الأربعاء، 27 نوفمبر، 2013

شاهد على مجزرة سجن البرواقية


تم تحرير الشهادة من طرف نورالدين خبابه في حوار أجراه مع النقيب أحمد شوشان يوم 30 ديسمبر2010  على قناة المصالحة بالانترنت.

  دخلت السجن وخرجت منه وسأسرد عليكم تجربتي وبعض الحقائق  دون أن أخوض  في التفاصيل .لن أحدثكم في هذا الباب عن السجن العسكري  الذي كان تحت رحمة الجمهورية  التي أنشأها خالد نزار وزير الدفاع السابق ،وسأحدثكم عن السجن المدني الذي يمثل وزارة العدل في الدولة التي ترفع شعار المدنية وحقوق الإنسان .كنت ضابطا برتبة نقيب  في القوات الخاصة ، أين تخرج الآلاف من العسكريين على يدي، منهم من وصل الى رتبة عقيد ومنهم من أصبح برتبة جنرال في الوقت الحالي .لم أكن أحتاج الى اعادة التربية من طرف أعوان هم بحاجة اليها .كان محكوم علي بثلاث سنوات بعد محاكمتي  في المحكمة العسكرية  ببشار في اطار جنحة ،وهذه الجنحة ليست  مصنفة في اطار قانون العقوبات الجنائي ، قضيت سنة كاملة من العقوبة التي سلطت علي.لم تكن قضيتي تخصّ الشعب ولا الدولة الجزائرية ، وإنّما كانت محصورة في القيادة العسكرية آنذاك  في صراعي معهم .

كان المفترض أن أقضي باقي عقوبتي في سجن عسكري،  فماهي الخلفية التي على أساسها  يا ترى تمّ تحويلي الى سجن مدني ؟حوكمت في ظروف استثنائية في المحكمة العسكرية ببشار وفي حالة الطوارئ  التي كانت تطبع البلد ، ومع كل الذي حصل، كانت أقصى عقوبة في حقي هي ثلاث سنوات ؟ سأحدثكم بعد حين عن كيفية استقبالي ليس من طرف الشرطة العسكرية هذه المرّة،  بل كيف استقبلت في سجن مدني من طرف مدنيين.؟جاؤوا بي من سجن بشار ، وعندما وصلت سجن البرواقية كنت مقيدا بقيود حديدية خفيفة ،كالتي تضعها الشرطة عندما يمسك بأحد المتهمين .وضعوا لي أغلالا  في يدي وفي رجلي، لم أتخيلها في حياتي ، كنت رأيتها في فليم عن تاريخ اليابان في القرن العاشر ، وعندما وضعوها لي أحسست أنني أعيش في عالم  آخر .

أمروني أن أمشي بها فلم أستطع، فانهالوا عني ضربا ثم وضعوني في زنزانة تحت الأرض في جناح مظلم وبارد مع المحكوم عليهم بالإعدام.لم يكتفوا بتقييدي بالأغلال  بل ربطوني داخل الزنزانة التي كانت رطبة وكانت تسيل منها بعض المياه .
عندما سمع المساجين الذين كان أغلبهم من أنصار الجبهة الاسلامية بقدومي ، قاموا بالاحتجاج على الطريقة التي عوملت بها مما اضطر المسؤولين على ادارة السجن أن يغيروا من تصرّفهم نحوي وسمحوا لي بالالتحاق بالمساجين  .

وضعوني في زنزانة انفرادية ، حيث لا توجد أدنى الحقوق لكرامة الانسان ، كان هذا هو الترحاب بي .كان الهدف من هذا السجن ومن هذه المعاملات  اللاإنسانية هو تحطيم النفس البشرية واذلال المواطنين الجزائريين  ونزع كرامتهم  وترويضهم كالبهائم ، وكان من حظي أنني كنت مهيأ نفسيا  لمثل هذه الظروف القاسية  نظرا لتكويني العسكري، وكنت مستعدا حتى لظروف الحرب ، حيث مع كل الضغوط التي مورست علي بقيت صامدا ومحافظا على شخصيتي وأمسك بأعصابي .

لاشك أن من المدنيين الذين  تعرضوا الى مثل هذه الظروف سيتغير حالهم ويصبحون عدوانيين ومضطربين نفسيا ... وربما منهم  من يصبح منتقما ممن تتسببوا لهم في هذه المأساة .وهذا هو الغرض من معاملة السلطة للمساجين.بعد تعرّفي على أوضاع السجن اكتشف أنه من بين 1200 سجين هناك أكثر من نصف عدد المساجين مستواهم جامعي .صنف من الدكاترة والفلاسفة والأساتذة والأطباء ...وصنف آخر من الشباب في مقتبل العمر ، كانوا في عزّ شبابهم وفي ظل المراهقة والتحوّل الفيزيولوجي ...تمّ تدمير مستقبلهم والاتيان بهم الى هذا المكان السيء الذكر حيث لم يعودوا يفرقون بين الماضي والحاضر.

