، وقبل أن أتحول عنه سمعت صوت الرائد عبد القادر من داخل غرقة صغيرة في طرف القاعة الفسيحة وهو يقول باستهتار: أنت نقيب في الجيش، وهنا لا قيمة للجيش ولا لضباطه. وفي نفس الوقت هجم علي من أطراف القاعة مجموعة من الجنود وكان أشرسهم العنابي فكان أول من دخلت معه في معركة دامية ليتدخل العقيد ناصر قائد مركز التعذيب وهو يصيح: (حابين تقتلوه قبل ما يهدروا معاه)؟ أتريدون قتله قبل أن تتحدث معه القيادة؟ عندها تفرقوا عني، وألقى الرائد عبد القادر أمامي مشمعا أزرقا قذرا وهو يقول: هذا هو لباسك الرسمي والوحيد. فتأملت وجهه جيدا بعد أن سمعت صوته وتذكرت أنني أعرفه منذ سنة 1987 عندما كان ملازما أولا مكلفا بالتفتيش لدى المديرية العامة للتموين (Control Resident). فسألته: هل كان لهذا المهرجان لزوم يا عبد القادر؟ فانتفض العقيد ناصر قائلا: (يا الرب حتى اسماواتكم يعرفها) يا إلهي! إنه يعرف اسماءكم أيضا!... أدخل إلى الغرفة والبس المشمع فلا حاجة لك بهذه الثياب النظيفة بعد اليوم. ثم سمعته يقول (كتفوا) قيدوا يديه إنه خطير.

وضعت في زنزانة انفرادية من الإسمنت الأملس طولها أقل من مترين وعرضها متر واحد وارتفاعها حوالي خمسة أمتار، بابها من الفولاذ به ثقبة قطرها 5 سنتمتر وفي طرف الجدار الأعلى كوة لمصباح لا ينبعث منه الضوء إلا نادرا. كنت أفترش الإسمنت وألتحفه لمدة أسبوع ثم سرب لي أحد الجنود بطانية بعد ذلك. ولم يسمح لي بالخروج لقضاء الحاجة إلا مرة كل يوم ولمدة دقيقة في مكان لا سترة فيه ولا باب وتحت مراقبة السجان. ولذلك اضطررت من البداية إلى الامتناع عن الاكل والشرب و قضاء الحاجة إلا لضرورة قصوى.

وعندما دخلت رواق الزنزانات أول مرة كانت الآهات تتعالى مرعبة والأنين ينبعث من كل مكان. ومن زنزانتي كنت أسمع المساجين يضربون ويهانون حتى أثناء قضاء حاجتهم، وكنت أراهم يساقون للتعذيب من ثقب الباب ويعودون نصف عراة وهم ملطخون بالدماء وغير الدماء يشكون إلى الله هوان الإنسانية على هذه الوحوش البشرية.

عندما وجدت نفسي وحيدا مقيد اليدين في الزنزانة توجهت إلى الله وصليت المغرب والعشاء جمعا ثم اضطجعت وبدأت أقرأ القرآن لأدفع الهواجس التي غزتني... إلى أن انتبهت على صوت الاقفال تفتح والسجان يصيح في وجهي: (أخرج هبط راسك)...!! ثم ألقى على رأسي كيسا أسود وأخرجني من الزنزانة ثم دفعني في سيارة مصفحة انطلقت بنا في رحلة وهمية دامت 5 دقائق تقريبا. والحقيقة أن السيارة كانت تدور حول المكان المقصود والذي لا يبعد عن الزنزانة سوى أمتارا معدودة. سلكنا أروقة وصعدنا درجا واخترقنا مكاتب... لنصل في النهاية إلى غرفة الاستنطاق فأجلسوني على كرسي وثبتوني عليه بقيود ونزع أحدهم الكيس عن رأسي فوجدتني محاطا بمجموعة من الضباط عرفت بعضهم. وكان أول المتدخلين العقيد ناصر حيث بادرني: ليس عندنا وقت. لقد عرفنا كل شيء وجماعتك اعترفوا بكل شيء. والأحسن لك أن تعترف وتخبرنا عن اسم قائدكم الأعلى. لقد اعترف السعيد مخلوفي بكل شيء.
إن ما رأيته وسمعته كان كافيا لتأكدي من عبثية هذه المؤسسة وخروجها عن القانون وخطرها على مستقبل الجزائر ولذلك قررت التعامل معها بحذر ومسؤولية ووضعت نصب عيني المصلحة العليا للوطن دون غيرها.

لقد كان أول ما قلته: أريدكم أن تعرفوا شيئا يظهر أنكم لم تفهموه بعد. أنا لست السعيد مخلوفي ولا واحدا من العسكريين الذين اعتقلتموهم. بل أنا نقيب في الجيش الوطني الشعبي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ولن تكونوا أبدا أحرص مني على المصلحة الوطنية. وإذا كنتم تريدون الخير لهذا البلد حقا فعليكم التوقف عن هذا العبث فورا وتدارك الأمر قبل أن يخرج عن السيطرة. وعندها سنتكلم كضباط وبكل مسؤولية. أما إذا أصريتم على التعامل معي بنفس الطريقة فاعلموا أن الجثة التي بين أيديكم ليست سوى جزة من الصوف لن تأخذوا من نفضها سوى الغبار.

اشتاط بعضهم غضبا وردوا علي بكلام قبيح وضربني بعضهم في مواضع مختلفة من جسدي ودفعني أحدهم فتدحرجت على الأرض وأنا مثبت على الكرسي ثم أقامني أمام موضع هندسي ناتئ في جدار الغرفة وهو يقول: أتدري ما هذا؟ إنه ورشة الصدمة القاتلة... ضربة واحدة تكفي لتفجير جمجمتك... أتدري ما هذا؟ (مشيرا إلى بقايا دم ونجاع يلطخ الموضع) إنه مخ الرائد عبد المجيد الخائن. لا شك أنك تعرفه وسوف نلحقك به... لقد كان هنا قبلك... وهكذا تداولت علي الأيدي واختلطت علي الأصوات وتلقيت الضربات من كل اتجاه وأنا مقيد الرجلين واليدين، إلى أن وجدت نفسي في ورشة التعذيب الرئيسية التي يعذب فيها ضباط وضباط صف وجنود من القوات الخاصة عراة ونصف عراة منهم المعلق من رجله ومنهم المثبت على مجسم... يعذبون بأساليب سادية تدل على الشذوذ والانحراف الذين تتميز بهما هذه المؤسسة. ومن لطف الله بي أن تعذيبي اقتصر على الضرب والكهرباء والإرهاق النفسي ولم يكن في تلك الورشة.

وقد هالني أن أرى ضباطا ملتحين ويلبسون اللباس الأفغاني يدخلون ويخرجون إلى هذا المركز ويتبادلون الحديث عما يفعلونه خارج الأسوار من تحريض وكتابة على الجدران ويخبرون ضحاياهم بما يقومون به من تضليل للمواطنين ويذكرونهم بالمساجد التي كانوا يرتادونها متنكرين في شكل إسلامي...
كانت الساعة الثالثة صباحا تقريبا عندما جاءت التعليمات بتحويلي إلى قاعة محاذية لغرفة العمليات ووجدت في زاوية منها المقدم بشير طرطاق جالسا خلف مكتب عادي وكان صامتا لا يتكلم. في حين استمر باقي الضباط في محاولة استنطاقي أمامه بما فيهم العقيد ناصر الذي كان أجبنهم وأشدهم بذاءة وإباحية ولكن دون أن أجيبهم بشيء... حتى التأوه لم يسمعوه مني رغم الألم الذي كان يقطع جسدي. وفي لحظة ما، دخل الرائد قطوشي المكلف بالأمن لدى الأمانة العامة لوزارة الدفاع وتقدم نحوي وهو يقول: يا بن... أهذا أنت... أما زلتم تتحدثون معه؟ وسحب مسدسه الخاص ووضع فوهة الماسورة على ناظري الأيمن قائلا: لو كان الأمر بيدي لأطلقت عليك رصاصة في الرأس أيها... فأجبته باحتقار: لو كان فيك ذرة من الشرف لما قلت هذا الكلام... ولو كان مسدسك بيدي الآن لما استأذنت أحد في قتلك أيها الجرثومة. فصاح العقيد ناصر: إحذر! إنه يريدنا أن نقتله قبل أن يتكلم... وأبعده عني بقوة وهو يقول: والله لن يخرج من هنا حيا... سنقطعه تقطيعا. وهنا تلاحق باقي الضباط إلى الغرفة من جديد واستانفوا دورة التعذيب إلى أن قام المقدم بشير طرطاق من مكانه فتأخر الجميع. وقد بدا من تصرفه أنه صاحب التدبير الفعلي داخل المركز. وكان أول ما قاله بصوت الواثق من نفسه: إسمع يا شوشان. أنا متأكد من أنك ابن فلاق. وأن هذه الأساليب لن تنفع معك. ولكنني أنا أيضا فلاق وأعرف كيف أجعلك في النهاية تتكلم. فوفر على نفسك لأن ذلك أريح لك...

