الخميس، 28 مارس، 2013

نعم للتغيير ولكن ؟




حيثما وليت وجهك هذه الأيام في الجزائر،لا حديث إلا عن التغيير،وحاجة البلاد إلى بدائل مقنعة،وعجز السلطة عن التكفل بالمطالب الشعبية،التي يرتفع سقفها يوما بعد آخر.

ثم لا نقاش داخل الدوائر المغلقة والمفتوحة على السواء،إلا على هذه الحلول الاستعجالية التي تحاول الحكومة الجديدة- القديمة،تقديمها للناس،مستندة على البحبوحة المالية التي وفرتها الطفرة الهائلة في أسعار المحروقات،في غياب استيرتيجية تنموية دائمة،أو برامج مدروسة للنهضة الوطنية الشاملة،في جميع القطاعات والشؤون،على غرار الحكومات التي تحترم نفسها وتحترم مواطنيها، وتعمل وفق برنامج سياسي طويل المدى،واضح المعالم،معلوم المحاور والتوجهات، وقابل للتطبيق في الميدان.

لقد اكتشفت النخبة السياسية والإعلامية عندنا، فجأة ودون سابق إنذار أوتنبيه، أن البلاد توشك على الوصول إلى نفق مسدود،في ظل الإخفاقات المتوالية للنظام الحالي،في الدفع بوتيرة التنمية،وتحقيق الأهداف الوطنية المرسومة،التي طالما روج لها الأنصار والمؤيدون والمساندون والحلفاء،وأقاموا لها الحملات والحفلات والمحافل،سواء بمناسبة أو بغير مناسبة.

وهي الإخفاقات التي لا يجد لها أولئك الأنصار،في موازيين هذه الحرب الكلامية التي اندلعت بين مختلف الفرقاء،أي مسوغ أوتبرير معقول،يحاججون به خصوم الاستمرارية،ودعاة التغيير،أمام هده الإمكانات الكبيرة التي توفرت للنظام الحاكم،من فائض مالي،ودعم شعبي،واستقرار أمني،من أجل إحداث تلك النهضة التنموية،التي علق عليها المواطن الجزائري،كل الآمال والأحلام والتطلعات،ولكن تلك النهضة لم تحدث،مثلما كان مأمولا،بل تحولت هذه الإمكانات إلى وبال على الشعب،لعل من أبرز مظاهره،هذه الانتكاسة النفسية الكبرى التي يعيشها ذلك المواطن،وهو يطالع يوميا أخبار الاختلاسات وتحويل المال العام،بأرقام خيالية مرعبة،يقف العقل مشدوها أمامها،وهو يحاول فك رموز هده الجرائم التي لم تشهد لها الجزائر نظيرا من قبل.

ولكن المطالبة بالتغيير في الجزائر،ليست بالأمر الذي نمر عليه مرور الكرام،دون أن نسجل بعض الملاحظات التي لا يمكن إغفالها في أي حال من الأحوال،حتى وإن اتهمنا بمعاداة التغيير،والوقوف ضد الإصلاح،لأن الحديث النظري عن التغيير شيء،ومحاولة تطبيقه في واقع الجزائر شيء آخر تماما،ولن تغير الخطب والانفعالات العاطفية،التي تميز أحاديث المنادين بالتغيير،من كل الأطياف والمشارب،من حقيقة عجزنا التام،عن نقل مطلب التغيير من عالم التنظير إلى عالم التطبيق،لأسباب جوهرية معلومة لدى الجميع،وإن حاول الكثير تجاهل هده الحقيقة،وعبثا يحاولون أخفاء الشمس بالغربال،كما يقول المثل الشائع.

أعتقد مثلما يعتقد أي عاقل متبصر،أن التغيير لا يمكن أن يحدث إلا بالشباب، وإلا كان الأمر تضييعا للوقت،و اجترارا للفشل،وتدويرا للسلطة بين الوجوه القديمة،من رموز السلطة في البلاد.

إن أي تغيير يتم بمعزل عن الشباب،سيكون مآله الإخفاق،وهذا من سنن الكون ونوافل العمل السياسي المتعارف عليه في كل أقطار الدنيا،وأي قفز على هذه السنن والنوافل،سيفضي إلى عواقب وخيمة،في حاضر الشعوب ومستقبلها.
فان نحن رحنا نبحث عن هؤلاء الشباب،من قادة التغيير في الجزائر،فإننا سنعود فارغي الأيدي،نجر أذيال الخيبة والأسف،لأن مطلبنا لا يوجد في الواقع،إلا في برامج الأحزاب وخطب الساسة ونشرات الأخبار...

فمتى كان التمكين السياسي للشباب في الجزائر،أولوية في برامج السلطة أو المعارضة على حد سواء؟؟
وهل سمعنا يوما،أن حزبا سياسيا،من هذه الأحزاب التي تداولت على دواليب السلطة في الجزائر،قد أعطت للشباب مواقع قيادية استثنائية،على غرار ما يحدث في العالم من حولنا،سواء عربيا أو دوليا،كأن تقدم وزيرا في الخامسة والعشرين ،أو رئيس وزراء في الخامسة والثلاثين،أو رئيسا للجمهورية في الأربعين من العمر ؟؟.

وهل يوجد في الجزائر فضاء سياسي أو جمعوي،فكر في صناعة هؤلاء القادة الشباب،وتحضيرهم للتغيير المنشود،وفق استيرتيجية عمل واضحة،لا مكان فيها للأنانية وصراع الأجيال والعصب،واحتكار الكبار للوطنية أو السلطة، باسم المصالح العليا للوطن،باعتبار أن الصغار لا يفقهون في هذه المصالح شيئا،وأن تسليم زمام الأمور للشباب،يحمل من الأخطار والمحاذير،مالا قبل لنا به،بل هو المغامرة الكبرى، بمستقبل البلاد والعباد؟؟

إنني وفق هده الحقائق والمعطيات،أقف عاجزا عن فهم دعوة هؤلاء المتحمسين للتغيير،دون توفير الشروط والأجواء المناسبة،لإنجاح مثل هده الخطوات المصيرية ،لأن المسألة عندئذ ستصبح دعوة لرحيل النظام أو إسقاطه،ثم السقوط في هوة الفراغ..
وكل دلك يدفعني إلى تبني مواقف المطالبين بالتغيير الحقيقي،داخل الأحزاب والمؤسسات السياسية والاجتماعية،قبل المطالبة بتغيير النظام بأكمله،شريطة أن يكون التغيير جديا وجذريا،لا أن نستبدل وجها قديما بوجه أقدم منه،كأن نسقط صاحب السبعين عاما،لنضع مكانه صاحب السادسة والسبعين،وإلا أصبح الأمر ضحكا على الذقون،واستهتارا بمشاعر المواطن،وتلاعبا فاضحا بمصير البلاد.
وخلاصة القول في هذا المقام،أن مشروعية مطالب التغيير في الجزائر،لا غبار عليها،لأنها مطالب تتوقف عليها حياة هدا الوطن،ولكن ليس دون أن نوفر ما يلزم من شروط لإنجاح هدا التغيير،وأبرز تلك الشروط على الإطلاق،الشروع في تكوين جيل جديد من القادة السياسيين الشباب،وفتح المجال أمامهم،للوصول إلى مراكز القرار،داخل الأحزاب الكبرى والصغرى بلا استثناء،وفي أهم المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية في البلاد،وحينها فقط، يمكننا الحديث عن التغيير،دون تحفظ أو حرج أو مواربة.
بقلم الدكتور أحمد شنة
26/03/2013

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))