الأربعاء، 12 يونيو، 2013

جواب صلاح الدين سيدهم الى الجنرال محند الطاهر يعلى



أخي الفاضل
في ظل الحراك السياسي المشبوه الذي يسود الوضع مع بوادر تغيير واجهة السلطة الظاهرة وانطلاق تصفية الحسابات القذرة بين عصابات النظام غير الشرعي من خلال بعض الصحف الخسيسة

فإن نداءك المنشور باسم حركة المواطنة جدير بأن يكون فرصة لفتح النقاش حول مستقبل وطننا المنهك بعقود من التدمير المبرمجبعد قراءة نص النداء، أسمح لنفسي بإثارة بعض النقاط الهامة التي تتطلب توضيحات لتجنب المشاركة بوعي أو بغير وعي في تزييف الحقائق التاريخية.إن مختلف المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الفظيعة التي عددها فريقك من الخبراء، معروفة في الحقيقة من قبل جميع المواطنين الذين يحملون همَّ الجزائر في قلوبهم، ويعيشون المأساة المحزنة للجزائر العميقة، وليس الجزائر المترفة لنادي الخدّام.و مع ذلك فإن كل هذه المشاكل الفرعية المعقدة لا يمكن حلها من دون التوصل إلى تسوية نهائية للأزمة السياسية التي استمرت منذ سنة 1962

هذه الأزمة التي يمكن تلخيصها في كلمتين: » شرعية السلطة ». و ما لم يتم حل هذه المشكلة الأساسية، فسوف يزداد بلدنا غوصا في هاوية اليأس والتدمير الذاتي. فطبيعة الحل ليست تقنية و إنما هي سياسية بكل وضوح.حقيقةً، إنٌ « مستقبل أبناء الجزائر مرهون »، ولكن منذ فترة طويلة؛ منذ سنة 1962، وذلك نتيجة لجريمة الخيانة العظمى التي ارتكبها المحتالون والمغامرون الذين تنكروا مبادئ ثورة أول نوفمبر و خانوا عهد شهدائنا الذين ضحوا بأنفسهم من أجل إقامة جزائر العدل والكرامة والحرية. وهذه « الخيانة العظمى » هي التي أسست لكل الشرور التي نعاني منها اليوم.لا، يا أخي الفاضل، المأساة الجزائرية لم تبدأ سنة 92 أو 99

بل انطلقت منذ فجر الاستقلال، إن لم يكن قبل ذلك؛ عندما تجرَّأ بعض الجزائريين المتعطشين للسلطة على تصفية جزائريين آخرين باسم شرعية ثورية زائفة.العنف السياسي والفساد والمحسوبية والمحاباة والرشوة، هذه الآفات المعتمدة في ممارسات السلطة الحاكمة، نخرت جسد المجتمع الجزائري تدريجيا حتى بلغ فيه الفساد و التحلل مرحلة متقدمة في العشرية الأخيرة. إن جميع مؤسسات الدولة التي أنشئت منذ الاستقلال، كانت في الحقيقة بمثابة الواجهة التي تتموقع خلفها الطغمة العسكرية المالية التي تحتكر السلطة الفعلية و التي لم تشر إليها في ندائك و لو بكلمة واحدة.لقد تلاشت القيم والمثل العليا التي كانت مصدر قوة لآبائنا خلال ليل الاستعمار و حلت مكانها « القفازة »-

هذه الرذيلة التي تميز بها الجزائريون- و الانتهازية والرداءة المفزعة.لقد فشل الذين استولوا على السلطة في عام 1962 فشلا واضحا وعلى جميع المستويات. كما أن النظام الذي تعامل مع الجزائر بوصفها غنيمة حرب أظهر بوضوح محدوديته. لقد انتهت سياساته الارتجالية التي اعتمدها دون مشاركة الشعب إلى خيبة أمل مريرة. إنٌ هذا النظام الذي لا يخضع للضمير و لا للقانون لم يتردد في سفك دماء شعبه لحفظ امتيازاته وبقائه، كلما عبرت الأمة عن رفضها له – أكتوبر 88، يناير 92، أبريل 2001 – مما جعل ثمن حصيلة اصرار هذا النظام الانتحاري على البقاء، باهظا جدا.إن كل الوطنيين المخلصين والحكماء يدركون جيدا ما يخبئه المستقبل القريب لنا. فالتوترات بين نظام متغطرس عفا عليه الزمن و مجتمع ممتهن الكرامة مدفوع إلى اليأس ستؤدي مباشرة إلى المزيد من الفوضى وانهيار الأمة في نهاية المطاف تقول إن رئيس سلطة الظاهرة متورط بوضوح تام في المسؤولية على هذه الفوضى المبرمجة. أنا شخصيا و بكل تواضع أرى أن الطغمة العسكرية المالية و هي السلطة الحقيقية في الجزائر، متورطة بشكل أكبر في هذا الفشل الذريع و إضفاء الطابع الرسمي عليها لأنها هي التي قامت بتعيين الرئيس سنة 1999