لقد أتيت بالمرأة التي كنتم تجتمعون في بيتها (وكان يقصد المجاهدة الحاجة غنية التي كان السعيد مخلوفي يجري لقاءاته في بيت تملكه ولا تسكن فيه على سفوح جبال الشريعة) وقد تعرفت عليك (وهو كاذب في ذلك لأنني لم أعرف حقيقتها إلا في سجن البرواقية) وسوف تقابلها الآن وإذا أنكرت معرفتها أنت فإننا سنفعل فيها... حتى تتفقا على الحقيقة . أما إذا أصريت على الإنكار فسآتي بزوجتك الآن ونفعل بها ما يجعلك تعترف رغم أنفك... وهنا تكلمت لأول مرة منذ أن بدأ التعذيب وقلت: أولا زوجتي ليست صحفية في جريدة الصباح حتي تستطيع أنت الوصول إليها حية وثانيا أنا لم أنكر شيئا حتى تحتاج إلى تهديدي بالاعتداء على عرض جزائرية. فوالله لو مكنني الله منكم ما تركت أحدا منكم يعيش لحظة واحدة. أما بالنسبة للسعيد مخلوفي الذي تدعي أنه اعترف بكل شيء، فو الله لو فعل ما يسيء إلى الجزائر لقتلته بنفسي دون الحاجة إلى استشارة أحد. و لكنني أشهد بأنه أشرف منكم وأعلم بحقيقتكم مني لأنني لم أكن أتصور أن مسؤولا عسكريا جزائريا يتعامل مع عسكري مثله بأساليب الاستعمار ويهدده بهتك عرضه وامتهان كرامته بدون سبب... فقاطعني قائلا: وما زلت تقول بدون سبب؟
قلت: نعم بدون سبب.
قال: ألا تعتبر التدبير لانقلاب سببا كافيا لإعدامك؟
قلت: إذا كنت تقصد الانقلاب على الرئيس الشاذلي بن جديد فالقيادة العسكرية هي التي دبرت الانقلاب ونفذته وبالتالي فهي أولى بالإعدام مني. أما إذا كنت تقصد تمرد العرفاء على هذا الانقلاب فإن واجب القيادة أن تتعامل بحكمة مع الوضع الذي ورطت فيه الجيش وإلا فإنها ستفقد السيطرة على الأوضاع وأنا لا أصدق أن يكون اللواء نزار خالد وضباط الجيش الفرنسي أشد حرصا وإخلاصا للجزائر من الرئيس الشاذلي بن جديد وضباط جيش التحرير.
قال: وهل بوضياف من ضباط فرنسا.

قلت: لقد حكمت القيادة على بوضياف بالخيانة منذ ثلاثين سنة بالحق أو بالباطل، وأنتم حرصتم على تكريس ذلك في وعي الشعب كله. وإقناع الناس بأنه رجل وطني شريف لن يتحقق خلال ثلاثين يوما؟
كان الضباط الآخرون يشتمونني ويتحفزون لضربي وأنا أتكلم، وكان طرطاق يمنعهم وكأنه يريد أن ينفذ إلى الخلفية التي بنيت عليها موقفي وقد كنت صادقا معه رغم وعيي التام بخبث قصده. وعندما بلغ الحوار هذا الحد تقدم نحوي الرائد عبد القادر وهو يزمجر قائلا: أنتم ربكم الله و رسولكم محمد ونحن ربنا نزار و نبينا بوضياف!! أفهمت؟
قلت: أنا لا أتحدث عن ربك ولا عن نبيك أنت حر ولا يهمني أمرك. أنا أتكلم عن الجزائر المستقلة التي حررها الشهداء أمثال مطصفى بن بولعيد والعربي بن مهيدي والمجاهدون أمثال الشاذلي بن جديد و أبي وأمي... وهنا لم يتمالك الرائد نفسه وهجم علي وهو يقول: أنا أبي ليس مجاهدا! ينعل (يقصد يلعن) دين الشاذلي ومصطفى بن بولعيد ودين المجاهدين والشهداء انتاعكم ودين الجزائر التي تعرفها. الجزائر انتاعنا (يقصد جزائرنا) هي اللي نتفرشكو فيها ونديروا فيها راينا (التي نتمتع ونعبث فيها) ولا يهمنا أن تكون فرنسية أو شيوعية أو يهودية؟!. المهم البترول والغاز والدراهم... فقاطعته غاضبا: أنتم إذن مرتزقة ولستم جزائريين؟ وإذا كنتم رجالا حقيقيين فقولوا هذا الكلام للشعب وسترون ما سيكون مصير الخونة أمثالكم... وقبل أن أسترسل رفع هراوة ضخمة كانت بيده وأنهال بها على عاتقي بحقد شديد فأحسست بالدوار وفقدت الوعي.

لست أدري إن كان التعذيب قد تواصل بعد ذلك، ولا أعتقد أنني كنت قادرا على الكلام لأنني كنت أشعر بالغثيان وبأن جسدي كله تفكك. وقد أخبرت بأنني أخذت وجبة متكاملة من التعذيب التقني اعترفت خلالها بأن قائدي هو العقيد بن زمرلي المدير العام السابق لسلاح الهندسة العسكرية، رغم أنني لم أعرف هذا الضابط من قبل. كما علمت لاحقا بأن الفترة التي قضيتها تحت تاثير التعذيب المستمر كانت أكثر من 24 ساعة. نقلت بعدها إلى زنزانتي.
أخذوني بعد أن أفقت إلى نفس الغرفة بعد أن أعيد تنظيمها وسمعت صوت طرطاق وهو يقول: لو لم أردهم عنك البارحة لقتلوك يا شوشان، أنت لا تعرفهم. إنهم يستمتعون بالقتل. وعلى كل حال لقد قررت أن نبقى وحدنا حتى نتكلم كضباط، أليس هذا ما تريده؟ استرح قليلا وسنتكلم بعد أن تقابل بعض قيادات الجيش الذين يريدون رؤيتك. ثم واصل بنبرة استخفاف فيها تهديد: الجميع يعرفونك واشتاقوا إلى رؤيتك. لم يتوقعوا أن تكون قائد الانقلاب عليهم.
بعد قليل دخل ضابط بلباس مدني وهو يقول: لقد جاؤوا. ثم دخل مجموعة من الضباط السامين على رأسهم المدير العام لأمن الجيش العميد كمال عبد الرحمان. كنت أعرفه منذ أن كان ضابطا في الهندسة العسكرية بشرشال والتقيته مرارا عندما كان رئيسا للمكتب الجهوي للاستطلاع بورقلة ثم عرفته عندما كان قائد اركان للواء العاشر للمشاة ولذلك عرفته من أول نظرة.
قال: وقعت في أيدينا يا شوشان. لقد كنت تريد أن تقتلنا. أليس كذلك؟
قلت: لا أحد يريد قتلك أنت.
قال: إذن فأنت تعرفني.
قلت: نعم أنا أعرفك جيدا ومتأكد بأنك عبد مأمور لا تملك من أمر نفسك شيئا.
قال: فمن الذين حكمت عليهم إذن؟
قلت: أنا لم أكن أريد قتل أحد، ولكن القيادة العليا هي التي تريد توريطنا في قتل المدنيين وهذا أمر يرفضه الكثير من العسكريين. وعندما يصل الأمر إلى درجة يفكر فيها العرفاء والجنود في أخذ المبادرة للتمرد ورفض الأوامر يمكنك أن تتصور حجم الخطأ الذي ترتكبونه. ولذلك فأنا أنصح القيادة أن تتراجع عن موقفها وتعالج الأمور بحكمة قبل أن ينفرط عقد الجيش كله.
قال: أنت واثق من نفسك أكثر من اللزوم يا سي شوشان. وأنا لم أتوقع منك هذا الكلام. على كل حال جماعتك قبضنا عليهم والأحسن لك أن تفيد الجماعة بكل ما تعرف.
قلت: إذا لم توقفوا الاعتقالات وتطلقوا سراحنا خلال أسبوع فإنكم لن تتحكموا في الوضع أبدا. وتذكر يا سيادة العميد أنني نصحتكم في الوقت المناسب وبرأت ذمتي ولكم أن تفعلوا ما بدا لكم.