شر البلية ما يضحك :  ذات يوم قام السايح عطية أمير جماعة اسلامية مسلحة تسمّى  الكتيبة الخضراء ، بالقبض على بعض حرّاس السجن وهدّدهم بالقتل ، حيث أنه طلب من بينهم بعدما رمى الرصاص بقرب أذنيه  قائلا له :  في حالة الاساءة الى المساجين  سأضع رصاصة في أنفك  المرة القادمة ، وبعدما أطلق سراحهم أصبحوا يتعاملون مع المساجين بنوع من الليونة  وهكذا تغير حال المساجين في تلك المرحلة .تحوّل السجن الذي أراده النظام جحيما ،الى جامعة تكوين ، وهذا بفضل الاساتذة الموجودين هناك، والدعاة والأطباء ، وبفضل الإرادة الصادقة .تم فتح ورشات للتعليم والمناظرة  والتفسير والتجويد والتوعية  ومحو الأمية  لبعض المتقدمين في السجن ، وعوضوا بذلك  سنوات الضياع...ووصل الأمر الى التنافس في المسابقات.

استمرّت هذه الفترة سنة  كاملة  وكنا  في تقدم ملحوظ .طلبت من أهلي أن لا يزوروني طيلة العقوبة التي فرضت علي في السجن ، لأنني كنت أعلم مكر النظام .حصل تحول في قناعة مدير السجن الذي كان مجاهدا من منطقة الأوراس بالشرق الجزائري ، بعدما استشعر حجم ما تعرضت له وبعدما تعرّف علي   .استدعاني وكلّمني ، و عرض علي أن أتصل بعائلتي  وأستقبلهم   في مكتب بالسجن فرفضت ذلك ، وقلت له: اذا كان الأمر  يعمّ  كل المساجين فلابأس بذلك .

حدّثني عن بعض االترتيبات الأمنية ، فوعدته أن تكون الزيارة منظمة .اتصلت بالأخوة في السجن وطرحت  عليهم الأمر ومن ثم قمنا بتنظيم الزيارات أيام العيد ، أين التقى الإخوة مع عائلاتهم مباشرة
ومن ثم وصل الأمر الى السلطات عبر الجواسيس أين تم توقيف مدير السجن واستبداله بآخر.تمّ تحويل مساجين الى جهات أخرى وتم جلب مساجين من السركاجي ومن سجن لومباز ...وكان من بينهم من له علاقات مع مدير السجن الجديد ، أين بدأت تسوء العلاقات وأصبح من الصّعب التعرّف على المساجين الجدد .
بدأ التحضير في الكواليس الى عملية فرار ، وتم غرس أناس داخل السجن ، كان الهدف هو تصفية دعاة بعينهم ممن أغاضوا النظام .تم تكليف أناس بإدارة عملية الفرار من السجن واستهداف أناس بعينهم في عملية التصفية.
كان من الصّعب اقناع أناس باغتيال الداعية السعيد بسايح في مدينة الأغواط على سبيل المثال.اقتنع المكلفون بمهمة الفرار بضرورة العدول عن رأيهم وهكذا تم افشال محاولة  التصفية الجسدية الأولى  وكنت من بين المستهدفين في هذه العملية .
كان من قال : كيف لرجل مثل أحمد شوشان يزكيه السعيد مخلوفي والمجاهد شبوطي تتم تصفيته على أي أساس ؟أقول هذا الكلام لأن هناك من بين الشباب من اتصل بي وقال هذا الكلام .

استمرّت عملية التدبير للفرار وتم استدراج شخصين ومن ثم رميهما بالرصاص ، وهكذا تجد ادارة السجن الفرصة الكاملة لتصفية المساجين في غمرة الفوضى.لم يقتل جميع المستهدفين في هذه العملية بل تم حصار البناية
التي دفع اليها حوالي 1200 سجين .كانت هذه البناية محاطة بسور وبعد هذا السور هناك سور آخر وبعده هناك سور أكبر منهما .بعد كل ذلك  هناك الثكنة العسكرية ، بحيث لو قرّر أي سجين الفرار فانّه حتما بعد تجاوز كل هذه الأسوار سيسقط حتما داخل الثكنة العسكرية .

