الأربعاء، 27 نوفمبر، 2013

شاهد على فرار سجن تازولت

م تحرير الشهادة  من طرفي بعد الحوار الذي أجريته مع الأخ تونسي نوري المدعو أسامة في سجن تازولت يوم 11 مارس 2012 على اذاعة وطني.

بعد التعذيب الذي تعرضت له في سجن سطيف وبعد العمليات التي أجريت لي في المستشفى نتيجة الاصابات بالرصاص.نقلت في سيارة اسعاف الى سجن تازولت دون محاكمة . كانت ثلاث حافلات  مملوءة  بالمساجين  أغلبهم من أنصار الجبهة الاسلامية للإنقاذ تم نقلهم من سجن سطيف الى هناك .

عند وصولنا ، كان في استقبالنا حراس السجن يقفون مقابل بعضهم  بعضا في رواق على شكل صليب  ويحملون قضبانا حديدية يضربون بها المساجين....المحظوظ هو من وصل الى الساحة واقفا .أغلب المساجين كانوا يصلون مهشمين  وأجسامهم مخضوضبة بالدماء وهم يصرخون ويبكون. تمت تعريتهم جميعا بالكامل ووضعوا في  ساحة  السجن، انه موقف رهيب جداّ.

أخذني اثنين من سجناء الحق العام وساروا بي نحو  الزنزانة  التي كانت محجوزة لي ، وفي الطريق اليها على السرير المتحرك الذي وضعوني عليه ، سقطت على الأرض بعدما تم تحريك السرير، وكنت أتألم  وأصرخ  من شدة الاصابات.
رموني في الزنزانة  تحت الأرض ،  في جناح المحكوم عليهم بالإعدام في قضية قمار ولم يكونوا يعالجوني بل كان الإخوة يعالجوني بالعسل الذي كان يأتي من الخارج . قاموا بحلق لحيتي ورأسي وحتى حاجبي وكان الأمر نفسه لكل المساجين .

عندما بدأت زيارة الأهالي للمساجين أغلب عائلاتنا لم يتعرفوا علينا ، نتيجة التعذيب والحالة الا إنسانية التي كنا فيها .نقلونا في مجموعة الى المحكمة بسطيف أين حُكم علي بالسجن المؤبد رفقة اخوة آخرين وكانت المجموعة الأولى تتكون من 36 شخصا.

صدر الحكم دون أن نرى وجوه القضاة في المرّة الأولى ، الشخص الوحيد الذي رأيته وتعرفت عنه هو قائد فرقة الدرك بسطيف الرزقي، حيث كان يرتدي قميصا مزخرفا بالورود  و سمعته يقول الى النائب العام ، يجب أن لا يخرج هؤلاء الثلاثة من السجن ويقصد  شخصي ، زديوي عبد الوهاب ، صالح عيبود الذي كان يحوز على حزام أسود في رياضة الكاراتي.

أعيدت المحاكمة  بعد مدة ،حيث ثبّتوا الحكم الأول في حقي ، وقبل أن يحاكموني رأيت هذه المرّة القاضي وتلوت عليه آية من القرآن الكريم  وذكرته لإقامة الحجة عليه  ، الا أنه أصر على تثبيت  الحكم  وقال لي لا أستطيع فعل شيء.
لم يستفد واحد من الخروج رغم صدور ما سمي بقانون الرحمة الذي أصدره اليمين زروال.عادوا بنا الى سجن تازولت المعروف ب لومباز لإتمام العقوبة ، كان الوضع مأساويا ، حيث الزنازين جدّ صعبة  نتيجة الرطوبة والبرد،هذه الأخيرة  تعود الى العهد الروماني.

