الاثنين، 24 أكتوبر، 2011

العقيد محمد الصالح يحياوي يرد على الطاهر زبيري ج1


2011.10.23  بقلم العقيد: محمد الصالح يحياوي 
رفضت أن أطعن بومدين في الظهر
يتعرّض الإنسان في مسار حياته إلى فترات دقيقة وحرجة، يشتد فيها التنازع بين العقل والعاطفة، إزاء مواقف محددة، سيما إذا كانت تمس، وفي العمق، قضايا وطنية ومصيرية، ويكثر حولها الجدل، وتتعدد الروايات، إلى درجة أن كل من له ضمير حي، ويحرص على إبداء الحقيقة، خدمة للتاريخ وإنصافا للرجال، يجد نفسه مجبرا على تجاوز الاعتبارات العاطفية، والاحتكام إلى العقل والضمير.
   وهذا ما حدث لي وأنا أتابع قراءة مذكرات الأخ العقيد "الطاهر الزبيري"، والتي ذكر فيها معلومات غير دقيقة، وأخرى مبتورة مجزأة، تستدعي التصحيح والتوضيح.
  لقد ربطتني بالأخ الزبيري، علاقات مودة وصداقة متينة، أحكمت عراها سنوات من الكفاح المسلح، أثناء حرب التحرير، ورسّختها بعد الاستقلال قناعات مشتركة، وأهداف واحدة، ناضلنا في سبيل حمايتها وتحقيقها، واتخذنا معا مواقف صريحة وقوية، ضد ما بدا لنا من انحرافات عن مبادئ أول نوفمبر، ومن نزوع إلى التفرّد بالحكم، والسعي لبناء نظام بوليسي جائر. فانتقدنا بشدة ممارسات الرئيس أحمد بن بلة، ثم الرئيس بومدين، عند نزوعه هو الآخر إلى التفرّد.
  وسأتناول بشيء من التفصيل وقائع ما حدث في هذه الفترة الحساسة من تاريخ الجزائر، متجاوزا كل العواطف، ملتزما الأمانة والصدق.
سأروي كل ذلك بنزاهة وتجرد ما استطعت كشهادة، خدمة للتاريخ، وإنصافا للرجال، كما أسلفت، وتطهيرا لنفسي من الإثم، لأن الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: "لا تكتُموا الشهادة، ومن يكتُمْها فإنه آثِـمٌ قـلبُه" صدق الله العظيم. ولنبدأ رواية الوقائع من بداياتها الأولى، ليتضح سياقها العام...

 كيف ساءت العلاقة مع الرئيس بن بلة؟
  في أواخر سنة 1962 تقرر انتدابي للعمل مع "المكتب السياسي" لتنظيم الحزب وإنشاء هياكله على المستوى الوطني، والتحضير لمؤتمره الأول، ممثلا لولاية الأوراس. وكنت، وقتها، مازلت أمشي بالعِصِىّ، إذ لم أكن قد شفيتُ بعد من جراح معركة الوادي الأحمر، بناحية آريس، بتاريخ 18 جانفي 1962. ولقد أتاح لي هذا التعيين فرصة التعرف على أعضاء المكتب السياسي الذين عُيّنوا في مؤتمر طرابلس، وعلى الكثير من الأطر والقادة من مختلف النواحي والمناطق. وبحكم عملي في الحزب، وكممثل أيضا لولاية "الأوراس"، انتخبتُ في مؤتمر 1964، عضوا في قيادة الحزب.
  وفي آخر دورة من دورات اللجنة المركزية التي سبقت حركة 19 جوان 1965 ببضعة أشهر، وكان الرئيس "بن بلة" وقتها أمينا عاما للجنة المركزية، يدير أشغالها، ورئيسا للحكومة، ولعدد من الوزارات والهيئات العليا. طلبت منه الكلمة، وتحدثت عن الاعتقالات السياسية، والنفي إلى الصحراء لشخصيات وطنية، وضباط من جيش التحرير الوطني، وكيف تتعامل وتتصرف معهم الشرطة السياسية التابعة مباشرة للرئيس بن بلة.
  كان يجلس بجانبي الأخ "عبد العزيز زرداني"، والذي حاول الإمساك بسترتي طالبا مني الجلوس. غير أني واصلت الحديث. ثار الرئيس بن بلة، وانتفض واقفا، ورفع الجلسة، وغادر القاعة إلى مكتبه القريب.
  اتصل في الحين بنائبه، وزير الدفاع، العقيد "بومدين"، وكانت تجمعني به علاقة احترام، فأنا الذي استقبلته، في الحدود الجزائرية ـ التونسية، في أواخر صائفة 1962، بعد أن تأزمت العلاقة بين قيادة الأركان والحكومة المؤقتة، وجئت به إلى مدينة خنشلة، حيث قضينا الليل هناك، في منزل المناضل "بوزيان"، وفي الصباح غادرنا إلى مركز الولاية القريب من غابة الابراجة، حيث كان قائد الولاية "سي الطاهر الزبيري" في الانتظار. 

  كانت فرصة ثمينة، أني تعرفت وتحدثت طويلا مع قائد الأركان الذي أصدرت الحكومة المؤقتة قرارا بعزله.
  قلت، اتصل به بن بلة، ليقول له، إنه لا يريد أن يراني مرة أخرى في اللجنة المركزية. كان الرئيس بن بلة يعتقد خاطئا أنني تدخلت بإيعاز أو تنسيق مع قيادة الجيش، التي لم يكن يطمئن لها، ولا هي تطمئن له. وفي اليوم الموالي، اتصل بي "سي الطاهر"، وأخبرني أن بن بلة لا يريد أن يراني مرة أخرى في قيادة الحزب، وأن بومدين يقترح عليّ العودة إلى الجيش كنائب للعقيد عباس بكلية شرشال؛ حيث كان العقيد عباس، رحمه الله، من أعز أصدقائي وأخلصهم، حتى وافته المنية.
  تم وضعي في الصورة عن حركة 19 جوان 1965 أسابيع قبل اليوم الموعـود. وكنت أشرف، بنفسي، على تحضير الوحدة التي تقرر أن تتجه للعاصمة، للمشاركة في كتابة فصل جديد من تاريخ الجزائر.
  لم أكن مع المجموعة التي ذهبت إلى »فيلا جولي"، مقر إقامة الرئيس بن بلة، في ذلك الوقت، بل قمتُ تلك الليلة بمهام أخرى داخل العاصمة، وكنت مع الوحدة التي قدتها قريبا من الجميع. أما الذين ذهبوا إلى "فيلا جولي"، فهم:

العقيد الزبيري، والعقيد عباس، والرائد السعيد عْبيد، وأحمد دْراية.          
 كيف كانت الأوضاع في تلك الليلة؟             
(ليلة 19 جوان 1965)
   في سنة 1978، زارني في مقر الحزب، بعد وفاة بومدين، وكنت وقتها المسؤول التنفيذي المكلف بالحزب، زارني الأخ "الطيّبي العربي"، عضو مجلس الثورة، ووزير الفلاحة سابقا رحمه الله.
  قال لي أنتم تجهلون شيئا مهمّا وخطيرا يتعلق بليلة 19 جوان 1965، ليلة أن كنتم تقودون عملية من أخطر العمليات، وكنتم بين الحياة والموت... كانت مجموعة أخرى من أعضاء مجلس الثورة، وذكر لي أسماء: بومدين، ومدغري، وبوتفليقة، وقائد أحمد، والشريف بلقاسم، وشابو عبد القادر. قال لي إن هؤلاء أحضروا طائرة في المطار العسكري ببوفاريك، تحسّبا لأي طارئ، قد يُفشل العملية.
  لم يتعرّض "الزبيري" لهذا، غير أن الطيّبي العربي كان واثقا مما يقول. ولقد أكدتْ هذه العملية، مرة أخرى، أننا كنا نحن قيادات الداخل، نصنّف دائما في خانة الأنصار وغيرنا في خانة المهاجرين، فهم الأمراء كما قال "أبوبكر الصديق" رضي الله عنه.

 أزمة خريف 1967
   قبل الفاتح من نوفمبر1967 بأسابيع، جاءني إلى "بشار"، قائد الأركان العقيد سي الطاهر الزبيري، مصحوبا بالرائدين: "زرقيني" و"بوتـلة". وكان الثلاثة غير راضين عن وضع قيادة الأركان والصلاحيات الممنوحة لها، وعلاقتها بوزارة الدفاع. فضلتُ أن لا أشارك في الحديث، فأنا لم أكن أطمئنّ لبعضهم. ولم يقل لي العقيد سي الطاهر، طيلة وجوده بالناحية الثالثة، أيّ شيء عن خططه، وعمّا كان ينوي القيام به في الفاتح من نوفمبر.

  وقبل أيام قليلة من التظاهرة، اتصل بي الملازم الأول "عيسى بخوش"، قائد مدرسة المدفعية "بالتلاغمة"، والذي كان بالعاصمة مع المجموعة التي ستشارك في الاستعراض العسكري. قلت اتصل بي وأخبرني أنهم تسلموا أمرا من قيادة الأركان للمشاركة في الاستعراض العسكري بالذخائر الحية، وهذا شيء خطير، وغير مألوف من قبل، فنبّهته للمخاطر، وحذّرته من سلوك هذا الطريق... كل هذا وقائد الأركان لم يقل لي شيئا.
  كان الملازم الأول عيسى بخـوش من أعز زملائي، حتى اليوم. عمل مرؤوسا لي بالمنطقة الأولى، ثم بالمنطقة السادسة "النمامشة"، بولاية الأوراس، وكانت هذه الأخيرة من أخطر وأصعب المناطق بالأوراس، وأنا مازلت أعاني من جروح معاركها حتى اليوم...
  أما غياب قائد الأركان يوم الفاتح من نوفمبر عن الاستعراض، فقد أخبرني به العقيد عباس، رحمه الله. وبعد حادثة الغياب هذه، كلف الرئيس بومدين، العقيد عباس، والرائد بن سالم، بالانضمام إلى قائد الناحية الأولى، الرائد "السعيد أعبيد"، للمشاركة في تهدئة الأوضاع التي بدأت تطفو على سطح الأحداث، وجَعْـل حد "للشوشرة" داخل الجيش، والتي أثمرت فيما بعد حركة سميت بـ: حركة "14 ديسمبر"، التي قادها العقيد "الزبيري". 

ذهاب العقيد زبيري إلى ثكنة "اللّيدو" والاحتماء بفيلق الدبابات
   كان أول من أخبرني بذهاب قائد الأركان، إلى ثكنة "الليدو"، حيث يوجد الفيلق المدرع بقيادة الملازم الأول "العياشي"، هو الرئيس بومدين بنفسه، في الثالثة أو الرابعة صباحا، عن طريق الخط المباشر. وكنت في مقر قيادة الناحية العسكرية الثالثة ببشار. وقال لي، وقتها، إن سي الطاهر الزبيري قد ذهب إلى ثكنة "الليدو"، بضواحي العاصمة، عند صهره العياشي. وأردف قائلا: "...لقد كلفت عباس وبن سالم وعْـبَيد، بالاتصال به، وأرجو أن تكونوا يقظين، فالناحية الثالثة وضْعها حساس. وسأعاود الاتصال بك عندما يعود عباس ومن معه من عند سي الطاهر".
  وفعلا عاود الاتصال بي، في نفس اليوم، ليخبرني أن سي الطاهر، عـاد إلى منزله. وطلب مني العقيد بومدين القدوم إلى العاصمة للمشاركة في المساعي التي يبذلها الإخوة الثلاثة المذكورون آنفا.
  لذلك، فأنا لم أذهب قط مع الإخوة الثلاثة إلى»الليدو"، كما قال العقيد الزبيري. وقد عملنا، نحن الأربعة، كل ما في وسعنا لتفادي المحظور، ونجحنا في إقناع الزبيري، بإبعاد فيلق المدرعات إلى ولاية" الشلف".( الأصنام وقتئذ).
  لم يكن أيّ منا، نحن الأربعة، يفكر في عمل عسكري. فلا بن سالم الذي كانت وحداته على بعد أمتار من الرئاسة، ولا السعيد عـبيد الذي كان هو أيضا قاب قوسين أو أدنى من مقرات القيادة، ولا عباس الذي كان على بعد بضعة كيلومترات من تواجد بومدين، ولا يحياوي الذي كانت جل وحداته بمنطقة تندوف، على بعد 2000 كيلومتر من العاصمة.
  كانت مواقفنا نحن الأربعة متعاطفة مع سي الطاهر سياسيا، وكنا نصارح بومدين بهذا، كما كان يفعل سي الطاهر. ولم نكن ندفعه ثم نتخلّى عنه، كما يقول، خاصة في حديث له مع قناة الجزيرة، وهذا شيء لم يحصل أبدا.
  وطيلة أيام الأزمة التي استمرت أسابيع طويلة،. تجنبت لقاء سي الطاهر على انفراد. كنت أعلم انه ينسق مع العُقـداء القدامى، ومنجلي، ولعروسي وآخرين، وهم كثرة، وكان فعلا يخطط مع هؤلاء لعملٍ ما، كما أكد ذلك "ملاح".
  قلت تجنبت لقاء سي الطاهر على انفراد. ما عدا مرة واحدة، تلاقينا فيها أمام منزلي، قبل منتصف الليل، وطلب مني أن نذهب معا إلى منزله فذهبنا. وكان منزله دائما مليئا بأناس لا أعرفهم، أو لا أطمئن إليهم. جلسنا معا في غرفة منفصلة عـن الصالون، وكان ثالثنا الملازم موسى احواسنية رحمه الله. تحدثنا عن الأوضاع. وفهمت أنه يريد التغيير، ولكن ليس لديه برنامج واضح، لم يقل وقتها ما لونه، وما شكله، وما طعمه.
  قلت له في تلك الليلة بصراحة، وأظنه يتذكر الآن ذلك جيدا.. قلت له: "سي الطاهر، ليس من طبعي الخيانة والغدر؛ بومدين وضعني على رأس قيادة ناحية من أخطر النواحي، ولا يمكن أن أطعنه في الظهر!".
  ربما كنت في قرارة نفسي لا أعتقد هذا.. ولكني قلته بقصد إبعاد سي الطاهر عن هذا التفكير.. غضب مني وقال لي: هذا أنت؟ وافترقنا.
  سي الطاهر يقول كنت أنتظر المدد من يحياوي ونزار، ومرات من عباس، وبن سالم، واعبيد.. كيف ينتظر المدد من يحياوي الذي سمع منه هذا الكلام، وتبعد وحداته عن العاصمة بـ2000 كم؟
الشروق
....يتبع

قايد صالح يتفقد ''مخطط الجيش'' لمراقبة الحدود في تندوف

24-10-2011 الجزائر: عاطف قدادرة
 شرع الفريق أحمد فايد صالح، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، أمس، في زيارة إلى ولاية تندوف كانت مبرمجة منذ أيام، حيث يخصص رئيس الأركان زيارته لتفقد وحدات عسكرية عاملة قرب الحدود، في سياق عمل وزارة الدفاع الوطني على تأمين الشريط الحدودي من موريتانيا إلى ليبيا.
وبدأ الفريق أحمد فايد صالح زيارة لوحدات عسكرية عاملة في ولاية تندوف، في إطار برنامج يشمل جميع الوحدات العاملة قرب المناطق الحدودية. وأفادت مصادر موثوقة لـ''الخبر'' أن وزارة الدفاع الوطني وضعت جميع القوات العاملة على الشريط الحدودي الجنوبي مع موريتانيا، ومالي، والنيجر وليبيا، محل استنفار دائم. وقد تقررت زيارة رئيس الأركان منذ أيام للوقوف على أداء وحدات مرابطة في عمق الصحراء في الجنوب الغربي تتولى مراقبة الشريط الحدودي، ومهام محاربة الإرهاب والجريمة وتجارة المخدرات.
ويتوخى رئيس الأركان الحصول على تقارير ميدانية حول مدى استجابة الوسائل المسخرة للجانب العملياتي في تسيير مخطط الجيش ''المستعجل'' لمراقبة الحدود، قياسا لتطورات في الجبهة الشرقية على الحدود مع ليبيا. وذكرت المصادر نفسها، أن وزارة الدفاع قدرت ضرورة مراجعة عمل العسكريين عبر شريط الساحل ككل، لتفادي ''اختلال توازن'' الأداء العسكري إثر تحويل عدد كبير من العسكريين، والوسائل اللوجستية إلى الحدود الجزائرية الليبية.

وتزامنت زيارة فايد صالح إلى المنطقة، صدفة، مع إعلان الحكومة الصحراوية خطف ثلاثة غربيين على يد ''مجموعة إرهابية''، ما يعطي قراءات بأن نشاط ''القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي'' يحاول التوسع إلى أقصى غرب شريط الساحل، بعدما عرف أن أقصى امتداده لم يتعد الحدود الموريتانية الجزائرية.

وتوضح مصادر ''الخبر'' أن الفريق أحمد فايد صالح سيعمل على إعداد تقرير حول نشاط القوات العسكرية الجزائرية العاملة على تأمين الحدود الجنوبية، إلى أول اجتماع مرتقب للجنة الأركان العملياتية المشتركة مع موريتانيا ومالي والنيجر، وتتشكل هذه اللجنة من قيادة أركان وقوات ميدانية، برية وجوية، وتضم قيادة الأركان أربع خلايا عملياتية واستعلاماتية ولوجستيكية، وخلية للإشارة، كل خلية بها أربعة ضباط سامين من البلدان الأربعة الموقعة.

وسبق وطلبت رئاسة أركان الجيش من قيادات عسكرية عاملة في الجنوب الجزائري، موافاتها بتقارير حول حركة الأشخاص والمركبات، وشددت في مسألة التدقيق في الهويات، مباشرة بعد رفع درجة الاستعدادات عبر الشريط الحدودي الجنوبي.
وقد وردت تحذيرات شبيهة في العدد الأخير لمجلة ''الجيش''، لسان حال وزارة الدفاع الوطني، من أن الوضعية السائدة في المنطقة من شأنها عرقلة الجهود المبذولة ميدانيا للقضاء على ظاهرة الإرهاب. وقالت المجلة إنه فضلا عن المشاكل الناجمة عن دفع الفدية من طرف بعض الدول، فإن هناك مسألة تهريب الأسلحة على حدود الجزائر والتدفق المتزايد للعمال المهاجرين القادمين من ليبيا، الأمر الذي من شأنه ''إضعاف قدرات الدول التي أنهكتها الوضعية الإقتصادية الصعبة''
الخبر

الأربعاء، 12 أكتوبر، 2011

حلف القاطو


القاطو هو اسم باللغة الفرنسية يُطلق على بعض الحلويات ،
أمّا الحلف فهو تحالف يجمع عدة قوات تلتقي مصالحها وأهدافها مثل حلف الناتو أو النيتو ...غير أن مهمّة حلف القاطو الدفاعية والهجومية واستراتيجياته تختلف عن حلف الناتو ...و مايجمع أصحاب حلف القاطو هي الموائد المستديرة ،المليئة بالحلويات والمرطّبات والمشروبات بشتى أنواعها...لنسج حروب سرّية وعلانية...

