السبت، 17 مارس، 2012

الإسلاميون تخدعهم الغوغاء المحيطة بهم والوطنيون متجذرون


شكل الظهور المفاجئ للإعلامي والنجم التلفزيوني سليمان بخليلي بقبعة الرجل السياسي مفاجأة لدى الجمهور الذي تراوحت ردود فعله بين المباركة والنقد، قناعة من هذا الجمهور أن بخليلي ليس ملكا لنفسه بل هو ملكية عامة لجمهوره.

وحول هذه النقطة بالذات انفردت الشروق بهذا الحوار مع صاحب برنامج خاتم سليمان، الذي سألته أيضا عن قضايا أخرى تتعلق بالإعلام والسياسة، فكان هذا اللقاء الذي يخوض في دهاليز فكره السياسي على وجه الخصوص تزامنا مع الانتخابات التشريعية المقبلة التي تستقطب العديد من نجوم الفن والفكر والثقافة.

عرفك الجمهور كإعلامي وكوجه تلفزيوني مألوف من خلال برامجك المعروفة، غير أننا سجلنا ظهورك المفاجئ بقبعة السياسي، فما هي الحكاية بالضبط؟

كغيري من الوجوه الثقافية والإعلامية تلقيت منذ السنة الماضية عروضا عديدة من أحزاب مختلفة، سواء للانضمام إليها أو للترشح في صفوفها للانتخابات المقبلة، وترددت كثيرا قبل أن أعتذر لهم وأشكرهم على ثقتهم في شخصي المتواضع، غير أن مسار الإصلاحات السياسية التي باشرتها الدولة بالإعلان عن انفتاح جديد في المشهد السياسي والإعلامي دفعني إلى التفكير في خوض التجربة مع تشكيلة سياسية جديدة أتقاسم معها نفس الأفكار والطروحات والقناعات، وهكذا اتصلت بالإعلامي والديبلوماسي السابق الأستاذ محمد السعيد بلعيد، عندما علمت أنه بصدد التحضير لتأسيس حزب جديد، حيث أعربت له عن رغبتي في الانضمام لمسعاه، فتفضل بتشريفي كعضو مؤسس لحزب الحرية والعدالة، ثم عضو في المكتب الوطني.
 
تبوؤك منصبا في القيادة المركزية للحزب، كيف جاء وأنت حديث الانضمام بالحزب أم أن الحزب استغل شهرتك؟

أبدا، أنا لا أشغل أي منصب في قيادة الحزب سوى عضويتي في مكتب المؤتمر الوطني، وقد اعتذرت للرئيس محمد السعيد عن تبوء أي منصب أو شغل أية مسؤولية في المكتب، وتجاوب مع رغبتي، فعينني مستشارا لديه، أمده بالرأي والنصح والمشورة في القضايا التي تتطلب ذلك، والشهادة لله أنني أنا الذي عرضتُ انضمامي للحزب، وبالتالي لا مجال للحديث عن استغلال شهرتي المتواضعة في أوساط الجمهور.



ألا تخشى انتقادات جمهورك الواسع؟

الحقيقة أنني تلقيت سيلا من الرسائل البريدية، وعن طريق الأنترنت يطلب مني بعضها أن لا أنخرط في العمل السياسي الذي قد يزعزع مصداقيتي في نفوس الناس بحجج مختلفة، حيث يرى هؤلاء أن الممارسة السياسية في بلادنا هي رديف للانتهازية والوصولية واستغلال حب الجمهور لتحقيق مآرب شخصية ذاتية، بينما يبارك البعض الآخر هذه الخطوة، وهي فئة قليلة، ويعطيني هؤلاء حجما أكبر مما أراه في نفسي، وذلك من خلال اقتناعهم بأن صورة الإعلامي الناجح الذي يعرفونه ستعكس بالتأكيد صورة المناضل الناجح في العمل السياسي، وهي في نهاية المطاف آراء جديرة بالتقدير والاحترام تعكس مقدار حب الناس لي وتعلقهم بالأعمال التي شاهدوني من خلالها.

