الأحد، 1 يوليو، 2012

المجاهد أحمد مهساس في خمسينية الاستقلال: لا أستطيع القول أن الجزائر استقلت



المجاهد أحمد مهساس يتحدث للشروق في خمسينية الاستقلال:
لا أستطيع القول أن الجزائر استقلت
 حوار: ميلود بن عمار
لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال
2012/07/01
المجاهد أحمد محساس
يؤلمني أن هناك أطراف جزائرية تقوم بسرقة التاريخ



سبعون سنة من النضال المستمر في صفوف الحركة الوطنية، لم تشفع للمجاهد الكبير أحمد مهساس، وهو اليوم يمضي عامه الثمانين، أطال الله في عمره، بإحساس المهمشين. السي مهساس أحد وجوه الرعيل الأول في صفوف الحركة الوطنية، يؤكد من خلال هذا الحوار أنه لا يجب تسليط الأضواء فقط على أجواء الفرح الذي سيميز احتفالات الجزائريين بخمسينية الاستقلال، وإنما علينا أن ننظر أيضا إلى الزاوية الأخرى من الصورة، والتي ليس بها أجواء فرحة أو احتفالات. ويطرح أحمد مهساس وجهة نظره، بصراحته المعهودة، حول العديد من القضايا ككتابة التاريخ، والعلاقات المتأرجحة دوما بين الجانبين الجزائري والفرنسي، كما يتعرض لعلاقته بالرئيسين الأسبقين أحمد بن بلة وهواري بومدين، والجوانب التي أدت إلى معارضته لنظام حكم هذا الأخير. في هذا الحوار أيضا يتحدث مهساس عن الأساس المتين الذي ينبغي أن تنبني عليه الكتابة العادلة للتاريخ، كما لا يُخفي مهساس أنه تعرض خلال مسيرته النضالية الطويلة للتزوير والظلم، إلى درجة أنه قال في أحد فصول هذا الحوار بالحرف الواحد ".. ولولا إيماني القوي والقسم الذي قطعته على نفسي على المصحف بأن أموت من أجل هذا الشعب، لذهبت إلى جهة أخرى".

تذكر العديد من المواقع الإلكترونية اسم أحمد محساس بـ"الحاء"، في حين تذكرك مواقع أخرى بـ" الهاء " بداية أين الحقيقة في لقب السي أحمد؟
 الصحيح هو أحمد مهساس بالهاء وليس بالحاء، أنا أنتمي للمهاسيس المنتشرين في بودواو ببومرداس.

يذكرك أحد المواقع الإلكترونية، إلى جانب أسماء عدد من شهداء الثورة التحريرية، وأنت حي ترزق، إلى ماذا ترد هذا الجهل بالحقائق التاريخية؟
 (يضحك بتعجب).. ربما يدخل ذلك في التزوير الذي تعرضت له وأتعرض له دائما.



نبدأ من حيث هي البداية، من الاحتفالات التي تستعد لها الجزائر وهي تدشن الذكرى الخمسين للاستقلال.. ما الذي يمكن أن يقوله المجاهد الكبير أحمد مهساس على أبواب هذه الذكرى؟

في الواقع.. الاحتفال بذكرى خمسين سنة من الاستقلال، رغم ما حدث ويحدث في الميدان، يؤشر على أن هناك حقيقة موجودة تتمثل في إنجازات المجتمع الجزائري، والجزائر استقلت وحققت في خمسين سنة نجاحات لا يمكن إنكارها، والحمد لله. نحن لا نقول فلانا صنع، ولكن أبناء المجتمع الجزائري بنوا، رغم النقائص التي سيجد لها الشعب حلا. وفي هذا السياق نسجل أشياء إيجابية، الجزائر تملك اليوم جامعات يتكون فيها أبناء الجزائريين، كل هذه المسائل خطوة تاريخية عظيمة بعد نجاح الكفاح المسلح، أما عن السلبيات فكلنا يعرفها.

أنا أول المهمشين، بعد مسيرة 70 سنة في خدمة الشعب الجزائري، أشعر أني لا أملك الحرية اللازمة لأقول إننا نلنا الاستقلال. الاحتفالات والفرح، يجب ألا تنسينا الجهة الأخرى من الصورة التي ليس بها احتفالات ولا فرح. كلمة الاستقلال نسبية، الجزائر استقلت، ويجب أن تحقق كل أهداف الشهداء وكل الأجيال التي شاركت في القضية الوطنية، وحتى الشباب مثلكم الذين يهتمون بالمستقبل رغم الظروف الضيقة المفروضة عليهم.