يلتقي حلف القاطو بعد كلّ عملية انتخاب في أكبر الفنادق لاقتسام الكعكة ،آخذين بعين الحسبان التزين و الابتسامات المليئة بالقهقهة .من حولهم فتيات بأحلى العطور والهدايا ...يجتمعون ولو مرّة في السنة للتحضير الى الزردة الكبرى ...

الأحزاب والجمعيات والحركات ... التي تمثل حلف القاطو هي: التي لاتؤمن بالانتخابات الشفافة والنزيهة والتنافس الشريف ،ولاتقبل بالتداول السلمي على السلطة حتى ولو زعمت غير ذلك.

الذي تحصلُ عليه هذه الاحزاب والجمعيات ...في حلف القاطو بعد الزردة...لا يمكنها أن تحصل عليه طوال الحياة، وبالتالي فهي لاتتغيب عن أي موعد يحضره أصحاب الفخامة والجلالة والسموّ ...

من بين أعضاء حلف القاطوا من جرّب الانتخابات وعرف حجمه الحقيقي...ولذلك فهو لايمكنه أن يعيش خارج الحلف ويجازف بماهو فيه من نعم...فحلف القاطو بالنسبة له كالسمكة في الماء.
يقبل أعضاء الحلف بأي تعينات ماعدا الانتخابات ...
عمل حلف القاطو يتمثل في التحضير للزردة الكبرى كلما دعت الضرورة...واستراتيجيته هي مساندة القوي والفائز بالسباق والعزف على جميع الاوتار ، التاريخية ...وكلما اهتز عرش البومباردي وقفوا مع الذي يليه...

عنوان حلف القاطو هي الفنادق ، الاعراس، الجنازات ،المقاهي ، الملاعب ...أما اسلحته فهي صحف الفتنة وقنوات التضليل...التي تجعل من الخائن شريف القوم والعكس صحيح وتجعل من طريح الفراش عنترة...


نورالدين خبابه

كيف انطلقت أحداث أكتوبر في بوسعادة ؟

تذكرني أحداث أكتبور 1988 بنجاتي من موت مُحقق... كنّا طلبة في بوسعادة...

 خرجنا للتنزه وقتها أنا وصديقي خليل  بن شيخ  في أحد الصباحات ومعنا أحد الاخوة من تيارت  يقال له العيادي وآخر من بلعباس  يقال له مومن ...

عند وصولنا أمام البريد  المركزي القديم  وسط المدينة الذي كان يقع أمام بعض المحلات التجارية ومستوصف ، لست أدري هل مايزال على نفس الحال ؟
كانت ثكنة للجيش بقربهما في الجهة السفلى للبريد ، يتأهب أفرادها  لعمل ما،وهذا من خلال التحضير الظاهر  واستدعاء جنود من خارج الثكنة .
 بدأ أفراد من الشعب يلتفون وينظرون كلهم الى أفراد الجيش ولايدرون وجهتهم ؟...

كان أحد الضباط وقتذاك برتبة نقيب أو رائد اسمه شوشان ..أمر جنوده لتفريق أفراد الشعب الذين كان أغلبهم متكئا على  الجدران ....
بدأ بعض المواطنين يصيحون ضد هذا الاستفزاز بكلمات تردد في الملاعب ...واو واو ....الخ  ...أمر أحد الضباط جنوده ونحن نتفرج على الهواء بتفريق أبناء الشعب  ...وكان أحد الجنود يحمل رشاشا  ،سقط منه  ...لست أدري خوفا أم  كان يرفض أن يضرب اخوانه ؟

عنّفه الضابط أمام مرأى ومسمع من الناس وأخذ الكلاش ورمى  مكانه   ...وهكذا بدأت الاحداث في بوسعادة ونحن كشهود  ...
 ولو كان وقتذاك لدي كاميرا لنقلت لكم المشهد كما هو.

بدأ أفراد الشعب يتجمهرون بعد سماع الرصاص وأول شيء بدأ  به  بعض الشباب هناك  هو :الهجوم على بعض المحلات  التجارية  وأخذ مافيها ، حيث كانت وقتذاك أزمة كبيرة في: الدقيق ، القهوة ، الزيت ، السكر ..بدأ الرصاص ينطلق من هنا ومن هناك والجرحى  يسقطون هنا وهناك وقيل لنا فيما بعد أن هناك 6 قتلى   ولست أدري لحد الساعة هل هذا العدد صحيحا ؟ ...
طلبت من صديقي خليل أن نعودا فورا إلى المعهد...حتى لانسقط كضحايا ،فنحن غرباء في بوسعادة  من جهة ...وقد يعتقد بعض اخواننا  الناقمين على النظام  بأننا ننتمي الى أفراد  الجيش أو الشرطة  بزي مدني ، لأننا كنا نخرج "بلباس كلاسيكي مع ربطة العنق "
 
كان صديقي خليل شغوف بمشاهدة تلك الاحداث ومتابعتها ...أما أنا فكنت أحذره  بتجنب أي انزلاق...ونحن كذلك، بدأ الصّراخ يعلوا في كل مكان والمواجهات  تتوسع من حي الى حي  وسط المدينة ،والجرحى يسقطون واحدا تلو الآخر...

بعد اصرار خليل على  متابعة مايحدث قرّرت العودة لوحدي الى المعهد... لم اتجاوز 100 متر حتى لحق بي خليل مسرعا  ...وفي طريقنا الى المعهد مرّت علينا عدّة رصاصات  وضربت الحائط مقابلنا وكأن هناك قناص يترقبنا و يحاول قتلنا...تذكرت في تلك اللحظات بعض التوجيهات التي تعلمتها  رفقة صديقي خليل عندما كنا نؤدي الخدمة الوطنية معا في أرزيو بوهران ،أثناء فترة التدريب  "في حالة المواجهة" فطبقتها وأمرت  صديقي خليل أن يفعل مثلي ...

بتنا تلك اللية في رعب....حيث كنا نستمع الى الرصاص ولاندري مصيرنا ؟وحيث أن المعهد كان مستهدفا نظرالانه كان محاذيا لفندق القائد...وكان هناك احتقان في أوساط البوسعاديين  قبل أحداث أكتوبر ...كانوا يطالبون باعتماد بوسعادة كولاية  وغلق فندق ببوسعادة الذي لايتناسب مع تقاليد المنطقة...
في يوم الغد خرجنا فوجدنا أغلب السطوح فوقها أفراد من الجيش  متأهبون للقتال وكأننا  في حالة حرب. ؟..
   وقع حظر التجوال في المدينة وظل الوضع بتلك الطريقة عدّة أيام ... أُمِرنا للخروج عُنوة  بعدها ،من طرف المراقبين في المعهد أنذاك، للمشاركة في مسيرة تأييدا للشاذلي بن جديد وكان من بين المراقبين شخص يقال له موسطاش قيل لي أنه توفي رحمه الله ...الكل يعرفه ...
بعدها  أستدعينا للمشاركة في مؤتمر جبهة التحرير الوطني الذي تم عقده بالقاعة البيضاوية  بالعاصمة وحضره أزيد من 10 آلاف شخص  وقضينا عشرة أيام هناك  ...

 ومما أتذكره كان أحد الاساتذة في اللغة العربية  والأدب ، اسمه الاشهب ،فتح بيننا نحن الطلبة نقاشا حول الديمقراطية والتعددية ...وحدث  بيننا صراع   كبير وصل الى ملاسنات كلامية...وكان السؤال :هل تؤيد إنشاء حزب اسلامي وتقبل بتطبيق الشريعة الاسلامية في حالة فوز حزب اسلامي  أم ترفضه ؟

نورالدين خبابه

مذكرات خالد نزار الحلقة الأولى


2009.05.10  مصطفى.ف 
خالد نزار في جبهة القتال شهادات حول مشاركة اللواء المتحرك الثاني في حرب الإستنزاف
تنشر "الشروق" على مدار حلقات النص العربي لمذكرات الجنرال المتقاعد خالد نزار حول مشاركة الجزائر في الحروب العربية الإسرائيلية (حرب 6 أيام 1967)، عبر فصول عاينها الكاتب عندما كان ضابطا في الجيش الشعبي الوطني، وكذا انطباعه خلال حروب الاستنزاف التي حددت مصير الصراع في منطقة الشرق الأوسط بعد اتفاقيات كامب ديفيد ورسمت معالم خارطة جديدة استحوذ فيها الكيان الصهيوني على قصب السبق بعد سلسلة الهزائم العسكرية والنفسية العربية.

وتحدثت الفصول الأولى من الكتاب عن حرص الجزائر على المشاركة العسكرية في الصراع العربي الإسرائيلي رغم أن جيشها حينذاك لم يكن مهيكلا بالطريقة النظامية الكلاسيكية، لاسيما وأن الجيش الشعبي الوطني تشكل أساسا من جيش التحرير الوطني الذي اعتمد حرب العصابات كخطة لمواجهة الاستعمار الفرنسي، وأرجع الجنرال المتقاعد هذا الاندفاع إلى تأكيد الجزائر لانتمائها وهويتها العربية وتبنيها لقضايا العرب الذين كانت جزءا لا يتجزأ منهم، ثم تطرق إلى الحديث عن حروب الاستنزاف التي كانت من أجل الكرامة العربية، وكذا حرب ينويو 1967 التي شهدت اندلاع الحرب بين العرب والكيان الصهيوني، وموقف الضباط الجزائريين من الحرب وكيفية متابعتهم لها، وكذا مشاركات خالد نزار في هذه الحروب، وقضايا مرتبطة بالحدث مثل وفاة الجنرال عبد المنعم رياض وبعض مناورات اللواء الجزائري في الحرب ، ثم عرّج إلى الحديث عن الحروب العربية الإسرائيلية في الشرق الأوسط، كحرب 1956 التي قال إنها انتهت بـ"هزيمة عسكرية وانتصار سياسي"، ثم حرب 1967 التي كانت بمثابة "عد تنازلي" وكيفية مواجهة كل جبهة لهذه الحرب، وأخيرا حرب أكتوبر 1973، كما تطرق في الأخير إلى نشر إحصائيات متعلقة بخسائر سلاح الجو العربي في اليوم الأول من حرب 1967.

ويعتبر الجنرال المتقاعد خالد نزار الشخصية العسكرية الوحيدة التي سجلت كثيرا من انطباعاتها حول قضايا سياسية وعسكرية عاشتها الجزائر وكان هو أحد أبرز المساهمين فيها، وجاء هذا الإسهام الجديد ليكشف جوانب مهمة من مشاركة الجزائريين في حرب 1967 والمعايشات اليومية للجيش الجزائري في الجزائر وفي الجبهة المصرية.
كانت الجزائر خارجة لتوها من حرب طويلة ومدمّرة عندما قررت الانضمام إلى جانب إخوانها العرب في الصراع الذي كان يجمعهم بإسرائيل، وإن لم تكن مستعدة لخوض حرب تقليدية مثل تلك التي كانت ترتسم في الشرق الأوسط

الحلقة الأولى

المصريون ضللونا بمناورات مفبركة وأوهمونا أن إسرائيل "شربة ميه"
بقلم اللواء المتقاعد: خالد نزار
ملامح تأسيس جيش تقليدي
كان الجيش الجزائري الذي وُلد من رحم جيش التحرير الوطني لا يزال غارقا في أسلوب حرب العصابات التي اعتمدها لمواجهة القوى الاستعمارية، ولكن الجزائر اغتنمت فرصة هذا الصراع العربي الإسرائيلي لتسجّل تضامنها مع منطقة لم تتوقف عن إعلان انتمائها إليها وارتباطها بها.

وهكذا كانت مشاركة الجيش الجزائري في الحرب العربية الإسرائيلية رغم أنه لم يزل حينها في طوره الجنيني محفزة للتساؤل عن مدى امتلاك هذا الجيش للخبرة اللازمة من أجل الانخراط في حرب تقليدية، وما إذا كانت الجزائر التي أُنهكت في صراع مسلح طويل ومرير جاهزة لمواجهة حرب شاملة.

وهذه الأسئلة المطروحة تستدعي ضرورة الإجابة عليها.
 مع انتهاء الحرب، وجدت الجزائر نفسها مقفرة على جميع الأصعدة، وفي كل بُناها، حيث انهار أسلوبها التنظيمي المستنسخ عن النموذج الإقليمي الفرنسي مثل قصر رملي، ولم تصبح الزراعة التي كان يُفترض أنها مصدر قوت الجزائريين سوى زراعة تكميلية موجهة بالأساس إلى تلبية حاجيات الفرنسيين فقط، إضافة إلى سياسة الأرض المحروقة التي نفّذها نشطاء "المنظمة الجزائرية السرية"، وهذا أدى بدوره إلى تجميد اتفاقيات إيفيان، ودفع فرنسا إلى إدارة ظهرها كلية للجزائر، تاركة هذا البلد يغرق في مشاكله. وكان ذلك إحدى الطرق التي اعتمدتها فرنسا لمعاقبة شعب خاض معركة تحرره واستقلاله. وهكذا نبذت فرنسا خلفها بلدا كاملا في العراء.

لم تكن الجزائر تملك مقومات كثيرة غداة تحررها من الاستعمار البشع؛ فعدد الطلبة لم يكن يتجاوز 500 طالب يدرسون في جامعتها الوحيدة، وهي الجامعة المركزية بالعاصمة، وكان الظرف يقتضي على هذا البلد المستقل حديثا ليس مجرد إعادة بنائه من جديد فحسب، ولكن أيضا النهوض بكل المؤسسات الضرورية في تسيير دولة جديرة بهذا الاسم.
وشرعت القيادة في ذلك الزمن بالعمل من أجل رفع هذا التحدي الكبير، ولكن بسبب ضخامة الأعباء وثقلها لجأت إلى تحديد الأولويات التي لم يكن الجيش في طليعتها.

غداة الاستقلال مباشرة، غيّر "جيش التحرير الوطني" تسميته ليصبح "الجيش الوطني الشعبي"، وتم هذا التغيير دون إمداد الجيش بدماء جديدة عدا الاستنجاد بالمتعاونين الأجانب الذين قدم أغلبهم من الاتحاد السوفييتي سابقا، وكان "جيش الحدود" يشكل النواة الأساسية لتنظيم عسكري لا زال يحتفظ بقيمه ومبادئه التي قادته إلى خوض معركة صائبة، وهذا أمر طبيعي بالنسبة لكل جيش ثوري في العالم.

 غير أن نقص الإطارات المحترفة فرض حينها تعيين الضباط الحائزين على أعلى الرتب في جيش التحرير الوطني الذين خاضوا الثورة، ولم يكونوا يحظون بخبرة كبيرة مرتبطة بأداء عملهم. أما الضباط القليلون الذين تكونوا في المشرق وفرنسا فقد تمت الاستعانة بهم في مجال التكوين والإدارة، وهذا الأمر شكّل نوعا من فقدان التوازن في الهرم التنظيمي للمؤسسة العسكرية، حيث اضطرت الإطارات الشابة التي كانت تملك مقاربة وتصورا مختلفا إلى بذل مجهودات كبيرة في ظرف قصير من أجل تكوين ضباط التأطير والتأهيل الذين لا غنى عنهم في تكوين الجيوش التقليدية. وازدادت حدة هذا الخلل بوقوع انحراف كبير قُرن الجيش بموجبه مع الحزب الواحد، وهو ما جعل قادة الجيش أكثر استعدادا للمشاركة في الحياة السياسية من استعدادهم للتكوين العسكري.

لقد تميّزت هندسة المؤسسة العسكرية عبر نصوصها الأساسية بهاجس إنقاذ أو إدامة امتيازات المرحلة الراهنة، أو ضمان هيمنة توجه أيديولوجي على غيره، وهذا كله كان يتم عن طريق التسابق بين القوى الموجودة على أرض الواقع. لقد كان الجيش يُستغل في أغلب الأحيان من أجل ثقله ورمزيته، وهو ما جعل المزاوجة بين الحزب والجيش تشكل دائما شراكة تتحكم بمصير البلد. وكانت طريقة التسيير هذه تحظى بمساندة رئيس الجمهورية هواري بومدين الذي كان في الوقت ذاته وزيرا للدفاع، بعد محاولة الانقلاب المجهضة في عام 1967. وهذا المفهوم نفسه برز إلى الوجود أيضا بفعل أن أوامره كانت تأتي من الجيش الشعبي الوطني بدافع العاطفة أكثر من دافع المهنة.

 لقد أدت مشاركة الجيش في الأشغال ذات المنفعة العامة إلى ابتعاده أكثر فأكثر عن وظيفته الأساسية، كما أن الأولوية التي مُنحت للاقتصاد شغلت الإطارات القليلة الذين تم تكوينهم  آنذاك، علما أن الحرص على الانخراط في سلك الجيش يُعتبر ضعيفا في جميع البلدان التي خرجت من حرب كلفتها كثيراً من الأرواح، ولم يحظ الجيش بدعم بشري جديد إلى غاية عام   1971 عن طريق المدارس والجامعات المختلفة في الجزائر، حيث أتيحت الفرصة لهذا الإمداد عن طريق سن قانون الخدمة الوطنية الذي فرض على كل مواطن جزائري متخرج من المدرسة تقضية عامين متتالين إما في وحدات القتال أو في تأدية أشغال ذات منفعة عامة. غير أنه هذه الجهود لم تكن لترتقي إلى تطلعات جيش عليه أن يؤدي مهامه المقررة مثلما عليه الحال في جميع العالم.

 إضافة إلى ذلك، شاركت تلك الوحدات في عدة مهام مثل تشييد القرى الزراعية والأحياء السكنية، وكذا إنجاز الطرق والسكك الحديدية والمساهمة في حملات التشجير، ونحو ذلك. وكل ذلك أدى _ بشكل أو بآخر _ إلى إبعاد الجيش الوطني الشعبي عن مهمته الحقيقية. ولقد بدأت قدراته تتحسن في السبعينيات بعد التحاق أولى دفعات الضباط المحترفين، غير أن عدد الضباط لم يكن كافيا للأسف.

