الخميس، 20 سبتمبر، 2012

حروب الرّدة وأمريكا


خرج أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، عند موت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهُوَ مَنْ هُوَ، في مكانته وعلمه وورعه، وقال مخاطبا العرب والأعراب والقبائل المتصالحة والمتناحرة والعشائر والعائلات من قريش وما جاورها، المجتمعة تبكي فقدانها رسول الله، تلك المقولة المشهورة التي أسّست فعلا للدولة الإسلامية: ''من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حيّ لا يموت''..
لا أحد يحبّ الرّسول مثل ما أحبّه أبو بكر الصديق، وهو ثاني اثنين وأحب الرجال عند الرسول الكريم، وابنته عائشة كانت أحبّ نسائه. لكن أدرك بفطرته وبما وهبه الله من علم وتقوى، أن حبّ النبي ليس في ذاته فقط، بل لما جاء به، وهاجر لأجله، ولاقى العذاب، وطرد من مكة، وخوصم وحورب، لنشره والذود عنه.. هكذا أدرك أبو بكر معنى حبّ الرسول.. وبعد أشهر من مبايعته خليفة للمسلمين، خرج بعض الأعراب الذين بكوا وتباكوا لوفاة الرسول عن دين الله، وخاض أبو بكر وقتها ما اصطلح عليه بـ''حروب الردة''، وكانت الحجر الأساس لبناء دولة الإسلام.
تذكّرتُ هذه الواقعة للخليفة أبي بكر الصديق وأنا أشاهد مظاهرات التنديد بفيلم عرضته أمريكا، يسيء إلى سيرة الرسول، صلى الله عليه وسلّم، الذي كرّمه الله من فوق سبع سماوات، والأكيد ليس بحاجة لأن ننصره، ولا أن نبكي عليه، حتى نعرّف بمنزلته وسمو رسالته.. نحن بحاجة لننصر أنفسنا، ونردّ عنا الهوان الذي أصابنا، وما ردّة الفعل العنيفة هذه إلا تعبير عن كبت عميق، بسبب ضعفنا وهواننا على أنفسنا أولا، وعلى من يتولى أمرنا ثانيا، وعلى غيرنا أخيرا.
نعم.. خرجت أمة محمد التي توارثت حبّ محمد، وليس لها من محمد إلا الاسم، لتندّد بأمريكا التي تشتري منها السّلاح لتقتل به أبناءها في المظاهرات، أو إخوانها ''العصاة'' الذين خرجوا عن طوع أمريكا..
نعم.. خرجت أمة محمد، تندّد بأمريكا التي تفيض بنوكها بأموال المسلمين، الحاكمين والسارقين والمارقين والمرتشين ووو.. ومن اتبعهم بما سبق إلى يوم الدين، بينما أبناء المسلمين عراة، حفاة، يموتون جوعا.
خرجت أمة محمد، تندّد بأمريكا التي قتلت ربع عدد العراقيين، ولم يخرج أحد ليقول كفى، أمريكا التي تقتل كل يوم أفغانيا ولم يخرج مسلم واحد ليقول حرام، أمريكا التي تقيم الحصار على المسلمين بأيدي إخوانهم المسلمين في كل مكان..
خرجت أمة محمد، تندّد بأمريكا التي لا تأتمر دولة إلا بأمرها، ولا تخرج أخرى عن طوعها، حتى أن البيت الأبيض أصبح دارا للفتوى. وعندما احتج المسلمون، اختاروا رئيسا باسم مسلم، حتى لا يكون على المسلمين حرج في اتباع أمريكا.
نعم.. أولم تُفتِ أمريكا وذيولها وأتباعها وتوابعها ودوائرها، من ملوك وشيوخ القبائل وفراعنة الكراسي وقيصرهم باراك حسين أوباما، بجواز قتل المسلمين، ونشر الفتنة بينهم.. لا يهمّ كم يموت، ولا يهمّ من يموت، ولا يهمّ لِمَ نموت..
المهم أن تعيش أمريكا..
كم نحن بحاجة، اليوم، إلى ألف أبا بكر، ليعلن علينا حروب الردّة الثانية، ويعيدنا إلى طريق الرشاد، فأمة ''إقرأ''، من أجهل الأمم اليوم.. أمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. أمة الوسطية، أمة التطرف اليوم.. أمة التسامح، أمة العنف اليوم.. أمة العمل عبادة، أمة يستيقظ نصف سكانها اليوم بعد العاشرة صباحا.. أمة الإبداع والإتقان، أمة الرّداءة والتقليد.. أمة التيسير، أكثـر الأمم تعقيدا اليوم، في شرائعها، إداراتها، سياساتها.. أمة العدل، أمة الظلم والمحسوبية والرّشوة والكذب والنفاق والتملق ووو.. وكل أنواع الفساد اليوم. أمة محمد التي تبكي محمدا اليوم، يمكن أن نصطلح عليها كل شيء، إلا أمة محمد..
كم نحن بحاجة لأبي بكر ليقول لنا: من كان يبكي محمدا.. فإن محمدا قد مات منذ 41 قرنا، والله كفيل بحمايته وحفظه والدفاع عنه بجنود لم تروها، ومن كان يبكي الإسلام الذي جاء به محمد، فليكن مسلما صادقا.. وكفى..


الأربعاء 19 سبتمبر 2012 مسعودة بوطلعة
الخبر

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))