بعض الأوساط الجزائرية هللت لصعود اليسار الفرنسي إلى الحكم ممثلا في الرئيس فرانسوا هولاند، وراحوا يبشرون بأن ذلك سيعود بالفائدة والنفع لصالح البلدين الجزائر وفرنسا، خاصة فيما يخص المسائل العالقة بينهما كالاعتراف بالجرائم الاستعمارية والإفراج عن الأرشيف وكتابة التاريخ من زاوية منصفة.. هل يرى المجاهد أحمد مهساس أن صعود اليسار الفرنسي إلى الحكم يحمل إشارات إيجابية؟

يجب أن نكون واقعيين. الفرنسيون قاموا بحرب نجحوا فيها من كل النواحي نتيجة انحطاط العرب والمسلمين، وهم يستعملون وسائلهم حسب الظروف وحسب العدو. المشكلة تكمن في أن بعض الجزائريين يرون بأن صلتنا بفرنسا يجب أن تبقى دائما. نحن لا نحتاج إلى اعتراف الفرنسيين بنا، يجب علينا أن نترك دائما مسافة فاصلة بيننا وبين عدو الأمس الذي يطمح إلى إعادتنا تحت عباءته في إطار ما يسمى بالاستعمار الجديد. إتمام مسيرة الاستقلال ليست في رفع العلم فقط، لكن يجب أن ننجز بعض الأمور الأدبية والحضارية.

وزير المجاهدين محمد شريف عباس صرح في إحدى خرجاته الإعلامية، بأن وزارته تعاني في كتابة التاريخ، خاصة مع صدور كتابات على الضفة الأخرى للمتوسط تساوي بين الضحية والجلاد؟

هذه هي الحرب الحقيقية التي ما تزال رحاها تدور بعد مرور 50 سنة من الاستقلال. ما يزال هناك تردد واعوجاج لدى بعض الفئات الثقافية الجزائرية. البعض يريد كتابة تاريخ الثورة الجزائرية مع الفرنسيين، وهذا غير مفيد. كل واحد من الطرفين الفرنسي والجزائري يتصور الأحداث التاريخية مثلما يراها، وهنا لا يمكن أن نعطي الفرصة للعدو لتبييض صورته، ولئلا يقدم نفسه لنا كصديق. للأسف بعض المثقفين اتبعوا هذه السيرة، وهي سيرة الخسران. نحن لا نقول يجب أن نكون عنصريين، لكن ثقافتنا تعطينا قيم الشرف والتميز بالموقف التاريخي في المجتمع البشري.

تحدثتم في أحد حواراتكم الصحفية السابقة عن مسألة "سرقة التاريخ"، وقلتم بوجود أطراف تسرق التاريخ.. هل هي أطراف داخلية أم خارجية، وكيف يُسرق التاريخ؟

أنا لا أغتاظ للأطراف الخارجية لأنها تقوم بواجبها، والعدو دائما يحاول استغلالنا لصالحه. الذي يؤلمني هو أن هناك أطرافا جزائرية تقوم بسرقة التاريخ. ليس هناك لحظة ليس فيها تزوير وكذب. وفي هذه المسيرة التاريخية الطويلة، حتى بعض الإخوة والأصدقاء دخلوا في هذه اللعبة. أنا همشت من الكتب والصحافة. وحتى وسائل الإعلام تلعب دورا في هذا التزوير حتى صار الإنسان يشعر وكأنه لم يُقدم شيئا لهذا البلد، ولولا إيماني القوي والقسم الذي قطعته على نفسي على المصحف بأن أموت من أجل هذا الشعب، لذهبت إلى جهة أخرى.

