الأحد، 29 يوليو 2012

بن فليس يراسل والده الشهيد ويعتذر له لأنه لم يعثر على قبره



تمرُّ عام 2012 الذكرى 55 لرحيل الشهيد التهامي بن فليس المدعو سي بلقاسم، لكنّ الوفاء لهذا الرجل الذي اغتالته الأيادي الاستعمارية الفرنسية، ولم تترك لذويه وأهله حتى عنوان القبر الذي دفنته فيه، وبقي إلى الآن مجهولا، جعل من ابنه رئيس الحكومة الأسبق والأمين العام السابق لحزب جبهة التحرير الوطني علي بن فليس، يُعيد استعراض ذكرى الوالد الشهيد بكثير من الحنين، كما لم ينس علي بن فليس أن يستعرض ضمن الكتاب الذي ألفه وفاء لوالده أن يُضمنه عددا من الشهداء والمجاهدين الذين ينتمون إلى عائلة بن فليس الكبيرة التي قدّمت للجزائر العشرات من خيرة أبنائها شهداء ومجاهدين بذلوا أنفسهم رخيصة في سبيل تحرير الوطن.

وتزامن صدور هذا الكتاب، والجزائر تحتفل بالذكرى الخمسين لاسترجاع السيادة الوطنية، ولذلك فهو يعدّ تسجيلا للكثير من تفاصيل الجهاد ضد الاستعمار الفرنسي الذي خاضه أبناء الشرق الجزائري ومنهم أبناء ولاية باتنة بكلّ أريحية.

بوعلام بن حمودة يتحدث عن الشهيد

يقدّم بوعلام بن حمودة، وهو مجاهد ووزير سابق والأمين العام الأسبق لحزب جبهة التحرير الوطني، شهادة في بداية الكتاب استعرض من خلالها المسار الديني والاجتماعي والسياسي للشهيد بن فليس التهامي المدعو سي بلقاسم، بدأها من مراحل تعليمه الأولى التي مثلتها المدرسة القرآنية بباتنة والمدرسة الإسلامية في سيدي عقبة بن نافع بالقرب من بسكرة، ومثلها أيضا معهد ابن باديس بقسنطينة وجامع الزيتونة بتونس. وهذا التكوين الأساسي حسب بن حمودة، ساعد الشهيد داخل إطار جمعية العلماء المسلمين في نشاطها الرامي إلى استرجاع مقومات الشخصية العربية الإسلامية للشعب الجزائري، كما كان الشهيد يقتطع من موارد عمله لإنشاء كتّاب على أرضية ملكيته وللمساهمة في بناء مدارس لجمعية العلماء، وتلبية لحلم راود الشهيد بن فليس التهامي المدعو سي بلقاسم، قرّر ورثته بالإجماع بناء مسجد على أرضية الملكية الموروثة من الأب وقد فتحت أبوابه للمصلين سنة 2009.

ولأنّ الشهيد كان مسجلا لدى السلطات الفرنسية على أنه شخص له علاقات مع شخصيات وطنية أمثال الشيخ البشير الإبراهيمي، العربي التبسي، الشاعر محمد العيد آل خليفة..، وغيرهم، فإنّ تحركاته لم تخف على مصالح الأمن الفرنسية، وقد نجا في فيفري 1957 من محاولة اغتيال قامت بها المنظمة الإجرامية اليد الحمراء، لكن المحاولة تكررت على يد وحدة من الجيش الفرنسي فأُلقي القبض على الشهيد بن فليس التهامي المدعو سي بلقاسم وابنه عمار المدعو الطاهر فقضيا أياما في المزرعة التجريبية بباتنة، أين تلقيا شتى أنواع التعذيب والإهانات، ثم تم نقلهما على متن شاحنة إلى بسكرة وبالتدقيق إلى معتقل يسمى دار بن يعقوب. وحسب شهادة محمد العربي مداسي الذي كان معتقلا إلى جانب السي بلقاسم وابنه عمار في دار بن يعقوب، فإنّ الشهيد وابنه تلقيا صنوفا من العذاب وكان تعذيبهما متبوعا باغتيالهما، ثم دفنهما في مكان مجهول لحد الآن.