قال: النقيب احمد بن زمرلي وبوحادب والآخرون الذين تعول عليهم كلهم في الطريق إلى هنا وأنا أريدك أن تخبر الجماعة بقائدكم الأعلى قبل طلوع الشمس. فإذا لم تفعل، تكون قد جنيت على نفسك... وهنا جاء ضابط مسرعا وهو يقول: الشاف جاء!! (لقد جاء الرئيس). فخرج العميد كمال وتوجه إلي العقيد ناصر بالخطاب قائلا: أعرف كيف تتكلم مع القيادة وإلا...(تكلم مع القيادة بأدب وإلا..). وفي نفس الوقت تقدم الرائد عبد القادر وأمسك بالكرسي الذي أجلس عليه (مثبتا بالقيود) من الخلف وانبعث ضوء قوي من كواشف عديدة منعتني من رؤية القادمين و لكنني تمكنت من رؤية الجانب السفلي من هندامهم وكان بعضهم يرتدي الزي المدني وبعضهم الزي العسكري وعاد العميد كمال عبد الرحمان معهم وهو يحدثهم عني و أدى لهم العقيد ناصر التحية العسكرية.

وقف الوفد قريبا مني وتوجه إلي سيدهم قائلا: أهذا هو النقيب شوشان الذي يريد الانقلاب علينا؟ حاب يرد الشاذلي بن جديد؟ حابين اديروا دولة اسلامية... راكم تحلمو!! (أتريدون إقامة دولة اسلامية؟ إنكم تحلمون) روحوا ديروها في السعودية والا في الإمارات ميش في الدزاير (إذهبوا وأقيموها في السعودية أو في الإمارات و ليس في الجزائر) واش حاسبين ارواحكم؟ اشحال تكونوا ثلاثة ملاين، ست ملاين؟ (ماذا تظنون أنفسكم؟ كم يكون عددكم؟ ثلاثة ملايين ستة ملايين؟) أنا مستعد لأمحيكم من الأرض ويعيش أولاد الجزائر الحقيقيين مثلما يعيش أبناء عمومتكم في الخليج... لم أتمالك نفسي وأجبته قائلا: أنا لا أتسول وطنيتي منك ولا من غيرك لأنني جزائري حر ومولود في مركز من مراكز الثورة، أما القتل فالظاهر أنك لا تعرف عنه شيئا!! فلو قتلت ثلاثة ملايين جزائري فإن رائحة جثثهم كافية لقتلك وقتل من بقي معك.

قال: فكر في مصيرك. هذه قضية أكبر منك. وركلني بقوة... ثم التفت إلى من معه وهو يقول بنبرة غاضبة وبكلمات عامية وفرنسية: (يستحيل أن يكون العقيد بن زمرلي رئيسه. أنطقوه بالقوة حتى يبوح باسم قائده الحقيقي. لا يمكن لنقيب أن يتزعم ضباطا سامين من مختلف الأسلحة في الجيش) ثم انصرف غاضبا ومعه العميد كمال عبد الرحمان والوفد المرافق.

مباشرة بعد خروج الوفد انهال علي الرائد عبد القادر ضربا بهراوته وهو يقول: أتعرف من كان يتكلم معك؟ إنه بوضياف (يا واحد الرخيس). الم اقل لك إنه رسولنا؟ الآن أجهز عليك سواء تكلمت أم لم تتكلم... لست واثقا من صدق الرائد عبد القادر، كما أن حالة الإرهاق التي كنت أعاني منها لم تسمح لي بتبين صوت المسؤول الذي كلمني ولكن إذا لم يكن المتكلم محمد بوضياف كما زعم عبد القادر، فإنه اللواء محمد مدين (توفيق) المدير العام للوقاية والأمن بكل تأكيد. لأن العميد كمال عبد الرحمان وضباطه لا يمكن أن يتأدبوا بذلك الشكل أمام أحد غيره باستثناء اللواء خالد نزار الذي لو كان هو المتكلم لعرفته فورا... ثم انضم إليه النقيب بن جرو الذيب جاب الله وضابط آخر متخصص في التعذيب الكهربائي. وبعد أن يئسوا من إرغامي على الكشف عن قائد الانقلاب المزعوم اقترحوا علي أن أتهم أي ضابط سام برتبة جنرال واقترحوا علي بالإسم العميد حشيشي زين العابدين والعميد لمين زروال والعميد عبد المجيد شريف واللواء عبد المالك قنايزية... فرفضت رفضا قاطعا رغم شدة التعذيب الذي استمر حتى فقدت الشعور بالألم وأصبحت أحملق فيهم وكأنهم يعذبون شخصا آخر. ولم استعد وعيي تماما إلا في الزنزانة.

لست أدري كم مر علي من الوقت قبل أن يعيدوني بنفس الطريقة إلى قاعة الاستنطاق. وكان في هذه المرة النقيب بن جرو الذيب ومعه الرائد وحيد (وأصله من بريان/ ولاية غرداية) هما المكلفان باستنطاقي. وأول ما بادرني به النقيب بن جرو الذيب كان تقديمه للجنة التي كلفت باستنطاقي وكان منهم ملازم أول اسمه علي مهندس دولة في التعذيب الكيماوي، متخصص في التطهير وتصفية المعلومات ومهندس آخر متخصص في التعذيب الإلكتروني برتبة نقيب قضى خمس سنوات في موسكو وسنتين في يوغسلافيا مع 8 سنوات خبرة وهو المعروف ب: الروجي (الأحمر) وهو الوحيد الذي لم ينطق بكلمة واحدة و كل ملامحه تشير إلى أنه ليس جزائريا.

لم يخفني التعذيب ولا الموت، لأنني كنت أشعر بأنني في أعلى مقامات الصدق مع الله والوفاء للوطن (وإني أسأل الله صادقا اليوم وأنا في سعة من أمري أن يقبضني وأنا على مثل تلك الحال من الصدق والإخلاص). ولكن عز علي أن تستمر يد الغدر والخيانة في اغتيال الأحرار والعبث بمصير شعب أبي كالشعب الجزائري. فقررت أن أتعامل مع تلاميذ أوساريس وماسو بأسلوب رجال ثورة التحرير؛ وذلك بتعويم المعلومة بدلا من كتمانها.