بمناسبة كثرة الحديث هذه الأيام عن كتابة التاريخ، أثارني في مسيرتكم بعد الاستقلال أنكم لما عدتم من إقامتكم بفرنسا إلى أرض الوطن بعد فترة معارضتكم لنظام الرئيس الأسبق هواري بومدين، طلبتم يومها على عهد الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد منحكم الضوء الأخضر للعمل مع مجموعة من الطلبة من ذوي الاهتمامات المتعددة، لكتابة التاريخ وفق منهجية وطنية، لكن طلبكم قوبل بالرفض. تمر السنوات ولا نزال نتحدث عن كتابة التاريخ دون أن نخطو ولا خطوة في هذا المجال؟

كنت دائما في كل ما قمت به محروما من قوة السلطة. عندما كنت في النضال كنت قويا بالسلطة في الصراع السياسي الموجود آنذاك. ولما عدت إلى الجزائر بعد فترة معارضتي لنظام بومدين، قلت يجب العمل من أجل التاريخ، والتقليل من النشاط السياسي لسد بعض النقائص الموجودة. كنت أدرس في الخارج وحصلت على الدكتوراه، وأدخلت مفهوما جديدا مفاده أن الثورة كانت موجودة قبل 1954، وهذا تفكير جديد. ولما فكرت في دخول الجزائر، فكرت في إدخال فكرة جديدة لدراسة التاريخ مفادها أن المدرسة الفرنسية مدرسة تزوير، ومن ثم بدأت أفكر في تكوين جيل جديد يهتم بالتاريخ بصفة موافقة للوضع الجزائري والتعليم الجزائري، والخروج من سيطرة النظرة الفرنسية على التاريخ، وها نحن للأسف نعود اليوم إلى التفكير في كتابة التاريخ مع الفرنسيين.

ما لم أفهمه في مسيرتكم كيف تقدمكم الكثير من المواقع والوثائق على أنكم من الأصدقاء المقربين لأول رئيس للجزائر المستقلة أحمد بن بلة، ثم تشاركون في منصب وزير للفلاحة في أول حكومة يشكلها الرئيس هواري بومدين بعد إزاحته لبن بلة؟

علاقاتي بكل هؤلاء الأشخاص الذين ذكرتهم في السؤال كانت مبنية دائما على ما تقتضيه مصلحة الثورة، والعلاقات الأخوية التي ربطتني بهؤلاء كانت دائما لفائدة الثورة وليست شخصية، لأنه لا أحد قام بحمايتي لأكون مسؤولا في الثورة، وقد قمت بتكوين نفسي بنفسي، وأنا كما يعرف التاريخ كنت مسؤولا حتى قبل انطلاق الثورة التحريرية، وإذا كنت أعترف لبعض هؤلاء بأن يكونوا معي في نفس المنزلة، فهذا جميل مني، وإذا كانوا هم قد التحقوا في بعض فترات حياتهم بالجيش الفرنسي، أنا كنت "متمردا" ضد هذا الجيش من البداية.

ولكن تذكر بعض المصادر على لسانكم أنكم قلتم هذه العبارة "بن بلة أسمى من التاريخ"؟

أنا لم أقل ذلك، وهذا ليس من طبيعتي. سيرتي مع بن بلة تتمثل في أنني أنا من أدخله إلى حزب الشعب وليس هو من أدخلني.

كيف تنظرون إلى تاريخ 19 جوان 1965 هل هو انقلاب أم تصحيح ثوري؟

أولا 19 جوان 1965 بالنسبة لي صراع حول السلطة. لقد كنت من البداية ضد تقديس الشخصية والحكم الفردي. في الأول سكتُ عن هذه الممارسات، لكنها أصبحت خطيرة. بالنسبة لي يقومون بانقلاب ضد أحمد بن بلة أو لا، هذا لا يهمني، لذلك انسحبت واتخذت موقفا حياديا، واتبعت "الكذاب لباب الدار" . وعندما أرادوا أن يُصدروا الكتاب الأبيض لمحاكمة أحمد بن بلة دافعت عنه وتحملت المسؤولية، وتبعني في هذا بومعزة وحاج سماعين. أنا إنسان مستقل، حتى مصالي الحاج سحبت منه الثقة لما رأيت أنه ليس في مستوى الثورة التي حلمنا بها.

ما حقيقة خلافكم مع الرئيس الأسبق هواري بومدين؟

اختلفت مع بومدين وأصحابه ودافعت عن التوجه العام لحزب جبهة التحرير الوطني بخصوص التسيير الذاتي خاصة في الشق الثقافي عندما أمسك التروتسكيون زمام الموضوع بمباركة هواري بومدين، وحاولت إعادته إلى عناصر هويتنا العربية الإسلامية.