لم يحدث أي مرّة أن فرّ السجناء في التاريخ من هذا السجن الا اذا كان هناك تواطؤ مباشر من طرف الدولة.الأمن نفسه هو من كان يخرج السجناء ، أما ماعدا ذلك فمن المستحيل أن يفرّ أي سجين .في هذا الوقت، اقتحمت القوّات الخاصة التابعة للدرك التي كانت مشكلة من حوالي 500 دركي ، ومعهم حالي 250 حارس أمن تابعين لجهاز العدالة .

لا أتكلم هنا عما كان يجري خارج السجن من شرطة وجيش ـ بل تركيزي سيبقى على ما كان يجري داخل حرم السجن .تمّت مساومة المساجين  على الخروج وكان هناك أخذ ورد  ، بعد ذلك أمر قائد فرقة الدرك المساجين بالخروج صباحا في اليوم الموالي  والا سنتعرض الى الكارثة .كان وضع المساجين مأساوي حقا ، حيث لا أكل ولا ماء  ولا ضياء ولا شيء يمكننا  من المقاومة لمدة ثلاثة أيام ، ومع ذلك  تم اقتحام العمارة   وقتل مالا يقل عن 50  سجينا بالرصاص الحي .

أما الجرحى فهناك حوالي 1000 سجين  أصيبوا  بجروح متفاوتة ، كما تم  قتل وتقطيع والتمثيل بمجموعة  في القاعة 1 وحرقهم  وتم ردمهم في حفرة بمنطقة  تاخابيت  بين المدية والبرواقية .أنا أتحدث عمّا رأيته بعيني وسمعته بأذني ومن أراد أن يتأكد من صدق كلامي فما عليه الا تكوين لجنة تقصي لتحقق في المكان المذكور باستعمال وسائل العصر .كان أحد المساجين  الجواسيس يقول لحرّاس السجن،  كنت أشير اليكم من بعيد عندما كنتم ترمون الرصاص علي ، ألم تتعرفوا علي ؟

اتصل بي بعض المحامين وكانوا مبعوثين من طرف ديوان رئيس الجمهورية اليمين زروال  ووصفت لهم المشهد كما سبق.بعد هذه المجزرة  الرهيبة  وهذه الجريمة النكراء ، بدأ المساجين في الخروج ، أين استقبلهم  الحراس ورجال الدرك بقضبان من حديد عيار14 ملم ، في أحد الأروقة   وكأنه يوم الحشر ، هذه القضبان كانت مخصصة لتحصين  السجن في الجهة العلوية  مع الأسلاك.عندما يمرّ السجين بالرواق يشبع ضربا بهذا القضيب الحديدي أين ينتهي به المطاف عاريا ومدكدكا .
كان الناس عراة في ذلك اليوم القارص حيث كانت الثلوج تتساقط وكان الموقف رهيبا ، حيث أن هناك من بين المساجين مجاهدون وأبناء مجاهدين وآباء لشهداء وأساتذة وتلاميذهم ...انه يوم لا يمحى من الذاكرة.

كانت الأرض عبارة عن اسمنت مسلح ؛ حيث من برودة المكان وضيقه ، كان المساجين يتناوبون على الجلوس وكانت الثقبة الوحيدة التي توجد هي  مكان قضاء الحاجة في المرحاض.
كانوا يخرجون المساجين  مرّات عديدة   في اليوم وكل مرّة يخرج المساجين،  يدخلون ضربا ويخرجون كذلك .تمّ تزويدنا بلباس يُعطى للمحكوم عليهم بالإعدام ، هذا النوع من اللباس عبارة عن خيش يستخدم في القديم لصنع الأكياس ...

بعد اسبوع بدأ الدود يخرج من أجسام بعض المساجين ، حتى وصل الأمر بأن يتم تطهير المساجين بالسوائل المضادة لبعض الجراثيم  من بعيد .تعرضنا كلنا الى هذا الأمر بنسب متفاوتة .
بقينا على هذا الحال مدة شهرين ، أين لم يبقى لي كثيرا من عقوبتي فبدأوا بتحضير مؤامرة أخرى يوم خروجي من السجن .تم تحويلي الى سجن الحراش أين  أكملت العقوبة التي سلطت  علي ومن غرائب النظام  أنه تم اختطافي يوم خروجي من السجن بقاعة الانتظار ،من طرف مجموعة من الأمن العسكري جاؤوا من بن عكنون خصيصا ، حيث أخذوا بالقوة  مني ورقة اثبات الخروج من السجن ،وهنا بدأت مرحلة أخرى  من المعاناة .


تحرير نورالدين خبابه

0 التعليقات:

إرسال تعليق

((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت))