الثلاثاء، 6 مارس 2012

رضا مالك :من الخطأ الاستنجاد بقوة استعمارية للتخلص من الديكتاتور''



01-03-2012 الجزائر: حاوره حميد عبد القادر
الإسلاميون أصبحوا يريدون السلطة بالتظاهر بالاعتدال
 قال رضا مالك، في الحلقة الأولى من حواره مع ''الخبر''، التي نشرت، أمس، إن الإسلاميين لا يؤمنون بالديمقراطية، بل يريدونها فقط لتحقيق أهدافهم، ثم يتركونها. وعاد إلى ظروف التحاقه بالثورة، ونضاله في صفوف الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين، موضحا أنه وقف ضد أطروحات موريس توريز، الذي صرح إثر زيارته للجزائر أن هذه الأمة الجزائرية بصدد التكوين. فتحدث عن وجود الرومان، والبربر، والعرب، والوندال، والبيزنطيين، والأتراك، لتسهيل إدماج الفرنسيين.

كيف تنظر إلى الثورات العربية الجديدة؟
 يجب تجاوز الأوضاع العربية المتردية، وتكسير الواقع الديكتاتوري، لكن ليس بالسقوط بين أحضان الاحتلال الأجنبي. في ليبيا استنجدوا بقوة استعمارية قديمة لمساعدتهم على التخلص من نظام العقيد معمر القذافي، وهذا سلوك غير صحيح. هذه القوى الاستعمارية تساعدك نعم، لكنها تبقى عندك وتكسرك، خاصة إذا كنت تملك ثروة بترولية. يوجد نقص في الصرامة والنضج السياسي، والبرمجة وبُعد النظر لدى الأنظمة العربية.
كيف تابعت صعود الحركات الإسلامية في العالم العربي بعد ثورات تونس ومصر وغيرهما؟
 أعتقد أن ''الإسلاموية'' عبارة عن هروب إلى الأمام، وتعبر عن فقدان الأمل الذي انتشر في العالم الإسلامي بعد هزيمة 1967، وتكسير المشروع الوطني الذي كان يمثله الرئيس عبد الناصر.
الحكومات العربية اليوم، للأسف الشديد، لا تستخلص الدروس بخصوص دور الحركة الإسلامية. إن التجربة الجزائرية بشأن التعامل مع الإسلاميين الذين أرادوا الاستحواذ على السلطة بالقوة ماثلة أمامهم، ومنها يستطيعون استخلاص الدروس، لكنهم لا يفعلون ذلك، فهم مصابون بالعمى. يريد الإسلاميون اليوم الاستحواذ على السلطة بواسطة الاعتدال، وهذا وهم يقدمونه لنا. لكن من خلال التجربة الجزائرية نفهم أن هؤلاء الإسلاميين يرغبون في كسر الجزائر، باعتبارها الرابط الأساسي لتسهيل كسر كل العالم العربي، بيد أنهم عجزوا لأن الثورة الجزائرية كانت لهم بالمرصاد. هذه المرجعية حتى إن لم تعد تظهر اليوم على مستوى سلوكيات الأفراد، لأننا نسيناها قليلا، لكنها موجودة وهي التي تشكل قوة الجزائر.
أعتقد أن المجاهدين هم من هزموا التطرف، وساعدوا على دحر مشروعهم المخيف. وثقافة الثورة هي التي مكنتنا من اكتساب المناعة ضد هذا الخطر. هناك من الإسلاميين من يقول إنه تغير، وأصبح يتحدث عن إسلام عصري.. ما معنى إسلام عصري؟ لما يقولون إنهم ديمقراطيون.. ما معنى الديمقراطية؟ هل أنت مع حرية المعتقد؟ جيد. هل أنت مع حرية التعبير؟ نعم.. إذن ماذا تضيف أنت كإسلامي..لا يجدون الجواب.. لأنهم فقط يريدون الاستيلاء على السلطة. ويريدون نفس هذه السلطة من أجل خدمة مصالحهم.
اعتبرتم كتابكم الأخير ''حرب التحرير والثورة الديمقراطية''، الصادر عن منشورات القصبة، بمثابة محاولة لتكريس الثورة الجزائرية كمرجعية في أوساط الشاب، كيف يمكن تحقيق ذلك؟
 نعم كتبت هذا الكتاب حتى أظهر كيف يمكن أن تحدث الاستمرارية في الأفكار عبر الأحداث التاريخية. وهو نوع من المذكرات، لكن بواسطة الوقائع والنصوص التي كتبتها من زمن الثورة إلى غاية اليوم، من أجل النضال ضد التطرف، ومن أجل العقلانية، والنضال من أجل ثقافة وطنية ثورية منفتحة على العالم. وهذا ما سوف يمكّن الجزائر كي تصبح دولة مستقرة ومحترمة. ودون هذه المبادئ سوف نسقط في ''الشعوذة'' والفوضى. والدول التي تتنكر لمرجعياتها تسقط في هذه الفوضى، ذلك ما لمسته في مصر مثلا، هل رأيتم ذلك النائب المصري الذي شرع في الأذان وهو في البرلمان؟ يكفي، نحن مسلمون ولا نحتاج لمثل هذه المظاهر.
هل تتفق مع الرأي القائل إن العولمة عبارة عن نوع من الاستعمار؟
 إذا عرفنا توظيف العولمة يمكن أن تساعدنا. أما إذا لم نحسن التعامل معها، ففي هذه الحالة تصبح لا أقول ظاهرة استعمارية، بل نوعا من إنكار السيادة الوطنية. ونحن للأسف لم نأخذ سوى الجوانب السلبية من العولمة، فحولتنا إلى أسواق خلفية للاستهلاك.  