كانت الفرقة المدرعة الثامنة التي ذهبت إلى مصر عام 1973 الأكثر استعداداً والأفضل تجهيزاً من جميع وحدات الجيش الوطني الشعبي في تلك الفترة، وإن كانت بعيدة عن استيفاء المواصفات اللازمة، لكن رغم ذلك بقي مستوى التدريب والهياكل والقيادة غير كاف. وابتداء من عام 1965، قُرّر إرسال أولى دفعات الضباط التابعين لهيئة الأركان إلى مدارس الاتحاد السوفيتي، وإن كانت غالبيتهم تفتقد لأدنى تكوين عسكري قاعدي. 
غداة الاستقلال، تم تنظيم فيالق جيش التحرير الوطني التي تحولت إلى فيالق الجيش الوطني الشعبي في عدة مجموعات، وضمت كل مجموعة ثلاثة فيالق تمثل ما يعادل تقريباً تعداد لواء.
وبعد ذلك، كانت هذه الألوية نفسها هي التي ستشارك في حرب الاستنزاف بمصر بعدما تدعمت بوحدات دعم إسناد ونقل وأصبحت تعرف باسم فرق المشاة المتحركة، رغم أنها في الأصل أسست بهدف خوض حروب لا ترتبط ارتباطا كبيرا بالحروب التقليدية.
 
حرب من أجل الكرامة

لقد دامت حرب الاستنزاف عدة سنوات، وجاءت رداً على القصف الإسرائيلي الذي أجهز على قسم كبير من قيادة الجيش الثاني وأدى إلى مصرع قائد الأركان المصرية عبد المنعم رياض. ولم تكن حرب الاستنزاف بالنسبة للجيش المصري مجرد حرب بقاء فحسب، وإنما خاضت مصر الحرب على امتداد خط وقف النار 1967 الذي يربط قناة السويس ببور سعيد وبور فؤاد، وجزءا من سيناء. وإذا كانت إسرائيل هي التي فرضت الحرب في بداية المطاف، فإن المصريين الذين انكبوا على إعادة تشكيل جيشهم، وجدوا في هذا الاستفزاز من قبل الإسرائيليين فرصة لتحويل عدوهم إلى هدف حربي كما ذكر ذلك الفريق سعد الدين الشاذلي، قائد أركان الجيش المصري، حيث قال: "من الناحية العسكرية، كان هدفنا هو رفع معنويات جيشنا الذي كان محبطاً جراء هزيمته النكراء عن طريق تكبيد العدو خسائر فادحة في الأرواح".

لم يكن المقصود بالعمليات الاستنزافية في الواقع إضعاف القوات الإسرائيلية المتموقعة على خط بارليف أساساً فحسب، وإنما منحت للمصريين الفرصة لاكتساب التجربة المفتقدة التي كانوا بأمسّ الحاجة إليها.
لقد ألفت كتب كثيرة حول هذا الموضوع، غير أن القليل منها فقط أشارت إلى العامل الهام والحاسم الذي ساعد على القيام بالعبور الأكثر نجاحاً في هذا النوع من المناورات، بما فيها ما تم أثناء الحرب العالمية الثانية. وبفضل هذه التجربة استطاع المصريون النيل من كبرياء الجيش الإسرائيلي بعد أن شن عليه حرب الستة أيام.
      
واندلعت هذه الحرب تحديدا يوم 11 مارس عام 1969، وامتدت إلى ما بعد 1969.
 أطلق على هذه المرحلة من الصراع العربي الإسرائيلي اسم "حرب الاستنزاف"، وكان الرئيس جمال عبد الناصر هو الذي أطلق عليها هذه التسمية حيث قال في خطاب له: "لا أستطيع أن أجتاح سيناء، لكني أستطيع تحطيم معنويات إسرائيل بالاستنزاف".
وبدأت الحرب بقصف مدفعي ثم السلاح الجوي في حدود شهر جويلية 1969 بعدما بادرت إسرائيل إلى استعمال الطيران في هذه المواجهة. وأسند المصريون هذه العمليات بعمليات "كومندوس" في العمق بهدف جمع المعلومات.
 قبل تلك الفترة كان الإسرائيليون يعيشون في سيناء حالة من اللاحرب واللاسلم معا. وكان الشباب يعتبر مدة الخدمة العسكرية المفروضة، وهي 33 شهرا، طويلة جدا، إلى درجة جعلت الجنرال موشيه ديان يعلن احتمال تقليص مدة الخدمة "طالما أنه لا يوجد أي خطر الآن يهدد البلد".
غير أنه لا قيادات الأركان التابعة للدول الغربية ولا حتى قيادة أركان الجيش الإسرائيلي ذاته تحدثوا عما جلبته هذه الحرب للمصريين من مزايا. فخلال هذه المرحلة اكتسب الضباط تجربة أكبر، وثابروا على أدائهم باستبسال نادر، ولم يُدرك الإسرائيليون الذين كانوا يردون الضربة بالضربة أن قناة السويس وجزءا من صحراء سيناء قد أصبحا بالنسبة للجيش المصري حقلاً فعلياً للتدريبات. ونصب الضباط أسلحتهم وفاجأوا كثيراً من الدول التي طالما رددت، منذ عام 1967، لمن يصغي إليها بأن الجنود المصريين فروا مثل الأرانب و"خلعوا نعالهم" لكي يركضوا بسرعة أكبر.

 لقد أحاطت حرب الاستنزاف بحربي 1967 و1973، حيث محت الآثار التي تركتها حرب 1967 وساهمت في إنجاح حرب "الستة أيام" التي حققت هدفين هامين، ويتمثلان في عبور ثم هدم خط بارليف، وهو ما أعاد شيئاً من الكرامة للعرب ووضع حداً لأسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر.

 كان المصريون يعانون من نقص فادح في المال وإلا لمنحوا لهذه الحرب المحدودة بعداً آخر دون أدنى شك رغم قدرة إسرائيل على استعمال السلاح النووي في هذا الصراع. لكن كيف يمكن للمصريين أن يفعلوا ذلك في حين أن غالبية المواطنين يفتقدون للحد الأدنى من مستوى المعيشة؟ أين يجدون المال الذي يُعتبر عصب الحرب؟ لقد كان هذا المال موجوداً بحوزة العرب وبالأخص دول الخليج، ولكن هل وُضع بين أيدي المصريين في هذه الحرب؟ إنني أشك شخصيا في ذلك، خاصة إذا علمنا كيف انتهت القمة العربية في الرباط، والتي عُقدت لتدارس الصيغ المناسبة لمساعدة دول الجبهة عسكرياً ومالياً.   

 كنا نعلم جميعا في تلك الأيام أن هذه القمة لم تكن في مستوى آمال وتطلعات الدول المعنية بشكل مباشر، ولاسيما فيما يتعلق بالاحتياجات الخاصة للحرب التي كنا ندرك بأن من يديرها كانوا هم الأمريكان وجزءا هاما من الدول الغربية.
 كيف كان بإمكان مصر التي تفتقد للمال أن تنظم جبهتها الخلفية، خاصة وأنه مثلما هو معروف ومدروس في جميع المدارس العالمية، فإن الجبهة الخلفية تساند وتساعد الجبهة الأمامية على الاستقرار وتعزز الوضع النفسي والمعنوي لكل من الجنود والأهالي.
ولكن ما الذي يمكن أن نطالب به جنودا يجدون أنفسهم في احتكاك مباشر مع أهال أنهكهم البؤس ونراهم عندما يفاجئهم القصف المدفعي الإسرائيلي وهم منهمكون في حقولهم يهرعون في كل الاتجاهات ويصرخون : "يخرب بيتك يا جمال".
لقد كان الرئيس السادات مصيباً في قراره لما اختار طريق السلم لشعبه لأنه، في نظري، لم يكن يستطيع أن يتحمل لوحده عبء هذه الحرب. رغم أن مبادرته بزيارة إسرائيل قد كلفته حياته. 

 إننا سنتناول في هذه الصفحات المراحل التي قطعها هذا الجيش الذي سعى، بعدما مُني بهزيمة قاسية، إلى إعادة تشكيل ما سيمثل بعد ذلك الجيش الجديد. بل لقد نجح المصريون في تحويل جيش استعراضي إلى أداة عسكرية فاعلة وقادرة على مقارعة أعتى جيش في العالم، كما نجحوا جزئيا في رهانهم عن طريق إذلال أعدائهم بعبور مفاجئ رغم الإغلاق المُحكم "قناة السويس" بطريقة تُعتبر الأصعب في إطار الأحداث التي شهدها مسرح العمليات العسكرية الأوروبي.
 
ترجمة: مصطفى فرحات
الشروق

مذكرات الطاهر الزبيري الحلقة الأولى

2011.09.21  طاهر زبيري 
شعباني ومحند أولحاج أوقفا تمردهما وانضما إلى الجيش
المغرب عرض علينا خريطة قال إن حدوده تمتد إلى السنيغال جنوبا
بداية من اليوم ستشرع الشروق اليومي في نشر جزء من مذكرات العقيد زبيري قائد أركان الجيش الجزائري الأسبق في شكل حلقات مسلسلة تتناول في كل حلقة قضية شائكة لم تأخذ نصيبها من التحليل، وفي الحلقة الأولى يقدم زبيري شهادته حول حرب الرمال ضد المغرب في الفترة ما بين (19 أكتوبر ـ 2 نوفمبر 1963)، على أن تتناول الحلقة الثانية قضية إعدام العقيد محمد شعباني نائب قائد الأركان وأصغر عقيد في الجيش الجزائري.
بومدين: كل حبة رمل حررناها ملك للجزائر
كانت للمغرب أطماع توسعية ليس على حساب الصحراء الغربية وفقط بل حتى في الأراضي الجزائرية وموريتانيا وشطر من السنيغال، وقام المغرب بعرض خريطة علينا ادعى بأنها تمثل الحدود التاريخية للمغرب قبل دخول الاستعمار الفرنسي والإسباني إلى أراضيه، وزعم أن القبائل التي تعيش في هذه المناطق بايعت ملوك المغرب وسلاطينه على السمع والطاعة.
ورفض المغرب الاعتراف بموريتانيا كدولة مستقلة في 1960 معتبرا إياها جزءا من التراب المغربي، وكان الجيش الإسباني الذي يحتل الصحراء الغربية حائلا بين المغرب وموريتانيا مما جنب البلدين حربا كان من الممكن أن تنشب بينهما، خاصة وأن الجزائر رفضت في 1963 أن تسمح باستخدام تيندوف كمعبر للجيش المغربي لاحتلال موريتانيا مقابل تسوية المسائل الحدودية مع المغرب، ولم يعترف المغرب بموريتانيا كدولة مستقلة إلا بعد نجاح الوساطة التي قام بها بومدين في 1966.
من جانبها ردت الجزائر على المزاعم المغربية بأن "كل الأراضي التي كانت خاضعة للاستعمار الفرنسي وقام جيش التحرير الوطني بتحريرها هي أراض جزائرية"، وكان الوفد الجزائري المفاوض قد طلب خريطة الجزائر الكاملة أثناء المفاوضات مع السلطات الاستعمارية ويبدو أنه تحصل عليها حسبما ذكره لي المرحوم كريم بلقاسم وزير القوات المسلحة في الحكومة المؤقتة خلال الثورة.
وسعى الرئيس بن بله لحل هذا المشكل مع المغرب بالطرق السلمية وإيجاد صيغ للتفاهم مع هذا البلد الشقيق، لكن بومدين كان أكثر صرامة في هذه المسألة وقال بوضوح "كل حبة رمل حررناها من أيدي الاستعمار الفرنسي باسم الثورة الجزائرية فهي ملك للجزائر"، وسمعته في إحدى المرات يعلق على المزاعم المغربية في الجزائر وموريتانيا والصحراء الغربية والسنغال بالقول "يحسبون الشعوب قطعان غنم"، أما شريف بلقاسم فرد على هذه المزاعم قائلا "المغرب لم يواصل النضال من أجل استكمال تحرير الأراضي التي اقتطعتها فرنسا منه".
وحتى عندما كانت الجزائر في خضم حرب التحرير أحرجنا الأشقاء المغاربة بمطالبهم في الأراضي الجزائرية، وقد رد عليهم فرحات عباس رئيس الحكومة الجزائرية المؤقتة "نحن الآن في حرب، وبعد الاستقلال سيكون هناك مجال للحديث في هذه المسألة والتفاوض بشأنها"، وبنى المغرب موقفه على هذا الكلام.
الشرارة التي أشعلت الحرب
بعد استقلال الجزائر أرسلنا الجيش إلى المناطق التي يدَّعي المغرب أن لديه حقوقا تاريخية فيها والمتمثلة في بشار وتيندوف وأقصى الجنوب الجزائري، وقام المغرب بعمليات لجس النبض للتعرف على ردة فعل الجزائر، فأرسل عدة أفراد مسلحين من جيشه إلى منطقة حاسي البيضاء الواقعة بتيندوف داخل التراب الجزائري بحجة جلب الماء من هذه المنطقة، فوجهنا لهم تحذيرا من دخول الأراضي الجزائرية لأي سبب كان.
وتكرر دخول الوحدات العسكرية المغربية إلى الصحراء الجزائرية رغم تحذير الجيش الجزائري لهم مرتين وثلاثة، مما جعل قيادة الناحية العسكرية الثالثة التي تضم بشار وتيندوف تمنع دخول الجنود المغاربة الذين حاولوا انتهاك حرمة التراب الوطني، ووقع هناك قتلى وجرحى، وحمّل كل طرف مسؤولية هذا الاشتباك للطرف الأخر.
ودخل الأشقاء في حرب دامية استمرت لقرابة أسبوعين (من 19 أكتوبر إلى 2 نوفمبر 1963) سميت بحرب الرمال لوقوع رحاها في الصحراء، وجرت عدة معارك بين الجيشين الجزائري والمغربي في حاسي البيضاء وعين تينفوشي وبوعرفة وبني ونيف وتنجدوب وغيرها من المناطق، واستولى الجيش المغربي على بعض الأراضي الجزائرية ولكن مقاتلينا أجبروهم على التراجع.
وتولى العقيد بومدين قيادة العمليات الحربية في مركز عسكري متقدم بتلمسان، ومن هناك كان يوجه التعليمات العسكرية إلى قواتنا المسلحة، واستعان بومدين بمحمد الصديق بن يحيى في ملف المغرب وكان يستشيره في القضايا القانونية.
ورغم شراسة المعارك إلا أن قيادة البلدين في الجزائر والمغرب لم تكونا متحمستين لهذه الحرب التي اندلعت دون أن يكون هناك سابق تخطيط لها من الطرفين، لذلك حرص البلدان على أن لا تسفك الكثير من الدماء في هذه الحرب.
كانت الجزائر حديثة العهد بالاستقلال، والجيش الوطني الشعبي لم يمر عليه سوى عام واحد من تحوله من جيش تحرير إلى جيش نظامي، كان جيشنا منقوصا من ناحية التسليح والتدريب على الحروب التقليدية خاصة في الصحراء المفتوحة والمنبسطة، على عكس حرب العصابات التي كنا نجيدها خاصة في الجبال والغابات والأحراش وحتى المدن بالاعتماد على الكر والفر وإنهاك العدو بهجمات مباغتة وكمائن محكمة.
بينما كان الجيش المغربي حينها أكثر تنظيما ودراية بالحروب التقليدية وذلك لأنهم استلموا وحدات عسكرية منظمة من فرنسا بقيادة إدريس بن عمار قائد أركان الجيش المغربي الذي كان ضابطا كبيرا في الجيش الفرنسي، ويعرف جيدا الجزائر والانقسامات التي كانت تعصف بقياداتها.
حقرونا
تعتبر منطقة بوعرفة جيبا جزائريا ممتد داخل الأراضي المغربية، وهي واقعة في شمال غربي بشار، وسهل موقعها المحاط بالأراضي المغربية من ثلاث جهات على جيش الملك محاصرة قواتنا المرابطة بها، وهاجموا قواتنا من الخلف وتمكنوا من أسر العديد من رجالنا، وكان واضحا عدم التكافؤ بين الجانبين خاصة بعد أن بدأ المغرب في استعمال سلاح الطيران.
أما الجزائر فلم تكن تملك قوات جوية بالمعنى الحقيقي باستثناء طائرات هيليكوبتر، وطائرات تدريب، وحتى سرب الطائرات الحربية الذي أرسلته إلينا مصر خلال الحرب لم نسمح باستخدامه ضد أشقائنا في المغرب تجنبا لزيادة ضراوة المعارك.          
وفي خضم هذه الحرب غير المتكافئة مع المغرب، وخاصة وأن الجزائر كانت تواجه تمرد قوات العقيد شعباني في الصحراء وقوات محند أولحاج وحسين آيت أحمد بالقبائل، وجه أحمد بن بله صرخة مدوية قال فيها كلمة مؤثرة "حقرونا" كانت كافية لتحرك نخوة الجزائريين من أقصى البلاد إلى أقصاها وهب أفراد الشعب عن بكرة أبيهم للاستجابة لنداء الوطن والدفاع عن حرمة أراضيه.
كانت مكبرات الصوت المثبتة في ساحات كبرى المدن الجزائرية كعنابة وقسنطينة والعاصمة ووهران تبث الخطاب الحماسي لبن بلة إلى الأمة (لم يكن التلفزيون منتشرا حينها)، وألهبت هذه الكلمة  المشاعر الوطنية لأبناء الشعب الذين التحق الكثير منهم بمقر وزارة الدفاع وبجبهات القتال وتم تزويدهم بالبنادق والرشاشات وحتى بالمدافع، وشكلت تسعة فيالق من المتطوعين، في حين بقي الآلاف منهم في الانتظار، لأننا كنا ننتقي العناصر المدربة على السلاح فقط ونرسلهم إلى نواحي تيندوف وعين تيمفوشي وسيدي بلعباس وتلمسان، وفيهم من وصل إلى الحدود المغربية.
حتى الأطفال ألهبتهم كلمة بن بله
ومن الطرائف التي حدثت خلال هذه الحرب أن طفلا صغيرا في عنابة لم يتجاوز تسع سنوات من عمره كان فوق شجرة يستمع إلى خطاب الرئيس أحمد بن بله عبر مكبرات الصوت وهو شبه عار، إذ أنه لم يكن يرتدي سوى قميص وبدون سروال، ويبدو أنه تأثر بشكل مبالغ فيه لخطاب بن بله وراح يصرخ بشجاعة الرجال:
 ـ رانا (نحن) هنا يا سيد أحمد.. رانا هنا يا سيد أحمد.
وكلما نتذكر هذه الحادثة نضحك كثيرا، ولكنها تعكس قوة التأثير الذي تركه هذا الخطاب الذي كان مؤثرا للغاية جعل كل فئات الشعب تفزع من جديد لمقارعة الغزاة الجدد.
حتى النساء أردن أن يذهبن إلى جبهات القتال، فالإحساس بمرارة حقرة الأشقاء بعد ظلم الأعداء جعل الجزائريين يهبون هبة رجل واحد للدفاع مجددا عن أرضهم وكرامتهم ونشوة النصر على الجيش الفرنسي لازالت تراودهم.
 أولحاج وشعباني يوقفان التمرد ويلتحقان بالجيش        
تأثير صرخة بن بله كان لها صداها في جبال القبائل وفي صحراء بسكرة، فالعقيد محند أولحاج المتمرد في جبال القبائل نزل من الجبال وضم خمسة فيالق إلى الجيش الوطني الشعبي وقال كلمته الخالدة "الجزائر قبل كل شيء"، أما العقيد شعباني فهو الآخر أوقف عصيانه وأرسل ثلاثة فيالق من قواته لمواجهة الجيش المغربي.
وخلال حرب الرمال كنت حديث التعيين كقائد للأركان وتوليت إدارة الأمور بقيادة هيئة الأركان بالعاصمة بالتنسيق مع وزير الدفاع العقيد هواري بومدين الذي كان في جبهات القتال ولم يكن بوزارة الدفاع سواي لتنظيم عملية تجميع السلاح والرجال من المتطوعين وإرسالهم إلى جبهات القتال، وكان أحمد بن بله يزورني من حين لآخر في قيادة الأركان لمساعدتي في هذه المهمة.
إلا أن بومدين لم يكن متحمسا لقوافل المتطوعين التي كانت تصل من العاصمة ومن مختلف جهات الوطن إلى جبهات القتال، واعتبر أن النداء الذي وجهه بن بله إلى الشعب جلب الفوضى إلى القوات المسلحة التي هي في غنى عن هذه الأعداد الكبيرة من المتطوعين، على أساس أن الجيش بإمكانه تجنيد المتطوعين حسب احتياجاته ولكن ليس بهذه الأعداد الهائلة.
عبد الناصر وكاسترو يدعمان الجزائر عسكريا
وتجاوز صدى صرخة بن بله حدود الوطن ليصل إلى عدة عواصم عالمية كالقاهرة وهافانا اللتين أعلنتا وقوفهما إلى جانب الجزائر دبلوماسيا وعسكريا، حيث أرسلت كوبا قوات رمزية مشكلة من نحو 50 مقاتلا إلى الجزائر، كما أرسلت ثلاثة سفن محملة بالأسلحة إلى الجزائر ولكنها وصلت بعد انتهاء الحرب بأسبوع لذلك لم نستعمل هذه الأسلحة ضد المغرب، أما "مصر جمال عبد الناصر" فأرسلت إلينا كتيبة من الرجال وزودتنا بسرب مشكل من ست طائرات مقاتلة ولكننا لم نستعملها خلال الحرب.
وهددت مصر وكوبا المغرب بالتدخل العسكري في الحرب إذا واصل اعتداءاته على الجزائر، وبلغ الضغط الدولي على المغرب مداه، حيث طالبت الكثير من الدول الطرفين بتوقيف القتال، وتدخل العديد من الزعماء في العالم للضغط على الملك المغربي الحسن الثاني لوقف عدوانه على الجزائر على غرار "موديبو كايتا" رئيس مالي، وتيتو رئيس يوغسلافيا، ونيكروما رئيس غانا فضلا عن جمال عبد الناصر وفيدال كاسترو اللذين كان دعمهما للجزائر غير مشروط، كما أبدى الاتحاد السوفياتي تضامنه معنا.
وقف إطلاق النار
الملك الحسن الثاني كان أكثر حكمة من قادة جيشه عندما وافق على وقف القتال والرجوع إلى الخطوط الأولى قبل بداية الحرب، والبدء في المفاوضات بشأن ترسيم الحدود، حيث توجهت مع بن بله إلى مالي لمقابلة رئيسها موديبو كايتا الذي قام بوساطة لحل الأزمة بين الجزائر والمغرب.
وبعد وقف إطلاق النار تم تبادل الأسرى بين الجانبين، حيث أسرت الجزائر نحو خمسين أسيرا مغربيا بينما أسر المغرب قرابة أربعين من رجالنا، وفي نفس العام (1963) تأسست منظمة الوحدة الإفريقية التي أقرت مبدأ الحفاظ على الحدود الموروثة عن الاستعمار لتجنب اندلاع مزيد من الحروب بين الدول الإفريقية حديثة الاستقلال بسبب تغير الحدود بعد عقود بل قرون من الاحتلال الأوروبي لإفريقيا.
وكما يقول المثل "رب ضارة نافعة" فإن هذه الحرب زادت من سمعة الجزائر على الساحة الدولية وأظهرت قدرتها على حشد التضامن الدولي لصالحها، خاصة وأن زخم الثورة الجزائرية كان لازال مؤثرا في استقطاب تعاطف شعوب العالم مع الجزائر.
وزادت هذه الحرب في تلاحم الجزائريين فيما بينهم، وإحساسهم بكينونتهم الواحدة، وإدراكهم للأخطار الخارجية التي تهدد أمنهم ووحدة أرضهم إن بقوا منقسمين، وعجلت حرب الرمال بوقف تمرد العقيد محند أولحاج في منطقة القبائل والذي كان من الرجال الأوفياء لكريم بلقاسم، وحتى العقيد شعباني الذي كان مخاصما لبومدين تناسى خلافاته وانضم مع فيالقه إلى الجيش الوطني الشعبي.
كما سرّعت هذه الحرب عملية تحوير الجيش وتطويره من جيش مدرب على حرب العصابات إلى جيش تقليدي مزود بمختلف الأسلحة الحديثة خاصة سلاح الطيران الذي شرعنا في تكوينه وتدريب طيارينا بمساعدة دول صديقة كمصر والاتحاد السوفياتي.
ومن جهة أخرى اقتنع المغرب باستحالة اقتطاعه لأجزاء من الأراضي الجزائرية بالقوة المسلحة، رغم أن الجزائر في حرب الرمال كانت دولة في طور التشكل، وجيشها في مرحلة تحول من وحدات قتالية مدربة على حرب العصابات إلى جيش نظامي حديث، ورغم الانقسامات التي كانت حاصلة بين أبرز الزعامات والقيادات الغاضبة من حكم بن بله ومع ذلك تمكن الجيش الجزائري من التصدي للقوات المغربية بفضل التلاحم الشعبي الواسع مع القيادة والدعم الدولي الكبير سواء دبلوماسيا أو حتى عسكريا خاصة من الكتلة الاشتراكية، وبالأخص مصر جمال عبد الناصر، وكوبا فيدال كاسترو.
الشروق

