السبت، 20 أكتوبر 2012

ثارت الجراح





في  شهر أكتوبر  عام 2001 توفي والدي رحمه الله ولم أحضر  وفاته ولا تشييع جنازته ،والدي الذي لم أهجره  كما يفعل المغلوبون  والجشعون،ولم أجد وقتذاك من طريقة أصرخ بها وأعبّر عن ألم الجرح العميق الذي تركه لي فراقه ، سيّما وقد تركته على فراش الموت،الا ّ قلمي الذي كان محبوسا ، واستطعت  بفضل من الله أن أسيل الأحرف التي كانت جامدة في عروقي ،وأجريها  عبر لوحة المفاتيح،وأخرج تلك الآهات والأوجاع التي كانت تؤرّقي  ،عبر هذا الفضاء الحرّ وأخفّف من وطئ الصّدمة بالكتابة.

بكيت والدي آنذاك في موضوع سمّيته : أبتاه أبكيك بقلمي .
وتشاء الصّدف هذا العام 2012 وفي بداية العشر الأوائل من ذي الحجة وقبل أيام من عيد الأضحى المبارك أن تتوفى والدتي رحمها الله  ، في نفس الشهر،أي "أكتوبر "الذي مات فيه والدي  "وأنا لاجئ بفرنسا "  ولست أدري ماذا تخبئ لي الأقدار؟

لاأستطيع أن أنقل لكم  مدى تأثري  مهما كنت بليغا ،ولايستطيع  أن يستشعرالفجوة التي تركتها لي أمي  التي لم أرها منذ أكثر من إحدى عشرة  عاما  الاّ أصحاب الضمائر والقلوب الحيّة "الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كانت بهم خصاصة، ويحبّون لغيرهم مايحبّونه لأنفسهم" .

ليست الوفاة التي أثرت في  ،فأنا مسلم والحمد لله على نعمائه ومؤمن بقضاء الله وقدره  خيره وشرّه ،وكلّنا سيموت الاّ الواحد الحيّ الذي لايموت.

ليست الغربة التي آلمتني ولا لعدم حضور تشييع جنازة والدتي رحمها الله ،لانني منذ تسوية وضعيتي الادارية  وأنا أسعى أن ألتقيها وهي حيّة وفي أتم صحتها وأعالجها وقد سعيت حتى الأسبوع الذي توفيت فيه ، ولأنني يوم أن خرجت من بيت والدي رحمهما الله ،كنت على يقين أن طريقي مملوء بالأشواك والعقبات ، ولأنني أحمل قضية أدافع عنها غير نادم ولا آبه بالتحدّيات ، ولابدّ لي من تضحيات ... ولو كنت من المهاجرين العاديين ماتأخرت لحظة واحدة في ركوب أول طائرة ليس لحظور الجنازة بل للوقوف مع والدي  الذين أكرهت على  فراقهما .

إن مآلمني هو الوضع الذي  وصلنا اليه  من معاملة المسلمين لبعضهم  بصفة عامة في مثل هذه الظروف الصعبة،  وكيف هو واقع  الأسرة مقارنة بالسبعينات والثمانينات .
وصل البعض من أفراد العائلة لتعزيتي عن طريق الفايسبوك ومنهم من لم تسعفه حتى ذكورته لفعل ذلك ، حتى أنّ احدى المخلوعات  قالت لي في مكالمتها المزعجة ، تهنات  أي ارتاحت وكأنها كانت هي من يصرف عنها، آه آه آه كيف ماتت القلوب ؟

 وفاة والدتي ،رحمها الله عدد قطرات المطر وأوراق والشجر، أعادت لي في ذهني  بعض الجراح التي كنت أخشى أن تفتح من جديد ،لأ نها لم تعالج،ذكّرتني  بالظروف التي أرغمتني على الهجرة، وبدأت أعدّ الأموات الذين توفّوا من أهل القرية وأبكي الفراق وأي فراق ؟
انّه فراق الأم التي سهرت على تربيتي  اللّيالي ،  وكان حُلمها هو: أن تراني  وأنا في دفئها وحضنها  مع زوجتي وأولادي .

