الثلاثاء، 6 مارس، 2012

رضا مالك ''قلت لشيراك: فرنسا استغلت الأزمة الجزائرية للانتقام منا''



29-02-2012 الجزائر: حاوره حميد عبد القادر

تشعب الحديث مع رضا مالك، أثناء إجراء هذا الحوار في بيته. رحب بالفكرة بمجرد أن أخبرناه بأن محور الحوار هو: الفكر والثقافة. فالرجل مثقف، درس الأدب والفلسفة، وتربى في وسط عائلي متشبع بالثقافة الإسلامية. التحق بالثورة كمثقف، وساهم في مدها بالمتن الأيديولوجي اللازم لمواجهة أطروحات استعمارية فكرية، كانت أخطر من الحرب. وبدا رضا مالك وفيا لأفكاره، مؤمنا بضرورة خلق الربط بين الثورة والديمقراطية، داعيا إلى الاهتمام بالتاريخ ومنتقدا الحركة الإسلامية في العالم العربي.

اتهم السلطة بالتقاعس في التعامل مع الإسلاميين
''ما جرى في تونس عبارة عن عبث''

هل أنت راض عن كيفية التعامل مع الإسلاميين في العالم العربي اليوم؟
 السلطة، اليوم، ليست حذرة للأسف بخصوص التعامل مع الظاهرة الإسلامية، وهناك تقاعس ثقافي في دواليب الحكم عندنا للأسف. ما جرى في تونس بعد صعود الإسلاميين عبارة عن عبث. الوضع المتأزم الذي يعيشه هذا البلد بعد الثورة، لم يكن يسمح بإجراء الانتخابات، ورغم ذلك جرت هذه الانتخابات، وحقق الإسلاميون فوزهم.
تتطلب الديمقراطية قاعدة انتخابية متجانسة، من هنا يمكن أن نشرع في تنظيم انتخابات، لكن ليس بغرض ونية تغيير شكل الدولة، مثلما يحدث في تونس حاليا، بل في إطار دولة منظمة موجودة. وفي حال الإقدام على تغيير أركان الدولة، لا يمكن اعتبار الأمر بأنه ديمقراطية. لقد وقعت الجزائر في هذا الفخ، ما كلفها أزمة دامت عشر سنوات.
وهل تعتقد أن الإسلاميين أصبحوا يؤمنون بالديمقراطية؟
 الإسلاميون لا يؤمنون بالديمقراطية، يريدونها فقط لتحقيق أهدافهم وأغراضهم، ثم يتركونها.
أين تكمن أسباب معارضتكم للإسلاموية؟
 مواقفنا من ''الإسلاموية'' ليست سياسية فقط، بل هي ثقافية وفكرية. السلطة اليوم تنظر للأمور بخصوص الإسلاميين من زاوية تكتيكية وبراغماتية، وهذا خطأ جسيم. يجب التعمق في المسألة، وعلينا أن نطرح السؤال التالي: من أين جاء هذا التطرف الذي يعد تزييفا مؤسفا للإسلام؟
هل تعتقد أن الإسلاميين اليوم فضلوا العولمة على الديمقراطية؟
 طبعا، هذا أمر مؤكد. يقول كلود بوردي في نقاش أجريته معه ونشرته في كتابي الجديد الصادر بعنوان ''حرب التحرير.. والثورة الديمقراطية''، إن الغرب يستعمل حتى الأشياء التي لا يحبها لتحقيق السيطرة على مستعمراته السابقة. وقد استغل التطرف الإسلامي حتى يتمكن من تجديد سيطرته عليها وتكسيرها. والسلطة اليوم لا ترى هذه الأمور. نجد أن أمريكا تريد تدبير شؤون العالم العربي. لما أستمع لواشنطن وهي تملي سياسات معينة على الزعماء العرب أندهش. شخصيا أنا ضد هذا التدخل، فأنا من يقرر مصيري، وليس أمريكا، وبهذا أدافع عن بلدي ضد كل المخاطر. لا أصغي لأمريكا، ولا لغيرها. أمريكا تقول اليوم إن الإسلام أصبح حلا مفيدا للعالم العربي، ولم يعد مثلما كان في السابق. الحكومات الغربية تريد أوضاعا معينة في المنطقة لتحويلها إلى ''بازارات'' وأسواق لا غير، وهذا انتقاما من استقلالنا. وقد قلت للرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك شخصيا: ''تريدون صداقة الجزائر، لكن في وقت الشدة تركتم الأفغان الجزائريين يفرضون سلطتهم ولزمتم الصمت. لما عرفت الجزائر هذا المشكل اعتقدتم أنها فرصة لتكسيرنا، والانتقام من استقلالنا''.  