كنا نقضي حاجتنا في نفس الزنزانة ، بمعنى أننا كنا نعيش في مرحاض.في أحد الأيام تم اخراجنا الى الساحة وبينما كنا هناك أخذ حارسين أحد الإخوة وهو من مدينة بسكرة  وسارا به  الى مكان مجهول  ـ ويتمتع هذا الأخ بلياقة بدنية معتبرة نظرا لممارسته لرياضة الكاراتي. ومباشرة بعد عودتنا الى الزنازين  كان هذا الأخ يقابلني في الزنزانة وكان بجانبي أخ من العاصمة يقال له عبد الرحمان  وهو نقيب في الجيش جيء به من بشار ، ولما جاء حارس المناوبة للقيام بدورية وجده مشنوقا داخل زنزانته.

قبل عشرة أيام من تحريرنا أفرغ السجن ولم يبق فيه إلاّ غالبية المحكوم عليهم بالإعدام ،  وهنا يجب طرح العديد من الأسئلة ، هل كانت ادارة السجن على علم ، أم كانوا ينوون اعدامنا بطريقة أو أخرى ؟.
يوم 27 رمضان 1994 كان السجن محاصرا بالحراس  نهارا  وأحسست أن هناك شيئا ما يجري ،شاهدت من ثقب الزنزانة أحد الحرّاس يبكي وهو يستمع الى القرآن .....

يوم 29 رمضان سنة 1994  كان يوم الفتح .انه اليوم الذي تم فيه تحرير أكثر من 1300 سجين، وهذا بتدبير من  الإخوة وتواطؤ من الحرّاس  .كان المفترض كما روى لي أحد الحراس بعد تحريرنا ، أن يكون هذا الموعد لتحرير  المتهمين بتفجير مطار هواري بومدين وهم حسين عبد الرحيم ، الملياني ،رشيد حشايشي ، سوسان ....لكن ارادة الله سبقت ذلك، حيث تم تنفيذ حكم الإعدام في حقهم.

وقد تقاطعت مع حسين عبد الرحيم مرة ومرة أخرى مع منصوري الملياني رحمهما الله .قامت جماعة مسلحة بغلق الطريق  بعد حفر خنادق  بآلة الحفر وهذا  لتأمين عملية الفرار.جاءني نفس الحارس الذي تحدثت عنه قبل قليل وطلب مني أن أحضّر نفسي للخروج .
كانت المجموعة الأولى التي تصدّرت عملية الخروج من السجن منظمة ، السعيد قارئ ، مجموعة الأميرآلية  بالعاصمة ،مجموعة من بريكة ، كانوا حوالي 22 شخصا  وكان هدفهم  أنه في حالة  فشل عملية التحرير سيتحملون هم المسؤولية وينجو باقي المساجين.

كان عدد الحراس الذين شاركوا في عملية تحرير السجناء 09أعرف من بين الحرّاس الذين التقيت بهم في الجبل ، أبو عزير الشخص الذي طلب مني تحضير نفسي للخروج من الزنزانة والذي ذكرت من قبل أنه كان يستمع الى القرآن ويبكي ، قتل في عملية بجبل الوحش بقسنطينة ، خالد ، عبد الله من مدينة بريكة لازال على قيد الحياة الى غاية 1999 ، ولست أدري هل ما يزال حيا ، اضافة الى أسد الله الذي كان أميرا للحراس .
عندما بدأت عملية تحرير السجناء، بدأ الحرّاس المتواطئون مع إخوة في الخارج  ، بحجز باقي  الحراس  من زملائهم الذين لم يكونوا على علم بقضية التحرير .وضعوهم  في الزنازين مكان السجناء دون أن يمسّوهم بسوء وكان بإمكانهم قتلهم ، وتم اطلاق سراح المحكوم عليهم بالإعدام  وكذا المحكوم عليهم بالسجن المؤبد كدفعة أولى .

كنت مع المجموعة الأولى الذين يُراد تحريرهم ولكن لسوء حظي لم يستطع الإخوة فتح الزنزانة وبقيت فيها على أعصابي....
عاهد الإخوة الله على  أن لا يتركوا سجينا واحدا ،حتى نخرج جميعا  ولو أدى ذلك الى أن يقتلوا كلهم من أجل أن يخرج المساجين.حاول الإخوة ثانية  عدة مرات فتح الزنزانة الاّ أنهم في كل محاولة فشلوا ، حتى جاء الحارس  أسد الله  وقام بتحريري   ،و كنت آخر سجين يخرج.خرجنا جميعا بلباس السجن حيث كنت أرتدي بذلة المحكوم عليهم بالإعدام.  