تشبعت بالثقافة الإسلامية في محيطي الأسري
''كنت أُقدّر الشيخ بن باديس كثيرا ''


لماذا درست الفلسفة والأدب؟
 أبديت اهتماما بالفلسفة والأدب حتى أفهم الوضعية والظروف التي كنا نعيشها آنذاك. أذكر أني كتبت لجريدة فرنسية مقالا طرحت فيه السؤال التالي ما هي مواهبكم، ولماذا؟ أجبت عن السؤال، وقلت إنني أدرس الفلسفة لأنها تمنح الإجابات عن الأسئلة الشائكة، وتؤدي إلى فهم طبيعة المجتمع وعلاقته بالعالم الخارجي، وتساعد على فهم ما هي التطورات الحاصلة في العالم من حولنا. والفلسفة هي مفتاح إدراك التطور.
كم كان عمرك لما كتبت هذا المقال؟
كنت أدرس في الثانوية.
وهل كنت تقرأ كثيرا حينها؟
 نعم، محيطي الأسري كان محيطا مثقفا. وقد تلقيت تكوينا إسلاميا منذ البداية. والدي كان قاضيا. والقضاة لعبوا دورا كبيرا في الحفاظ على الشخصية الجزائرية. فقد كان لهم تكوين إسلامي صارم، وتأثروا بالثقافة الإسلامية العظيمة، وليس بذلك الإسلام الذي أثرت فيه عصور الانحطاط للأسف. والدي كان يقرأ ابن خلدون والمعتزلة.
كان يوجد كتب في البيت؟
 نعم، كانت لنا مكتبة ضخمة تضم كتب الفلسفة والفكر الكلاسيكي، منها الشعر العربي القديم والحديث، على غرار امرئ القيس وطرفة، وغيرهما.
كنت تشاهد والدك يقرأ كثيرا؟
 نعم، كان يقرأ كتب الصوفية بالأخص، وكتب الثقافة الإسلامية بصفة عامة. لكن ثقافته الإسلامية كانت موجهة نحو كبار المتصوفة، مثل عبد القادر الجيلالي، وأحمد البدوي، وغيرهما. لقد تشبعت بهذه الثقافة. لكن في ما بعد أصبحت منفتحا على الثقافة العقلانية.
وماذا كانت تمثل هذه الثقافة التقليدية بالنسبة إليك؟
 هي ثقافة منغرسة في الإسلام، وفي بعد تصوفي رغم وجود بعض الخرافات. في بجاية كان يشاع في الأوساط الشعبية أن الفرنسيين أرادوا بناء سجن كبير، لكن الأولياء الصالحين اجتمعوا فزلزلوا الأرض تحت أرجلهم، وبفضل ذلك لم يُبن السجن.
وبماذا أفادتك هذه الثقافة؟
 أفادتني في معرفة أن لنا شخصية وطنية تتميز عن الشخصية التي يريد الاستعمار غرسها فينا. وبواسطتها عرفت تاريخنا، وأدركت أن الجزائر ليست بلدا عاديا، بل بلد له ثقافته وتصوره للعالم.
في مرحلة الطفولة، وإلى جانب والدك، من هي الشخصيات التي أثرت فيك على المستوى المحلي؟