ثمة من يقول إنك تمتطي صهوة الحزب لتقفز إلى كرسي البرلمان، فما قولك؟

أعلن أمامكم الآن وبشكل قاطع أنني لست معنيا أبدا بالترشح للانتخابات التشريعية المقبلة ولاغيرها، فقد كان انضمامي لحزب الحرية والعدالة بدافع واحد فقط، هو خدمة بلدي من موقع آخر، يمكنني من أن أنقل بأمانة آراء جمهور عريض أتقاسم معه نفس الرؤى، ولقد تفاجأ الرئيس محمد السعيد عندما أعلنت هذا القرار في جلسة المكتب الوطني الأول مطلع الشهر الماضي، حيث كان جميع الأعضاء في المكتب وفي المجلس وفي القاعدة يعتقدون أن حضوري أشغال المؤتمر وانضمامي لأعضائه المؤسسين هو تمهيد لترشحي، وعندما أشرفت على عقد جمعية عامة بمدينة بسكرة تلقيت رسائل عديدة تبارك ترشحي، رغم أنني لم أعلن عن شيء من هذا القبيل، لكنني بالمقابل معني بالتصويت، لأنني أعتقد أن الانتخابات المقبلة ستكون محطة فاصلة في تاريخ البلاد، خصوصا وأنت تعرف أن خمسين سنة مرت على استقلال الجزائر، ومن الواجب أن نستغل هذه المحطة التاريخية للتأسيس لجزائر جديدة تحكمها شرعية جديدة هي شرعية الفكر والعمل الخلاق المثمر للمضي بالبلاد قدما نحو المستقبل.

هل لنا أن نعرف إذن سبب عزوفك عن الترشح، في الوقت الذي يتزاحم فيه الناس بالمناكب والمناصب لتصدّر القوائم؟

في الحقيقة، هنالك أسباب مهنية وأخرى أخلاقية، فأنا أريد أن أصحح الصورة المنطبعة في أذهان الناس، من أن الانخراط في العمل النضالي داخل حزب ما يكون هدفه بالضرورة هو الوصول للبرلمان، وفي هذا الصدد، فأنا أعتقد أن أية إضافة يمكن أن أسهم بها داخل قواعد الحزب، يمكن أن تحقق نتائج أعمق، وأهم من وجودي في أقلية حزبية داخل البرلمان، خصوصا وأن حزب الحرية والعدالة لن يشارك في الانتخابات في كل ولايات الوطن. أما السبب الثاني فهو اقتناعي بأن العمل النيابي قد يعيق مساري المهني والإعلامي الذي أستطيع من خلاله أن أقدم فائدة أكبر للمجتمع وللجمهور، مع التأكيد أنني واثق في التفاف الجمهور من حولي بالشكل الذي يجعلني مقتنعا بحصد أعلى نسبة لو ترشحت في بسكرة أو في العاصمة أو حتى في تندوف، وهي نفس القناعة التي جعلت بعضهم يرسل لي من يثنيني عن الترشح ويخيفني بـ "العروشية" في بسكرة، وبثقل الأسماء المرشحة في العاصمة!

هذا بالإضافة إلى شروعي في إنتاج برنامج ضخم لقناة تلفزيون الشروق، سيبدأ بثه نهاية هذا الشهر، وبالتالي فإنه لا يصح أخلاقيا أن أعطي الانطباع عن نفسي بأنني أقوم بحملة انتخابية لشخصي من خلال هذا البرنامج التلفزيوني، رغم أنني وقعت عقد إنتاجه نهاية السنة الماضية قبل الإعلان عن موعد الانتخابات.

وماذا عن انضمامك لقناة الشروق؟

أغلب الكفاءات التلفزيونية والسينمائية في الجزائر تعيش على الهامش حاليا، وتحرم من إمكانية التواصل مع الجمهور، وبالتالي فإنها تستغل أي نافذة يمكن أن تفتح أمامها للاستمرار في أداء العمل الثقافي والفني الذي يتوق إليه الجمهور والذي يسهم بالتأكيد في خدمة المجتمع.

وقد سررت كثيراً عندما اتصل بي الأستاذ علي فضيل، في جملة من اتصل بهم من الزملاء، لإثراء هذه القناة، وتم الاتفاق على إنتاج برنامج مسابقات ثقافي ضخم بعنوان "عد النجوم" أقوم بإعداده وتقديمه، وستشرع قناة الشروق في بثه نهاية هذا الشهر تزامنا مع انطلاقتها الرسمية.