بن فليس يراسل والده الشهيد

وتحت طائلة استعادة ذكريات الوالد الشهيد، لم يتردّد الابن علي بن فليس في كتابة رسالة مؤثرة إلى روح الوالد الشهيد ضمّنها كتابه حول والده وتضحيات أسرة بن فليس، وعنونها "إلى الوالد المثل"، ومن المقاطع المؤثرة التي جاءت ضمن الرسالة نختار بعضها، يقول علي بن فليس في أحدها" ..وإني لأحنّ إلى تلك الأيام التي اقتسمت فيها مع المحتاج من إخواننا ما وهبك الله تعالى من نعم، وهمّك الأول هي آخرتك، لقد كان هذا ديدنك الذي أقضّ مضجعك.. وإني وأنا أخوض في حياة الناس اليوم، وأخالط الإخوان المحتاجين كما خالطت، أرقُّ إلى روعة غرسك في قلوب أبنائك أن لا ترى يدك اليسرى ما قدّمت يدك اليمنى. أما الإسلام، فكان بالنسبة لك ولأهلك كلهم منهاج الحياة الأفضل وهو المنظم لنسق الفكر والروح، تماما كما هو القلب في جسم المخلوق".

ويقول في مقطع آخر "..ومنك تعلمت حب العلم والعلماء، لقد كنت تولي العلم والمعرفة حبا واحتراما قلّ نظيرهما، وأذكر كيف أنك كنت ترى أنّ مجاميع الرجال تهون أمام لقاء أهل العلم والمعرفة. ومنك يا والدي أحببنا هذا البلد، ومردت مبادئ الوطنية في قلوبنا بتربيتك، لقد رسخت في عقولنا منذ نعومة أظفارنا، لقد غُرسنا وفاء هذا البلد، وإني لأذكر قولك من حين إلى حين: إنّ الجزائر تستحق منا كل تضحية، وليس أقلها حبل الوتين".

ويضيف علي بن فليس في ذكرى والده "لقد كان لتربيتك لنا بالقول والعمل والسلوك، أثر كبير في عقولنا، وإني لن أنسى ذلك ما حييت، إلى أن يجمعنا القدر في أعلى عليين إلى الأبد، عند مليك مقتدر.. إني لأنتظر ذلك اليوم الذي نجتمع فيه، ولي أمل أن تخبرني بأنك فخورٌ بوفائي للمبادئ التي علمتني إياها، كما أني أريد إخبارك بفخري وفرحي وأنا أحمل ذكراك التي رافقتنا منذ أن غبت عنا، لقد كان الأمر عسيرا علينا جميعا، لكن هوّنه الله علينا بأن ذكّرنا بأنّ أثرك حيٌّ يرزق فينا. رحمة الباري عليك يا والدي العزيز، وعلى كلّ من مات في سبيل إعلاء كلمة الله، وتحرير الأرض في هذا البلد. ولئن حزّ في قلبي أنّا لا نعرف لك قبرا ولا لحدا، ولكم عانينا من شدة هذا الأمر منذ أن غبت عنّا، إلا أنّ توالي الليالي والأيام، وتتابع الأفراح والمحن، قد فتحت عيون أبنائك إلى شيء جميل يغيظ قلوب جلاّديك، إذا لم يحسبوا له حسابا، ففهمنا ولم يفهموا، أنّ أرض الجزائر جميعا، هي قبرك ولحدك، وإنّي لأحسبها ضامّةً لك إليها بحنان، إلى يوم الدين، ونقول بعد كلّ هذا وكما علّمتنا "ولا نزكّي على الله أحدا".



قوافل الشهداء من عائلة بن فليس

لم تقتصر تضحيات عائلة بن فليس على تقديم التهامي بن فليس المدعو سي بلقاسم وابنه عمار المدعو الطاهر شهداء على مذبح حرية الجزائر، ولكن تعدّى ذلك إلى تقديم سبعة شهداء آخرين من بينهم اثنان هما ابنا أخته بن فليس زينب، وهما الشهيد بن فليس محمد الطاهر بن عبد الله بن المبارك والشهيد بن فليس عمر بن عبد الله بن المبارك، كما تتضمن أيضا ابن عمه الشقيق الشهيد بن فليس يوسف بن حمو، إضافة إلى أربعة أقارب آخرين هم الشهيد بن فليس الطاهر بن عمار المدعو الحاج بلقروزي والشهيد بن فليس السعيد بن أحمد والشهيد بن فليس معمر المدعو عمر بن أحمد والشهيد بن فليس عمار بن الحاج سي الصديق. وقد سقط هؤلاء في ميدان الشرف سنوات 1956 و1958 و1959 و1960، بينما سقط التهامي وابنه عمار شهيدين سنة 1957، وبهذا تكون عائلة بن فليس قد أعطت الجزائر تسعة من خيرة أبنائها شهداء في ميدان الشرف. ولكلّ شهيد من شهداء هذه القافلة قصة مع النضال والكفاح، لم ينس الكاتب أن يوثّقها بالحرف والصورة والوثيقة، لتبقى ناطقة على مرّ الأجيال بما قدّمته عائلة بن فليس الكبيرة في سبيل الجزائر.