رحلت عني وتركت لي جراحا لاتعالج ،بل غارت هذه الجراح بموتها الجسدي،  لأنني لو التقيتها وقبّلت قدميها  وتعبّدت بالنظر لوجهها الكريم واحتضنتها كنت علّني سأعالج بعض الجراح، أمّا وأنها ذهبت عنيّ، رغم أنها رحمها الله راضية تمام الرضا عنيّ وتدعو لي في كل صلاة كما أخبرتني عدّة مرات  بنفسها ،فالفراغ  الذي تركته لي لايمكن احتوائه .

ماتت بجسدها وتركت بعض الكلمات ترنّ في أذني لن أنساها مابقيت حيّا ...فيا لوقع الصّدمة ويا لنزف الجراح .

أمّي هل تكفيك الرّحمات كل يوم ،وهل تكفيك الصدقات ،أمّي هل تكفيك الدموع التي أسكبها كلّما تذكرتك،أمّي هل تكفيك الدعوات  باللّيل والنهار،هل يكفيك الحج والعمرة ،وهل تكفيك القصائد والأشعار؟

رضيت عني ياأمي لكنني لست راضيا عن نفسي تجاهك، رافقتك الى الحج وطفت بك أحسن بقاع الأرض، أدخلت على قلبك الأفراح وأعلم أنني في المقابل تركت لك الجراح ، ياللوع الفراق ويالألمه  .

نورالدين خبابه
20 /10/2012

7 التعليقات:

  • السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    عظم الله أجركم في ما أصابكم عمي نور الدين وأسأل الله العلي العظيم ان يلهمك الصبر وأن يتغمد روحها الطاهرة برحمته الواسعة وان لايريكم مكروها ولا مصيبة بعدها والسلام عليكم إبن قريتك

    20 أكتوبر 2012 10:50 م

  • لا يسعني إلا أن اسأل الله ان يرزقك صبرا كصبر سيدنا ايبوب و جزاء بلا حساب إن شاء الله و للوالدة نسأل الواحد الاحد الفرد الصمت ان يرحمها و يسكنها فسيح جناته

    وليد

    20 أكتوبر 2012 11:25 م

  • انا لله و انا اليه راجعون ، عظم الله أجركم و ألهمكم الصبر و السلوان أخي نور الدين ، رحم الله والدتك اسكنها فسيح جناته و تقبلها يا رب قبولا حسنا

    21 أكتوبر 2012 12:59 ص

  • سلام الله عليكم اخى نورالدين.بادئ ذي بدء انت أخي في الله والاخوة تتطلب المساندة والمؤازرة والمواساة في ايام المحن .وبما انكم اليوم في بلية فقدان اغلى واعز انسان لديكم(والدتكم).فقد نعزيكم فيهاونقول لكم عظم الله اجركم,اجاركم الله في مصيبتكم واخلفكم خيرا منها. رزق امكم الجنة ورحمها الله ,صبركم الله واثابكم . اخوك محمد من هولندا ومستمع لقناتكم سلام الله عليكم

    23 أكتوبر 2012 2:34 م

  • aadama allaho ajrakoume akhi noureddine i loste mi mother last yer to she 60 yers old and im imegrent to ina lillahi wa ina ilayhi rajioone hasbouna allaho wa iaama al wakile