تفرق المساجين  وانتشروا في كل الاتجاهات ، حتى أنه وصلني أن إخوة باتوا في العاصمة بعدما وجدوا الطريق الى هناك.
أخذت مجموعة من الشاحنات وبعض السيارات الدفعة الأولى من المساجين ، فيما البقية ساروا على الأقدام.توجّهت مباشرة الى الجبل المجاور مع المجموعة التي كنت فيها وتصل الى أكثر من 100 فرد  ، كان الطريق وعرا ودوي المدافع والرصاص ينطلق في كل ناحية .

لم نجد ما نأكل وما نشرب ولا بما نتغطى، ولم نفكر في شيء  وقتها بل كنا جد سعداء حتى ولو تم قتلنا  جميعا ، لأننا كنا سنموت  أحرارا ، ولم نكن راضين أن نموت ونحن مقيدون بالأغلال وفي الزنازين.قضينا 5 أيام ونحن في وضع مأساوي الى أن عثرنا على أحد الإخوة كان ينتمي الى جماعة مسلحة ، حيث أرشدنا .

تمّت محاصرتنا من جهتين وتم استهدافنا حيث قتل مالا يقل عن 25 سجين.ضربنا حتى بالأسلحة المحرمة دوليا ، واستخدم ضدنا غاز النابآلم  .لم نكن نرى غير لهيب الرصاص  في تلك الليلة .
من العجائب أنه أنقذنا بغل ...كان أحد البغال هناك  وكأنه أرسل الينا أمسكنا بذيله ،كنا نسير في شكل سلسلة  بمعنى أن أحدنا يمسك في حزام الآخر ، الى أن خرجنا الى الطريق .تمّ الامساك بعشرة مساجين ومن بينهم سجناء الحق العام ، تمت تصفيتهم جميعا خارج القانون حتى لا يبقى أي أثر يدل على الجريمة .

بقينا 33 يوما ونحن في وضع مأساوي حتى وصلنا الى جبل أريس بولاية باتنة  وكنت آخر من وصل اليه ،نظرا لحالتي الصحية ، كما أننا لازلنا نرتدي بذلة السجن.
كان الجوّ جدّ بارد ، كنا ننام في الحفر ونختبئ في المغارات وفي الجبال .كنا نخرج في الليل أمّا في النهار فكنا نتخفى.وجدنا مجموعة كبيرة هناك من المساجين بعد أن تفرقت بنا السبل .

تم اختيار السعيد قارئ كأمير للجماعة ،هذا الأخير الذي كان ينسق مع الحراس لعملية تحرير السجناء من السجن ـ وكانت له تجربة في المقاومة ، حيث كان مع حكمتيار أيام الجهاد في أفغانستان .
اقترح علينا  أن ننقسم الى مجموعات وأن يذهب كل منا الى منطقته.كان أهل المنطقة في أريس المعروفة بمشاركتها في الثورة واعداد الرجال  يعيشون أوضاعا جد صعبة وبعض المرّات بدائية ، حيث أن منهم من لازال يبيت مع الحيوانات .

عدنا من حيث أتينا  حيث مررنا بمنطقة تازولت أين يوجد السجن  بحكم أنه محتم علينا ذلك، حتى أن أحد الإخوة قال : هذه مكيدة نصبت لنا .تركنا بلال وهو من سيدي بلعباس في احدى المناطق بعدما تعذر عليه الأمر  أن يواصل المسير معنا ، حيث كانت قدماه تسيلان بالماء ....ولم يجد هذا الأخ من سبيل الا النوم في  حفرة  .بعد تسعة أيام  وجدناه بعد عودتنا وقد ساعده أحد شيوخ المنطقة .