الثلاثاء، 4 أكتوبر، 2011

الفصل الرابع ،الجزء الثالث،الهجرة من الجزائر

سميتها الهجرة لأنني لم أقرر التنازل عن حقي في المواطنة بعد، و إنما هي انسحاب مؤقت بنية العودة إن شاء الله. فقد تأكد لي بما لا يدع مجالا للشك بأن بقائي في الجزائر لا يعني سوى أحد أمرين. فإما أن أقبل التعاون مع سلطة تصر على التعامل مع شعبها كسلطة احتلال عسكرية حقيقية و تعتمد في سياستها للأزمة كل الوسائل القذرة و بالتالي أساهم في قتل المواطنين استجابة لنزوات ذكور و إناث لا خلاق لهم و لا دين و لا ضمير. و إما أن ألتحق بجماعات مسلحة لا عهد لها و لا شعار غير القتل و التخريب تحت شعار الاسلام. علما بأن في الطرفين عناصر مخلصة و أخرى مضلله أو مكرهة و لكنها لا تسمن و لا تغني من جوع في المفازة التي توغلت فيها الازمة.
و كان أول ما قمت به هو الاتصال بعمي المجاهد الفاضل أبي عثمان رحمه الله و الذي غادر الجزائر سنة 1993 إلى إفريقيا، و ذلك من أجل استطلاع الموقف في الخارج قبل تحديد وجهتي في المستقبل. و من المفيد أن أقف مع هذا الجزائري الوفي لوطنه الذي ظلمته الدولة الجزائرية مثل ما ظلمت غيره من المخلصين  ظلما يستوجب نقمة الله من القائمين عليها منذ الاستقلال.

الاستاذ محمد الأخضر شوشان رحمه الله

أصغر أبناء العلامة الشيخ محمد الطاهر شوشان من مواليد سنة 1937 زاول تعليمه بمدرسة الحياة و حصل على الثانوية العامة بمعهد الحياة بالقرارة. تطوع لتدريس ابناء البلدة بدلا من الابتعاث إلى جامعة الزيتونة و هو في السادسة عشر من عمره قبيل اندلاع الثورة التحريرية. و منعه شقيقه الأكبر المجاهد الحاج ابراهيم من الالتحاق بجيش التحرير رغم إلحاحه إشفاقا على أمه المجاهدة الحاجة أم الخير رحمها الله التي لم يكن للثورة جحر ترأز إليه غير بيتها المتواضع قصر القرارة. فتحدى هذا الشاب كل العوائق و التحق بجيش التحرير بمبادرته الشخصية عن طريق الحاج سلامة الذي جنده لدى قيادة الولاية السادسة فكان أحد كتابها و شارك في معارك مع قائدها العقيد محمد شعباني رحمه الله في جبل بوكحيل و جبال الكرمة. و بعد الاستقلال عين مسؤولا عسكريا و سياسيا في كل من غرداية و المنيعة و ورقلة حيث تم اعتقاله لمدة أسابيع في الحملة التي طالت العقيد محمد شعباني و مساعديه سنة 1964 بتهمة العمل على فصل الصحراء الباطلة التي أعدم شعباني ظلما و عدوانا بسببها و بقي مساعدوه الذين يشكلون اليوم الأمانة الوطنية لمنظمة المجاهدين 18 سنة في السجن قبل أن يطلق الشاذلي بن جديد سراحهم و يرد إليهم الاعتبار.

في هذه الحملة لم يسجن المجاهد محمد الأخضر شوشان و لم يعدم لأنه لم يكن من سكان بسكرة و لكنه رفض الخدمة في المؤسسات السياسية للسلطة الحاكمة بعد ما تعرض له هو من إهانة و تعذيب و وفاء لقيادته التي يعرف إخلاصها للجزائر قولا و عملا في الحرب و السلم. فاعتزل السياسة و انخرط في سلك التعليم مربيا ابتداء من سنة 1965 و بقي فيه إلى سنة  1992و استكمل دراسته الجامعية خلال هذه الفترة.
و في سنة 1990 و اغترارا بما قام به الشاذلي بن جديد من مبادرات لرد الاعتبار للمواطن الجزائري و التي كان آخرها فتح المجال للتعددية السياسية و نزولا عند رغبة كثير من المواطنين عاد رحمه الله إلى العمل السياسي كرئيس لمكتب الجبهة الاسلامية للانقاذ بالمنيعة ثم انتخب رئيسا لمكتبها الولائي بغرداية ثم عضوا لمجلس الشورى المنبثق عن مؤتمر الوفاء بباتنة سنة 1991.
تعرض للاعتقال التعسفي بعد إضراب الجبهة في جوان  1991 ثم أطلق سراحه لتحضير الانتخابات البرلمانية. و بعد انقلاب يناير 1992 داهمت قوات الدرك و الجيش منزله في المنيعة عدة مرات دون أن تتمكن من اعتقاله فاستهدفت اجهزة الأمن ابنيه محمد الطاهر و عبد الحليم الذين قضيا بين معتقلات الصحراء ثلاث سنوات بدون وجه حق.

و هنا أفتح قوسا لأسجل أن هذا الرجل المجاهد كان عضوا في مجلس الشورى الوطني للجبهة و كان عمي و صهري و استاذي و مع ذلك لم يحاول استغلال علاقته بي لتوظيفها في خدمة حزبه كما يفعل الخونة و الخائنات الذين استباحوا كل شيء من أجل إشباع نزواتهم الجامحة في إقامة جمهورية الرذيلة و الفساد و المخدرات و الرشوة.  و  لذلك فإنه لم يعلم رحمه الله بعلاقتي بالحركة الاسلامية المسلحة إلا بعد أن اعتقل عبد القادر حشاني؛ حيث أخبرته بأنني مع بعض المخلصين من ضباط الجيش  قادرين على القضاء على الشرذمة التي تريد أن تخلط الأمور في البلاد و مستعدون لفعل ذلك بالتعاون مع الحركة الاسلامية المسلحة إذا كان هناك من يتحمل المسؤولية على تبعات ذلك. فأجابني رحمه الله بكل مسؤولية: لا أحد يتحمل عنك المسؤولية على دماء الناس يا ولدي. فإن كنت قادرا على  فعل شيء من أجل بلدك فكن مستعدا لتحمل المسؤولية على تبعاته وحدك و إلا فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

بعد أن تكثفت مداهمات الأمن لبيته و تم ترويع أهله دون ان يظهر في الأفق ما يوحي بالإنفراج في الازمة غادر الجزائر عبر الصحراء الكبرى في مغامرة كادت تودي بحياته و حط الرحال بالنيجر حيث التقى بالحاج حسن رحمه الله أحد انصار المشروع الإسلامي المخلصين و الذي كان يحضر لإنشاء قاعدة لإيواء و تدريب الاسلاميين المهاجرين في المنطقة الحدودية بين الجزائر و النيجر. و قد مكث معه اشهرا قليلة تأكد خلالها من عدم جدوى بقائه هناك فانتقل إلى غانا بمساعدة ابنه الأكبر الدكتور عثمان المقيم في المملكة العربية السعودية آنذاك. و قد اكمل رسالته التربوية و الدعوية في غانا و استقر به المقام بعد ان تزوج غانية من أهل البلد و استطاع بالتعاون مع إدارة المنتدى الإسلامي بناء مدارس و مساجد و حفر آبار و كفالة ايتام و غير ذلك من الأعمال الخيرية التي ما زال المسلمون في غانا يستفيدون منها. و بقي هناك حتى سنة 2000 حيث سافر إلى بريطانيا و حصل على حق اللجوء السياسي فيها و بقي استاذا للغة العربية في أحد معاهدها الجامعية إلى أن اقعده المرض سنة 2007 و توفي في شهر جوان 2008 رحمه الله و غفر له.
هذا الرجل المعطاء الذي امتد نفعه من قلب الصحراء في الجزائر إلى أدغال إفريقيا و أعالي بريطانيا تخرج على يديه عشرات الآلاف من الرجال و لا تسمع أحدا يذكره من الجزائر أو من خارجها إلا أثنى عليه خيرا. إنه رجل لم يؤذ أحدا في حياته و لم يكلف أحدا شيئا بل كان يكلف نفسه في سبيل التخفيف عن الآخرين دون رياء و لا امتنان. و رغم انه كان في موقع المسؤولية الذي يمكنه من الاستيلاء على املاك الناس و اختلاس اموال الدولة بعد الاستقلال و رغم أنه لم يعرف البطالة في حياته الممتدة واحدا و سبعين عاما و رغم انه كان على علم بقنوات جمع المال و الطريق إلى جيوب المحسنين من اغنياء المسلمين في الخليج و غيره فإنه توفي و ليس بحوزته عقد ملكية للبيت الذي يسكنه هو و عائلات اولاده و بناته في المنيعة فضلا عن غيرها. بل رحل و في ذمته ديون لدى اثنين من خاصة معارفه.

هذا الرجل المجاهد النقي اتهمته أجهزة الأمن في الجزائر بالإرهاب و المشاركة في عمليات السطو و القتل و طالبت برأسه مقابل مكافأة مالية و علقت صوره في مخافر الأمن و اقتحمت بيته على النساء و الأطفال في منتصف الليالي بعد أن اعتقلت و شردت جميع الرجال من أهل بيته و حكمت عليه بجميع العقوبات ابتداء من الإعدام و انتهاء بعشرين سنة سجنا مرورا بالمؤبد. فهل بعد هذا يتساءل عاقل لماذا يتعرض عناصر الأمن و من تواطأ معهم للاغتيال من طرف المسلحين؟ ايحلمون أن يتحلى كل الشباب الجزائري بصبر و حلم هذا الجبل الشامخ؟ و هل يجرؤ القضاة الذين أصدروا تلك الأحكام على تبرير فعلتهم الشنيعة امام الناس في الدنيا؟  و من سيشفع لهم امام الله يوم القيامة؟ و أسأل هنا أهل المنيعة كلهم و الذين أقام هذا الرجل الفاضل بينهم منذ الاستقلال: هل عرفتم رجلا أنظف يدا و أعف نفسا و اسلم قلبا من هذا الرجل بينكم أنتم السكان الأصليون في المنيعة أو من غيركم من الوافدين على البلاد من مستخدمي الدولة و على رأسهم عناصر الأمن و بدون استثناء؟ إنه لا يسعكم غير النفي و من قال غير ذلك فهو كذاب و شاهد زور بكل تأكيد.
إن ما تعرض له هذا الرجل و أمثاله في جزائر الاستقلال من موجبات المقت و النقمة من الله. و ما دام الناس يشهدون الزور خدمة للباطل و يبجلون الحقير الفاسق و لا يعرفون لأهل الفضل حقهم  فأنى لهم أن يطمعوا في لطف الله و عفوه؟
رحلة الخروج
إستحسن عمي فكرة مغادرتي الجزائر و لكنه طلب مني التريث نظرا لخطورة الرحلة التي عادة ما تكون مع مهربين من المحتمل أن يقعوا في كمائن دوريات الدرك و الجمارك أو حتى قطاع الطرق من الطوارق و الأزواد المنتشرين على الحدود الجنوبية للجزائر. و لكنني لم أكن استطيع التأجيل  بعد ما حصل بيني و بين مديرية امن الجيش فقررت أخذ المبادرة بنفسي.

كان واضحا للجميع أن وضعي خاص جدا. فأما الاسلاميون فكانوا واثقين بأنني من أهل الحق و لا يمكن أن أنحاز إلى الباطل مهما كان الثمن. و لذلك فقد بقيت علاقتهم بي على حالها و لم تتغير بل ازدادوا مني قربا لأنهم استانسوا بإطلاق سراحي و رد الاعتبار لي كما بدا لهم. أما أتباع السلطة فقد وقعوا في حيرة عندما رأوني آكل الطعام و أمشي في الاسواق بعد كل ما حدث. و زاد من حيرتهم ما لا حظوه من تهيب أجهزة الأمن من الاقتراب من بيت عمي الذي قضيت فيه مدة غير قصيرة.