    28 أكتوبر 2012 3:15 ص

  • أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.
  • بسم الله الرحمن الرحيم
    كانت المرأة في الجاهلية متعة من متاع الدنيا، لا تصلح إلا للفراش والتشهي والتسلية.. وكانوا ينظرون إليها عند ولادتها، كمخلوق مشؤوم، يجلب النحس والعار.. فكانوا يسارعون إلى وأدها وهي حية.. إلى أن جاء الإسلام فسفّه رأيهم وأنكر عليهم، ونهرهم، وحرم ما يفعلون، ونزل القرآن بذلك واصفا ما كانوا يعملون ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾..
    ثم عرّفهم رسوله الله صلى عليه وسلم بقيمة المرأة وأخبرهم بمكانتها عند الله تعالى...فقال عنها بنتا: «مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ فَصَبَرَ عَلَى لَأْوَائِهِنَّ وَضَرَّائِهِنَّ وَسَرَّائِهِنَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُنَّ فَقَالَ رَجُلٌ أَوْ ثِنْتَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَوْ ثِنْتَانِ فَقَالَ رَجُلٌ أَوْ وَاحِدَةٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَوْ وَاحِدَةٌ»
    وقال عنها زوجة: «استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان عندكم» ، ثم زاد على ذلك مؤكدا فقال: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» ، ثم أوضح وأفصح : «والله لا يكرمهن إلا كريم ولا يغلبهن إلا لئيم، وأحب أن أكون كريما مغلوبا لا لئيما غالبا» أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
    ورفعها عاليا وهي أم، وأخبر أن الجنة تحت أقدام الأمهات فقد جاء في سنن النسائي: «أَنَّ جَاهِمَةَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَدْتُ أَنْ أَغْزُوَ وَقَدْ جِئْتُ أَسْتَشِيرُكَ فَقَالَ هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَالْزَمْهَا فَإِنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ رِجْلَيْهَا»
    ثم حكم لها بالأفضلية على الأب في بر الوالدين فقال للصاحبي الذي جاء إليه يسأله « فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي قَالَ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أُمُّكَ قَالَ ثُمَّ مَنْ قَالَ ثُمَّ أَبُوكَ«
    وبالمختصر المفيد.. بعد قدرة الله وفضله على خلقه، فإن المرأة هي من تصنع الرجل.. تحمله فتلده، لترضعه وترعاه وتربيه، حتى يبلغ أشده، ثم يصبح رجلا ناضجا قويا، ربما عالما أو قائدا أو حاكما أو شيئا آخر...
    ففضل الأم كبير لا يجهله إلا لئيم.. وخير الأم عميم لا ينكره إلا بخيل.. وأجر الأم عظيم عند الرحمن الرحيم..
    وأعتقد أن قول أبي الطيب لا يصلح إلا في أمثال اللاتي نتكلم عنهن:
    وَلَو كانَ النِساءُ كَمَن فَقَدنا
    لَفُضِّلَتِ النِساءُ عَلى الرِجالِ
    وَما التَأنيثُ لِاِسمِ الشَمسِ عَيبٌ
    وَلا التَذكيرُ فَخرٌ لِلهِلالِ

    .. بموت الأم، ينكشف ظهر الإنسان ويتعرى، ويشعر بأنه في حاجة للدفء والحماية.. وقد سمعت في شبابي، فضيلة الشيخ عبد الحميد كشك تقبله الله في الصالحين يروي حديثا جاء فيه، أن الأم إذا ماتت ، ينادي مناد من قبل السماء فيقول: «يابن آدم، ماتت التي كنا نكرمك لأجلها»...
    .. حقا، إنه لأمر عظيم ومصاب جلل ، فإذا بكيت أخي نور الدين وحزنت، فليس بدعا، فقد قال رسول الله عليه وسلم يوم وفاة ابنه: «إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ»
    .. لم يبق لي أخي نورالدين إلا أن أقول لك، عظم الله أجركم، وأحسن عزاءكم، وغفر لميتكم.. اللهم اغفر لها وارحمها واكرم نزلها ووسع مدخلها واحشرها مع عبادك الصالحين.. اللهم لا تحرمنا أجرها ولا تفتنا بعدها وثبّتنا على السبيل القويم والصراط المستقيم.. آمين.

    2 نوفمبر 2012 10:17 ص

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))