لقد كنت أعرف النقيب بن جرو الذيب جيدا لأنه قضى معي أكثر من سنتين كطالب متخصص في الدفاع الجوي في الأكاديمية العسكرية لمختف الأسلحة بشرشال وتخرجت قبله برتبة ملازم في القيادة العسكرية مع تخصصي في سلاح المدرعات قبل أن ألتحق بالقوات الخاصة. ولذلك فإنني لم أجد كلفة في الكلام معه وقلت له متهكما: ما شاء الله عليكم، بدلا من أن تبعثوهم يتهندسون في الذرة والسلاح النووي صرفتم عليهم بالعملة الصعبة ليعذبوا الشعب الجزائري... وماذا لو قلت أنكم لستم في حاجة إلى استنطاقي؟ فإذا كان غرضكم إدانتي فأنا مستعد لأعترف بكل ما نسب إلي من طرفكم لتحكموا علي بالإعدام وتهنأوا بجزائركم اليهودية. أما إذا كان غرضكم معرفة الحقيقة فأنا مستعد أن أكتبها لكم كما هي دون الحاجة إلى كل هذا.

أجابني وهو ينظر إلى المهندس: الآن أصبح كلامك واضحا ويمكننا أن نتكلم بلغة واحدة، ثم انصرف إلى الغرفة المجاور وعاد و في يده رزمة من الأوراق التي وضعها أمامي وقال أريدك أن تقرأ هذه المحاضر أولا وتبدي لي رأيك فيها. وعلى ضوء ذلك سنحدد وجهة التعامل معك. والأحسن لك أن تفيدني بكل ما تعرفه عن محتوى هذه المحاضر. فقلت: إطمئن، سأفعل وإن كنت لا أعتقد أن الحقيقة ستغير من الأمر شيئا.

كانت المحاضر تحتوي على كل كبيرة وصغيرة تتعلق بحياة الضباط وضباط الصف المعتقلين وفيها اعترافات مضحكة لعرفاء وجنود خططوا لقلب نظام الحكم و تآمروا مع الجبهة الإسلامية لنشر التقتيل في أوساط المواطنين والقوات المسلحة منذ سنة 1988 (قبل ظهور الجبهة) وغير ذلك من الكلام الذي لا يصدقه عاقل وكأن الوقائع تتعلق بالطوقو أو جزر القمر. كما كانت فيها تفاصيل عن اللقاءات التي جمعتني بالسعيد مخلوفي وعبد القادر شبوطي وفيها ذكر لضباط غافلين لا علاقة لهم بهذه الأمور بتاتا. ولكن صياغة تلك التفاصيل المتناثرة في أبعاد الزمان والمكان والحال، صيغت بطريقة تظهرها في شكل مؤامرة لقلب نظام الحكم. ولكن محرري المحاضر نسوا أن يغيروا التواريخ ويوزعوا الأدوار على المتهمين بطريقة تنسجم مع ما طبخوه، فبقيت على أصلها. فكان القائد المفترض للكتيبة المكلفة بالاستيلاء على مقر الاذاعة والتلفزيون خلال إضراب الجبهة مثلا، متربصا في موسكو في ذلك الوقت. وكان أغلب الضباط المعتقلين أقدم مني رتبة و خدمة في الجيش ولم أكن أعرف عن علاقتهم بالسعيد مخلوفي شيئا، فضلا عن التآمر معهم على انقلاب عسكري. أما ضباط الصف فرغم كونهم ممن سبق لي تدريبهم وقيادتهم إلا أن اثنين منهم فقط سبق لهم إثارة الموضوع معي في مقابلة شخصية وتصريحاتهم تدل على أنني حذرتهم من التواصل مع المدنيين أو أخذ المبادرة في التمرد... إلى غير ذلك.
ومنذ أن قرأت المحاضر استقر في ذهني أن جهاز المخابرات قرر تدراك فشله في ضبط مسار الأحداث، من خلال تقديمي قربانا للقيادة العسكرية بتصفيتي جسديا، وأن الغرض من حملة الاعتقالات السرية ليس إفشال انقلاب محتمل من طرف العسكريين المعتقلين وإنما هو السعي لتعزيز شرعية الانقلاب المجنون الذي تورط فيه وزير الدفاع وبطانته ضد الرئيس الشاذلي بن جديد، والتمترس خلف اتهام قيادة الجبهة الاسلامية بالتآمر مع العسكريين المعتقلين للاستيلاء على الحكم بالقوة. وبناء على هذه القناعة عزمت على الثبات على ثلاثة مبادئ في مواجهة التحقيق:

1 ـ أن لا يتضرر من هذه القضية من لا علاقة له بها خاصة قيادات الجبهة الاسلامية باعتبارهم المستهدفين من طرف جهاز المخابرات.
2 ـ أن أضع القيادة العسكرية في الصورة الحقيقية للموقف ما دامت الأزمة في بدايتها و أقيم عليها الحجة بتقديم الدليل على خطورة المغامرة.
3 ـ استدراج المخابرات إلى فك الحصار عن القضية والكشف عنها بأعترافي الكامل بكل الاتهامات الموجهة إلي دون التنبيه إلى ما فيها من تناقضات وإغرائها بتقديمي إلى المحاكمة بملف ثقيل.
وهكذا استرسل بعض الضباط في ذكر أسماء الضباط من مختلف الأسلحة عشوائيا لتفادي الهلاك تحت التعذيب مما أوقع القيادة العسكرية في حرج شديد ونبهها إلى الانزلاق الذي دفعها إليه جهاز المخابرات، خاصة بعد تمرد مجموعة من ضباط الصف التابعين لفوج الصاعقة الرابع المتمركز في ثكنة بني مسوس المحاذية للمديرية العامة للمخابرات ليلة 12 مارس 1992 وتمكنهم من التحصن بجبال الزبربر على مشارف العاصمة وإصدارهم لبيان يتوعدون فيه القيادة بالانتقام ويحرضون فيه الجيش على التمرد. فاتخذ وزير الدفاع قرارا بوقف الاعتقال فورا وأصدر منشورا وزاريا يوهم فيه العسكريين بأن النقيب أحمد شوشان والضباط المعتقلين معه موقوفون على ذمة التحقيق أمام مجلس تأديب وسيعودون قريبا إلى وظائفهم.

فكان أول ما فعلته في اليوم السابع من الاستنطاق هو إقراري بالمسؤولية على كل تضمنته تلك المحاضر من تفاصيل. وكان لهذه الخطوة أثر كبير في وجهة التحقيق حيث تم تحويلي بعد ذلك من غرفة الاستنطاق إلى غرفة العمليات وطلب مني العقيد ناصر تحرير اعترافاتي بخط يدي ففعلت ذلك خلال خمسة أيام. وكان الرائد بن جرو الذيب جاب الله يراجع ما أكتبه و يطلب مني تعديله وفق ما ينسجم مع تصوره لمجريات التحقيق ويحاول إقناعي بأن مراجعاته قائمة على ما لديه من معلومات عن الاسلاميين والتي يستقيها من منظومة الإعلام الآلي في قاعة العمليات. وهي شبكة كمبيوترات مزودة بطابعة وأجهزة تلكس تستقبل الرسائل على مدار الساعة. وكان من بين ما علمته بهذه المناسبة أن عناصر الهجرة والتكفير متابعين بدقة من طرف المخابرات. وأن المعلومات الشائعة عنهم لدى المواطنين غير صحيحة. حيث ما زال الهاشمي سحنوني على رأس قائمتهم وأن التوبة المعلنة من طرف هذه العناصر ليست حقيقية. كما أن جماعة الأفغان الجزائريين تخضع لنفس النظام وأن عددهم حوالي 760 عنصرا. وقد قرأت بنفسي ملف أحدهم جاء فيه في القسم المخصص للعلاقات وأماكن التواجد في الجزائر:( وهو يقضي أغلب وقته في بيت عمته الكائن في العنوان...والتي تربطه علاقة عاطفية بابنتها وهي محل ثقته الأول). ومن أهم ما استفدته في هذه المرحلة هو اكتشافي للاستثمار البشري الذي قامت به المخابرات الجزائرية في حرب افغانستان حيث كانت تلك الحرب حماما حقيقيا من حمامات التزكية للجواسيس المكلفين باختراق الحركة الاسلامية والتحكم في توجيهها.

وبعد أن اطمأن المحققون إلى الوجهة التي أخذها التحقيق وركزوا على إثبات إدانتي كقائد للانقلاب، اقترحت على بن جرو الذيب جاب الله كتابة رسالة أوجهها إلى وزير الدفاع اللواء نزار خالد أوضح له فيها أمورا مهمة لا تعنيني كشخص ولكنها تعني مستقبل الجيش الوطني الشعبي وتداعيات الأزمة. فزودني بعد الانتهاء من صياغة المحضر بأوراق وقلم وأمر السجان بإضاءة زنزانتي. فسودت رسالة مطولة إلى وزير الدفاع وبيضتها قبل يوم من مغادرتي مركز الاستنطاق يوم 18 مارس 1992. وقد ضمنتها نقاطا عديدة منها:
1- أنني لا أكتب الرسالة استجداء للعفو ولا تراجعا عن موقفي المعارض لقرار القيادة وإنما استكمالا لواجب النصح وإبراء للذمة.

2- أن قرار القيادة تجاه الأزمة السياسية خاطئ يجب عليها التراجع عنه بالطريقة التي تراها مناسبة وإلا فإنها ستتحمل مسؤولية ما تؤول إليه الأوضاع كاملة. كما أن إصرارها على التمادي في هذا المسلك الدموي خيانة لعهد الله والشهداء وعناصر الجيش الوطني الشعبي ليس لها فيه عذر. كما أن هذا القرار لا يعكس الكفاءة المهنية والحنكة السياسية لضباط الجيش الوطني الشعبي.
3- أن ما قمت به من اتصالات مع السعيد مخلوفي وعبد القادر شبوطي اجتهاد ما زلت مقتنعا بجدواه، اقتضته المصلحة العليا للجزائر والحرص على شعبية الجيش ووطنيته. وأن الغرض منه هو حقن دماء الجزائريين مدنيين وعسكريين. مع التأكيد على استعدادي إلى الآن للقضاء على القيادة العسكرية لو تيقنت من أن ذلك يضمن لباقي الشعب الجزائري السلم والاستقرار و ينهي الأزمة.
4- أنني مستعد للموت متطوعا وبكل رضا إذا كان ذلك يمكن القيادة العسكرية من تداركها للموقف وإعادة الأمور إلى نصابها.
5- إن تقديري الميداني للموقف انتهى إلى استحالة انتصار الجيش الوطني الشعبي في هذه الحرب المعلنة على شريحة واسعة من الشعب حتى لو ساعده فيها الحلف الأطلسي وحلف وارسو مجتمعين وحتى لو استعمل فيها السلاح النووي. وأن أقصر طريق للانتصار فيها هو إطفاء نارها قبل أن تشتعل. وهذا ما زال ممكنا ويسيرا إذا توفرت الإرادة المخلصة. والذي دفعني إلى هذا الاستنتاج هو معرفتي كمحافظ سياسي بمعدن الجمهور الجزائري البسيط الذي الذي عشت في نفوس الآلاف من شبابه ومعرفتي كضابط ميداني بطبيعة أرض الجزائر المنحازة للمظلوم. وسردت مشاهد من الواقع ذكرت منها:

أ- كنت في جلسة عمل مع الرائد رشيد كواشي قائد القطاع العسكري ببسكرة بمناسبة صياغة مقترح الناحية العسكرية الرابعة المتعلق بإصلاح الدستور سنة 1984. وكانت كتيبتي تنفذ مسيرا ميدانيا عبر جبال القنطرة. وبعد انتهاء الجلسة أردت الالتحاق بجنودي. فحددت مكان تواجدهم تقريبيا ورافقني الملازم الأول بن جانة بسيارة لندروفير إلى سفوح السلسلة الجبلية. ورغم أن عدد أفراد الفوج المتحرك كان يفوق 500 فردا بكامل عدتهم وكان الجو صحوا فإنني لم أستطع رؤيتهم إلا بعد استعمال نظارة الميدان وبعد جهد، وكأنهم بعوضة حطت على ظهر فيل. فتساءلت يومها: ماذا لو كان عددهم عشرة من جنود العدو؟ وماذا لو كانوا يتحركون في عمق الاوراس؟ عندها تيقنت أن الجزائر بتضاريسها بلد مشجع على التمرد والثورة وأن على المعنيين بأمن الجزائر واستقرارها أن يحرصوا على تجنب أسباب التمرد ابتداء واحتوائه إذا تعذر ذلك في أضيق دائرة ممكنة قبل استئصال نواته بطرق قتالية مبتكرة فعالة. لأن احتياطي العالم كله من المتفجرات لا يكفي لمطاردة مجموعة صغيرة في منطقة كهذه بالطرق القتالية المعهودة. (و قد قمت منذ ذلك الحين بناء على هذا التصور بتقديم مقترحات من أجل ترقية مستوى الأداء القتالي للقوات الخاصة، ابتداء من جزأرة برامج التدريب وتعريبها بعد أن كانت روسية محضة حتى في الجانب المعنوي والسياسي من التكوين). وأرشيف مدرسة القوات الخاصة كفيل بإثبات ذلك.

ب- كان اليوم جمعة وكانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد الزوال تقريبا وكنت أهم باجتياز الطريق المؤدي إلى ساحة الشهداء بالعاصمة.... أوقف شرطي المرور السيارات وأذن لنا بالعبور وكان من بيننا غلام في الثالثة عشر من العمر تقريبا، يحمل سجادة كأنه متوجه إلى المسجد. وبعد اجتيازنا الطريق، نهره شرطي من عناصر التدخل السريع المنتشرين على طول الرصيف قائلا: إسمع! ممنوع الصلاة خارج المسجد هل فهمت؟ إذا صليت في الطريق سأقتلك... توقف الغلام فجأة والشرر يتطاير من عينيه غضبا وهو يردد: تقتلني؟ أنت تقتلني؟ هيا!! أقتلني إذا كنت رجلا!.. ثم نشر سجادته على الرصيف وبدأ يصلي. وتوقف المارة وكادت الأمور أن تتأزم لولا تدخل بعض المواطنين الذين أحاطوا بالطفل حتى أكمل صلاته وانصرف. علمت بعد ذلك أن الحكومة أصدرت قانونا يمنع الصلاة خارج حدود المساجد. وهذا إجراء يمكن تفهمه، على عكس الاستفزاز الصادر عن الشرطي المتحفز للشر... ولكن سلوك ذلك الطفل كان نذيرا غير مقصود منه لكل من يعنيه الأمر مثلي بأن التمادي في التهديد والاضطهاد من طرف أجهزة الأمن سيفقد الناس طعم الحياة. وعندها ستجد الدولة نفسها في مواجهة مواطنين لا يهمهم أن يقعوا على الموت أو يقع الموت عليهم. فهل يتمنى عسكري شريف أن تؤول الأمور في وطنه إلى هذه النهاية؟ وما جدوى وطنية الجيش وشعبيته إذا أعلن الحرب على شعبه ومؤسسات وطنه؟ إن كل المؤشرات تدل على أن هذا ما قامت به القيادة العسكرية إلى حد الآن، وأن الاستمرار في هذا التوجه سيكون على حساب الفعالية القتالية للجيش وتنامي روح الانتحار لدى الشعب.

6- أن أغلبية الضباط المرؤوسين غير متحمسين لتنفيذ مشروع القيادة العسكرية وسوف يقتصر عملهم على التنفيذ الحرفي تجنبا للعقوبة دون تبني المهمة أو المبادرة لإنجاحها. وهو ما يجعل الوضع الأمني معرضا للانتكاس في أي لحظة مهما كان حجم الإنجازات ويفرض على قيادة الجيش تبني رد الفعل بدلا من العمل العسكري المخطط والتورط في حرب أهلية تهلك الحرث و النسل.
7- أنني أتعهد شخصيا بالتكفل بالقضاء على أي تمرد مسلح على الدولة الجزائرية مهما كان توجهه إذا ما توصلت القيادة العسكرية إلى حل توافقي للأزمة يشترك فيه الرئيس الشاذلي بن جديد وقيادة الجبهة الاسلامية للإنقاذ (ويمكن لوزير الدفاع أن يتأكد من جدية ما أقول بالعودة إلى القيادة الميدانية التي سبقت لي الخدمة معها).
8- بعد أن اقترحت على القيادة إجراءات لتصحيح الوضع حملتها المسؤولية الكاملة على كل ما يترتب عن التمادي في حربها ضد الشعب.