في هذه المرحلة لجأت إلى بيتنا عائلة من أم و ثلاث بنات و صبي. هذه الأم اعتقل ابنها الأكبر و هو معيلها الوحيد بتهمة الانتماء إلى جماعة مسلحة سنة 1992 و سجن في السجن العسكري بالمرسى الكبير و فر منه سنة 1993 ليجد نفسه في حضن الجماعة الاسلامية المسلحة بقيادة  عبد الرحيم في غرب الجزائر. و منذ ذلك الحين اعتقلت الشرطة أخاه الثاني و فرضت على العائلة المحافظة المسكينة حصارا مشددا لتبقى الأم و بناتها التي بلغن سن الشباب عرضة لفضول حراس الجمهورية الأشاوس الذين لا يحلو لهم ترويع الغلابى إلا بعد منتصف الليل. و لما وصل عبد الحكيم إلى المنيعة و علم بما تتعرض له عائلته من طرف الشرطة التحق بالجماعة المسلحة هناك و طلب منهم مساعدته في تهريب عائلته خارج الجزائر فوعدوه بذلك. و لكن النافذين في الجماعة نقضوا العهد و ساوموه على الزواج من أخواته الثلاث فرفض، و لما حاولوا إرغامه تمرد عن الجماعة و انفصل عنها. و منذ ذلك الحين أصبحت الأم و بناتها بين مطرقة السلطة و سندان الجماعة فلجأت المكسينة و بناتها إلى بيت عمي فرارا بدينها و عرضها.

و قد كانت هذه العائلة المنكوبة عقبة في طريق خروجي لأن بقاءها في البيت بعد ذلك سيعقد الأمور على الجميع و لذلك كان التفكير في مصيرها جزء من مشروع الهجرة.

أول خطوة قمت بها كانت دراسة منطقة العبور على الخريطة ثم استئجار دليل موثوق عارف بطرق دوريات الحراسة و مراقبة الحدود. و قد تمكنت بمساعدة بعض الأقارب بالوصول إلى أقدم خريت في الصحراء الكبرى قضى أكثر من ستين عاما بين شعابها اسمه عبد الرحمان و يسميه سكان المنطقة بالضب. كان في وضع حرج بعد أن صادرت مصلحة الجمارك كل ممتلكاته التي جمعها خلال ستة عقود من التجارة الشرعية و غير الشرعية. فاتفقت معه على تأمين كل شيء متعلق بالرحلة مقابل أربعين مليون سنتيم ادفع له منها عشرة ملايين مقدما لتجهيز نفسه. و كان هذا المال ثاني عائق أمامي لأنني لم أكن أملك سنتيما واحدا فاضطررت إلى استلاف المبلغ كاملا بمساعدة أخي الدكتور محمد الطاهر.

أما بالنسبة لتلك العائلة فقد التقيت بولي أمرها عبد الحكيم و كان مسلحا بمسدس رشاش من نوع كلاشنكوف و بحوزته حوالي 400 طلقة متنوعة و قنبلة يدوية.  و روى لي قصته كاملة و طلب مني مساعدته على إخراج أهله من الجزائر فاقترحت عليه أن يصحبني في رحلتي شريطة أن يوفر وسيلة نقل لسفر عائلته فاستشارني في كيفية الحصول عليها فنصحته أن يحصل عليها بالمعروف فإن تعذر عليه ذلك فليتجنب الإعتداء على مال أو عرض أو دم أي مواطن فإن مأساة أهله لا يجوز حلها على حساب الآخرين. و فعلا استطاع بالتعاون مع اثنين من الشباب أن يستولي على سيارة ميدانية من نوع تويوتا ستايشن تابعة للدولة دون إراقة دماء.

 و هكذا أصبح المعنيون بهذه الرحلة مجموعتين مسلحتين تتكون الأولى من عبد الحكيم و أمه و أخواته الثلاث و أخوه الأصغر و الشابين الذين ساعداه في الاستيلاء على السيارة و معهم سلاح عبد الحكيم أما الثانية فتكونت زيادة عني أنا من الدليل و سائقه مزودين بسلاح رشاش آخر وفره الدليل لتأمين الرحلة.

و قد فشلت أول محاولة للخروج عندما تأخر الدليل عن الموعد المحدد نتيجة للحصار المضروب على المنطقة. و قد كانت تجربة قاسية لأننا تواعدنا على اللقاء 80 كلمترا في عمق الصحراء في منتصف الليل. و كانت مخارج المنيعة كلها مغلقة و نظام منع التجول ساري المفعول. و رغم أن خروجنا كان سهلا بعض الشيء لأننا رتبنا كل شيء مسبقا إلا أن اقترابنا من المدينة عند العودة مع اقتراب الفجر و دخولنا إليها كان عملا في منتهى الصعوبة و الخطورة خاصة و أن معنا نساء لم يتعودن أبدا على مثل هذه المواقف. و لكن هذه التجربة الميدانية كانت مساعدة لنا جدا في محاولتنا الثانية التي كانت موفقة بعون الله.

اخترقنا المنطقة الصخرية بين طريق عين صالح و طريق أدرار بحذر شديد و نحن في وضعية قتال لأن أي تماس بيننا و بين أي دورية لم يكن يعني سوى شيئا واحدا هو القتال حتى الموت و قد تعاهدنا على ذلك قبل الانطلاق ليكون الجميع على بينة من الأمر. حتى النساء فضلن الموت على البقاء في الجزائر عرضة للابتزاز و المساومة على شرفهن. و رغم ذلك لم تخل رحلتنا من الفكاهة لأن الدليل كان قد جاوز السبعين و كاد يفقد بصره تماما و كنت أصف له وضع النجوم و تضاريس الأرض لتحديد وجهته و لكنه كان أحيانا يختلط . و من ذلك أنه تأمل تجمعا للنجوم مرة و ظنه " الدب الأكبر " الذي يسميه الناس عندنا " الناقة " فقال لي : هذه هي الناقة و لذلك فإن علينا الاتجاه من هنا. فقلت: يا عمي عبد الرحمان الظاهر أن ناقتك طايرة لإنني لا أرى لها أرجلا و إنما أجنحة.... و قد اصطحبت معي خريطة و بوصلة ساعداني على التحرك بثقة كاملة و الحمد لله.

بعد يومين وصلنا إلى منطقة جبلية مظلمة اسمها " آهنت" تمتد شرقا إلى عمق التراب الليبي و جنوبا إلى حدود تشاد و لكنها لم تكن وجهتنا، فخيمنا فيها أسبوعا كاملا تم خلاله استطلاع المنطقة الحدودية المحاذية لدولة مالي و استحدثنا نقاط للتزود بالوقود و الماء.
في هذه المنطقة يمكن لجيش كامل أن يتمركز دون أن تتمكن أية قوة في الأرض أن تقضي عليه إلا بالانتشار داخل شعابه و احتلاله بعد دفع خسائر بشرية و مادية لا تقل عن عشرة أضعافه. و لذلك فإن المراهنة على القوة لاستتباب الأمن في الجزائر سواء في الصحراء أو في الشمال وهم يملأ رؤوس الحمقى وحدهم.

بعد ذلك قمنا بعملية اختراق طويل لمفازة " تانزروفت" الممتدة غربا أكثر من 500 كلمتر بين " جبال آهنت " و "عرق الشاش الكبير" ثم اقتحمنا عرق الشاش جنوبا في اتجاه " الحنك" من تراب مالي الذي هو عبارة عن صفائح قاطعة من الصخور البركانية تمتد عشرات الكيلمترات  في اتجاه الصحراء الغربية. ثم انحدرنا من الصحراء الغربية في اتجاه الجنوب نحو منطقة الزويرات الموريتانية. و قد دامت  المرحلة الأخيرة من رحلتنا أسبوعا كاملا من المغامرة بلياليه تفادينا أثناءها التماس مع دوريات الحراسة الجزائرية و المالية و نقاط المراقبة الموريتانية كما قدمنا المساعدة لبعض المتخلفين من المشاركين في رالي دكار و السواح العرب المتوغلين للصيد في شمال مالي.
خيمنا على مشارف الزويرات ثلاثة أيام قام خلالها الدليل بترتيب دخولنا بعد أن استأذن المعنيين بالأمر وفق الأصول المعمول بها واستأجر لنا بيتا هناك.

أخبار من موريتانيا

لم أصدق لحظة ما كان الناس المضللون بوسائل الاعلام في ذلك الوقت يتداولونه من أخبار عن العمليات القتالية التي تقوم بها الجماعة الإسلامية المسلحة في الجنوب خاصة ما كان يتعلق منها بالسطو على شركات البترول في الصحراء و سرقة السيارات منها. و لكنني لم أستطع أن أقيم الدليل على عكس ذلك حتى وصلت إلى موريتانيا و رأيت تلك السيارات و سارقيها بأم عيني.
فقصة السطو على الشركات و سرقة السيارات منها و تهريبها إلى موريتانيا و بيعها باسعار زهيدة سابقة عن الأزمة السياسية و لكنها جزء من الأزمة الأم. فالقضية تتعلق بمجموعة من الشباب المهربين الذين كانوا يشتغلون بالتعاون مع أعوان الجمارك و الأمن يتقاسمون معهم أرباحهم بل إن بعضهم كانوا من الأزواد يحملون وثائق جزائرية رسمية. و فجأة استفاقت الدولة سنة 1990 و قررت شن الحرب على المهربين. و بين عشية و ضحاها وجد أولئك الشباب أنفسهم يفترشون الأرض و يلتحفون السماء و مطالبين من طرف شركائهم من مستخدمي الدولة برشوة لإطلاق سراحهم من السجن زيادة على الخسائر. و مما زادهم غيظا و حقدا أن أولئك المستخدمين الذين يعرفون عنهم كل شيء أهانوهم و عذبوهم باسم القانون الذي كانوا هم أول من داسوا عليه. و أنا لا أتكلم عن مبالغ بالملايين و إنما عن رشوة بمئات الملايين للفرد الواحد. و كما هي العادة أطلق سراحهم في النهاية. يقول زعيم هذه المجموعة لقد قررت أن أستعيد المال الذي سلبوه مني بالقوة بنفس الطريقة. و هكذا تشكلت هذه المجموعة من ستة شباب من أعرف الناس بتلك الأرض و أمهرهم في سياقة السيارات الميدانية و أجرئهم على المغامرة و بدأوا بالاستيلاء على سيارة واحدة رتبوا بها أوضاعهم ثم أصبحوا يدخلون من موريتانيا بسيارة واحدة و يخرجون من الجزائر بستة سيارات من نوع كروزر بينما أجهزة الأمن و الجمارك و مراقبة الحدود تعلق فشلها و خيبتها على شماعة الإسلاميين.

أما بيع مسروقاتهم فيتكفل به قريب الرئيس الموريتاني معاوية ولد الطايع الحاكم الفعلي في الزويرات. فلديه حظيرة شاسعة تستقبل السيارات و تضبط لها أوراقها ثم تعيد بيعها للشخصيات الفاسدة التي تعج بها دول إفريقيا. هكذا كانت البداية إلى أن تنبه لها أمير جماعة المنيعة  سنة 1995. فأصبحت الجماعة تستولي على السيارات و الناقلات و تقايضها بالسلاح في موريتانيا بعد أن كانت تشتري السلاح بدفع الثمن نقدا لضباط الجيش في النيجر و مالي و مقاتلي التوارق و مقاتلي البوليزاريو.

بعد وصولنا كان لابد لنا من ضبط وضعيتنا الإدارية حتى نتمكن من التحرك. فقابلت الحاكم الفعلي و تحدثت معه عن رغبتنا في الحصول وثائق مدنية فقال لي أنتم في ضيافتي و لن تحتاجوا للوثائق فعلمت أننا طرقنا الباب الخطأ خاصة عندما قال لي بأنه سيشتري السيارة التي معنا بسعر لا يساوي ثمن عجلاتها فطلبت منه إمهالي حتى أستشير رفاقي. و بعد ما خرجت من عنده طلبت من الدليل ان يجد لنا طريقة للخروج من الزويرات و لكنه لم يستطع فعل شيء حتى جاءنا الفرج بعد أيام من حيث لا نحتسب.
عندما وصلنا مباشرة كان الخبر قد وصل إلى زعيم مجموعة المهربين المذكورة (ق.ر) الذي كان موجودا في نواكشوط.  فظن أننا من المهربين الذين يريدون أن يفسدوا عليه السوق فجاء فورا و تكلم مع الدليل عمي عبدالرحمان الذي يعرفه جيدا و علم منه كل شيء قبل أن يأتي لمقابلتي. و من تيسير الله لنا أن الرجل كان في مثل سني و كنت أعرف عائلته جيدا و كان يسمع عني. و لما أخبرته عن اللقاء الذي دار بيني و بين قريب الرئيس الموريتاني ثارت فيه حمية الجزائريين و أقسم أن يأخذ منه نفس الثمن المعتاد. و قد تأثر كثيرا لما علم أنني أصطحب معي نساء مهاجرات بدينهن و قدم لنا يد العون في تلك الظروف الصعبة فجزاه الله خيرا و هداه.

و بينما كنا ننتظر صدور الوثائق وفد على الزويرات فوج من الجماعة الاسلامية المسلحة يقوده نائب الأمير المدعو عيسى (ج.ح) و هو من المنيعة فتعرف على أحد الشابين الذين سافرا معي (م.ط) فتتبعه حتى حدد مكان سكننا و علم بوجودي مع المجموعة فظن في البداية أنني جئت لأتجسس على نشاطهم في موريتانيا و لكنه بعد أن التقى ب (م.ط) في السوق استطلع منه الأمر. و لما بلغني الخبر أرسلت في طلبه و تحدثت معه. و كان مما أخبرني به هو أن عبد الحكيم و (م.ط) مطلوبان من طرف إمارة الجماعة و من واجبه أن يعيدهما ليمثلا أمام قاضي الجماعة. فقلت أترى بأنك أنت و إمارة الجماعة أولى بصحبة عبد الحكيم من أمه و أخواته المشردات في هذه الظروف؟ قال: أنا ليس لي رأي و لكنني أطبق تعليمات الأمارة. قلت: إذا أردت الكلام معي بمنطق الشرع فهات ما عندك و سأنوب بنفسي عن إمارتك في تطبيق الشرع. أما التعليمات فإنها غير نافذة على أحد ممن معي. و إني أحذركم من مغبة التعرض لأي واحد منهم بسوء. و قد خرجت من الجزائر تجنبا لإراقة دم الجزائريين فلا ترغموني على فعل ذلك خارج الجزائر. و كان ( ق.ر) حاضرا فقال: أنا مع سي احمد فيما قال و إذا حصل أي شيء فلا تفتربوا من ساحتي أبدا.

و قد عرفت بعد ذلك أن (ق.ر) لم يعد في حاجة إلى الدخول إلى الجزائر بعد أن أدرجت الجماعة السطو في عملياتها و اكتفى بتسويق بضاعتها و مقايضتها مقابل السلاح في موريتانيا و أصبح من أعيان البلد خاصة بعد أن تزوج ببنت سيد الأزواد على إثر عملية بطولية قام بها لإنقاذ نساء و أطفال الأزواد العرب من الموت المحقق على أيدي طوارق مالي. و قد دفعني الفضول للذهاب معه في إحدى المرات و كان من بين السلاح المعروض صاروخ مضاد للطائرات من نوع (ستريلا 2) جلبه أحد الصحراويين من معسكر البوليزاريو فلم أتمالك نفسي من الضحك (و شر البلية ما يضحك). فقلت ل (ق.ر): الجزائريون كلهم مساكين، فالجيش يشتري هذا الصاروخ بعشرات الآلاف من الدولارات من خزانة الدولة و يعطيه لقيادة البوليزاريو مجانا و بعد انتهاء صلاحيته يشتريه الاسلاميون الجزائريون من البوليزاريو بعشرات الآلاف من الدولارات التي غنموها من خزانة الدولة أيضا. و هكذا تدفع الجزائر ثمن الصاروخ مضاعفا دون استعماله و يتمتع الروس و الصحراويون بذلك على حساب شعبنا. أليس هذا من البليات المضحكات. فحاول الصحراوي الاحتجاج فقاطعته: كم طائرة مغربية أسقطتم أنتم بهذه الصواريخ طوال حربكم يا رجل؟ احتفظ بهذه الخردة عندك و لا تستغفلوا عباد الله. إن لهذا الصاروخ ورشة كاملة لضبطه قبل الإطلاق و بدونها لا يساوي هذا الصاروخ شيئا...... و نصحت (ق.ر) بعدم شراء الصاروخ فأخذ بنصيحتي و كان مصيبا في ذلك.

بعد استلامي ثمن السيارة من (ق.ر) السيارة صفيت الحساب مع الدليل و اتفقت مع (ق.ر) على الانتقال من الزويرات إلى نواكشوط. و قبل سفرنا وصل أمير الجماعة الاسلامية المسلحة على منطقة الجنوب محمود أبوطالب و زارني هو و نائبه عيسى و جرى بيننا حوار بخصوص تسليم عبد الحكيم و (م.ط) اقتنع بعده بصواب رأيي في الموضوع و شكرني على نصيحتي لهم بعدم شراء الصاروخ التالف فقلت له أنا مستعد لمساعدة أي جزائري في ما يحقق المصلحة و لو أن إمارة الجماعة المسلحة كانت مخلصة في العمل بما تقتضيه المصلحة لكنت من أنصارها و هذا موقف ثابت من كل الجزائريين لن يتغير إن شاء الله. و ظهر لي أن كلامي أحرجه عندما قال: سأبلغ القيادة ما سمعته منك إن شاء الله. و لكنني تبينت الحقيقة بعد أن طلب من عيسى الانصراف لتحضير جماعتة للانطلاق إلى الجزائر. و لما اختلى بي قال: إسمع يا سي أحمد، أنا متأكد من إخلاصك في نصرة الحق و إني أخشى أن تقع في ما وقعنا فيه. إننا لا نعرف في هذه الجماعة عدونا من صديقنا و والله لو أجد لي مخرجا أعذر فيه عند الله لما بقيت تحت هذه الراية العمياء لحظة واحدة فادع الله أن يحسن لي الخاتمة. و إني أنصحك أن لا تستجيب لدعوة هذه الجماعة إن طلبوك لأنهم سيغدرون بك.......

فوجئت بكلامه الذي كان يفيض صدقا و رجاء و تساءلت مستغربا: لماذا انتظرت حتى انصرف عيسى لتقول لي ذلك؟ فقال: عيسى بن بلدي و لكنه جاهل فاحذر منه. و أنا أحضرته في بداية الجلسة لينقل إلى القيادة ما سمع و إني أريدك أن تصحبني إلى خارج الزويرات حتى تطمئن قلوب الجماعة الذين معي لأن الشيطان يجري في عروقهم مجرى الدم. قلت: إذن أذهب مسلحا. فوافق. و انطلقنا إلى حيث يرابط 12 من المسلحين و معهم أربع سيارات ميدانية من نوع تويوتا ستايشن 5 و 6 محملة بأسلحة و ذخيرة متنوعة من بينها رشاشين ثقيلين مضادين للطيران عيار 17 مم و قطعتين من مدفعية الهاون عيار 82مم و قاذفات مضادة للدبابات من نوع رب ج-7.