ثم جددت عهدته عام 2004 و 2009، كما فعلت مع من سبقوه من الرؤساء سنة 79 و 92 و 95. و نفس الشيء بالنسبة للكفاءات السياسية والفكرية المخلصة التي لم تكن مشلولة فقط منذ تعيين المسؤول الأول للسلطة الظاهرة سنة 1999 من طرف الطغمة و انما كانت مع الأسف مشلولة قبل ذلك من طرف النظام السياسي المفروض بقوة السلاح، مما جعل الموالاة للسلطة و الرداءة ثوابت وطنية و مقاييس للإخلاص للوطن.هناك مسألة في غاية الأهمية يبدو أنك قد تجنبت بوعي أو بغير وعي التعرض إليها و هي دور المؤسسة العسكرية في الماضي، ومكانتها في جزائر المستقبل؛ جزائر سيادة القانون والحريات الديمقراطية.

اعتقد مخلصا أن الوقت قد حان لفلق الحبة و السياسية بأتم معنى الكلمة لا مكان فيها لطابوهات أو مقدسات زائفة أو للعمل الخفي. ينبغي علينا أن نكون صارمين في التمسك بالصراحة و الشفافية لأن الأمر يتعلق بمستقبل الجزائر.إلى متى يبقى الجنود وضباط الصف وضباط جيشنا الوطني دروعا لحماية الطغمة العسكرية المالية الفاسدة من أجل الحفاظ على امتيازاتها؟

إلى متى يستمر البوليس السياسي في فرض إرادته على الشعب عن طريق الترهيب و المغالطات والتلاعب بالرأي العام بذريعة الحفاظ على الأمن الزائفة و الدفاع عن المصالح العليا للوطن؟إلى متى يستمر الخلط بين المصالح الشخصية لحفنة من الفاسدين و المنحرفين و مصالح الجيش الوطني الذي هو مؤسسة تابعة للجمهورية والشعب؟المؤسسة العسكرية ليست مطالبة بخدمة أي لوبي أو فئة و انما هي في خدمة الجزائر دولة و شعبا في اطار مهامها الدستورية و يجب أن يتوقف استعمالها كمصدر للسلطة وأداة لتحقيق أغراض فئوية.لقد حان الوقت أيضا للتنديد بالمنحرفين الذين دنسوا سمعة الجيش الوطني و عزلهم والمشعوذين الذين شوهوا العمل السياسي؛ الذين استغلوا مؤسسات الجمهورية ورموز الثورة و أمجاد الشهداء لخدمة مصالحهم الشخصية بدلا من خدمة الشعب والوطن.كما أنه لا بد من كسر الحلقة المفرغة التي وضعت الجزائر فيها منذ عام 1962

أي شعب دون سيادة و سلطة دون شرعية على حد قول أخينا منصف المرزوقي.وصاية أصحاب الياقات البيضاء أو القبعات قد تسبب لنا بما فيه الكفاية من الأضرار و حان الوقت لوضع حد لاغتصاب السلطة الذي استمر أكثر من خمسين عاما ورد الاعتبار لإرادة المواطنين حتى يتمكنوا بكل حرية و سيادة من اختيار المؤسسات التي تناسب واقعهم الاجتماعي والثقافي.إن لعبة تعويض القوى السياسية الحقيقية التي تمثل التطلعات الحقيقية للشعب، بتشكيلات يتم تجهيزها في مخابر الدسائس و كواليس التلاعب بالرأي العام قد تسببت لوطننا في كارثة على جميع المستويات والأصعدة.