رفض إدماج اليهود والأوروبيين حفاظا على الشخصية الجزائرية
''تعرضت للإقصاء سنة 1962 بسبب مواقفي من الصراع على السلطة''

كيف وقع التزامك بالثورة؟
 جرى ذلك في إطار التزام فكري أولا. وهو التزام بالشخصية الوطنية ضد المجتمع الكولونيالي. ضمن هذا التوجه أسسنا رفقة بلعيد عبد السلام وآخرين الاتحاد العلم للطلبة المسلمين الجزائريين. ودافعنا عن كلمة المسلمين. وفي اجتماعاتنا أردنا أن يكون بمثابة اتحاد يضم بالدرجة الأولى الطلبة المسلمين، فأرادت أطراف أخرى أن نُدمج في اتحادنا طلبة غير مسلمين كاليهود والمسيحيين، وقالوا إن هؤلاء جزائريين، ولا بد أن ينضموا إلى الاتحاد، لكننا رفضنا.
لماذا؟
 لأن مثل هذه الأفكار التي رفضناها بشدة كانت تسير وفق أطروحات الحزب الشيوعي الجزائري. طُفت آنذاك بالجامعات الفرنسية للقاء الطلبة الجزائريين، منهم محمد خميستي ومحمد بجاوي وغيرهما، للدفاع عن فكرة إدراج كلمة المسلمين في تسمية الاتحاد. كنت أقول إن الطلبة اليهود مثلا لهم تنظيمهم والفرنسيون كذلك. وهناك تجمع في الجزائر يضم أبناء الكولون وبعض الجزائريين المسلمين، وهو اتحاد طلبة شمال إفريقيا في الجزائر. دار بيننا نقاش كبير، حضره محمد حربي، وكان بعض الطلبة يريدون فتح الاتحاد العام للطلبة الجزائريين على باقي الأقليات وترك الأمر مفتوحا، فرفضنا وأردناه اتحادا للطلبة المسلمين الجزائريين.
رفضتم بحجة ماذا؟
 بدأت تظهر لدى الطلبة الجزائريين في فرنسا آنذاك منذ بداية الخمسينيات بعض الانزلاقات، وبدأوا يبتعدون عن الثقافة الوطنية ويفكرون بطريقة غير صحيحة، فمنهم من سقط في ''البربريزم'' ومنهم من تأثر بالمادية أو الشيوعية. فسألناهم عن مفهوم الجزائري، ما هو المحتوى الممكن تقديمه لما تقول أنا جزائري؟ هل يعني كل العناصر الموجودة في الجزائر؟ هل الأوروبيون جزائريين؟ هنا وضعنا المرجعية وأدرجنا كلمة إسلام في تسمية الاتحاد حتى تظهر التفرقة. فلم نقبل بفكرة أن الجزائر خليط من العناصر.
وهل أثرتم بهذه الأفكار على مسار الحرب التحريرية؟
 طبعا، الفكرة كانت موجودة لدى الأحزاب الوطنية، ونحن أعطيناها بعدا فكريا، لأن النقاش الذي جرى حدد المعالم خلال الثورة الجزائرية. فكنا نناقش قضايا تتمحور هو الإشكالات التالية: ما هو تاريخ هذا الشعب؟ وما يميزه عن الاستعمار؟ فوصلنا إلى نقد هذه الأطروحات التي وضعها الحزب الشيوعي الجزائري. فموريس توريز لما جاء إلى الجزائر، قال إن هذه الأمة الجزائرية بصدد التكوين. فتحدث عن وجود الرومان والبربر والعرب والوندال والبيزنطيين والأتراك والفرنسيين. وقد تم إدماج كل هؤلاء الغزاة في الأمة الجزائرية، حتى يتم تسهيل إدماج الفرنسيين الذين استوطنوا الجزائر، وغذوا خطاباتهم بفكرة مفادها أن الفرنسيين ساهموا في تكوين الأمة الجزائرية.
كنا نقول إن هؤلاء الفرنسيين احتلوا البلاد، وجاؤوا مع الجيش الفرنسي الذي ساعدهم على البقاء، كانوا بمثابة غرباء عن أرضنا، ولا يمكن أن نعترف لهم بالجنسية الجزائرية.
وكيف كانت ردود أفعال المعارضين لكم؟
 قالوا عنا إننا إسلاميون.
هل تعتقدون أنكم أثرتم على مسار الثورة كمثقفين؟
 طبعا، لأن مواقفنا كانت لها أبعاد سياسية مهمة. لقد حطمنا الأسطورة الشيوعية حول الأمة الجزائرية، ووقفنا ضد طروحات موريس توريز الذي أقصى روح الثقافة العربية الإسلامية التي تعد بمثابة إسمنت الأمة الجزائرية، ونحن أردنا أن نعيد لها الروح، وتمثل دورنا في بعث هذه الثقافة. كان الاستعمار يرفض الأمة الجزائرية، وقلنا إن هذه الأمة قائمة، وحافظت على وجودها بفضل الإسلام.
هل واجهتم مثل هذه الأفكار خلال مفاوضات إيفيان؟
 نعم، كان المفاوضون الفرنسيون يسعون لإدماج الأوروبيين في الجزائر، فقدمنا طرحا يعتبر أن هؤلاء فرنسيون، وأن الجزائر ملك لنا، نحن من صنعها، ونحن من يدافع عنها. كانت لي فرصة مناقشة هذا المشكل، حيث كلفت بملف الأقليات الأوروبية والامتيازات التي يمكن أن يحصلوا عليها، وتوقفت المفاوضات على مرتين بسبب هذه المسألة. واجهت طرحا عنيدا كان يريد إدماج الأوروبيين، لكننا كنا نحن ندافع عن وجود الشعب الجزائري الذي يتميز بدينه وثقافته وتاريخه عن الأوروبيين. كان هؤلاء يعارضون الاستقلال الوطني، فكيف يندمجون في الأمة الجزائرية؟ بلغ النقاش حدته، فرفضنا تقديم أي تنازلات، فلو فعلنا ذلك حتما كانوا سيقولون هذا بلدنا.
هل يمكن القول إنكم أعطيتم بُعدا أيديولوجيا للثورة؟
 بكل تواضع نعم، واستمر عملنا في جريدة ''المجاهد'' رفقة عبان رمضان ضمن هذا المنحى. لا يجب أن ننسى أن الحزب الشيوعي الجزائري الذي دافع عن فكرة ''توريز''، تراجع عن مواقفه سنة 1961 واعترف بأخطائه وقال إن الفرنسيين في الجزائر ليس بإمكانهم أن يكونوا جزائريين، فاقترحنا على الفرنسيين أن يصبحوا جزائريين، لكن شرط أن يعترفوا باستقلال الجزائر بشكل فردي وليس جماعي، لكنهم غادروا الجزائر بسبب منظمة الجيش السري.
وكيف كان موقفك من أزمة صيف 1962؟
 لم أكن أعتبر ذلك الصراع صراعا أيديولوجيا، وكلفني هذا غاليا، فقد تعرضت للإقصاء من الجمعية التأسيسية الأولى. لا يمكن فهم ذلك الصراع على أساس أنه صراع بين طرف كان يدافع عن التطور والتقدم والاشتراكية،  وطرف آخر كان ليبراليا. لا، هذا غير صحيح.


