السبت، 4 فبراير، 2012

قررنا تعيين مهري سفيرا في باريس عندما سخر جيسكار ديستان من عروبة بومدين



احمد طالب الابراهيمي: قررنا تعيين مهري سفيرا في باريس عندما سخر جيسكار ديستان من عروبة بومدين
أضيف في 03 فبراير

قال الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي وزير الخارجية الأسبق في تصريحات لـ'القدس العربي' أن وفاة عبد الحميد مهري أحد أبرز رموز ثورة التحرير الجزائرية خسارة فادحة للجزائر وللأمة العربية، مشيرا إلى أن العلاقة التي جمعتهما امتدت طوال ستين عاما، ولم تنقطع حتى بعد أن رقد مهري على فراش المرض، الذي لم يغادره إلا للدار الآخرة.
وأضاف أن الجزائر فقدت بوفاة عبد الحميد مهري المناضل والمجاهد الصادق والسياسي المتبصر والدبلوماسي المحنك والوزير الكفء والرجل المتواضع والبسيط في تعامله مع الناس، مؤكدا على أنه من الصعب الحديث عن رجل بحجم عبد الحميد مهري وتلخيصه في كلمات أو جمل مهما طالت.
وأشار إلى أن هناك أمور لا يعرفها الناس عن مهري، موضحا أنه إذا أردنا أن نلخص الراحل بكلمة واحدة فهي 'الوفاء'، ويشرح الإبراهيمي هذه الكلمة قائلا: 'عندما كان الشيخ محمد البشير الإبراهيمي (والد الدكتور أحمد طالب) في الإقامة الجبرية بأمر من الرئيس الأسبق أحمد بن بلة، كان عبد الحميد مهري يزوره في بيته باستمرار للإطمئنان على حاله، دون الاكتراث أو خشية رد فعل بن بلة، وهذا ما يدل على وفاء الرجل، الذي لم يمل يوما حيث ما تميل الرياح'.
وأوضح أن هناك واقعة غير معروفة عن كيفية تعيينه سفيرا في باريس بين 1984 و1988، مشيرا إلى أنه في الفترة التي تولى فيها وزارة الخارحية قال الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان بأن العلاقات الجزائرية الفرنسية لم تعرف تطورا وبقيت تراوح مكانها بسبب الرئيس الراحل هواري بومدين، لأنه كان 'أزهريا معربا'، أي أنه تلقى تعليمه في الأزهر، مشددا على أن تصريح جيسكار استفزه، وجعله يقرر أن يعين سفيرا معربا في باريس نكاية في الرئيس الفرنسي.
وذكر أنه فاتح الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد في الأمر، فقال هذا الأخير:' ما رأيك أن نعين مهري هناك'، فأجابه الوزير قائلا:' هذا ما كنت أنوي أن أقترحه عليك، ليكن مهري 'المعرب' سفيرا في باريس.
وأكد الإبراهيمي على أن مهري ساهم في كل المراحل التي عاشتها الجزائر، وكان دائما العطاء دون كلل ودون ملل ودون أن يدعي لنفسه أي مجد، مشيرا إلى أنه خلال فترة الحركة الوطنية ساهم مهري في إقناع مواطنيه بضرورة خوض معركة التحرير من أجل استقلال البلاد، وأنه عمل خلال فترة حرب التحرير على جمع وتوحيد المثقفين تحت راية جبهة التحرير الوطني، وأنه بعد الاستقلال ساهم في تعريب التعليم كأمين عام لوزارة التعليم، ثم وزيرا للثقافة والإعلام، قبل أن يتولى منصب الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني. وشدد الدكتور الإبراهيمي أنه وخلال سنوات المحنة التي عرفتها الجزائر كنا ( هو ومهري) من القلائل الذين دعونا إلى المصالحة الوطنية بين الأطراف المتصارعة، مذكرا بأن عبد الحميد مهري كان من دعاة الحوار، ومن المتمسكين بالحلول السلمية، وأنه لم يدخر جهدا من أجل إطفاء نار الفتنة.
وقال أن مهري الإنسان كان رجلا ينتمي إلى عائلة محافظة تربى بين أحضانها تربية إسلامية أصيلة، أثرت فيما بعد في شخصيته، وجعلته متمسكا بثوابت أمته، فبالرغم من دفاعه الشديد عن اللغة العربية، إلا أن مهري كان متفحتا على الثقافات واللغات الأخرى، كما أن تربيته هي التي جعلت منه شخصا متواضعا هادئا لا يرد على من أساء إليه، وهو ما جعله يواصل النضال من أجل أفكاره حتى آخر أيام حياته.
ولما سألنا الإبراهيمي عن مهري الذي ورغم انتمائه إلى جيل الثورة إلا أنه كان غير متمسك بالشرعية الثورية وأنه كان من دعاة الانتقال إلى شرعية 'الصندوق'، أجاب قائلا: 'يجب أن نعترف بأن جيلنا الذي نجح في تحقيق الاستقلال واسترجاع السيادة، فشل في معركة بناء الدولة الديمقراطية، وهي معركة تتطلب تظافر جهود الجميع من أجل النجاح فيها'. جدير بالذكر أن عبد الحميد مهري الذي رحل الاثنين الماضي بعد صراع مرير مع المرض عن عمر يناهز ال85 عاما كان من أبرز رموز ثورة التحرير، إذ تولى عدة مسؤوليات في الحكومة المؤقتة ثم تولى عدة حقائب وزارية بعد الاستقلال، كما عين سفيرا في باريس، ولعل أبرز منصب تولاه هو الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني من نهاية الثمانينات إلى غاية عام 1996، وغادره بعد انقلاب داخلي نفذته بعض قيادات الحزب بسبب قرار مهري السير في ندوة 'سانت إيجيديو' التي كانت تدعو لحل سلمي عن طريق التفاوض للأزمة التي عصفت بالجزائر خلال تسعينيات القرن الماضي، وهي مبادرة رفضتها السلطة جملة وتفصيلا، واعتبرت أنها استستلام للجماعات الإرهابية التي أعلنت الحرب على الدولة وعلى الشعب.
وقد عكست جنازة عبد الحميد مهري التي شيعت يوم الثلاثاء مكانة الرجل، فقد حضر لتوديعه كل من عرفوه عن بعد وعن قرب، وكانت جنازته مناسبة للجمع بين السلطة والمعارضة والتقاء الأضداد والخصوم، فبالإضافة إلى عدد كبير من الوزراء، حضر رئيسي غرفتي البرلمان عبد القادر بن صالح وعبد العزيز زياري، فضلا عن الرئيسين السابقين الشاذلي بن جديد وعلي كافي، ورؤساء الحكومات السابقين علي بن فليس، ومولود حمروش، وأحمد بن بيتور ومقداد سيفي، وحضر الجنرال خالد نزار وزير الدفاع الأسبق وعميد المدافعين عن حقوق الإنسان علي يحيى عبد النور، لتعكس الجنازة رغبة الراحل، الذي لم يستطع جمع السلطة والمعارضة وجيلي الثورة والاستقلال في حياته فجمعهم في جنازته.

كمال زايت

القدس العربي

2 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))