و قبل الافتراق قلت لمحمود و (ق.ر): هل أنتم فعلا من يقوم بقتال الجيش الجزائري؟ أم أن هناك مقاتلون آخرون يتسببون له في الخسائر التي نسمعها؟ فقال محمود: ماذا تعني يا سي احمد؟ قلت: لو كنت أنقل تمرا لما نقلته بهذه الطريقة. فكيف تكدسون عدة قتالية لتجهيز كتيبة ثقيلة في أربع سيارات و تتنقلون بها كقافلة تجارية ؟ لو وقعتم في كمين ستدافعون عن الرشاشات الثقيلة و المدافع المحزومة بمسدسات رشاشة. فهل هذا معقول عندكم؟ صدق فيكم قول الشاعر: كالعيس في البيداء يقتلها الظما _ و الماء فوق ظهورها محمول. فقال: سأفكر في الأمر عندما نصل إلى منطقة تجمعنا داخل الجزائر. ثم ودعني و انصرف.

بلغني بعد ذلك أن محمود اقترح على قيادته عدم نقل هذه الكمية الضخمة من الأسلحة و الذخيرة إلى الشمال دفعة واحدة و إرسالها على دفعات تفاديا للمفاجآت. و قد كلفه هذا الاقتراح استدعاءه من طرف الإمارة الجهوية بالاغواط و التي قد كان يسيطر عليها جماعة من الأفغان الجزائريين ظنا منهم أنه يخطط للانفصال عنهم. فعينوا صديقهم مختار بلمختار خلفا لمحمود للتكفل بشحنة السلاح و أصبح عيسى الذراع الأيمن لمختار بلمختار المدعو خالد إلى أن انفصل عنه بعد افتضاح أمر زيتوني و تفكك الجماعة سنة 1997 لينتهي به المطاف بالاستفادة من ميثاق السلم و المصالحة سنة 2005.

أما محمود فقد طاردته قوات الأمن و هو في طريقه إلى لقاء القيادة في الأغواط حتى حاصرته بين القرارة و بريان مع مجموعة قليلة من مرافقيه و قتلتهم جميعا. و أما شحنة السلاح فقد حاول المير الجديد نقلها إلى العاصمة و لكن قوات الأمن اكتشفت امرها بعد إلقاء القبض على أحد عناصر الجماعة و استنطاقه فطوقت المنطقة و قصفت السيارات بالطيران فتفرقت حراستها في الصحراء و انسحب بعضهم إلى المنيعة حيث لاحقتهم أجهزة الأمن و الجيش و قتلت بعضهم فيما انسحب خالد بمن بقي من جماعته إلى المنطقة الجبلية شرق عين صالح و بدأ عملية جديدة.

أما العنصر المقبوض عليه فكان من سكان أدرار و من الذين ساهموا في جمع الأسلحة و نقلها و لذلك فقد أخبر عن مكان تواجد (ق.ر) و جماعته فطالبت الجزائر موريتانبا بالقبض عليهم و زودتها بكل المعلومات و المخبرين. و قد قامت أجهزة الأمن الموريتانية فعلا بحملة مداهمة لبيوت المجموعة و لكن بعد أن غادرها أهلها الذين وصلهم الخبر قبل أن تصل التعليمات إلى الشرطة.

حصل هذا أثناء أربعة شهور تقريبا كنت خلالها قد رتبت نقل عبد الحكيم و عائلته و مرافقيه إلى غامبيا عبر نهر السينغال بعد أن حصولهم على وثائق موريتانية رسمية. ثم استأجرت لهم بيتا في العاصمة بانجول بمساعدة إخوة موريتانيين حق لموريتانيا أن تفتخر برجولتهم و نخوتهم. و و الله لولا ما وجدت في أولئك الإخوة من الشهامة و الصلاح و اللطف ما بقي في ذاكرتي عن موريتانيا ما يستحق الذكر. لقد كانوا أعوانا أقوياء على كل خير و آثرونا على أنفسهم بما يملكون من جاه و مال و نفس رغم حاجتهم و خصاصتهم فقط لأنهم علموا من مصدر موثوق أن تلك العائلة الجزائرية المنكوبة مهاجرة بدينها. و قد زارنا شيخهم و هو شاب فاضل يطفح علما وذكاء و رجولة و طلب من كل الإخوة أن يجتمعوا بعائلاتهم في البيت الذي استأجرناه إكراما للأخوات و مواساة لهن بعد رحلتهن المضنية و وعظهن من وراء حجاب قائلا: إن الهجرة في سبيل الله مقام يطمح إليه حتى الانبياء فلا تغرنكن غربة الأخوات الجزائريات و تواضعهن فقد سبقنكن بهذا الفضل فاعرفوا لهن قدرهن. فجزى الله الجميع عني خيرا و أثابهم على معروفهم بما هو أهل إنه غني كريم.
بعد اطمئناني على تلك العائلة جددت الاتصال بأخي و ابن عمي الدكتور عثمان الذي كان له الفضل في الوصول إلى الشيخ المشار إليه سابقا و تلاميذه و تواصلت عن طريقه بعمي الشيخ محمد الأخضر رحمه الله الذي كان في ذلك الوقت مستقرا في " أكرا " عاصمة  "غانا " و مسؤولا عن نشاطات الدعوة و الإغاثة التي يشرف عليها المنتدى الاسلامي في غرب إفريقيا.

التفكير في تكوين تنظيم مسلح جديد
عندما وصلت إلى غانا كنت في وضع لا أحسد عليه من التعب و الإرهاق إلى درجة أن عمي لم يعرفني في المطار إلا بعد أن قدمت نفسي له. فأكرم وفادتي و هيأ لي من أسباب الراحة ما ساعدني على استعادة حيويتي، فقضيت أسابيع طويلة في شبه خلوة تامة في جمع شتات أفكاري و مراجعة ما مر بي من الأحداث و إعادة ترتيبها ثم تناولتها بالدراسة من جميع الجوانب و ناقشت ما أشكل علي منها مع عمي  رحمه الله و استعنت فيما له علاقة بالشرع بابن عمي و أخي عثمان و تابعت ما استجد من الاحداث من مصادر موثوقة.
و بعد استنفاذ الجهد في النظر و المهلة في الوقت انتهيت إلى أن الحق في هذا الأمر لا يخرج عن خيارين. أولهما و أولاهما هو تشكيل جبهة مسلحة جديدة تحمل مشروعا مستقلا للإصلاح وتتعاون مع كل الخيرين من أبناء الجزائر لرد الأمور إلى نصابها. تنطلق من الجنوب و تقدم السلم على الحرب. و آخرهما هو الاعتزال و الاكتفاء بالنصح إلى أن تتهيأ الظروف المناسبة للمساهمة في أي مسعى جاد لإنهاء الأزمة . و شرعت فعلا في العمل بالخيار الأول و قطعت فيه شوطا تجاوز الجانب النظري. حيث قمت بتحريات و اتصالات نتج عنها اقتناع بعض الجماعات المسلحة النشطة في الداخل بالفكرة و تم التفاهم مع بعض الإخوة على مساعدتي ماديا في إطلاق المشروع و لكنني فوجئت لحظة الوفاء بالوعد أن البقية الباقية من المسلحين الاسلاميين لا صبر لهم على التخلاط و السلوك الملتوي. و أصبح واضحا عندي أن بداية هذا الخيار يجب أن تمر على تأمينه من الداخل مما يعني أن علي أن أخوض معارك طاحنة لتطهير صفوف الجماعات المسلحة من خلايا التدمير الذاتي التي تنخر جسدها. و قد كان هذا الأمر مستحيلا في ذلك الوقت لأن الشعب الجزائري كان ذاهلا عما يجري حوله و خاصة أنصار التيار الاسلامي الذين كانوا يعلقون آمالا عريضة على الصخب الذي كانت تثيره بعض المنابر الإعلامية من الخارج. و لذلك قررت إسقاط هذا الخيار من برنامجي و تفرغت للعمل بالخيار الثاني.

تواطؤ الجماعة الاسلامية على اغتيالي
كان قراري بمغادرة الجزائر قائما على خيار مسؤول تبنيته بقوة. و كان هذا الخيار قائما على تجنب التورط في سفك دماء الأبرياء بغير حق أو قتل الناس بناء على الشبهة سواء كان ذلك باسم القانون أو باسم الإسلام. و لكنني مع ذلك لم أكن لأمتع المجرمين في الطرفين بالتقرب بذبحي إلى طواغيتهم. فخرجت من الجزائر و أنا على أتم الاستعداد لتحديهم في نزال شريف أذيقهم فيه الموت قبل أن أقتل و بقيت على حذر شديد إلى أن بلغني الله مأمني و كفاني شرهم فله الحمد و الشكر.

و من عناية الله بي أنه قيض لي جنودا من داخل صف الجماعة المسلحة لم تكن لي بهم صلة أبدا. فقد جاءت تعليمات جمال زيتوني أمير الجماعة الاسلامية لعامله الجديد على الصحراء مختار بلمختار بتدبير عملية اغتيالي. و صدرت التعليمات لعناصر الجماعة المنتشرين في موريتانيا و مالي و النيجر و بركينافاسو باستدراجي لتنفيذ حكم الإمارة. و بدلا من فعل ذلك تم الاتصال بي لتحذيري من التعليمات الجديدة و أسماء المتحمسين إليها من العناصر المتواجدة في المنطقة. فقد اتصل الأخ (م) في اللحظة التي صدرت فيها التعليمات بكل من يثق فيه من معارفي لتحذيري كما بعث لي الشيخ حسن رحمه الله رسولا (ح.ب.ب) يحذرني من القدوم إليه بعد أن كنا متفقين على اللقاء في النيجر للنظر في تطورات الوضع بصفته أعلم الجزائريين يتاريخ العمل المسلح في المنطقة. كما اعترض الأخ (ط.ب.ع) و كان الضابط الشرعي للجماعة في عهد محمود بوطالب على الانحراف الذي وقع في عمل الجماعة  و كاد يتعرض للعقوبة لولا فراره و لجوؤه إلينا في غانا ليؤكد لنا تفاصيل ما حدث و يحذرنا مما تدبره إمارته.

و في إطارالتقصي على حقيقة ما يحدث سافرت إلى بركينافاسو حيث استقر (ق.ر) و جماعته بعد اكتشاف أمرهم في موريتانيا و علمت منه أن أحوال الجماعة تغيرت تماما منذ تعيين مختار بلمختار على رأسها و أنه أصبح حذرا في التعامل معهم. و بينما كنت ضيفا عنده وفد عليه أمين خزينة الجماعة (ب.ل) و أخبره بأن عيسى متجه إليه مع 4 من عناصر الجماعة ليطالبوه بتسليمي لهم و إلا قتلونا جميعا لأنهم يعتبرونه قاطع طريق يجب قتله و لكنهم يريدون الاستفادة من خدماته إلى حين فقط. و بعد الحديث معه علمنا أن عددا كبيرا من عناصر الجماعة متذمرون و ينوون التمرد على الجماعة.

حاول (ق.ر) أن يقنعني بمغادرة بوركينا فاسو تفاديا للاغتيال و وعدني بالاتصال مجددا بعد أن يستوفي حقوقه على الجماعة و التي تقدربمئات الآلاف من الدولارات التي اشترى بها أسلحة و ذخيرة للجماعة. و أمام إصراري على البقاء توافقنا على أخذ جميع الاحتياطات الأمنية قبل وصول عيسى و من معه. و جاء عيسى و جماعته و اندهش عندما وجدني جالسا في الغرفة الفسيحة. و قبل أن يستعيد وعيه بادره (ق.ر) قائلا: إسمع يا سي عيسى، الجماعة هنا ضيوف لدي و كلهم مسلحين و إذا تكلم الرصاص فلن يخرج أحد من هذه الغرفة حيا. فخلي جماعتك يقعدوا ترانكيل و إذا عندكم كلام قولوه بأفواهكم. فاضطرب عيسى و رد عليه قائلا: نحن جئنا لنتكلم معك. قال (ق.ر): جماعة من عندكم موجودين خارج الغرفة و سي أحمد ها هو أمامك و جماعتي يحيطون بالبيت و نحن على علم بكل ما حصل و ما ينفع غير الصح فاتركوا السلحة جانبا و تحدثوا. فوضع كل واحد سلاحه قريبا منه و جلسوا. و قبل ان يبادرني عيسى بالكلام قلت له: إسمع يا عيسى! أنا لن أتحدث عن خالدا و انصياعه لأمرائه لأنه لا يعرفهم و لا يعرف حتى ضحاياه، و لذلك فهو يتصرف كالآلة. أما أنت فما هو عذرك؟ ألا تعرفني؟ ألا تعرف السائق المنيعي المسكين الذي كان يشتغل في سونطراك قبل أن تولد أنت و خالد؟ ألا تعرف أنه كان لا يخطئ صلاة الجماعة في المسجد في الهواجر بينما كنت أنت تسطو على بساتين المشماش و لا تعرف للقبلة وجهة؟ بماذا تلقى الله بعد أن يتمت أولاده؟ كيف تخدع محمود و الطالب وأنت تعرف أنهم أهل دين و جاه في قومك و تثق في خالد و زيتوني الذين لا يعرف عنهما أحد شيئا. ألا تستحي أن تتآمر مع أميرك على اغتيالي أنا يا ولد (ح)؟ قل لخالد الذي عجز الجيش الجزائري أن يلتقط له صورة بإن ولد الشرفاء قادر على قتله دون عناء السفر إليه و مع ذلك لن أشرفه بذلك.

قاطعني عيسى عدة مرات محاولا إقناعي بأن ما وقع سوء تفاهم و أن القضية تتجاوزهم و لكنني تجاهلت تعليقاته المحتشمة و أنهيت كلامي إلى آخره ثم قلت له: أتريد أن أدخل عليك من يشهد عليك في وجهك؟ قال: من؟ قلت: (ب.ل). عندها غضب غضبا شديدا و قال: إذا دخل علي ذلك الخائن سأقتله. و ليكن ما يكون...قلت: ألم تدع أن ذلك سوء تفاهم؟ قال: أقصد أن سوء التفاهم وقع على مستوى القيادة. و أرجو أن تعتبر ما سمعته بشأن التآمر عليك يا سي أحمد غلطة و الدنيا راها مخلطة علينا من كل جهة. قلت: بل أنا أخبرك بأن إمارتكم تنفذ مخططا دقيقا وضعته المخابرات الجزائرية و لم يبق من المحكوم عليهم بالتصفية غيري. قال: هذا غير معقول يا سي احمد و على كل حال  نحن لا دخل لنا في كل هذا. و سامحني لأنني أريد الحديث مع (ق.ر) و العودة إلى جماعتي لأنهم ينتظرون خارج "واقادوقو". و انتهى حديثي معه عند هذا الحد لأنني اغتنمت فرصة حديثه مع (ق.ر) و انطلقت عائدا إلى غانا.
و لم يطل يطل بي المقام في غانا حتى وصلني خبر اغتيال جمال زيتوني بعد افتضاح أمره و انضمام خالد إلى عنتر زوابري و تشرذم جماعته. و كان من بين من تمرد عليه عيسى الذي هرب بسيارة ميدانية من نوع تويوتا كروزر و لكنه اعتقل من طرف الدرك في طريقه إلى واقادوقو و لم يجد من ينقذه غير (ق.ر) الذي تواطأ مع خالد على مصادرة أمواله باعتباره قاطع طريق.

و الأطرف من هذا أن مختار بلمختار اتصل بي بعد أن غادرت إفريقيا ليقول لي: أنا و جماعتي تحت تصرفك أنت تأمر و نحن ننفذ. و كان جوابي: أنا رجل منتصر للحق و متأكد بأن طريقي غير طريقكم. فإن عدتم إلى الحق فسنلتقي حتما عند نقطة الوصول و إن كنتم غير ذلك فلا شأن لكم بي.
و أنا أشرت إلى الأسماء بحروف منها تحفظا. و لكن من حق أصحابها أن يفصحوا عن أنفسهم إن أرادوا لأنهم مازالوا أحياء يرزقون و بالحرية ينعمون و بين أجهزة الأمن يتجولون باستثناء مختار بلمختار الذي مازال أهل الخبر و الشروق معه يتفاوضون.

خيار اللجوء إلى بريطانيا

بعد أن استقر الرأي عندي على اعتزال الصراع الدموي في الجزائر حددت وجهتي بعد دراسة و استشارة معمقتين، و وقع اختياري لدار الهجرة على بريطانيا. كان يمكن أن تكون فرنسا لولا اعتقادي الراسخ بأن فرنسا هي مصدر الداء في كل ما يحصل في الجزائر. و لكنني غير مقتنع بجدوى اللجوء إلى أي دولة أخرى غير هتين الدولتين دون حمل السلاح ؛ و هو ما هاجرت من بلادي لتجنبه أصلا. و لذلك استصدرت جواز سفر أصلي بناء على جنسيتي المالية و طلبت تأشيرة عمرة من السفارة السعودية بغانا و حجزت تذكرة ذهاب إلى جدة عبر اثيوبيا في شهر اكتوبر 1997 و تذكرة عودة إلى باماكو عبر لندن. و بعد أن تمتعت بأول عمرة في حياتي و قضيت أياما لا تنسى في مدينة الرسول صلى الله عليه و سلم مع إخوتي و أبناء عمي و بعض الرجال المحبين الجزائريين و السعوديين أحسن الله إليهم جميعا، سافرت إلى لندن ليلة 27 ديسمبر 1997 و بدلا من إكمال الرحلة خبأت جواز السفر في سقف احد المراحيض و طلبت اللجوء في بريطانيا.

كان طلب اللجوء امتحانا عسيرا علي. و كنت أقوم به و كأنني آكل جيفة يشهد الله. و كنت عصبيا مع ضابط الهجرة الذي استجوبني لأنني ما زلت أستصحب مشاعر المواطن الجزائري المشحون ضد كل ما هو أجنبي خاصة و أنني لم أغادر الجزائر طوال حياتي. فكان أول ما بادرت به المترجم قبل ان يسألني الضابط هو: قل لهذه الضابطة بأنني أطلب اللجوء في إطار قانون الأمم المتحدة تجنبا لإراقة الدماء في بلدي و لا أقبل أي مساومة خارج هذا الإطار. فإذا كانوا يريدون ابتزازي كضابط في الجيش فلا يتعبوا أنفسهم معي و لا اطلب منهم سوى إرجاعي من حيث أتيت. و كان جواب الضابطة كالماء البارد على نفسي عندما قالت: أنت لست مجبرا على الإجابة على أسئلتي و لكن القانون يلزمني أن أطرح عليك الأسئلة و أكتب إجابتك كما هي و سأقرأها عليك قبل أن تصادق عليها فإن أحسست بالحرج من التوقيع على المحضر فلست مرغما على فعل ذلك. و كل ما أنت مطالب به هو المصادقة على أنك فهمت ما شرحته لك الآن قبل بدء الاستجواب.