 تأثرت، وأنا بعدُ في المدرسة بالشيخ بلقاسم البيضاوي. كان رجلا قويا وشخصية بارزة. كان مناضلا في حزب الشعب. كان يحدثنا عن تاريخ الجزائر منذ القدم إلى وصول الاستعمار. كان يخبرنا أن الوضعية التي كنا نعيشها عبارة عن وضعية غير مقبولة. فيسرد على مسامعنا أن للجزائر تاريخا عظيما ومشرفا. كان بمثابة القدوة بالنسبة إلينا. ألقي عليه القبض خلال حرب التحرير، ووضع في سجن ''لامبيز''، بعد أن التحق بالثورة رغم أنه بقي وفيا لمصالي الحاج. تعرف عليه عبد الحميد بن زين، وشهد أنه كان رجلا ذي شخصية قوية.
أحفاده أصبحوا كلهم متشبعين بالثقافة الإسلامية، لكنهم متنورون بالعلم العصري. ابنته السيدة قوجيل أصبحت مخرجة سينمائية، وهي من المدافعين عن شعلة الإسلام التقدمي.
وهذه صفحة مهمة في مسارنا، لقد رضعنا الإسلام ونحن صغارا، بكل جوانبه الفكرية والفقهية والقانونية والسلوكية والصوفية التي لعبت دورا في ديمومة الشخصية الوطنية وعدم اضمحلالها.
وما هي الكتب التي أثرت فيك آنذاك؟
 كنت أطالع باللغتين العربية والفرنسية. أقرأ كتب الثقافة الكلاسيكية كالمتنبي والمعري وكتابه رسالة الغفران، وفي نفس الوقت كنت أقرأ المعاصرين، تأثرت كثيرا بطه حسين، وأعجبت بكتابه ''على هامش السيرة''، حول السيرة النبوية. أعتبر أن طه حسين هو نموذج الحداثة المنغرسة في التراث، وكتابه مهم. تمنيت لو وجد مكانة له في المدارس الجزائرية اليوم، لأنه مهم جدا، ويبرز كيف كان يعيش الرسول ( ص) وكيف كان يتدبر أموره، وما هي علاقته بالعالم. كما قرأت كتب ميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران بالأخص كتاب ''الأجنحة المتكسرة''، كما قرأت لفوزي المعلوف، وهو من أهم كتاب المهجر. كنت أحفظ شعر العقاد وغيره من الشعراء. وفي نفس الوقت كنا نملك فكرا ديكارتيا لمواجهة العالم الذي كنا نعيش فيه.
هل انخرطت في حزب الشعب آنذاك؟
 كنت متعاطفا مع حزب الشعب، وكنت أكتب في جريدة ''المسلم الشاب''، وهي لسان حال شباب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. كنت أنتمي لتيار وطني متعاطف مع كل الأحزاب الوطنية. بفضل هذه الثقافة الإسلامية التي تشبعت بها كانت لنا علاقة مع جمعية العلماء المسلمين، وكنت أقدر الشيخ عبد الحميد ابن باديس كثيرا، بحيث كان يشكل بالنسبة لي مرجعية مهمة.
وكنت تمضي مقالاتك باسم مستعار هو رايس علي، أليس كذلك؟
 نعم، والرايس علي ليس شخصية متخيلة، لقد وجد فعلا، وهو من عائلتنا، وكان من رياس البحر. انتقلت إلينا أخباره أبا عن جد.  


تخلف المسلمون بدأ مع رشيد رضا وسببه الوهابيون
''تأثرت بفكر جمال الدين الأفغاني ومنه أخذت فكرة القضاء على الاستبداد ''

