الأحد، 21 أبريل 2013

المهدي المنتظر يؤجل الخروج إلى إشعار آخر...!!





الجميع هنا يطالب بالتغيير،ويقترح الأساليب والمناهج، للانتقال إلى عصر جزائري جديد،يسود فيه العدل، وتتحقق الديمقراطية، وتكون فيه الكلمة العليا للشعب،ويصبح الرئيس أو الوزير أوالوالي،مجرد موظف يسهر على راحة العباد واستقرار البلاد،مثله كمثل باقي الموظفين في مختلف الدوائر والمصالح الحكومية، لا يتميز عن غيره، إلا بما يقدمه من جهد مضاعف ، لكي يعيش الإنسان موفور الكرامة في وطنه .

وقد تساوى عندنا الإسلاميون واللائكيون والوطنيون في هذا المطلب،واصطفت الجموع صفا واحدا،في شوارع الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب والافتراضي،لتصعيد اللهجة وتعزيز المواقف،فالكل يطالب غيره بالتغيير،لأن الحل حسب اعتقادهم، لا يأتي إلا بالتغيير..

ولكن الغريب في كل هذا الهرج، أن لا أحد في هؤلاء المطبلين المطالبين بالتغيير،فكر في توجيه هذا المطلب إلى ذاته ،ليبدأ التغيير من داخل نفسه، ثم من داخل أسرته، ثم من داخل أقاربه وأصدقائه ومعارفه وجيرانه، فالتغيير يبدأ من الفرد إلى الجماعة وليس العكس، كما أن سنن التغيير لا تتحقق بالتمني والمطالب والأحلام والخطابات الحزبية والشطحات الإعلامية....وإنما بتوطين النفس على الحرمان وترويضها على الصبر وتعويدها على الإبداع والعمل..
لقد أرهقتنا الأحلام والنظريات في الجزائر،وأتعبتنا الوعود والمهرجانات،فالجميع هنا يتحدث، ولا أحد يستمع أو ينصت، والكل يهرف بما لا يعرف،حتى أصبح كل من يرفع عقيرته أمام الناس خطيبا في منبر، أو متحدثا في حصة تلفزيونية،يبادر إلى الشتم والسباب والقدح في الأعراض، يتصور نفسه بطلا مخلصا،أو مهديا منتظرا أو فاتحا عظيما..ستسقط على يديه قلاع الجور والطغيان والاستبداد،ويعيد للجزائر كرامتها وعزتها المهدورة،ويرفع صيتها بين الأمم والشعوب...

مع أن هؤلاء، لو نظروا إلى أنفسهم في المرآة، لولوا الأدبار هاربين ،من شدة ما سيرونه في ملامحهم، من غباء وبلاهة وتشوهات فكرية ودينية وتاريخية...فهم المسوخ التي خرجت من جحور الطمع واللهاث خلف سراب السلطة،لتعلم الناس أصول الحضارة والمدنية والتقدم،وتنشر بينهم رسالة الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير...

لقد فقد المجتمع صوابه،وارتبكت القواعد والسنن، وتحولت القيادة والبطولة، إلى سلعة صينية رخيصة،يتداولها السفهاء وأشباه المثقفين ،وأصحاب ( الوجوه الصحيحة) التي لا تتورع عن ممارسة أحقر أنواع النفاق والرياء،سعيا للركوب على ظهور الناس ورقابهم، ونهب ما تبقى من أقواتهم وأقوات الأجيال القادمة...(يأمرون الناس بالمعروف وينسون أنفسهم)..
فهم لا يتورعون عن المغامرة بإطلاق التهم والوشايات والأكاذيب، دون رادع من خلق أو وازع من دين أوضابط من ضمير،لأنهم الملائكة الأطهار، وغيرهم شياطين أشرار، خرجوا من تجاويف الجحيم ..

حتى أصبح كل من يهجي جملة،أو يدخل استوديو،أو يؤسس حزبا سياسيا ، قائدا هماما لا يشق له غبار،يرى نفسه المنقذ الوحيد لهذا الشعب التائه المغبون ، من جبروت الفقر والتخلف والفساد،ويمنح لنفسه كل الحقوق والامتيازات التي يتطلبها الأبطال والمنقذون، من قيادة للجموع اليائسة، وتصدر للمنابر والواجهات الإعلامية،يخاطب الناس بلغة ساقطة هجينة،وكأنه يخاطب قطيعا من النعاج،لا تكاد تخرج من خطابه بجملة مفيدة، أو معلومة صادقة، أو فكرة صائبة...فان فهمت منه كلمة أو جملة، غابت عنك باقي الكلمات والجمل، فسبحان الذي سخر لهم كل هذا التألق والتفوق،دونما مشقة أو نصب..وأعطى لباقي الصامتين من قادة الفكر وصناع الإبداع،كل هذا الضمور والنسيان....