وقد جاءت الرسالة في أكثر من عشرين صفحة تضمنت استطرادات كثيرة توضح وجهة نظري وتبرهن على أن تقديري للموقف قائم على دراسة ميدانية عسكرية احترافية ودقيقة ولم أعتمد في موقفي من الأزمة كما ادعاه اللواء خالد نزار في أكثر من تصريح على قناعتي الإسلامية الراسخة. وقد اثبتت الأيام أن موقفي كان انتصارا لكرامة الشعب الجزائري وحقن دم أبنائه دون تمييز من أي نوع.
قبل يوم من مصادقتي على محاضر الاستنطاق ألحق بزنزانتي أحد أنصار الجبهة الاسلامية. وهو طالب جامعي من مدينة الونزة اسمه مشري ابراهيم . وقد بدا مندهشا من حالتي النفسية و معنوياتي المرتفعة رغم ما كان يسمعه عني من بقية المعتقلين. ولما استأنس بي قص علي قضيته. لقد عرّفه قريبه وهو مساعد عامل في الحرس الجمهوري بمساعد متقاعد آخر، أياما قبل موعد الانتخابات المقررة في ديسمبر 1992. وقد سلمه المساعد المتقاعد مخططا هندسيا لمباني معزولة وطلب منه الاجتهاد في وضع خطة لنسفها بطريقة علمية. ورغم أنه لم يفهم شيئا عن الموضوع ولم يبدأ البث فيه إلا أنه وجد نفسه في اليوم التالي معتقلا ومتهما بالمشاركة في تفجير إقامة الرئيس بعنابة ومتلبسا بما اعتبر المخطط العمراني لإقامة الرئيس بحوزته. وقد طلب منه الضابط الذي استنطقه تسجيل اعترافه بأن قريبه العسكري قدم له المساعد المتقاعد وأن الأخير سلمه مخطط الإقامة الرئاسية الذي ضبط بحوزته وطلب منه وضع مخطط لتفجيرها ففعل.

ومنذ أن سجل المحضر وصادق عليه مكتوبا منذ أكثر من شهرين لم يتعرض لأي تحقيق آخر ولكنه بقي محتجزا في المركز إلى اليوم. في حين أن المساعد المتقاعد اعتبر مختلا عقليا وأطلق سراحه. أما المساعد العامل قريب مشري فقد تعرض لتعذيب تنوء به الجبال حسب قوله والظاهر أنه فقد إحدى عينيه دون أن يعترف بالتهم الملفقة ضده وبقي تحت التعذيب إلى أن أعلن الشاذلي عن استقالته يوم 11 يناير 1992 فكفوا عن تعذيبه و نقلوه إلى العلاج. وقد وعدوهما بالإفراج عنهما بعد الشفاء التام من آثار التعذيب. ومن خلال ما وضحه لي هذا الطالب من تفاصيل لا أذكرها الآن كلها، تبين لي أن عملية التفجير كانت مبرمجة من طرف دوائر في السلطة لاغتيال الرئيس إذا رفض الانصياع لإرادة القيادة العسكرية وقد كان مشري ابراهيم وقريبه الضحيتين المفترض اعترافهما بالجريمة أمام الرأي العام للتغطية على المجرم الحقيقي. ولكن هذا السيناريو البديل أصبح لاغيا ولا حاجة إليه ما دام الرئيس قد رضخ للتهديد واستقال سلميا. فرجّحت أن يطلق سراح مشري وقريبه بعد حين. ولذلك فقد سلمت له مسودة الرسالة وقرأتها عليه راجيا منه إن كتبت له النجاة أن يكون شاهدا على الحقيقة في يوم من الأيام.

وفي اليوم الذي صادقت فيه على محضر الاستنطاق أحضر بن جرو الذيب معه ضابطين برتبة ملازم سبق لي أن دربتهما وبقيا معنا يستمعان إلى آخر مراجعة للمحضر. وبعد ان انتهينا قدمني إليهما قائلا: هل تعرفان حضرة النقيب؟ قالا: نعم لقد كان المدير العام للتكوين البدني العسكري والرياضي في الأكاديمية العسكرية لمختلف الاسلحة. قال: هل توقعتما أن تجداه هنا؟ قالا: أبدا... مستحيل أن يكون النقيب شوشان وراء ما يحدث. قال: كيف يظهر لكما وهو بين أيدينا. هل يستطيع أحدكما أن يستنطقه إذا كلفته بذلك؟ فقال أحدهما: علي أن أعيد التدريب يا حضرات لأنني لم أعد أفهم شيئا. هل كنت تخدعنا يا حضرة النقيب؟ الحمد لله أن القيادة قبضت عليك. فأجبته قائلا: أنت ما زلت صغيرا على فهم هذه الأمور أيها الملازم، إحرص دائما على الاستفادة ممن هو أقدم منك. أما ما تعلمته مني فيكفيك أن تعلم بأن القيادة تتمنى أن يتعلمه كل ضابط في الجيش. وعندما أخرج أنا من هذا المكان سيؤكد لك قائدك ما قلت ولن يملك أن يقول لك غير ذلك.

ومن سوء حظ ذلك الملازم أنه وجد نفسه معي وجها لوجه بعد ثلاث سنوات في يوم 31 مارس 1995 داخل المصفحة الذي اختطفت فيها من سجن الحراش علي أيدي المخابرات. وكانت بيننا دردشة سأعود إليها في حينها.

النقيب أحمد شوشان

جزائر الحروف وجزائر المعاني

ما هذا  " الخراب " ، وما معناه ؟، وماهي أبعاده الحضارية في ظل هذه الأوضاع المتأزمة دارميا؟ ولمن ولأي فترة كان هذا العنوان موجها.
كثير من الأقلام لا يدركون الفروقات بين طرفي عنوان " الخراب " لأنهم لا يملكون بوصلة مغناطسية تجتذب إليهم بطريقة لا شعورية كل  كلمة وكل فقرة يرد فيها اسم الجزائر. لكن صاحب " الخراب " مسكون بحالة لا شعورية تنتابه كلما تأزمت أوضاع الجزائر، ... وتريد حروف العلة، أن تجعل من الجزائر حروف علة تحذف ، بحروف جازمة من فرنسا التاريخية! !

من هذه الحيثيات المؤلمة عقد " الخراب "  العزم على ان يبحث عن جزائر المعاني، متسائلا كيف نتسعيد ذكرتنا المفقودة؟ كيف نلـج طريق التفكير و الانصـات؟ لتكـن "عرفانية " المتصـوفة وعقلانية المعتزلة منهجين  ينيران لنا الطريق، ولتكن تجربة استعادة الوعي المفقود بفعل تضليل الشعارات، التي كانت عكس المآلات، هامشا معاصرا يسافر بنا في اتجاه الاقامة في جزائـر المعاني والملاحم، التي يكاد يقتلونا الحنين إليها، سفر رمزي يصعب وصفه بالمغامرة الباهضة الثمن لأنه عودة إلى " جزائر المعاني " إلى وعينا الذي اختفى وراء الف حجاب من الفساد و الافساد المبرمجين، لتكن " عرفانيتنا " و" عقلانيتنا" إضاءات تعلمنا كيف لجزائر المعاني، وكيف نرى بوضوح داخل خلية كل كلمة صادقة، و نحس بأصدق الكلمة هو فجر متنام نرى فيه جزائر المعاني.