وأنا على ثقة من أن النجاح الذي حصدته جريدة الشروق في تفاعلها مع جمهورها وقرائها، ستحصده أيضا قناتها الفضائية من خلال العديد من البرامج ذات الطابع الوطني والفكري الهادف، وأعتقد أن قناة الشروق بإمكانها أن تكون صوتاً جديدا لبلادنا، يقدم الصورة المثلى التي ينبغي أن تظهر بها الجزائر.

هل تعتقد أن الحياة السياسية والحزبية والإعلامية في حلتها الجديدة ستحقق خطوة أو خطوات أخرى نحو الديمقراطية؟

ورشات الإصلاح التي أعلنها رئيس الجمهورية ما تزال في بداياتها رغم المصادقة على جملة القوانين العضوية التي تضبط هذه الإصلاحات، لأن ترسانة القوانين لا تعني أبداً أننا حققنا جمهورية أفلاطون المثالية، والعمل الميداني هو وحده الكفيل بتجسيد النية الحقيقية من وراء هذه الإصلاحات، أما في المجال الإعلامي فإن النقاش الذي تزامن مع طرح قانون الإعلام الجديد، والذي كان محوره فتح المجال السمعي البصري في الجزائر، قد تبخر بإحالتنا لانتظار صدور قانون السمعي البصري، ولعلك لاحظت أن الوزير الأول قال في آخر تصريح له: "أظن أنه ليس هناك تراجع في مجال فتح السمعي البصري" مع وضع خط تحت عبارة "أظن"، وإذا كان الوزير الأول يظن فماذا تنتظر منا نحن؟، ثم إنك عندما تقرأ قانون الإعلام الجديد تجد أنه خصص أكثر من 46 مادة للصحافة المكتوبة، بينما خصص 6 مواد فقط لفصل صغير عنوانه: "ممارسة النشاط السمعي البصري"، فكأننا في الحقيقة أمام ذر للرماد في العيون، وقد تجسد هذا الاستنتاج في تراجع وزير الاتصال تدريجيا عن تصريحاته المتعلقة بفتح السمعي البصري، حيث كان يتحدث في البداية عن إنشاء قنوات خاصة، ثم تحول في آخر لقاء له بقسنطينة إلى الحديث عن إنشاء قنوات موضوعاتية بعد صدور قانون السمعي البصري.


لكننا نتابع يوميا ظهور قنوات تلفزيونية على النيل سات يملكها جزائريون، ألا ترى ذلك تجسيد لقانون الإعلام قبل صدور قانون السمعي البصري؟

بعض القنوات التي تشاهدها هي ضحية لسماسرة موجات وترددات البث، وقد وجد هؤلاء السماسرة ضالتهم في بعض الجزائريين المتحمسين لفتح مجال السمعي البصري ، وأغلب هؤلاء السماسرة يتواجد في البحرين وفي الأردن وفي دبي، حيث يمكنك في خلال دقائق فقط أن تطلق أي قناة تحت أي اسم كان، وتبدأ في البث عن طريق هؤلاء السماسرة الذين يبيعون أيضا التردد الذي تبث عليه لمن يدفع أكثر، وبالتالي فأغلب هذه القنوات هي غير شرعية، بالإضافة لكونها تخضع للقانون الأجنبي وليس للقانون الجزائري، بحكم أنها تبث من الخارج. وفي حدود ما أعلم، فإنه ماعدا قناة الشروق التي تمكنت من تسوية وضعيتها القانونية في الأردن، فإن بقية القنوات ماتزال تحت رحمة السماسرة، رغم أن هدف أصحابها هو التحضير فقط لإطلاق قنواتهم من الجزائر بعد صدور قانون السمعي البصري، رغم أن الحصول على التراخيص اللازمة يبقى بيد الدولة الجزائرية، باعتبار أن قانون الإعلام الجديد حرم سلطة الضبط من منح هذه التراخيص وأبقاها في يد الدولة.



وأين موقعك أنت على خارطة ما نسمع عنه من مشاريع فتح قنوات فضائية؟

العين بصيرة واليد قصيرة ، و(الشطحات في الراس ياسر والرجلين ماقدوها) حسب تعبير رئيس الجمهورية ذات يوم .. من الجانب المهني أنت تعرف أن بإمكاني وبإمكان العديد من الكفاءات الجزائرية أن تؤسس قنوات تنافس حتى كبريات القنوات العالمية، وتكون صوت الجزائر المسموع في الخارج، لكنني متأكد في الوقت الراهن أن هناك من لا يسره نجاح المهنيين في هذا المجال، وبالتالي فإن دخولي هذا المعترك حالياً غير وارد، بدليل أن كل من يروّجون لفتح قنوات تلفزيونية خاصة في الجزائر لا علاقة لهم بالمهنة.