بعد الاستقلال بقيتم تولون أهمية كبرى للثقافة والتاريخ؟
 نعم، لأنها مشكلة أساسية في الجزائر. التوجه السلبي الذي نراه في مدارسنا اليوم أصبح مؤسفا. لم نعد نعطي التلاميذ والطلبة اليوم معرفة تاريخية لازمة. الشباب لا يعرفون تاريخ الجزائر، فكيف يفكرون في المستقبل دون وقوع انزلاق. أصبحوا يقولون ثقافتنا هي الإسلام. نعم هذا صحيح، لكن التاريخ الوطني والثورة التحريرية يقويان ويعطيان بدورهما إسمنت الروح الوطنية. وهذا مشكل خطير يجب أن يطرح اليوم للنقاش. الجزائريون للأسف يصبحون مزدوجي الجنسية أو يصبحون متطرفين.
هل تعتقد أن الحل يكمن في الحداثة؟
 أعتقد أنه يجب على الإسلاميين قبول الحداثة فعلا. ويجب أن نطالب العلماء أن يسايروا هذه الحداثة، وليس الحداثة هي التي تتأقلم مع الإسلام كما يرددون. يجب الانغماس في التطور قصد مسايرة مسار العالم. فالمعرفة تعد من بين العناصر التي مكنت الغرب من أن يصبح قوة كبرى، وما علينا سوى الاقتداء به. إن كتاب شكيب أرسلان ''لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟'' يعد مرجعا ضروريا لفهم واقع العالم الإسلامي اليوم. كما أن جمال الدين الأفغاني الذي لا علاقة له بهذا التطرف الذي نشهده اليوم هو صاحب فكر منفتح، هاجر إلى فرنسا وأصدر مجلة العروة الوثقى، ودعا بواسطتها إلى القضاء على الاستبداد.
هل أثر فيك جمال الدين الأفغاني؟
 نعم، فهو مفكر إسلامي مهم جدا. لما سافر إلى باريس خاض معركة ضد الاستبداد. وهذا ما كان يهمني في مساره. كان يدعو إلى إصلاح الإسلام، وكان يعتقد أن ذلك لا يمكن أن يحدث في فضاء مغلق، فحث المسلمين على الاطلاع على الفكر الغربي، وفلسفة الأنوار، حتى لا يبقوا حبيسي التخلف. أعتقد أن الإصلاح والتطور يستلزم الاطلاع على الثقافة الأخرى. فاليابان مثلا تطور بعد أن تمكن من علوم الغرب وتقنياته. لقد أرسل ''الميجي'' بعثات إلى بريطانيا لمعرفة كيف يمكن بناء أسطول عصري. ومن فرنسا أخذ التدريس، فكون مجتمعا متطورا، وأحدث نهضة كبيرة. في عهده تم تدشين أول قطار يقطع اليابان.
وماذا وجدت عند جمال الدين الأفغاني؟
 يوجد لدى الأفغاني روح موسوعية. وقف ضد الاستبداد، فتخوف منه شاه إيران، فدعاه لوضع دستور للبلاد. كان الأفغاني متأثرا بالدستوريين الغربيين، وكل الأفكار التي تحدد قواعد الحكم التي يخضع لها الحاكم، حتى لا يحكم حسب الأهواء والسيف. لكن الشاه ترك الأفغاني في قصره لفترة طويلة كأنه سجين، ولم يعطه فرصة تحرير الدستور، وشرع في سياسة التسويف والمماطلة. وبعد ذلك اتهم الأفغاني بتدبير أحداث شغب، فنفي إلى تركيا. أين رحب به السلطان عبد الحميد.
وما رأيك في أفكار محمد عبده؟
 حاول محمد عبده تلميذ الأفغاني أخذ المبادئ العصرية وجعلها تتأقلم مع الإسلام، والتسامح. كان يدعو إلى توحيد المذاهب الإسلامية، مثله مثل ابن باديس الذي خطب في غرداية، وقال إن الإباضيين مسلمون، مثل السنيين.
وبعد وفاة محمد عبده سنة 1905 برز اسم رشيد رضا الذي أصدر جريدة ''المنار''، وهو رجل عظيم، ألف كتابا في المستوى عن الشيخ عبده، لكن للأسف ظهرت الوهابية فأدخلتنا في مرحلة التخلف. الإصلاح هو الدفاع عن شخصيتنا والعودة إلى ثقافتنا وهي الإسلام، وهي كذلك تلك العلاقة المتينة مع العلم والعقل والعصر. هذا ما كان يطالب به محمد عبده، لكن رشيد رضا أخذ بالعامل الأول، وأغفل العامل الثاني. فأصبحنا محافظين، وعدنا إلى وضعية متدهورة، مما أدى إلى بروز الإسلام المتطرف، المرتبط حسب اعتقادي، بالبترو دولار.
الخبر

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))