وصفه بـ''الشخصية المنفردة والانعزالية''
''مالك بن نبي كان يؤمن بالخرافات وبرز ذلك في ''مذكرات شاهد القرن''

مالك بن نبي كان يكتب معكم في صحيفة ''المسلم الشاب''، لماذا لم يتقرب من أوساط جبهة التحرير الوطني كثيرا؟
كان مالك بن نبي شخصية منفردة. انتقد الحركة الوطنية وكتب أشياء ليست في صالح الوطنيين الجزائريين، بالخصوص في كتابه الشهير ''شروط النهضة''. كتب أمورا غير معقولة، منها أنه مرّ ذات يوم بشارع ''شارتر'' بالجزائر العاصمة، وشاهد إنسانا بائسا، وأعمى يتضور جوعا، وهو جالس تحت شعار سياسي هو: ''من أجل الجمعية التأسيسية''، وعلق بن نبي على هذه الظاهرة قائلا: ''ماذا يعني هذا؟ إنهم يتحدثون عن  الجمعية التأسيسية ونحن في البؤس''، ومثل هذا التفكير يعد غير مقبول.
هل كان مثاليا؟
 نعم، وقد عرفته شخصيا. هو شخص محترم، كنت أجد متعة كبيرة في الحديث معه لأنه مثقف كبير، فهو مهندس وأراد أن يفهم الإسلام. كتب كتاب ''وجهة العالم الإسلامي'' لكنه وقع في الصوفية، وذلك أمر ليس مُجديا. كان ينتمي للتيار الإصلاحي في الحقيقة. وخلال حرب التحرير، عاش منعزلا وألف كتابا حول فكرة الأفرو ـ آسيوية. لا أريد أن أنتقده فأنا أختلف معه على مستوى الأفكار. لقد حاول فهم الأوضاع، غير أنه وقع في تصوف أبعده عن العقلانية، وفي كتاب ''مذكرات شاهد القرن''، كتب أورد أمورا غير عقلانية، بل مضحكة وخرافية.
هل الجبهة هي التي أقصته؟
 حتى هو فضل أن يعيش على الهامش.  
.. يتبع
الخبر

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))