وقد تمّ إدراج ثمانية أسماء من الشهداء التسعة لعائلة بن فليس على الجدارية الرخامية التي أقامتها بلدية وادي الشعبة بولاية باتنة بتاريخ 5 جويلية 2004 تخليدا لشهدائها وعددهم يفوق 400 شهيد.

من الأمور التي تبيّن بشاعة ما قام به الاستدمار الفرنسي، ما تمثله قصة اختطاف الشهيد التهامي بن فليس وابنه عمار، واقتيادهما إلى معسكر التعذيب من باتنة إلى دار بن يعقوب ببسكرة، وهي القصة التي دوّنها بالتفصيل الشاهد الدكتور مداسي محمد العربي، والذي نجا بأعجوبة من الاغتيال، في كتاب بعنوان "التلقين"، حيث استعرض ظروف تعذيب الشهيدين، ومما يرويه أن الشهيد بن فليس عمار المدعو الطاهر كان قد تعرض لتعذيب شديد وقد شاهده وهو يحمل العديد من آثار وعلامات التنكيل بجسده، كما شاهده طيلة عملية النقل من باتنة إلى بسكرة على متن الشاحنة العسكرية المغطاة، وهو مكبل اليدين نحو الخلف ومقيد الرجلين بالحبل ومقنع الوجه. لقد تعرض الشهيد بن فليس عمار المدعو الطاهر إلى التعذيب أمام والده الشهيد بن فليس التهامي المدعو سي بلقاسم، كما تعرض والده هو الآخر إلى التنكيل والمساس بحرمة جسده من طرف جيش الاحتلال الفرنسي بحضور ابنه، في مشهد يمكن أن نطلق عليه ما شئنا من أوصاف البشاعة والهمجية. ولم يكتف الهمجيون الفرنسيون من سلطات مدنية وعسكرية بتسليط ألوان العذاب على الوالد وابنه، بل راحوا يقتلانهما بدم بارد، ويدفنانهما في مكان بقي مجهولا إلى اليوم، وكأنّ لعنة الفرنسيين وهمجيتهم لا تعترف لا بالزمان ولا بالمكان، ذلك أنّ عائلة الشهيدين بقيت إلى اليوم تتجرع كؤوس اللوعة وحرقة فراقهما، ليس هذا وحسب، بل يضاف إلى ذلك كلّه معاناة عدم معرفة قبريهما، لأنّ الفرنسيين وهمجيتهم دفعتهم إلى طمس كل معالم أماكن دفنهما ليبقيا ذكرى مؤلمة لعائلتهما، كيف لا وهي، أي العائلة، فارقتهما ذات يوم من عام 1957، وإلى اليوم لم تعرف حقيقة ما جرى لهما سوى من خلال رواية الرفاق الذين جمعتهم بهما غياهب المعتقل، وصنوف العذاب.

الكتاب الذي بين أيدينا، أشرفت عليه عائلة بن فليس التهامي، وحمل عنوانا كبيرا "بن فليس التهامي المدعو سي بلقاسم"، يضمّ العديد من شهادات الرفاق وصور شهداء عائلة بن فليس، وعلى رأسهم الشهيد التهامي المدعو سي بلقاسم المولود بتاريخ 14 جوان 1900 بأولاد شليح وادي الشعبة ولاية باتنة، والمتوفى شهيدا في سبيل وطنه يوم 9 مارس 1957، وهو الشهيد الذي بقي بحقّ الشهيد مجهول القبر على غرار الكثير من شهداء الثورة التحريرية الذين قضوا، دون أن يعرف أحدٌ لحدّ الساعة وإلى قيام الساعة، أماكن دفنهم، لكن عزاء ذويهم الوحيد أنّ دماءهم لم تذهب سدى، وأنّ الجزائر تحرّرت من نير الاستدمار الفرنسي، فرحم الله الشهداء، وألهم ذويهم جميل الصبر والسلوان.
ميلود بن عمار28/07/2012
الشروق

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))