كانت هذه البداية كافية لاقتناعي بأن الفرق الحقيقي بيننا و بين القوم ليس في الصناعة و التكنولوجيا و إنما في التربية المدنية لمستخدمي الدولة أولا و قبل كل شيء و كنت مقتنعا بأنني سأحصل على اللجوء دون الحاجة إلى اللف و الدوران و كان العائق الوحيد الذي تسبب في تأخر ذلك هو إثبات شخصيتي حيث لم تكن لدي أي وثيقة رسمية تثبت هويتي الحقيقية التي تكلمت عنها لأن كل وثائقي العسكرية صودرت من طرف المخابرات كما أن وثائقي المدنية بما فيها شهاداتي محفوظة في وزارة الدفاع منذ التحاقي بالجيش سنة 1978. و لذلك ما أن تمكنت من إثبات هويتي حتى حصلت على اللجوء السياسي الكامل و استفدت من حقي في جمع شمل العائلة الذي يكفله القانون لي. و هنا حصل ما يستحق الذكر للاعتبار أيضا.


 كان لا بد من الاحتيال على منقذي الجمهورية الجزائرية حتى يتمكن أولادي الأبرياء الذين رفع الله عليهم القلم من مغادرة الجزائر. فحصلوا على جوازات سفر من غير دائرة سكنهم بمساعدة مومن من آل فرعون و على تأشيرة عمرة بتوصية من سيد سعودي صاحب نخوة و تم تمريرهم عبر حاجز شرطة المطار بتوصية من طرف طيار من أهل المروءة. كل ذلك حتى لا يعلم حراس دولة العزة و الكرامة بأن هناك 3 أطفال جزائريين لم يتجاوزوا العاشرة مع أمهم الجزائرية متوجهون إلى لندن للقاء أبيهم الجزائري.
و وصلوا إلى السعودية و تقدموا لطلب التأشيرة من السفارة  البريطانية  فرحبت بهم و لكن اعترضها إشكال قانوني لأن عائلتي غير مقيمة في السعودية و لا يمكن استصدار تأشيرة منها لغير المقيمين. فهل اعتبر القنصل أن واجبه ينتهى عند رفض التأشيرة ما دام طالبوها لم يستوفوا الشروط؟ كان يمكنه فعل ذلك بحجة احترام القانون البريطاني و ما أدراك ما القانون البريطاني.

 و لكنه لم يفعل ذلك يا سعادة السفراء و القناصلة العرب بل دفعته إنسانيته لما اطلع على وضع العائلة إلى الاتصال بالسفير البريطاني الذي اهتم بالموضوع و تابعه خارج وقت عمله و وظف كل التفاصيل في القانون البريطاني و أجرى اتصالات مع سفراء و قناصل آخرين إلى أن وجدوا الصيغة القانونية المناسبة التي تحافظ على هيبة القانون و قداسته و تحل المشكلة التي يعاني منها أطفال لا ناقة لهم و لا جمل في شؤون الأمن و السياسة. لقد استعان في معالجة الموضوع بسفراء و قناصل و محامين حتى خارج وقت العمل لأن أولادي الجزائريين و ليس البريطانيين محاصرين بتأشيرة العمرة التي لو انتهى أجلها لتم ترحيلهم من بلاد الحرمين دون رحمة و لا مراعاة لمعاناتهم. إنني لم أكن مسؤولا بريطانيا و لا صاحب مال و لا جاه في بريطانيا بل كنت لاجئا لم أحصل بعد على عمل و لكنني مع ذلك لم أكن في حاجة إلى رشوة أحد أو التوسل إليه كما أن أولئك المسؤولين لم يتذرعوا بإنسانية القضية لخرق القانون و لكنهم اجتهدوا كمسؤولين و بذلوا الجهد المطلوب في إطار القانون الذي يجعل من القانون نفسه وسيلة لتحقيق المصالح و دفع المفاسد و ليس عائقا للمصلحة و ذريعة للمفاسد كما هو الحال في جمهورية نزار خالد.

النقيب أحمد شوشان

السبت، 1 أكتوبر، 2011

الفصل الرابع، الجزء الثاني، اللقاء الأول مع المدير العام لأمن الجيش



بعد شهر و نصف تقريبا استدعيت من طرف قيادة أمن الجيش فأخبرت الاستاذ مشري بذلك و سافرت إلى العاصمة حيث التقيت بالعميد كمال عبد الرحمان و العقيد طرطاق و تحدثنا عن الوضع الأمني و تطورات مشروع الوفاق الوطني الذي اطلقه الرئيس لمين زروال  و اتفقنا على ضرورة  وقف النزيف الدموي كما وافقت على الوساطة بين قيادة الجيش و أمراء العمل المسلح شريطة اعتراف القيادة العسكرية بنصيبها في المسؤولية على تفجر الأوضاع و استعدادها للتفاوض على حل الأزمة دون شروط مسبقة. و تواعدنا على اللقاء بعد ترتيب الظروف المناسبة و موافقة القيادة العليا على ما تم البث فيه بيننا.

بعد مغادرة بن عكنون توجهت إلى الاستاذ مشري الذي اشترطت قبل قدومي أن أقيم عنده فترة وجودي في العاصمة، و أخبرته بما جرى فاستحسن الأمر و أخبرني بتطورات الوضع في عملية التفاوض مع القيادة السياسية للجبهة و مشروع الهدنة المعروض عليها و المتعلق بالجيش الاسلامي للانقاذ. و قد كان الأستاذ مشري يتألم كثيرا للوضع المزري الذي وصلت إليه العلاقة بين عناصر قيادة الجبهة و الخلاف الحاد في وجهات النظر بينها. كما أخبرني بالموقف المتردد لقيادة الجيش الاسلامي تجاه المبادرة التي عرضتها عليه قيادة المخابرات، و المتمثلة في مساعدته على مواجهة عدوان الجماعة الاسلامية المسلحة مقابل وضع السلاح بعد ذلك و ضمان حق الجبهة في النضال السلمي من أجل مشروعها السياسي. فطلبت منه تبليغ رسالة إلى مدني مزراق مفادها: الأصل أن لا يورط نفسه في التفاوض مع السلطة منفردا، و لكن أذا كان مكرها على قبول العرض كما بدا لي، فعليه أن يشترط على أصحاب العرض الموافقة على تعييني مراقبا أو مشرفا على العملية للنظر في طبيعة المساعدة المقدمة من طرف السلطة و ضمان التزامها بتعهداتها. و قد جاءني الرد سريعا بعد لقائي الثاني بالاستاذ مشري و الذي خلاصته أن مدني مزراق ارتاح إلى الخيار الأول و رفض العرض من أساسه. فطويت من جهتي هذا الموضوع فيما استمر فيه الآخرون بما يناسبهم.

قبل خروجي من بيت الاستاذ متوجها إلى المطار جاءه رسول و سلمه ظرفا سميكا و بعد انصرافه قدمه لي الاستاذ و هو يقول: هذا مبلغ من المال أرسلته لك قيادة الأمن لتستعين به على مصاريف السفر  و العيد الأضحى على الأبواب و هم يقدرون ظروفك. قلت: صحيح أنا لم أكسب سنتيما واحدا منذ دخولي السجن و لكنني لا أريد مالا مقابل ما أقوم به في هذه القضية بالذات. و بعد إلحاح من طرف الاستاذ لإقناعي بأن هذا المبلغ من حقي طلبت منه فتح الظرف و تعويضي عن ثمن التذاكر لأنني أخذته سلفة من أحد الأقارب. ثم انصرفنا إلى المطار.

الهدنة بين السلطة و الجيش الاسلامي للانقاذ
يكتنف الغموض مشروع الهدنة التي حصلت بين الجيش الاسلامي للإنقاذ و السلطة و التي تطورت فيما بعد إلى أن أصبحت ميثاقا للسلم و المصالحة.  و تحاول الأطراف الرئيسية المعنية بهذه الهدنة تقديمها للرأي العام في صور شتى حسب ما تقتضيه مصلحتها الخاصة متذرعة في ذلك بسرية حيثيات الموضوع و التزامها بشروط الاتفاق. في حين أن الشعب الجزائري أولى بمعرفة تفاصيل هذه القضية كاملة غير منقوصة لأنه المعني الأول بتداعياتها. و أكبر دليل على حقه في  ذلك ما تعرض له من إبادة على أيدي المعارضين لتلك الهدنة داخل السلطة و خارجها.
فالهدنة في أصلها كانت عرضا مدروسا من طرف ذكي في السلطة رغم أن كل التصريحات توحي بأنها مبادرة اتخذها الجيش الإسلامي للإنقاذ من طرف واحد و تبنتها السلطة بعد سنتين.

 و الذي أعلمه عن هذه القضية بعد النظر فيما اجتمع لدي من معطيات هو أن عمليات الاختراق التي نجحت فيها أجهزة الأمن ابتداء من نهاية سنة 1991، بقدر ما كانت مفيدة لها في جمع المعلومات و توجيه الأحداث ميدانيا بقدر ما زادت من زخم العمل المسلح و تنوعه و اتساع دائرته لأن آلاف العملاء و الجواسيس و العيون لم يكونوا في الحقيقة سوى جيشا من المحرضين الحريصين على توريط أكبر عدد ممكن من المواطنين في الأزمة حفاظا على رواتبهم و تماشيا مع نغمة الطابور السياسي للدفاع عن الجمهورية الفرنسية في الجزائر. و هكذا وجدت القيادة العسكرية العليا نفسها عاجزة عن التحكم في الدوامة التي أدارت عجلتها فقرر طرف قوي فيها إعادة النظر في معالجة الأزمة بطريقة أكثر نجاعة و أقل دموية بينما أصر طرف آخر على مواصلة سياسة الاستئصال. و إذا كان الناس متفقون على أن الفريق محمد العماري كان هو رأس الحربة في الطرف الاستئصالي منذ أن عاد إلى القيادة بعد مقتل محمد بوضياف فإنه لا أحد يصدق بأن المدير العام للمخابرات اللواء محمد مدين كان رأس الحربة في الطرف الثاني و أنا لا أريد أن أن يقرأ كلامي خارج إطاره فالقضية تعني إعادة نظر في استراتيجية التعامل مع الأزمة و لا شيء آخر.  و قد بدأت الحرب الباردة بين الطرفين منذ ذلك الحين و كسر الفخار بعضه بعضا في صمت و تسبب ذلك في  ضحايا داخل السلطة و خارجها و كان البقاء فيها للأقوى.
و لتوضيح الصورة  انبه القارئ إلى أن في الحرب الباردة قد يكون خصمك فيها بين جنبيك. فالمرؤوسين للفريق محمد العماري في صفوف الجيش ليسوا بالضرورة في صفه و العكس صحيح كذلك بالنسبة للمخابرات.

و قد استبقت الدوائر الاستئصالية في السلطة التحول الجديد و حاولت فرض منطقها الدموي بتصعيد العمليات القتالية في كل الإتجاهات فتكثفت عمليات التمشيط العشوائية و نسف مناطق بأكملها من الوجود و تسريب أسلحة و ذخائر للمتطرفين في الجماعة الاسلامية المسلحة و استهداف أنصار الجبهة الاسلامية للإنقاذ حصريا من السياسيين و المسلحين لعرقلة أي مسعى سياسي لحل الأزمة. و بالفعل فإن كل المساعي التي بذلت في هذا الاتجاه آنذاك و مهما كانت مخلصة فإنها كانت تظهر كذر للرماد في العيون إذا ما عرضت على الواقع الدموي التي كانت تعيشه البلاد. و قد كان الرئيس لمين زروال آنذاك يحاول التوفيق بين الفريقين و يجمع بين النقيضين و تقلب في موقفه بين الطرفين فلما أعجزه ذلك حاول أن يستحدث منزلة بين المنزلتين فلم يجد لها متسعا إلا في بيته فاستقال ناجيا بنفسه و أغلق بابه و فمه أيضا حتى لا تتسرب منهما أسرار الدولة الخانقة.

و قد بدأت الهدنة مبكرا بما عرف بعرض الرئيس زروال على شيوخ الجبهة سنة 1994 و الذي كان بإيحاء من المدير العام للوقاية و الأمن و تبناه زروال رغم معارضة الطرف الاستئصالي في الجيش و لكنه تخلى عنه تحت الضغط سنة 1996.
 أما المدير العام للمخابرات فقد رمى شباكه في جميع الاتجاهات لتدارك الوضع بالطريقة التي يتصورها. فكان صيده الوحيد في البداية مدني مزراق أمير الجيش الاسلامي للإنقاذ في الشرق الجزائري. و قد كان الجيش الاسلامي في ذلك الوقت يعاني من مشكلتين؛ الأولى توافد أعداد هائلة من المتطوعين بلغت بضعة آلاف تمكن الجيش الاسلامي من تأطيرها و هيكلتها و لكنه لم يستطع تسليحها  و لا تموينها فضلا عن توظيفها في عمليات قتالية. وأصبح آلاف المجندين عبئا ثقيلا على حوالي 400 مسلح يمثلون الجيش الحقيقي العامل تحت إمرة مدني مزراق. و الثانية هو استهداف الجيش الاسلامي من طرف الجماعة الاسلامية المسلحة بتحريض و دعم مباشرمن الدوائر الاستئصالية في قوات الأمن و الجيش.

و مما تضمنه مشروع ما سمي بالهدنة لاحقا:
1 ـ إعلان الجيش الإسلامي عن وضع السلاح يقابله العفو عن عناصره.
2 ـ  تشكيل و تسليح مفرزات قتالية من عناصر الجيش الاسلامي تحت إشراف إطارات ميدانية عسكرية  للقضاء على الجماعات الدموية المتطرفة التي كانت تستهدف عناصر الجيش الإسلامي بصفة خاصة.
3 ـ بعد التحكم في العمل المسلح تتم مناقشة حق الجبهة الاسلامية في النضال السياسي من أجل دولة جزائرية في إطار المبادئ الاسلامية. و يخير عناصر الجيش الاسلامي للانقاذ المشاركين في استتباب الأمن بين الالتحاق بالجيش الجزائري أو الانتقال إلى الحياة المدنية.
4 ـ و ربما غير ذلك من الشروط التي لم أطلع عليها.

كانت هذه المبادرة مؤشرا واضحا على التوجه الجديد لقيادة المخابرات في التعامل مع الأزمة و لكن رفضها من طرف الدوائر الاستئصالية في القيادة العسكرية كان ينذر بحرب طاحنة بين خصمين تقليديين داخل المؤسسة العسكرية يمثل فيه الفريق العماري ضباط الجيش الفرنسي السابقين خلفا لنزار خالد من موقعه كقائد أركان للجيش و بصفته الضابط الأعلى رتبة بينما يمثل فيه اللواء محمد مدين بقايا ضباط جيش التحرير من موقعه كمدير عام للوقاية و الأمن و المستأثر في خزانته بالصندوق الأسود للدولة الجزائرية الطائرة. و قد دامت هذه الحرب الصامتة منذ استقالة الرئيس لمين زروال و لم تضع أوزارها إلا بعد المعركة الأخيرة التي اجتثت جميع ضباط الجيش الفرنسي السابقين من الجيش الوطني الشعبي و ملحقاته بما في ذلك مديرية الدرك و لم يبق منهم في المواقع الرسمية للجيش سوى اللواء قنايزية الذي كان مهمشا من طرف نزار خالد و محمد العماري و الذي عين لاحقا كوزير منتدب للدفاع.
و أعتقد أن مدني مزراق كان ضحية لحداثة سنه و جهله بشخصية شركائه في الصفقة و طبيعة العلاقة بين قيادات الجيش و وظائفهم في سلم المسؤولية على غرار باقي الغطاسين من قيادات التيار الاسلامي. فقد بلغني أن مفاوضاته لم تقتصر على صاحب العرض الأول بل تعدته إلى خصمه الذي مثله العميد شريف فضيل الذراع الأيمن للفريق العماري و العميد اسماعين لعماري الذي انحاز إلى قيادة الأركان رغم أنه الرجل الثاني في جهازالمخابرات طمعا في الإدارة العامة للجهاز في ظل تغول الفريق محمد العماري على الجميع. فأعفى مدني مزراق بسلوكه هذا صاحب العرض الأول من التزاماته و تنكر الفريق محمد العماري علنا للتفاوض الذي جرى بينه و بين ممثليه و قال عبر شاشة التلفزيون الرسمي لا خيار للجيش الاسلامي غير الاستسلام أو القتل.

 و لم أجد تفسيرا غير هذا لإعلان مدني مزراق الهدنة من طرف واحد و بدون قيد و لا شرط و التمسك بها رغم استهداف مواقعه من طرف العماري بالأسلحة المحرمة دوليا، مما جعل مدير المخابرات يقرر توظيف هذه الهدنة بكل حرية و ارتياح و بدون التزامات من أي نوع  في مشاريع تزكية الرئيس عبد العزيز بوتفليقة منذ ترشحه الأول للرئاسة. أما مدني مزراق فقد خرج من الصفقة بخفي حنين رغم الشقشقة التي أحدثها في حملات الاستحقاقات الرئاسية لاحقا و قد تجاذبه في نظري شعوران؛ الأول هو الاعتراف بأنه أعفى مدير المخابرات من أي التزام بتفاوضه الفاشل مع ممثلي العماري الذي خسر المعركة و أن الموافقة على إعفاء عناصر الجيش الاسلامي من المتابعة رسميا على لسان رئيس الجمهورية بعد إعلانهم الهدنة من طرف واحد يعتبر صدقة من طرف اللواء مدين محمد. و الثاني هو أمله في أن يثمن مدير المخابرات شجاعته في إعلان الهدنة دون شروط و التزامه بها رغم قدرته على الاستمرار في العمل المسلح و يتفضل عليه مقابل ذلك بالسماح لأتباعه بالنضال السياسي في إطار القانون المعمول به في الجزائر بناء على الأصل الأول للعرض. و هو أمر غير مستبعد بعد استتباب الأمر لأنصار تيار المصالحة و يأس حزب فرنسا من التلاعب بمؤسسات الدولة و على رأسها الجيش مرة أخرى.