لكنني أنتهز هذه الفرصة لأوجه رسالة للمسؤولين عن القطاع، مفادها أنه إذا كانت هناك نية صادقة في فتح السمعي البصري في البلاد، وتقديم صورة مثلى عن الديمقراطية وحرية التعبير في الجزائر، فإنه يتوّجب على الدولة أن تقدم مساعدات مادية لإنشاء هذه القنوات دون أن تقدم الحجة القديمة من كونها ستموّل من سيشتمها، لأن أمر استمرار هذه القنوات يبقى دائما في يد سلطة الضبط التي تستطيع أن توقف أي قناة تخرج عن دفتر شروطها.



كيف ترى مستقبل الإعلام الخاص في الجزائر؟ ومستقبل القطاع العمومي على وجه التحديد؟

إذا صدقت نوايا السلطة وجسدت وعودها الواردة في قانون الإعلام الجديد ـ رغم أنه لا يسمي الأشياء بمسمياتها ـ فإن الجزائر يمكنها أن تقلع نحو المستقبل الذي تأمله الأجيال الجديدة، لكن هذا لن يتحقق حسب رأيي إلا بوصول هذه الأجيال إلى مواقع القرار في السلطة لتغيير الذهنيات القديمة التي مر على بقائها في الكراسي 50 سنة كاملة.

أما القطاع العمومي سواء في الإعلام أو في غيره فلا مستقبل له، ورغم أن العالم تغير منذ أكثر من 20 سنة، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، فإن الذهنيات القديمة التي تحدثت عنها ما تزال تفكر بمنطق النظم الاشتراكية البائدة، وأؤكد لك أن الشركات الخاصة الناجحة التي تم تفكيكها خلال السنوات القليلة الماضية، وما يزال بعضها قيد التفكيك تحت مصطلح (الاسترجاع) سببه الأوحد هو تمسك هذه الذهنيات بمنطق احتكار الدولة للاقتصاد، ولذلك بقيت الجزائر حتى الآن من البلدان القليلة في العالم، والبلد الوحيد في شمال إفريقيا الذي يفرق بين القطاع العام والخاص.



قدمت السلطة ضمانات عديدة لنزاهة الانتخابات التشريعية المقبلة، فماهي توقعاتك في هذا الشأن؟

لا يساورني أدنى شك في نية رئيس الجمهورية وهو السياسي المحنك بالاستجابة لتطلعات الشعب الجزائري في الانتقال بالبلاد إلى عهد جديد أمام المتغيرات الإقليمية التي يشهدها العالم العربي، وإذا التزمت الإدارة ومن ورائها النظام ككل بهذه الرؤية فإن عهدا جديدا ستعرفه الجزائر عقب الانتخابات سيبدأ بتعديل الدستور، ولن ينتهي بتسليم الرئيس المشعل للجيل الجديد وللشرعية الجديدة التي ستجنب البلاد ما آلت إليه الأمور في بلدان مجاورة.
 لكنني أعتقد أن هناك نية ما في تشتيت المشهد السياسي المقبل بين عدة تشكيلات لتفادي صعود أغلبية برلمانية من تيار معين، ومع ذلك فقد يكون للتيار الإسلامي حظ وفير إذا استفاد من الدروس السابقة في الجزائر ومن الدروس الحالية في تركيا وتونس ومصر، لأن مشكلة الإسلاميين أنهم ينخدعون بالغوغاء الملتفين من حولهم فيرون أنفسهم فيلة، وهذا هو الخطأ الذي أصابهم عام 1991 بالجزائر، وسيصيبهم بمثله في مصر وتونس حسب المؤشرات الحالية، أما من يسمون أنفسهم بالوطنيين والديمقراطيين فهم مطمئنون وأماكنهم مضمونة لاعتبارات عديدة، ولا أعتقد أنهم سيقتلعون من جذورهم التي مر على تجذرها في البلاد أكثر من نصف قرن!.
 حاوره: حكيم عماري
الشروق

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))