على ذكر الهوية، هل ترون أن الجزائر انحرفت عن مبادئ ثورة أول نوفمبر؟

أكبر وسائل الصراع تدور حول الهوية والتوجهات العامة للدولة. الفرنسيون قضوا أكثر من قرن من الزمان وهم يحاربون من أجل مسخ هوية الجزائر، ولم ينجحوا، لكنهم مستمرون في عباءة الحضارة العالمية. أعداء الجزائر حاربوا بكل الوسائل بينها التقسيم الإيديولوجي. الحزب الذي كنت أنتمي إليه ضم العديد من التوجهات، وأنا كنت مع عناصر تربيتي، ولذلك لم نتفاهم مع الشيوعيين، وأيضا العلماء الذين كانوا يرون بضرورة تعليم الشعب قبل القيام بالثورة. نحن كنا ننتمي إلى جهة طلائعية في الحزب، وهي التي كانت تسير الحزب بعد الأربعينيات عقب سجن مصالي الحاج ودخولنا مرحلة السرية وتكوين المنظمة الخاصة.

بالمناسبة.. هل أخذ مصالي الحاج حقه من الاعتراف؟

أنا أول من دافع عن مصالي الحاج، كان بالفعل أب الحركة الوطنية، لكن عندما سير حزب الشعب بدأ يُخطئ، ولا أقول كان خائنا مثلما قال عنه البعض. عندنا كل الإمكانات الثقافية لتحليل سيرة مصالي الحاج دون أن نقول إنه خائن.

ما هي النصيحة التي يقدمها مهساس للشباب الجزائري في خمسينية الاستقلال؟

ليست لدي نصيحة أقدمها. الشباب يعرف " صلاحو " . واجبنا مع الشباب أن لا نقوم بتلويث المعلومات التاريخية لأنه حرام الكذب على الآخرين. أنا لما كنت شابا لم يوصني أحد، ولما وصلت إلى درجة الوعي أخذت موقفي. اليوم بقيت مسألة تزوير التاريخ والكذب هي التي دفعت الناس إلى أخذ مواقف مغلوطة..


هل يتابع سي مهساس ما يجري على الصعيد الدولي. البعض يبشر بأن انتصار الإسلاميين في مصر سيؤدي حتما إلى تغييرات هامة في العالم العربي، هل أنتم مع هذه الفرضيات؟
 
لمصر مكانتها في التاريخ، وتجارب الشعب المصري الذي أصبح صبورا بفعل التجارب. اليوم الشعب البسيط بدأ يشعر بقضاياه بفعل تأثير التعليم وتجارب الحياة والجو الإعلامي الداخلي والخارجي جعل الشعوب تتحرك لوحدها، والحمد لله أن الشعوب أصبحت في الطليعة، وصارت تحاول التحرر من الهيمنة الدولية لبناء المستقبل على حسب ما تمليه إمكاناتها وتراثها في العالم. لا يهمني أن هذا إسلامي أو غيره، المهم أن الإسلام أعطانا هوية ولولاه لما تحدثنا اليوم عن الحضارة. ثقة الشعب في المسؤولين لا يجب أن تكون على الإطلاق، ولكن يجب أن تكون بشروط تتمثل أساسا في الديمقراطية. 

ما رأي المجاهد أحمد مهساس بكلمات موجزة في هذه الأسماء؟
 
هواري بومدين: وطني
 
أحمد بن بلة: وطني
 
محمد بوضياف: وطني 

الطاهر الزبيري: كذلك وطني
 
مصالي الحاج: وطني
 
عبد الحميد مهري: إطار في الحركة الوطنية
 
فرانسوا هولاند: اشتراكي ونحن دائما لدينا حذر من الاشتراكيين لأنهم هم من حاربونا، وهم أيضا من زوروا الانتخابات في 1948. 

ما هي الكلمة الأخيرة التي تود توجيهها؟
 
أتساءل كيف ما أزال حيا ويزورون تاريخي. تلقيت وعودا من أحد دور النشر بإعادة طبع أعمالي ولحد الآن لم تر النور. التلفزيون الجزائري منذ عهد مديره حمراوي حبيب شوقي لم أره، في وقت هناك آخرون سكنوا داخل التلفزيون. حتى قناة "الجزيرة" القطرية صوروا معي لمدة ست ساعات لصالح حصة " زيارة خاصة " ولم تبث الحصة إلى اليوم، ربما لموقفي المتقدم من القضايا العربية، وهم لا يروقهم موقفي، لكن مع ذلك أملك موقعا إلكترونيا أتحدث من خلاله عن الوحدة العربية. 

الشروق

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))