إن الكتابة التي تستوجبها " جزائر المعاني " هي كتابة صعبة، وتبدو مستحيلة في اوضاع ملغمة ومضللة، والتي كثرت فيها الخزعبلات الإصلاحية عن طريق محاورة حروف العلة لبضها البعض، هذا من جهة، ومن جهة أخرى قلت فيها ـ للأسف الشديد ـ المصارحة التي تنفتح على ما هو أكثر إيلاما و سرية في محاولة إعادة صناعة التضليل، و مع ذلك يظل البحث عن جزائر المعاني مطروحا:  إنها تريدا قلما عاشقا لها، قبل أن يفك رموز التأمر التي تحيط بها من طرف حروف العلة و أدوات الجزم. إن الأمر يبدو، وكأن البحث عن جزائر المعاني يتطلب عشقا مزدوجا: ـ عشق التضحية في سبيل البحث عنها، و عشق القراء لتلك الكتابة.

هذه الجدلية العرفانية التي سيعرفها الخراب: تحوله من حب الجزائر كمعاني ملحمية إلى حب الألم والمعانات من أجلها أو بتعبير صوفي التحلية والتجلية. لكن قبل ذلك كله وبعده تطرح هذه العرفانية الإشكالية التي تتوقف عليها أزمتنا المبرمجة: كيف يمكن تحرير الجزائر من اللامعنى!
 أو بعتبر عرفاني كيف نحررالروح الجزائرية من عقالها؟ هذه الروح سجينة مغلولة، مقيدة بأصفاد الفساد المبرمج، فمن يحررها؟ من سيحل عقدة الفساد الموجعة؟ بهذا المعنى فإن تحرير الروح الداخلي سوف يسبق التحرير الخارجي، ويكون بمثابة شرط مسبق لكل تحرير. لكن الأكثر درامية هو أننا مزلنا لا نشعر بأننا مقيدون على العكس فإن السواد الأعظم من الناس يعتقدون بأنهم أحرار، بل يستغربون كيف نثير هذه المشكلة الغير موجودة أصلا: " ولكن أكثر الناس لا يعلمون "، و الناس من شدة البكاء يضحكون على حد قول نزار قباني

و السبب في ذلك: هو التمييع و التزييف والتضليل الذي طال أكثر من عقد من الزمن. وهذه أعلى درجات الغياب و الاستلاب، أكبر مشكلة في الجزائر أننا لا نشعر بوجود أزمة عميقة تغطيها حلول مسمومة. و أكثر درجات العبودية أن نشعر أننا أحرار ونحن مقيدون بأصفـاد المكـر و الحقد  و روح الانتقام. متى حصل تلويث الروح الجزائرية لأول مرة ؟ متى بدأت تدخل في الشرنقة المسمومة و تسكت عن هذا التسمم المبرمج ؟ من الذي سلبها ملحمتها؟ متى احبطت و هبطت درجة ملحمتها شيئا فشيئا؟ كيف انتكست ؟ من الذي أشلها عن الحركة و المبادرة و المغامرة؟ كيف استكانت لكيد الكائدين ؟  الدين يرزحون على صدرها من أكثر من عقد من الزمن؟ هذه هي أهم الأسئلة التي يود " الخراب " طرحها ولا يعزف عن طرح هذه الأسئلة إلا متخاذل.

وهي لا تزال تنتظر بفارغ الصبر من يفككها أو يحفر حوليها. وعندما اتحدث عن تحرير الروح الجزائرية فإني لا أقصد شيء مثاليا كما قد يتوهم بعض أشباه الكتاب بمرسوم ... وانما أقصد معادلا موضوعيا أقصد الروح الجزائرية التـي أصيبت بـداء المتوسطية المتصهين. و استسلمت و استكـات و عجزت عن انتشال نفسها. فالمعركة طويلة و معقدة و لن نصل إلى الجزائر معاني إلا إذا نجحنا في عملية التشريح والتشخيص  نفسية الشخصيات الوطنية المستعارة للجزائر منهارة حضاريا وتاريخيا وثقافيا...  و للخراب بقية.

حميد لعدايسية

مرحاض باسم بوتفليقة وآخر باسم من جاء به

لاأدعي في العلم فلسفة وموقن بأنني أعرف شيئا وتغيب عني أشياء...
أحببت من هذا الذي أعرفه ،حتى ولو كان متداولا عبر وسائل الاعلام
أن أذكر به القارئ  والباحث عن الحقيقة فلعل وعسى ومن  يدري ؟
وأنا أطالع إحد ى الصحف الجزائرية لتفقّد أحوال الجزائريين ،ومراقبة بعض الرسائل التي تمرّر عادة على صفحة هذه الصحيفة بين الفينة والأخرى ...

لفت انتباهي عنوان واستفز مشاعري وهو: تخريج دفعة من المهندسين تحمل اسم الجنرال السابق العربي بلخير
المتهم في قضية مقتل محمد بوضياف الذي أغتيل على الهواء  في مثل هذا الشهر ،ومع  العربي بلخير في قفص الاتهام  مجموعة من الجنرالات كما ورد في موقع حركة الضباط الاحرار...
وعند الانتهاء من قراءة الخبر قلت في نفسي ،هل بلغ الهوان بالجزائريين إلى هذه الدرجة ،وهل  يقبل الشرفاء في الجيش أن يحمل أبناؤهم مثل هذا الاسم ويظل هذا التحريف ؟

   حدثتني نفسي وقالت لاتغضب ياهذا ،فهم ليسوا مهندسين بالمعنى المألوف  ،هم مهندسون في تزويرالتاريخ ربما
 ولو كانوا فعلا يحملون مثقال ذرة من الوطنية لما قبلوا بهذه الاهانة ...
عادت لي الانفاس من جديد ،لاجد  بأنها سنة من نوم أخذتني وأنا في وقت متأخر من الليل،  ويدي على فأرة الحاسوب يمينا وشمالا...

 عدت إلى الموضوع وفتحت عيناي جيدا  وقلت ،كيف لرجل يدّعي المصالحة ، وهو يفرق بين هذا وذاك وهو في أعلى هرم السلطة ...

وكان أن صرّح  بأنه جاء لوأد الفتنة  والعزة والكرامة ...ولايقبل بأن يكون ربع رئيس.
أليس  من الاجدر إن كان مكرما أن يكرم هذا وذاك ؟
وإن كان مصلحا فليعامل هذا مثل ذاك بالقسط...أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون، أم لكم كتاب فيه تدرسون ؟
أليس من الأحق إن كان هذا تكريم العربي بالخير أن يحمل إسم  المسجد الكبير في العاصمة إسم عبد القادر حشاني أو محمد السعيد رحمهما الله ،والذان تم اغتيالهما ولازال اغتيالهما يطرح الكثير من التساؤولات ؟
أليس من المنطق أن يُعامل ضحايا المأسة الوطنية بالمثل ؟
أدركت حجم الخيانة والكذب الذان مارسهما بوتفليقة منذ مجيئه، ويكفي أنني أحد ضحاياه...

فكيف يستشار الذئب والجلاد ويطلب من الضحية أن لاتصرخ من المعاناة ؟
كيف يكرم القاتل ويلعن المقتول ؟
كيف لاناس لاقيمة لهم في المجتمع يستدعون للاستشارة في قرارات مصيرية ويهمش أهل الرأي والصلاح ؟

 كلّما طرحت أسئلة على نفسي إزددت يقينا بأن الجزائر إن بقيت على هذه الحالة  باستعمال  الهروب إلى الأمام مع عامل الوقت، وتأجيل الحلول ،فستنفجر الاوضاع ويأتي الأخضر على اليابس ،وسيطلق  اسم بوتفليقة ومن جاء به على مرحاض...
وأخشى ماأخشاه هو أن يتحول قبره إلى مرحاض على مافعله بالشرفاء والمخلصين في عهداته الثلاث  وماطالهم  من تهميش ومن اقصاء...

أعرف مسبقا أنني سأجد من المتربصين من يلتقط كلامي ويعربه في غير محلّه ...ولكن إذا أردتم التحقق  من صدق كلامي فما عليكم إلا بزيارة بعض المراحيض وقراءة مايكتب على جدرانها .