مررنا بجبل الشلعلع ومروانة  أين استقبلنا بعض الإخوة وغيرنا بذلات السجون ..  بقينا خمسة أيام ونحن في مغارة حيث لم نكن نشاهد الا الخفافيش ، بلغنا أمر من أحد التابعين الى جماعة اسلامية مسلحة ، أن قوات الأمن تعرفت على المكان وسيتم استهدافنا.
خرجنا حوالي الرابعة صباحا أين صعدنا الى الجبل وكان الثلج يتساقط.بقينا خمسة أيام ونحن في ذلك الجو، وسرنا الى جبال بوطالب بالقرب من بريكة .التقينا بمجموعة هناك حيث طمأنونا، ووجدنا عدة فيلات قيل لنا أنها تابعة للرئيس الشاذلي بن جديد ، وجدنا فيها بعضا من الغزلان فقمنا بذبح بعضها حتى نتغذى وأكلنا لحما واسترحنا قليلا من المعاناة التي رافقتنا طيلة ثلاثة أشهر من تحريرنا.

سمعنا دوي الرصاص فافترقنا وكانت المجموعة أنذاك التي كنت أنتمي اليها  تفوق 60 شخصا .كنا ننتقل من جبل الى آخر ولم نكن نظهر أنفسنا للمدنيين  خوفا من اخبار أجهزة الأمن أو الجيش.
ذات يوم من كثرة الجوع طلبت من الإخوة أن أنزل بمفردي وأستقصي الأمر بعدما ضاع منا الدليل الذي كان يرشدنا ، فوجدت حشيشا وبدأت أتناوله  من كثرة الجوع وكنت أنوي أن أدل عليه زملائي ، فأصبت باختناق وكدت ألفظ أنفاسي.
لمّا تأخرت جاء صديقي عبد الوهاب زديوي الذي قتل في حادثة سأرويها في مرّة أخرى ، ليتتبع أثري ،فوجدني في حالة غيرعادية وقد رآى  راعيا فطلب منه اسعافي.

أعطاني كسرة وجرعة من مشروب غازي ،  وأخبرني بأن هناك مجموعة ستقوم بدورية وسترشدكم على كيفية التنقل .عادت لي أنفاسي وأحسست بأن الراعي  سيدلي قوات الجيش والأمن على مكان  تواجدنا فقمنا بتغيير المكان .
الى غاية هذا الوقت لم نكن نحوز على قطعة سلاح بل كنا مساجين في حالة فرار.تم وضعنا في بعض الخيم البلاستكية وكانت هناك مجموعات متفرقة وهي من تقدم لنا بعض الأكل.

جاء أحد الشيوخ  الذين كانوا يديرون العمل "المدعو  مرابط من روس العيون" والذي كنت أعرفه لما كان يلقي دروسا   ، طلبت منه أن يسمح لنا بالتحرّر ،  لأننا ان بقينا على هذا الحال سنضيع . لم نعد نطيق التحمل.لم نجد من طريق يمكننا من الأكل سيما ونحن فارّون من السجن ومحكوم علينا بالإعدام ومبحوث علينا ، الاّ أن نقوم بحواجز  مزيفة في الطريق حتى نتمكن من مواصلة العيش .

لم نكن نستهدف المدنيين والعمال من أبناء الشعب  بل كنا نستهدف الشركات  والمؤسسات ، سيما  الشاحنات التابعة للأسواق التجارية ، ولم نكن نأخذ فلسا واحدا ولا أن نعتدي على أي مواطن ، ماعدا أخذ  ما نحتاجه من أكل وشرب  ، كالزيت والسكر والقهوة والدقيق ....ثم نفرج عن ذلك الشخص ونصارحه بأنه ليس لنا طريق غير هذا .الى غاية 1996 انتقلت الى جبال بابور بين ولاية سطيف وجيجل أين بدأت معي قصة أخرى .

تحرير : نورالدين خبابه

1 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))