والأغرب من هذا التافه المريض،أولئك الصحفيين الذين يتهافتون على مثل هؤلاء القادة المصطنعين من رؤساء هذه الأحزاب الوهمية،أو أقرأنهم من رؤساء الجمعيات الموسمية،وممثلي المجتمع المدني، من الأدعياء ومحترفي النصب والاحتيال ، والكذب على خلق الله جهارا نهارا،دون أن يردعهم أحد،الذين لا يمثلون في الحقيقة إلا أنفسهم، يقيمون لهم الندوات والمؤتمرات الصحفية،واللقاءات التلفزيونية والإذاعية، وينقلون أفكارهم التافهة للرأي العام، إمعانا في تعذيب الشعب وإذلاله،حتى يخيل إليك أنك تعيش كابوسا رهيبا لا نهاية له، أو أنك تدخل احتفالا كرنافليا لا تينيا، بكل ما يحمل الكرنفال من أقنعة وموسيقى وأضواء ورقصات....كل هذا يحدث باسم حرية الصحافة والحق في نقل الخبر،وليذهب النوابغ وصناع الفكر وحملة مشاعل التنوير إلى هاوية الصمت والتجاهل،فهذا المجتمع البليد في رأيهم، لا يستحق أبطالا حقيقيين، ولا قادة متمكنين من أدوات التأثير والتغيير،لأنه لم يصل بعد إلى مرحلة البلوغ والنضج العقلي والجسماني،فهم يشفقون عليه من الألعاب النارية وضجيج المفرقعات، في أعياد الديمقراطية والحكم الرشيد...هذه الأعياد التي تتأجل في كل مرة،بسبب انقطاع التيار الكهربائي عن محركات عقول النخبة...أو دخول أحد أحفاد ابن بولعيد غرفة العناية المركزة، بسبب تزايد نسبة الكولسترول في دمه،أواختفاء أحد أحفاد مالك بن نبي عن الأنظار، بسبب انهيار عصبي مفاجئ..

إذن، فالإعلام والأحزاب والقادة الموسميون، من الفاتحين والأبطال الجدد، يجتهدون في إيهامنا،أن مطلب التغيير في الجزائر، صار مثل الماء والهواء والخبز، بالنسبة لجميع أفراد الشعب،والمطالبة بتحقيقه لم يعد انشغالا نخبويا مدروسا،أو دعوة سياسية أو اجتماعية مؤسسة على أركان العقل والحكمة والأخذ بالأسباب والعلل ، بل صار شعارا إعلاميا باهتا،يفقد بريقه وجاذبيته يوما بعد آخر، وهو ما يشكل أكبر عقبة في طريق تحقيق هذا التغيير الشعبي المنشود...لو سلم زمام قيادة الأحزاب والمنظمات لذوي العقل السليم،والفكر المتجدد،والرؤية الصائبة..حيث ستكون المهمة أمامهم،أشبه بمن يبحث عن إبرة في قاع المحيط...

فالي كل من يترقب خروج المهدي المنتظر،في أي لحظة من لحظات هذا الزمن الكرنفالي المقرف، لإحداث التغيير الجذري في الجزائر، عليه أن يعود نفسه من الآن،على الانتظار الطويل، والصبر الجميل،فالمهدي الجزائري المنتظر، قرر تأجيل خروجه إلى أجل غير مسمى،وما على الحالمين بالتغيير، سواء في الأحزاب أو غير الأحزاب، إلا حل واحد، وهو الشروع الفوري في توجيه هذه الدعوة إلى التغيير، نحو الذات قبل توجيهها للنظام أو للآخرين،فحين يتغير الأفراد يتغير المجتمع،وهذا ليس بالاكتشاف الجديد، لأن تلك سنة الكون العظمى، ولا تبديل لسنة الله،فقد أوحى به رب العالمين إلى نبيه الكريم، محمدا ابن عبد الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قبل خمسة عشر قرنا من اليوم..حين قال في محكم تنزيله:( إن الله لا يغير ما بقوم، حتى يغيروا ما بأنفسهم) صدق الله العظيم....

إن أردتم التغيير حقا وصدقا، فابدؤوا بأنفسكم،ولتكن البداية في تغيير نظرتكم القاصرة العرجاء،للعلماء والنوابغ وذوي الرأي والمشورة،من قادة المجتمع ومثقفيه ونخبته ورموزه المؤثرة،لأنكم حين تحترمون هؤلاء، فأنكم تستعيدون احترامكم لأنفسكم،وتلك هي أول خطوة على طريق التغيير الحقيقي،النابع من إرادة الشعب، وقراره الحر المستقل.....وللحديث بقية..في الأيام القادمة..ان شاء الله

الدكتور أحمد شنة
19 أفريل 2013

2 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))