إذهبوا إلى من لازالوا يبحثون عن فلذات أكبادهم ،واسألوا المنفيين الذين يحملون مبادئ، وليس المكلفون بمهمات التجسس والإخبار...
إسألوا من عذب آباؤهم وقتلوا تحت التعذيب ، إسألوا من أختطف آباؤهم ولم تظهر حقيقتهم ، فلاهم أحياء ولاهم أموات ... إسألوا من سجنوا ومن أعتقلوا ومن طردوا ولم يعودوا إلى مناصب عملهم ...
إسألوا من يعيشون في بيوت قصديرية ،إذا جاء الشتاء جمدوا ، وإذا ماأطل الصيف تحلّلوا ...واسألوا واسألوا..فستجدون عندهم الخبر اليقين.

ولتتأكدوا أكثر إنتظروا من سيخلف  صاحب القرار الحقيقي.

نورالدين خبابه

الجمعة، 24 يونيو، 2011

رسالة تأبين لرائد الثورة الجزائرية: العربي بلخير

لم أكن أنوي القيام بكلمة التأبين هذه ،التي تبكي فراق سي العربي الذي رحل عنا ،ولا الحديث عن مكانة هذا الرجل العظيم في المجتمع الجزائري، طالما أن الكلمة ليست للشعب، ولكن التشريفات والظروف التي رافقت إعلان وفاته ، ونبش خالد نزار قبر بلوصيف قبل أن يجف ترابه، من خلال نشر بعض الوثائق على صحيفة الخبر الأسبوعي ، دفعوا بي لأن أقوم بهذا الجهد المتواضع عرفانا مني بخشونة رأس هذا الرجل الذي بكاه التلفزيون على لسان فريدة ،في رسالة مطولة من عبد القادر المالي.

في غياب الأدباء والكتاب الرُّحماء ، الذين آثروا السكوت، لست أدري هل هي خشية منه حتى في قبره أم هي رهبة ممّن حوله ؟ أحببت أن أذكركم ببعض صفات الرجل وأتمنى أن تثقوا في شهادتي مثلما ثقتم في التلفزة وهي تؤذي مسامعكم على غير المباشر بذكره، وكأنها تتحدث عن سي العربي بن مهيدي.
في شهر جانفي عام 2010، حيث الزمهرير الشديد يُغطي الأسْطُح والمباني، آثر سي العربي بن مهيدي ،عفوا بلخير، رائد النهضة الجزائرية الحديثة الرحيل عنّا في صمت ،غير مبالي بملفات الفساد التي طفحت على صفحات الجرائد ،واختار مُعلنوا وفاته "جو كأس إفريقيا " ومهزلة الحكَََم البينيني كوفي كوجيا الذي طَرد بعض اللاعبين مثلما طُرد أعضاء ُالبرلمان والأطباء في المستشفيات بالعصي والهراوات، وكأن الأمر مُحبك ومُعد ،ليتم دفن سي العربي في بن عكنون وليس مقبرة العالية التي نعود إليها في آخر المقال.
اختار سي العربي الذهاب في جانفي شهر الإنقلاب على الإرادة الشعبية ، عفوا ياسادة هي فقط مُجرد زلة لسان مُتكررة، كتكرار الحدث في شهر جانفي ،واشتباه الإرادة واللاّإرادة ، وكأن سي العربي يخشى على نفسه من ارتفاع درجة الحرارة ، أو أراد أن يحتفظ بالبرودة لفصل الصيف القادم ، لست أدري هل وضَعَهُ مُحبّوهُ في ثلاجة دائمة أم سيختارون له هوائيات مُقعرة عندما تصل درجة الحرارة في الصيف إلى مافوق الخمسين ،ويذوب شحمه ولحمه مثلما يذوب التجميل؟.

كان على سي العربي الذي يتتعتع بالعربية مثلما يتتعتع زرهوني أن ينتظر دورة جنوب افريقيا ونهائيات كأس العالم لا أن يرحل عنّا في هذه الأيام ،خاصة وأن هناك الكثير من الملفات فوق الطاولة وأخرى تنتظر إعادة التحقيق فيها من جديد،وكان عليه أن يذهب ليُسلم على مانديلا ويسأله عن المصالحة الدائمة ،قبل أن يخرج ببطاقة حمراء ويغادرنا بهذه الطريقة وهذه الكيفية اللاّ تصالحية.

حضر جنازة سي العربي كل المحبين والمخلصين و منقذي المرادية من الإاردة الشعبية عرفنا له ،فهم الذين قدّم لهم سي العربي خدماته الجليلة أيام أن كان من أصحاب القرار،فهو الأب الحنون الزاهد في الحكم ،وهو الذي يقيم الليل ويُحيى النهار بالدسائس عفو بالقرآن ، وهو المجاهد الذي كانت تخشاه السلطات الفرنسية الاستعمارية عندما كان صف ضابط عندها يُمدّها بالمعلومات ، فهو الأسد الذي تعرفه جرجرة مثلما تعرف عميروش وتحبه جبال الأوراس مثلما تحب سي العربي بن مهيدي.

سي العربي من عائلة مجاهدة فهو ابن قايد ، كان رمزا للثورة الجزائرية ومن مفجريها ، سلّم له المشعل قبل أن يسقط شهيدا في معركة الجزائر كما سقط علي لابوانت وحسيبة وكلّ الشرفاء، قام بالكثير من العمليات الجهادية والاستشهادية ، و كبّد فرنسا خسائر فادحة ،ولازال الفرنسيون يذكرونه بخير مثلما يذكرون سليمان بن مقدم والد الاسم المستعار أنيس رحماني حتى اليوم، في كتبهم وفي مؤتمراتهم، وفي سير الرجال عندهم ،مثلما تؤكد ميدالية الصليب التي حاز عليها.

مؤلفات سي العربي وعلمه طافت كل أرجاء الجزائر بل تعدت المحيط، فقد ترك نظريات لا تُمحى من ذاكرة الجزائريين ، حيث أصبحت تُدرس في الجامعات وفي طور الابتدائي والمتوسط والثانويات ،وتُكتب حتى في خطب الجُمعات فهي صدقة جارية مثل المطحنة وغيرها من المشاريع نحسبها كذلك والله حسيبه .

رحل عنا سي العربي بعد أيام فقط من رحيل بلوصيف، هذا الأخير الذي اقترحه على الشاذلي ليحافظ على توازن الجهوية بين الشرق والغرب قبل أن تميل الكفة وينقلب السحر على الساحر ، وترك سي العربي الآلاف من الأيتام وضحايا المأساة وغاب عنا ،ولسنا ندري هل سيتكفل عنه من رافقوه إلى مثواه بالإجابة عندما يُسأل عن كل شاردة وواردة ،أم سيتولى بنفسه الإجابة لعلمه وورعه،أم سيختار نزار مدافعا له فهو الجننارالأكبر، أم سيستشهد باسماعيل العماري الذي قال على لسان سمراوي من أنه مستعد لقتل ثلاثة ملايين جزائري؟

رحل سي العربي مش بن مهيدي بل بلخير ولم يترك ديْنا بل ترك شعبا ، كلّ من تذكر أيامه ،بكى دما وقال: رحمك الله يا رائد الثورة الجزائرية ياسي العربي بن مهيدي، فأنت رمز العروبة والإسلام والجزائرية الحقة ، أنت رمز الشهادة والجهاد ، أنت رمز التضحية والوفاء... استشهدت من أجل أن تحيا الجزائر عزيزة مُكرّمة ،وأن يعيش أبناؤها وفق بيان أول نوفمبر ،وجاء الجبناء والخونة من بعدك فسرقوا تضحياتك وأذاقوا الشعب المرارة وأهلكوا الحرث والنسل.
في الأخير وإلى غاية التحاق أحد أصدقائه به ،أطرح السؤال :

هل أوصى سي العربي بأن يُدفن في بن عكنون على مقربة من مكان التعذيب أم هي صدفة فقط أم خوفا من إجتثاث جثته ، ولماذا لم يضعه مُحبوه في العالية مثلما هي التقاليد المعمول بها ،أم خشي هؤلاء أن يحتج بوضياف ومن معه ممّن قتلوا على الهواء؟

نورالدين خبابه
04-02-2010