و لست أذيع سرا إن قلت هنا بأن الشيخ عبد القادر حشاني رحمه الله كان أشد المعارضين لجميع المشاريع التي طرحت لأنه كان على دراية بالصراع الدائر بين معسكرات النفوذ داخل السلطة و كان يطمح إلى التفاوض مع الغالب في آخر جولة. كما كان الشيخ علي بن حاج و اثنان من القادة المسجونين كانوا من المعترضين عليها أيضا ربما لأسباب أخرى بينما كان موقف الشيخ عباسي مدني رئيس الجبهة و باقي أعضاء القيادة بما فيها الجيش الاسلامي للانقاذ يتأرجح بين التردد و الموافقة لالتباس الأمر عليهم.
فمشروع الهدنة التي انتهت طبعته الأخيرة إلى مشروع السلم و المصالحة كما أشرت إليه منذ سنة 1999 لم يكن مبادرة من الرئيس و لا من الجيش الاسلامي للانقاذ بل كان مبادرة من المدير العام للمخابرات الفريق محمد مدين و بقي كذلك إلى حد كتابة هذه السطور رغم المبادرات الجانبية التي تخللته و لا أعتقد أن أحدا في السلطة بعد الفريق محمد العماري يمكنه الثأثير على المسار الذي اتخذه هذا المشروع.

لقاء القطيعة
مما يشعرني براحة الضمير التامة أنني لم أتعامل بخبث مع أي طرف ساقتني الأقدار إلى التعاطي معه في هذه المحنة و الحمد لله، لا من موقع العدو و لا من موقع الصديق. فكانت علاقتي بالحركة الاسلامية المسلحة قائمة في نفس الوقت على التعاون الإيجابي فيما يحقق المصلحة للجزائر و على التحذير الصارم من أي سلوك يدفع نحو المفسدة. و الأحياء ممن عرفوني في هذه المرحلة يشهدون بأنني صارحتهم بأنني سأكون معهم ما داموا طلاب حق يريدون المصحة و سأكون ضدهم إذا  اختاروا الاعتداء على حق الآخرين. و قد هددت السعيد مخلوفي نفسه بالقتل إذا استعمل القوة في حسم النزاع بينه و بين عبد القادر حشاني كما هددت حسن حطاب و جماعته بالمطاردة إذا أخذوا المبادرة في استعمال العنف ضد النظام الحاكم و كان ذلك بالخطاب الصريح الفصيح الذي لا لبس فيه. و كذلك كان موقفي مع قيادة الجيش قبل اعتقالي و بعده. و أبناء نزار و العماري و جنيوحات و غيرهم من قيادات الجيش الذين كانوا من بين طلبتي يشهدون أنني كنت أخاطبهم علنا بأنهم عسكريون في خدمة الجزائر و ليسوا في خدمة آبائهم و لا قياداتهم. و أن طاعة القيادة تسقطها المصلحة العليا للجزائر و أن من يريد أن ينتصر لحزب سياسي فعليه خلع البدلة العسكرية و الانخراط فيه.

و من ثم لم تكن لدي مواقف مسبقة من أي جزائري، عسكريا كان أو مدنيا و تعاملت مع الجميع بناء على ما ظهر لي منهم و قامت به الحجة عليهم. فسلوك قيادة أمن الجيش معي أقنعني بأن هذه المؤسسة التي هي جزء لا يتجزأ من جهاز المخابرات بؤرة من بؤر الفساد في منظومة السلطة  و لكنها القناة الوحيدة للتواصل بيني و بين القيادة العسكرية التي فيها عناصر غير شريرة يمكن التعاون معها على الحد الأدنى من المصلحة إذا أتيحت الفرصة لذلك.

 و قد كنت على وعي تام بخطورة المسلك الذي أمشي فيه و لكنه كان الخيار الوحيد من أجل نفض الغبار على حقيقة الصراع و تمايز أطرافه ليهلك من هلك عن بينة و يحيا من حيي عن بينة. و على نفس الأساس كتبت بخط يدي بيانا مفصلا ضمنته تفاصيل ما جرى إلى ذلك الحين و ختمته بتوجيه نداء للشعب الجزائري و آخر لضباط و جنود الجيش الوطني الشعبي و آخر لعلماء المسلمين و دعاتهم و آخر للجماعات المسلحة. و سلمت البيان لشخصين أمينين طلبت منهما إرساله إلى عنوان واحد محدد في حالة تعرضي للاغتيال أو انقطاع أخباري عنهما أكثر من عشرة أيام. و كنت أستبق بذلك أي نية مبيتة لاغتيالي من طرف الدوائر المجرمة  و توثيق الحقيقة التي يسعى المتورطون في الأزمة إلى طمسها و تزويرها و تحميل أطراف الأزمة المسؤولية على الملأ. أما إذا كتب الله لي السلامة فإنني سأتصرف بما تقتضيه المصلحة و يتطلبه واقع الحال و لا حاجة لنشر البيانين.

خلال هذه الفترة اتصل بي أمير الجماعة الاسلامية المسلحة في الجنوب محمود أبو طالب و حذرني من التعرض إلى الاعتقال أو الاغتيال على أيدي قوات الأمن لأنهم لن يترددوا في فعل ذلك على حد قوله إذا تم تنفيذ أي عملية من طرف الجماعة في المنطقة. و في مقابل ذلك عرض علي الالتحاق به و مساعدته في إمارة مسلحي الجنوب. فأخبرته بأن قيادة الجماعة ستعاقبه على الاتصال بي لأنها تفكر بطريقة مختلفة عنه تماما. كما أنني ما زلت بصدد دراسة الوضع و تقدير الموقف و إذا عزمت على القيام بشيء يعنيه فسأكون أنا من يتصل به. و قد التقيت به مجددا في منطقة الزويرات بموريتانيا بعد أشهر و سأعود إلى ذلك في حينه.
كما بلغتني معلومات عن تواجد السعيد مخلوفي في منطقة بشار في ذلك الوقت و استقلاله بإمارته هناك بعد وفاة عبد القادر شبوطي و إرغام بعة عز الدين على الالتحاق بالجماعة الاسلامية المسلحة.

و في نفس الفترة جاءني رسول من حسن حطاب يطلب مني الالتحاق بالجماعة فاشترطت عليه أن نلتقي أولا لمناقشة الوضع و عرض تصوري الخاص للقضية ثم يكون بعدها لكل حادث حديث. فقبل حسن حطاب الاقتراح و لكنه في الوقت الذي كنت متوجها فيه إلى المطار لمقابلته اتصل بي و طلب مني عدم الحضور لأن في ذلك خطر علي على حد قول الرسول. و لم أجد تفسيرا لهذا السلوك من حسن حطاب غير اكتشافه لتورط زيتوني في علاقة مشبوهة مع دوائر أمنية، لأن توتر العلاقة بين حطاب و زيتوني تصاعد منذ ذلك التاريخ و لم يتوقف إلا بمقتل الأخير و استقلال حسن حطاب بجماعته التي سماها لاحقا الجماعة السلفية للدعوة و القتال.

في نفس الاسبوع الذي ألغي فيه اللقاء مع حطاب استدعيت من طرف المديرية العامة لأمن الجيش. و كانت أول الجلسات مثيرة للغاية لأنها انعقدت في المكتب الذي يفترض أن يصبح مكتبي و دخل العميد كمال عبد الرحمان في الموضوع بدون مقدمات......هذا المكتب الذي أجلس خلفه سيكون مكتبك و ستكون مرؤوسا لي مباشرة و ستكون أول عقيد في دفعتك......إفتح باب الخزانة؛ هذه ليست أوراق للكتابة إنها أوراق نقدية يمكنك التصرف فيها بما يساعدك على القيام بمهمتك (خزانة مملوءة بالأوراق النقدية الجديدة)....قاطعته: و لكن ما هي هذه المهمة يا سيادة العميد؟....كان العميد متكئا فاعتدل ثم قال: المهمة تقوم على قاعدة: (انهيار السقف يتطلب نسف الأعمدة). و الأعمدة في العمل الاسلامي المسلح هم السعيد مخلوفي و محمد السعيد و عبد الرزاق رجام و بعة عز الدين و أمثالهم......هؤلاء يثقون بك و يمكنك استدراجهم للاجتماع معك و هذا هو المطلوب منك، و سيقوم بباقي المهمة غيرك....

لقد أذهلني العرض إلى درجة أنني استغرب اليوم كيف سمعت هذا الكلام كله بهدوء. فأردت أن استوثق من جدية ما أسمع فقلت: يا سيادة العميد ألم نتفق على أن أكون طرفا في الوفاق بينكم و بين الجماعة؟ قال: هؤلاء لا ينفع معهم الوفاق. قلت: و لكنك تعرف أن الذين ذكرتهم بالاسم إطارات سياسيون مثقفون و كلهم جامعيون يمكن الوصول معهم إلى توافق بالحوار و التفاوض و أنا اضمن لكن ذلك إذا اعطيتموني الفرصة. و لو أنكم طلبتم مني وضع حد للمجرمين الذين يتبجحون بقتل النساء و الأطفال و يخربون المدارس كجمال زيتوني و أمثاله لتفهمت طلبكم....و هنا قاطعني طرطاق منفعلا: دع زيتوني و شأنه، هو رجلنا و سنتكفل به نحن. أما أنت فمهمتك أن تلتقي بالسعيد و الجماعة الذين سنحددهم لك...و هنا نهض العميد و هو يقول: المهم أنك موافق على الموضوع و ستدرس التفاصيل مع بشير (يقصد طرطاق) و سأراكم لا حقا لأن لدي ما يشغلني الآن... ثم انصرف. و هنا اقتنعت بأن هذه المؤسسة ليست فاسدة فحسب بل بدائية في أسلوب عملها و لم يبق لي خيار غير العمل على كسر الطوق المحيط بي بهدوء تام.

سألني طرطاق إن كنت جاهزا لبدء العمل فأظهرت له الموافقة و قلت: أعطوني فرصة للاتصال بهؤلاء الجماعة و التفاهم معهم. فقال طرطاق: نحن سنعد كل شيء و المطلوب منك هو تنفيذ التعليمات ليس إلا.  سنحدد لك غدا موعدا مع عنصر اتصال يصحبك للقاء زيتوني و البقاء معه حتى تأتيك تعليماتنا. و فعلا تحدد الموعد على الساعة 11 صباحا و المكان غرفة في الطابق الثالث أو الرابع من نزل على شارع ديدوش مراد. و فعلا كنت في الموعد و لكن في الرواق و ليس في الغرفة و جاء عنصر الاتصال و كان شابا رياضيا ملتحيا و دخل الغرفة و حاول البحث عني في الرواق قريبا من الغرفة فلم يجدني وعاد من حيث أتى.
مباشرة بعد خروج عنصر الاتصال اتصلت بالاستاذ مشري و طلبت منه الاتصال بالمدير العام للأمن و إخباره بأن الفريق المكلف بقضيتي في جهاز أمن الجيش بدائي جدا و لا يمكنني الاستمرار في التعاون معهم و طلبت منه ترك المبادرة لي في الاتصال بالسعيد و غيره. و كان الرد فوريا من طرف المدير العام للأمن فعدت إلى المنيعة حيث تركت عائلتي.

حدث في الطريق
بعد الرحلة الجوية من العاصمة إلى غرداية أكملت رحلتي إلى المنيعة بالحافلة و كنت جالسا في المقعد الأمامي. و في أول مفترق طرق توقفنا عند حاجز للجيش. اقترب الملازم من الحافلة و ما ان رآني حتى تراجع إلى الخلف و هو يصيح كالمجنون موجها الخطاب لجنوده: انبطحوا إنه النقيب شوشان..... لقد عرفته...إنه هو... فانتشر الجنود حول الحافلة منبطحين و اسلحتهم جاهزة لإطلاق النار في اتجاه الحافلة. فدب الذعر في أوساط الركاب و تسمر السائق المسكين على مقوده و هو ينظر إلي. فقلت: لا تخف و اخرج لهذا الحمار و قل له بأنني سأنزل بهدوء فلا داعي لترويع الركاب. و قد امتنعت عن الوقوف خشية ان يتصور اني أريد أن أقاتله فيرمي عشوائيا على الركاب المساكين. فنزل السائق و كلمه، فصاح الملازم السفيه : انزل و يديك على رأسك. فنزلت و انا اسأل: اين المسؤول على هذا الحاجز؟ فرد علي: انا المسؤول، تقدم نحو المركز بدون كلام. و لما دخلت إلى المركز وجدت دركيا برتبة مساعد اول و عسكري برتبة مساعد أعرفه فسألتهما: كيف تبقيان داخل المركز و تتركا هذا الولد الطائش يروع الناس؟ فضحك المساعد و قال: إنه ضابط يا حضرة النقيب و يتصرف بدون مشورتنا. قلت: لماذا أوقفني؟ أعندكم أمر باعتقالي؟ قال الدركي بعد مراجعة القوئم: لا. قلت: و ما المطلوب مني إذن؟ فاجابني الملازم الذي كان خلال هذه الفترة يستنفر القيادة بأنه ألقى القبض على عدو الجزائر رقم 1. المطلوب ان لا تتحرك حتى تصل القيادة. قلت: و هؤلاء المسافرين ما ذنبهم؟ قال: هذا أمر لا يعنيني. فطلبت من المساعد ان يذهب إلى الحافلة و يأتي بحقيبتي و ياذن للسائق بالذهاب ففعل.

و بعد نصف ساعة تقريبا وصلت قوة من الدرك و الجيش أرسلها قائد القطاع العسكري لولاية غرداية. فسألتهم بأي حق تعتقلونني؟ فقالوا: ستعرف عندما نصل إلى مقر القيادة. و وضعوا القيد في يدي و عصبوا عيني و نقلت مخفورا بقوة عسكرية مختلطة كبيرة إلى مدينة غرداية حيث بقينا ندور أكثر من نصف ساعة في طرقات المدينة لتمويه الوجهة الحقيقية للقافلة إلى ان انتهينا إلى مقر قيادة مجموعة الدرك الذي اعرفه قبل أن ينخرط العاملون فيه في الخدمة.

وجدت في استقبالي الرائد الأخضر قائد مجموعة الدرك فعرفته و لكنه لم يذكرني. فسألني: الملازم يقول انك نقيب فار من الخدمة. قلت: هذا الضابط من ضحايا صحفيات الوطن و الصباح و تعيينه في حاجز أمني خطر على أمن المواطنين يا حضرة الرائد. قال: إذا لم تكن فارا فناولني إجازتك.. قلت: انا ليس عندي ما اقوله لك غير ان تطلق سراحي إذا لم يكن لديك امر بالقبض علي او تتحمل المسؤولية كاملة على ما يحصل. قال: و من هذا الذي يحملني المسؤولية؟ سأضعك في السجن و لن يسمع بك أحد. قلت: عجيب يا سي لخضر! لقد كنت ضابطا مثاليا عندما كنت أمينا في مكتب المقدم حشيشي ذات يوم و لكن الظاهر أن هذه الأزمة جننت الجميع. ثم قلت: ناولني الهاتف و ساوصلك بمن يحملك المسؤولية يا حضرة الرائد. و يمكنك ان تقول له بانك ستضعني في السجن. و انصحك ان تبعد السماعة عن اذنك لأنك ستسمع ما لا يسرك. فطلب مني الرقم وهو يقول: رقم من هذا؟ قلت: اطلبه و اساله. و هنا تناول الرائد سماعة التلفون و اتصل بقائد القطاع و استفسر عن التلفون ليأتيه الخبر اليقين بعد خمس دقائق....لست ادري ما قيل له و لكن الرجل انقلب مرة واحدة و اتجه إلى قائلا: يا أخي لماذا لم تخبرني من البداية؟ لقد أحرجتني يا سي شوشان و أنا اعتذر لك على ما حصل و و الله إن جميع المسؤولين على مستوى الولاية يعرفون بانكم عائلة وطنية مجاهدة و لكن الأمور اختلطت علينا و لم نعد نفهم شيئا....أنا آسف جدا على سوء التفاهم الذي وقع و الملازم الذي تسبب لنا في هذه المشكلة سيدفع ثمن غلطته....فقاطعته قائلا: الذي يهمني هو أن تجدوا وسيلة توصلني إلى المنيعة لأن اولادي في انتظاري. قال: فورا سأطلب لك سيارة اجرة. قلت: لن اركب مع احد حتى تدفعوا له ثمن التذكرة نقدا كما دفعتها انا نقدا لشركة نقل المسافرين. و فعلا حصل. و سبقتني التعليمات تحذر مصالح الدرك على مستوى ولاية غرداية من التعرض لي. و منذ ذلك الحين أصبح عناصر الأمن يعاملونني باحترام دون أن يفهموا شيئا.

الشاهد في هذه الحادثة هو أن طغيان القيادة العسكرية لم يأت من فراغ. و إنما هو نتيجة لتفشي القابلية للذل من طرف المواطنين و وضاعة النفوس عند الطبقة الوسطى من سلم القيادة و المسؤولية. فهذا الملازم الحقير لم يأمره أحد باعتراض الناس. و لكن نفسه الوضيعة التي تطير فزعا عندما يتكلم الرصاص هي التي تزين له الاستئساد على المواطنين العزل. أما قائد مجموعة الدرك فهو لا يستشعر المسؤولية امام الله و لا أمام القانون و لا يخضع لتأنيب الضمير كأنه سكران أو أبله بل إن كل ما يهمه هو أن يفعل شيئا يشبع شهوات سيده حتى و لو كان بالتعسف في اعتقال الأبرياء و سجنهم بل حتى قتلهم.
ما الذي تغير بالنسبة لي؟ لا شيء بتاتا. فأنا هو انا امام القانون قبل الحادثة و بعدها. و لكن الذي تغير هو الطبيعة المزاجية التي يتميز بها كثير من مستخدمي الدولة عسكريين و مدنيين.

و من هنا يجب علينا ان نفهم بأن التمني لا ينفع في تغيير الأوضاع شيئا و إنما الذي ينفع هو اسنهاض الهمم و الصبر على الحق و احتقار الباطل و استنكاره مهما كانت صولته. فالمسؤول المتغطرس إذا لم يلتزم بالقانون كما هو معلن عنه في المواثيق الرسمية يجب على جميع المواطنين مقاطعته كخطوة أولى لتنبيهه ثم محاصرته لتخويفه فإن لم ينفع معه لا هذا و لا ذاك فيجب توقيفه عند حده بكل الطرق الممكنة حتى لا تقوم له بعد ذلك قائمة. و بدون ذلك فإن الفساد سيجدد بعضه بعضا إلى أجل غير مسمى. ( يتبع...)

النقيب أحمد شوشان