لقد علّمنا التاريخ مرة أخرى – والمأساة الوطنية التي ما زلنا نعيشها مثال على ذلك – أن أي حل لا يعتمد على الحوار والتشاور و لا ينبثق من إرادة الشعب محكوم عليه بالفشل الذريع.نعم، لا بد لنا من إنقاذ بلدنا، و هو واجب مقدس! لكن كيف؟بالتأكيد ليس عن طريق تغيير من داخل النظام في ظل تداول بين العصب و إخراج جثث سياسية يتم بعثها للتناوب على الهيئات السياسية من جديد.
الجزائر بحاجة إلى تغيير جذري، ويبدو أنك موافق على هذا النهج في التغيير. وحتى يكون هذا التغيير جادا و ذا مصداقية لدى شعبنا فإنه يحتاج إلى دماء جديدة و وجوه جديدة وأيدي نظيفة. لا يمكننا إعادة بناء بلدنا بأيدي أولئك الذين ساهموا في تدميره أو مع الدميات السياسية التي تم تفبرك من طرف من تعرفهم. إنٌ الإرادات المخلصة المستعدة لخدمة شعبها متوفرة؛ فليتركوا للشعب حرية التعبير واختيار ممثليه الجديرين بثقته، بكل ديمقراطية.

المسار الديمقراطي الحقيقي، هو الحل الوحيد الذي سيمكننا من بناء الدولة التي تضمن السلم المدني والازدهار في الداخل واحترام الخيار الشعبي من طرف المجتمع الدولي في الخارج، ومن واجبنا المساهمة في تحقيق هذه الأهداف المشروعة وتجسيدها على أرض الواقع.

و مما ينبغي الاعتراف به كأمر واقع علينا مواجهته كما قلنا دائما، أنه لا يمكن لأي طرف، أو أي اتجاه أو أي شخصية سياسية أن يمتلك وحده القدرة و الوسائل الكفيلة بحل الازمة السياسية الخطيرة التي تعاني منها البلاد. كما أنه ليس بإمكان أي مؤسسة و لا من حقها أن تدعي أنها فوق سيادة الشعب.

الحل سينبثق إن شاء الله على المدى القصير من التحرك المدروس بوعي من طرف جميع النخب الفكرية و السياسية والعسكرية المجندة لخدمة الجزائر وليس من طرف نخبة الاجهزة و المصالح. أما بالنسبة للحلول على المدى المتوسط والطويل، فإن الممثلين المنتخبين ديمقراطيا في مؤسسات دولة العدل والقانون سيكونون هم المسؤولون عن تجسيدها.

كما ينبغي على الشعب أن يكون هو السيد الوحيد على مصيره والمحرك المركزي لنهضة وطنه ولا يقبل تحت أي مبرر أن يكون قاصرا تحت رحمة من ينصٌبون أنفسهم أوصياء عليه.

إننا، معا ، يمكن أن نمتلك القدرة على قطع الطريق أمام الذين يقتاتون على الفوضى و على الركود القاتل في بلادنا.

إننا، معا, يمكننا أن نحقق بفعالية و بطريقة سلمية غايتنا اي بناء دولة العدل والقانون في جزائر الجميع، دون استثناء أو إقصاء.ولكن بدلا من وضع « خطة حرب » نأمل في تنفيذ « خطة سلم » يقوم على اتفاق سياسي تاريخي مقبول ومحترم من قبل جميع الأطراف المدنية والعسكرية الفاعلة. اتفاق يحدد بوضوح ودون أي لبس المبادئ التي تعزز تماسك شعبنا.الويل للذين يحضرون في كواليس المؤامرات و مخابر التلاعب بالرأي العام لتغيير شكلي و مزيٌف في السلطة، في حين أن حالة الفوضى الراهنة تتطلب تغييرا جذريا للنظام.

إنهم يتحملون مسؤولية كبيرة أمام الله و أمام التاريخ، لتسببهم في تسونامي شعبي رهيب – لا سمح الله – و أمام غياب بديل سياسي جدير بالثقة، مما سيؤدي ليس إلى سحق النظام الفاسد فقط و إنما إلى تخريب الجزائر كلها لا قدر الله.


« »وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون« »مع تحياتي الخالصةصلاح الدين سيدهمالجزائر العاصمة يوم الربعاء 22 ماي 2013

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))